الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم امل محمد الكاشف
رغم معرفتنا بحقيقة الموت الا أننا نتهرب منه بخوف وحذر نتودد للخالق بالطاعات ونخشى غضبه كي يرحمنا حين نصل لما صار إليه من فارقوا دنيانا، و رغم ايماننا به الا ان حقيقة موت الأحبة تطفئ الافئدة وتحرق الروح.
سيبقى الألم حاضرًا بالقلب والروح حتى وان تظاهرنا بالنسيان والقوة والثبات فبمجرد الوصول للذكريات التي هربنا من استرجاعها حتى بخيالنا نعلم جيدا قدر الجرح والألم والفقد.
ببعض الأوقات نتمنى لو ان يأخذنا احدهم إلى مدينة لا يزورها الفراق.
يا لها من دنیا عجيبة، جمعتهم وهم بأسوأ حالاتهم لا يعرف كلًا منهم ألم الآخر، وفرقت بينهم بعد أن تعلقت و امتزجت قلوبهم وأرواحهم.
جلست سيلين تسترجع شريط حياتها معه ليزداد تمزق قلبها وبكائها وصراخ فؤادها، تتمنى أن لو لم تتقاطع طرقهما من قبل، تتمنى أن لو لم تراه من قبل، ياليت قلبها تمرد على حبه وابعدها عن روحه و قلبه الكبير، يا ليتها لم تشعر بحنانه و عطفه عليها، يا ليتها انتهت وتناثرت وتبعثرت قبل حبها وتعلقها به يا ليتها فارقت الحياة قبل عيش ما هي به الآن من انهيار وصراخ باسم زوجها "يوسف"
انهارت فضيلة واورهان ورجت جوارحها من هول الخبر، شخصت عيونهم حتى كادت ان تخرج وتقع من قوة تلقيهم هذا الخبر.
احتضنوا احفادهم وهم يصرخون باسم فقيدهم بقلوب لا يعلم ألمها إلا الله.
واي فقد أكبر مما هم به فهو أشبه بفقد الجسد للروح بل بفقد الجسد للحياة.
استلقت سيلين على فراشها بمساعدة الأهل والأحباب كجثة هامدة منهكة بعد خسارتها لجنينها حديث التكوين.
لم يكن الانهيار مقتصرا عليهم فقط بل شمل وقصف كل من سمع هذا الخبر الصادم.
(هذه هي الحياة وهذه هي الاقدار لا يمكننا الوقوف بنفس المكان كثيرا، بكل يوم لدينا فقيد)
✿✿✿
اتصل سنان المساعد الخاص بنعمان افاي ليطلب لقائه بشكل عاجل وسريع في غرفة مكتب القصر، تحرك وخرج من غرفته التي وصلها للتو ليلبي النداء على عجل فهو يعلم مدى جدية الامر حين يخبره بأنه عاجل.
من يعلم مدى غضب نعمان على يوسف ونعته بالمتعجرف والمتكبر لا يصدق قدر حزنه وصدمته من خبر وفاته، سأل مساعده
"متى وكيف حدث ذلك، هل أنت متأكد مما تقوله"
فتح سنان هاتفه و أعطاه لنعمان كي يسمع بنفسه خبر سقوط الطائرة بوسائل الإعلام وذكر اسم رجل الأعمال المشهور يوسف بيرقدار وسط المنكوبين..
جلس نعمان على مكتبه وهو يضع يده على فمه ينظر أمامه بحزن كبير متذكرًا اخته كم كانت سعيدة وفرحة وهي بحضن زوجها بجانب التمثال الفولاذي فوق قصرهما. اغمض عينه ليتذكرها و هي تركض بجانب زوجها ليلعبا مع طفلهم الصغير.
تذكر فرحتها وسعادتها مع زوجها طوال السنوات الماضية.
وامام حزنه استأذن سنان وخرج من الغرفة بصمت، ليفتح نعمان اللاب توب الخاص به مخرج الملف الخاص بمراقبة القصر وتحركات اخته ليشهد على سعادتها مع زوجها، تلك السعادة التي أجبرته على عدم الاقتراب من زوجها بأي أذى رغم منعه من رؤية اخته.
فتح مقطع خاص بعيد ميلاد تولاي الخامس داخل مدينة الألعاب ليرى يوسف وهو يحتضن زوجته ويدور بها صارخًا ومصرحًا بحبه لها، دمعت عينيه وهو يرى وجه اخته السعيد بجانب زوجها في احتفالات الشركة ونجاحتهم التي زينت الثمان سنوات السابقة.
عاد ليشهد على نظراتهم المختلفة في المكان والمناسبة ولكنها متشابهة بحب وسعادة وبريقها الذي يلمع بمجرد تلاقي أعينهما ببعضها .
رفع هاتفه واجرى اتصالًا بصوته الأجش الحزين
"لماذا لم تخبريني بالخبر فور معرفتك به؟"
بكت ساجدة بحزنها قائلة
"اعتذر منك يا سيدي ولكني لا زالت تحت تأثير الصدمة عقلي لم يصدق ما يسمع"
تأثر بدموعها متسائلًا
"وماذا عنها؟ كيف هي الآن؟"
و بدموعها الصادقة أخبرته ساجدة أحدى المسؤولين عن إدراة أعمال النظافة والمطبخ في قصر الفولاذ
"حالتها سيئة للغاية عادت قبل ساعة من المشفى مع الاسف فقدت حملها من شدة و هول الصدمة عليها، كما أن جميع من بالمنزل بحالة سيئة"
اختنق اكثر بقوله
"وهو. صغيرنا.. اقصد صغيرها كيف هو"
لترد ساجدة بدموعها قائلة
"الجميع منهار الأولاد بأحضان امهم وجديهم يحاولون دون فائدة أصابهم الانهيار والحزن أكثر منهم"
طلب نعمان منها أن ترسل له عدة صور جديدة لأخته وأولادها كما تفعل كل مرة كي يطمئن على الوضع وكأنه معهم.
