🍁 صدى الألم 🍁
بقلم سجى إمام
الفصل الأول
"الوداع الأبيض "
لم أكن أتخيل أن يزورني شبح الفقد بهذه الوحشية، أن يسلبني أغلى وأثمن ما أملك...
لا أعرف كيف أو متى حدث كل شيء؛ فقط... كل شيء جرى بسرعة لم تترك لعقلي فرصة للتفكير أو الاستيعاب.
وكأن الحياة تجمدت أمامي… أو بالأحرى، أنا من تجمد الزمن به، شُلّت حركتي، وتبلدت أحاسيسي.
كنت أقود سيارتي، وعلى المقعد المجاور باقة ورد…
لمَن عشقتها واتخذت من صفات الورود كلها جمالاً وهدوءًا، ومن الليل سكونه... "شفق".
هي الضوء في حياتي، ونبضًا في صدري، من جلبت السعادة لقلبي .
وبجانب تلك الورود، كانت هناك لعبة صغيرة، لقرة عيني أبني الذي بقدومه تضاعفت افراحنا و غمرتنا السعادة به – "تيم" – صغيري ذو السنتين .
لا يزال صوتها يتردد بداخلي، وهي تبتسم وتحمل تيم وتقول:
"لا تتأخر علينا يا بابا، نريد أن نذهب إلى الشاطئ!"
وعدتهما ألا أتأخر… قبلتهما، وغادرت.
وياليتني… لم أغادر.
وبينما أنا في طريقي، رنّ هاتفي، لأرى رقمًا مجهولًا.
تجاهلته ولم أرد، ولكن مع إصرار المتصل، رددت.
لم يقل المتصل سوى:
"سيد كريم، تعال فورًا إلى المشفى."
حاولت أن أستوضح السبب، لكنه لم يقل شيئًا، فقط كرر كلامه.
ابتلعت ريقي بخوف وقلق، وفجأة أحسست بضيق نهش صدري، وأنفاسي تتصاعد.
بدأت الأفكار السيئة تتوالى في رأسي.
نفضت تلك الأفكار، وأخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن أهدأ.
ذهبت إلى المشفى مسرعاً التي وصفها لي المتصل...
كنتُ كالمجنون الذي يتخبط ، أنظر إلى كل مكان، وإلى كل شخص بتيه.
تقدّم نحوي "عمر"، وأمسك بكتفي وسحبني لأقرب كرسي.
كنتُ أنظر له بعدم فهم، لينزل رأسه ويقول بصوت مثقل "كريم… أعلم أنه صعب، ولكن يجب أن أخبرك أن ش..."
ارتجفت أوصالي عندما سمعت أول حرف من اسمها، لقد دبّ الخوف في جسدي، وارتجف صوتي، وأنا أقول صارخا به :
"لا تكمل! لا تتجرأ على قولها؟!"
فأمسكني عمر بقوة، وقال وهو ينظر إلي بحزن "يجب أن تعلم، كريم… لا أعرف كيف سأقولها، ولكن... لقد تعرضت سيارة شفق وتيم لحادث، و..."
لم أدعه يكمل، سحبت يدي منه، ونهرته بشدة، وقلت:
"ما الذي تهذي به ها؟! شفق وتيم ينتظرانني لنذهب إلى الشاطئ! لقد وعدتهما، وأنت الآن تقول حااا..."
"انتظر، سأتصل بها الآن!"
وأخرجت هاتفي بيد مرتعشة مرتجفه و أتصلت بها و لكن .. لا رد !
تقدّم مني عمر وأكمل حديثه بنبرة حزينة "لن ترد..."
وصمت، بينما كنت في حالة يُرثى لها .
أكمل عمر بصوت حزين متهدج
"لقد تعرضت سيارة شفق لحادث قوي، ومع الأسف... لم ينجوا. أنا آسف يا كريم."
تبسمت باستهزاء و استنكار و مرارة مما يقول ، لكن بعدها، سقطت على الكرسي منهاراً وأنا أقول بصوت باكي "لا يمكن... لا يمكن! أين هم الآن؟ خذني إليهما! سأتحدث معهما! أين هم؟!"
سكت عمر برهة، وأنا أناظره بترجٍ...
تحدث أخيرًا، وقال بصوت متحشرج خرج منه بصعوبة، وهو يشيح بوجهه عني "في المشرحة."
تعلقت نظراتي عليه و شعرت أن جسدي شل في تلك اللحظة.
"في المشرحة"!!!
كلمتان صغيرتان، لكنهما دمّرتا كل شيء في داخلي و كسرتا عالمي كله .
تبدّلت الرؤية أمامي، صار كل شيء رماديًا و كأن ألوان الدنيا كلها صارت رمادية. حتى رائحة الهواء بدت غريبة...
هززت راسي نافيا و قمت بسرعة وأنا أتمتم بكلمات: "لا يمكن… لا يمكن..."
وجريت مسرعًا داخل المشفى، عبر الأزقة المكتظة بالناس، المهجورة بالنسبة لي.
توقّفت رجلاي عند باب قسم المشرحة، وسقطت أرضًا، وأدعوا أن لا يكونوا هناك.
ومن خلفي أتى "عمر" مسرعًا، تقدّم نحوي و ضغط على كثفي وقال "كُن قويًا، أرجوك."
استجمعت ما تبقّى من قوتي، واتجهت نحو تلك الغرفة التي قيل لي إن نورا عينيّ فيها…
توقفت أمام الباب، ليلفح وجهي هواء بارد جعلي داخلي يرتجف.
تقدّمت وأنا أجرّ رجليّ ببطء، حتى رأيت... ما كنت أخشاه:
"شفق! تيم!"
توقفت انظر لهما لعلا العين كذبت و لكنها لم تكذب ..
كنت أنظر إليهما… وأشعر أنني الميت الوحيد في الغرفة.
توسطهما، وعيوني تفيض بالدموع وأنا انظر لهما بتلك الهيئة…
اقتربت من "تيم"، ابني، فرحتي الاولى ، وضعت يدي على خده الصغير البارد كالثلج.
هنا، سقطت أرضًا أبكي فقدي…
تقدمت ولففتُه في حضني، وقبّلْتُه حتى بلّلت دموعِي وجنتاه الصغيرتان .
مسحت تلك العبرات الساخنة و
ثم نظرت إلى شفق، دفء قلبي و روحي ، لكنها كانت باهتة باردة بلا نبض . تقدمتُ نحوها، لكني تراجعت وأنا أحارب دموعي و كأن قلبي خُلع من مكانه ...
ناظرتها لثوانٍ، ثم اقتربت وقبلتها على جبينها كما كانت تحب، لأجدها باردة بلا مشاعر دافئة ،و كأن عقلي لا يزال يرفض الحقيقة.
أمسكتُ يدها وضممتها إلى صدري، وأنا أقول باكياً "لقد تأخرت… لقد تأخرت يا حبيبتي، سامحوني يا نورا عيني… سامحوني."
وانهرت باكيًا كمن سحبت الارض من تحته ..
تقدّم "عمر" وهو يحاول أن يتحدث معي، لكنني لم أسمع أو أرَ شيئًا، فقد سلبني الألم عقلي…
سحبني وأخرجني من الغرفة، بينما كنت لا أزال أنظر أمامي كالمجنون.
مرّت ساعتان وأنا على هذه الحال، حتى أفقّت على اثر كلمات عمر "لقد حان موعد دفنهما."
التفت له بكل جسدي ونظرت له نظرات مخيفه حملت الكثير من الألم ..
قال بصوتٍ خافت "علينا أن ندفنهم ونكمل واجبنا الأخير."
*الأخير* !!!
هززت رأسي بانكسار و وافقت ، رغم أن القلب يرفض...
سرت بجانبهما وصعدت إليهما، لم أشأ أن أُفارقهما ابدا ....
كان الأبيض الذي يكسوهما مؤلمًا لقلبي جدًّا...
و بعد ان صلينا عليهم صلاة لا ركوع و لا سجود فيها توجهنا للمقبرة ، توقّفت سيارة الإسعاف، وأتى "عمر" ليُخبرني أنهم جلبوا من سيحفر،
لكنّي رفضت أن يدفنهم غيري، ورغم رفضه، الا انه رضخ لإصراري.
وعندما أنهيت دفنهما " واجبي الأخير"، طلبت من الجميع المغادرة.
لم يستمع لي عمر كالعادة، لكنه احترم قراري في النهاية وذهب.
جلست بين قبريهما، أبكيهما ، كل شيء بكى عني: عيناي، يداي، صوتي، وحتى الهواء.
"من سيُداوي جراحي، وأنا الذي كنت أُشفى عندما ألمح طيفهم؟! كيف سأودعهما؟! كيف؟! كيف؟!"
شعرت و كأن قلبي خُلع من مكانه، وتركني جسدًا لا يتذكّر كيف ينبض
انهرت و أنا ألهث بكلمات غير مفهومة.
شعرت أن قلبي اقتُلِع من مكانه، وتركني جسدًا بلا نبض.
من ينظر لي يظن أنني فقدت عقلي ..
لم أفقد عقلي…
بل فقدت أثمن ما يجعل العقل يحتمل الحياة.
فقدت أكسير وجودي…
وآخر قطرة من بحرٍ كان اسمه الحياة.
تقلبت في نومها، متعرقة وخائفة، كأنها تصارع كابوسًا أفزع مضجعها.
كانت تسير تائهة وبيدها طفل صغير يبكي بقوة، وهي خائفة وقلقة.
أفزعها صوت طلاطم أمواج البحر بقوة، نظرت خلفها لتجد بحرًا أسود قاتمًا مخيفًا، ابتلعت ريقها لتنظر أمامها، لكنها وجدت امرأة ملابسها بيضاء تقترب منها ببطء،
لم تتبين ملامحها، لكن ما تبينته أنها كانت تنظر وتشير إلى طفلها ، تريد ان تاخذه !
ابتعدت منها، ولكن تلك المرأة اقتربت منها وانتزعت طفلها بالقوة.
وفجأة أتى أحد من خلفها ليخنقها…
وهنا أفاقت من كابوسها، تصارع أنفاسها، واضعةً يدًا على رقبتها ويدًا على بطنها.
لم يذهب عمر كما ظن كريم، وإنما ظل يراقبه من بعيد ، فقد خاف أن يصيبه مكروه ، ظل واقفًا ينظر إلى رفيقه بحزن وألم، رفيقه الذي كان بالأمس يمازحه ويضحك، والآن أصبح جثة لا حياة فيها.
رفيقه الذي شيّع عائلته وحيدًا، ولم يكن له كتف يستند عليه، أو كتف يبكي عليه او مأوى من الألم.
كان يريد بشدة أن يكون بجانبه ويخفف عنه ولو قليلاً، لكنه انسحب بعد إصرار كريم.
ظل يراقبه، وكيف أنه توسّد قبريهما وكان يمسح عليهما ويتحدث باكيًا.
وخلال مراقبته، لمح عمر شخصًا في الجانب الآخر ينظر إلى كريم.
دقق النظر ليجده "سديم"، أخ كريم الأكبر.
ظل يراقبه ظنًا منه أنه سيتقدم من أخيه ويواسيه، لكنه فقط شاهده وانسحب ذاهبًا!
لم يكن يتوقع من سديم أن يكون بهذه القسوة والجفاء، خاصة في مصيبة كهذه.
ترك أخاه من غير سند، وبظهر مكشوف، وبروح مكسورة!
مرت عدّة أيام، كان عمر فيها يحاول أن يتوصل لشيء جديد في قضية حادث شفق و تيم.
طُرق الباب، فأذن عمر بالدخول، ليقترب منه أحد الضباط ويخبره أنهم لم يجدوا شيئًا جديدًا غير ما تم إيجاده سابقًا "سائق السيارة الأخرى كان ثملاً، ويقود بسرعة عالية، لم تتمكن شفق من الهروب منه أو من تفادي الاصطدام."
زفر عمر بضيق، وأمرهم بالبحث وإحضار تقرير الطب الشرعي للسائق.
انصرف الضابط، ليبدأ عمر بقراءة ملف القضية مرة أخرى.
كان لديه شعور قوي أنها لم تكن حادثًا، وإنما جريمة.
في الجانب الآخر، في بيت العائلة الكبير، كان سديم كعادته، جالسًا في مكتبه ينظر في ألبوم الصور، تارة بحنين، وتارة بغضب وقهر.
ترك ما بيده ليذهب لغرفته ليرتاح، فغدًا لديه اجتماع هام.
دخل غرفته ليجد "سُهى" تتصبب عرقًا، وعلى وجهها علامات الفزع!
تقدم منها مسرعًا، وهو خائف عليها، يمسح على وجهها و قال بقلق"ما بكِ حبيبتي؟ هل تتألمين؟"
أبعدت يدها عن بطنها، وأخذت نفسًا محاولة أن تهدأ، وأشارت له أنها بخير.
تحدث قائلًا : "هل رأيتِ نفس الكابوس؟"
هزّت رأسها وهي تبكي وتضع يديها على بطنها "نعم... في كل مرة تأخذ طفلي، وأنا لا أستطيع فعل شيء!
سديم... أنا خائفة على طفلي... خائفة من أن يحدث له مكروه... خائفة..."
ضمها إليه وطمأنها، وتحدث معها بصوت حنون، وأخبرها أنه مجرد كابوس، وعليها ألّا تحزن.
مسح دموعها، وقبّلها، وسحبها لتنام في حضنه، وهو يمسح على ظهرها بحنان، ثم ناما.
في الصباح...
ذهب سديم لشركته، بينما زوجته كانت تهتم بصحتها وصحة طفلها الذي تمنّته لسنوات، وها هي الآن على مشارف أن تحصل على ما تمنّت.
فطوال سبع سنوات، كانت تتمنى أن يهبها الله طفلًا، والآن بعد تلك السنوات، تحقق مرادها.
كانت على طاولة الطعام تتغدا ، وبجانبها الخادمة تهتم بما تطلب.
وفجأة، سمعت صوت أخيها وهو يصبّح عليها بنبرة مرحة مستفزة لها "صباح الخير يا جميلتي."
نظرت إليه بغضب، وأشارت للخادمة بأن تذهب.
وبعد أن ذهبت، تحدثت بغضب "ما الذي أتى بك؟ ألم أخبرك أني لا أرغب برؤيتك بعد المصيبة التي فعلتها؟"
كان يستمع لها وهو يمضغ الطعام ويبتسم، مما أغاظها.
ضربت على الطاولة و هي تصيح "اذهب ولا تعد، لا أريد رؤيتك. هيا!"
ترك ما بيده وتقدّم نحوها وقال بخبث "المصيبة التي فعلتها! أنا؟ ألم تكوني معي أنتِ، يا شريكتي؟ ألم نخطط معًا؟
فكيف فعلتها وحدي؟"
صمت، وهو ينظر إلى وجه أخته الذي بدت عليه معالم الخوف والارتباك.
ضحك قائلًا "انسِ ما حدث ولا تفكري فيه.
فزلة لسان ممكن أن تودي بحياتنا، وكثرة التفكير والخوف سيؤذيكِ ويؤذي الطفل.
وأيضًا..."
صمت واقترب منها وقال هامسًا "الجدران لها آذان… انتبهي يا جميلتي."
أبعدته عنها، وهي مشمئزة منه، قائلةً بصوت باكٍ "لا أعلم كيف وافقت على خطتك الغبية تلك."
صمتت وهي تكتم شهقاتها، لتكمل بعدها "لكنّك أخبرتني بشيء، وفعلت شيئًا آخر.
أنت خدعتني… أنا لم أفعل شيئًا… أنت السبب، أنت!"
خاف عليها فاقترب منها بسرعة وأسكتها بعدما رأى أن حالتها ساءت
"اصمتي! لا تتحدثي بصوت عالٍ… اهدئي، ستؤذين طفلك هكذا."
أبعدته عنها، ونظرت لبطنها المنتفخة، وابتسمت بحزن، ثم نظرت إليه وقالت بصوت تعب
"هيثم، أرجوك اذهب… رؤيتي لك تذكرني بما حدث وتوترني."
ضحك أخوها وقال: "سأذهب الآن، ولكن بالتأكيد سأعود.
بلّغي صهري سلامي." و غمز لها ضاحكا .
استدار هيثم ليجد سديم أمامه بوجهه الجامد.
كان سديم لا يطيق هيثم أبدًا.
وقف ثابتًا وابتلع ريقه ليقول بارتباك "صهري، كيف حالك؟"
نظر إليه سديم، وتحرك دون أن يرد.
لاحظ استياء حالة سُهى، فسألها إن كانت بخير، لتجيبه أنها بخير، ثم ذهب إلى مكتبه.
وعندما تأكد هيثم من ذهابه، نظر لأخته متسائلًا "كيف تتحملين هذا الشخص؟"
ابتسمت بتعب وقالت "وما به؟"
قال هيثم بضيق " و كأنه حطب جامد و قاسي ، وكأنه بلا مشاعر."
قالت بنبرة محبة "هو هكذا مع الجميع، لكن معي… هو شخص آخر."
زمّ شفتيه بعدم رضاء وقال "سأذهب الآن، ولا تنسي… لا تفكري بالموضوع كي لا تأتيكِ كوابيس."
في مكتبه...
كان سديم جالسًا على ذلك الكرسي الذي أراد دائمًا أن يجلس عليه في صغره، وكان يتمنى اليوم الذي يكبر فيه ليجلس عليه.
وها هو اليوم، كبر وجلس عليه،
لكنّه لم يجد تلك المتعة في الجلوس عليه.
خرج من غرفة الاجتماعات منتصرًا، وعاد ليدخل "غرفة الذكريات"… ليخرج منها مهزومًا شرّ هزيمة.
فتح ألبوم الصور القديم، لينظر إلى صور طفولتهم، كان ينظر لابتساماتهم البريئة، ونظراتهم التي كان الحب عنوانها.
وقع نظره على أخيه كريم وهو يضحك ويلعب معه، فابتسم وهو يتذكر تلك اللحظة،
لكن سرعان ما مُحيت تلك الابتسامة، عندما تذكّر حالة كريم في المقبرة...
حزينًا، مكسورًا، مبثورًا.
حزن سديم على حال أخيه، وبدأ الحنين والشفقة يتحدثان بداخله،
لكنه سرعان ما نفضهما،
وقال وهو ينظر إلى صورة جمعتهم مع أبيهم:
"كلٌّ منّا… سيجد ما يستحق."
*"يترك المرء جزءاً منه ثمن كُلِّ تجربة ، لذا يحن حين ينظر إلى صور الطفولة ، حين كان إنساناً كاملاً ."*
يتبع ……