اعتذرت منه لتخبط الوضع و سوء حالتها فقد عملت بالقصر لمدة ستة سنوات لم ترى من يوسف والجميع إلا المحبة والاحتواء والعطف والجبر.
أغلقت غارقة ببكائها القاطع للانفاس وهي تتذكر يوسف كيف كان يدخل عليهم بالأعياد والمناسبات السعيدة كي يكرمهم بعيدية اضافية عن المقررة لهم من قبل اورهان قائلا لهم "اصبحتم جزء من عائلتنا انتم الأيدي الخفية باستمرار سعادتنا وراحتنا شكرا لكم"
وضعت رأسها على الطاولة وهي تبكي
"ستموت اختي انيسة من وراء الخبر"
وبعد مرور اثنان وسبعون ساعة على تلقيهم خبر سقوط الطائرة جاء اتصال لأورهان من جسور بيه احد المحامين الذي تم ارسالهم للبحث والتقصي خلف الحادث..
ابتعد بخطواته المتعبة عن أحفاده مقتربًا من باب القصر ليفتحه ويخرج مجيبًا على هاتفه بدون مقدمات
"اسمعك جيدا هل هناك اخبار جديدة"
رد عليه جسور بيه قائلا
"نعم هناك اخبار جديدة اردت ان لا أخبرك ولكن بالأخير ستعلم الأمر"
وبصوت ضعيف أنهكه الحزن يعلوه نبرة الاختناق و الضيق والألم رد أورهان
" هل تم ايجاد جثمانه؟ "
تحدث المحامي وعينيه مملوءة بالدموع
" تم إيجاد هوية يوسف بيه و ما يقرب لنصف او اقل من جثمانه العلوي بمكان الحادث"
تدمر اورهان اكثر واكثر وضع يده على صدره وهو يفتح فمه يحاول أن التنفس بهدوء مستجمع نفسه لأجل عائلته الروحية، ظن جسور انه انهى المحادثة دون اغلاق الهاتف ولكنه تفاجأ بسؤال اورهان له
"هل تأكدت بنفسك؟ هل رأيته بنفسك؟"
رد جسور عليه
"اعتذر لهذا الخبر ولكنِ لم اتصل بك حتى تأكدت من فرق الأمن حين اخبروني بثبوت وجود يوسف بيه من ضمن المنكوبين وايضا تحفظهم بما تبقى من جاكيت طقمه الذي تم إيجاد هويته الرسمية بداخله"
سقط الهاتف من اورهان وهو يحاول ان يلتقط انفاسه المختنقة، وكأنه سمع خبر وفاته الآن فكيف جاء إليه كل هذا الامل بنجاته، تمنى ان يكون حدث له أي أمر معاكس مثل توقيفه من جهة الشرطة قبل صعوده للطائرة او تأخره عنها و صعوده بطائرة أخرى،
ولكن مع الأسف ذهبت هذه الآمال بعد هذا الاتصال، والأصعب منه تم عرض فيديوهات مسجلة لكاميرات المطار التي أذيعت على الهواء مباشرةً بناء على طلب الأهالي للتأكد من وجود ذويهم من عدمه، ليتم نشر فيديو صعود الركاب الطائرة و فيديو اخر من هاتف احدى الضحايا داخل الطائرة وقبل سقوطها بثواني يحاول التسجيل لأبنائه و توديعهم، ظهر بالفيديوهات وجود يوسف بيرقدار وهو يصعد الطائرة وفي فيديو آخر وهو يتضرع لله بأيديه المرتفعة للأعلى.
كانت هذه الفيديوهات قادرة على انهائهم بشكل كامل. فحتى وان كان بهم روح بعد خبر وتأكيد الوفاة، إلا أنهم لم يتحملوا رؤية لحظاته الأخيرة قبل سقوط الطائرة والموت.
تمزقوا و اصبحوا اكثر حزنًا و قهرًا و انهيارًا.
امتلأ القصر بالأهل والاصدقاء لمساندة العائلة تفاجأت غمزة بسيارة شاهين تقف امام القصر حين شاء القدر ان يأتوا بنفس المعاد وكأنهم متفقون على هذا..
حاولت عدم الاهتمام والدخول دون انتظاره، جاء لمسامعها صوته من الخلف وهو ينادي عليها مقتربًا منها
" لا يمكننا التصرف وكأننا لم نعرف بعضنا من قبل"
ردت غمزه بحزن
" نعم أنت محق ولكن الخبر جعلني افقد عقلي، لا زلت تحت تأثيره حتى الآن"
اوما شاهين رأسه بحزن
"اعطيكِ الحق، حاولت ان لا اصدق بأول الأمر ولكن بعد تأكيد الخبر لا علينا سوى الدعاء له"
تحركا سويًا للداخل متفاجئين بحالة سيلين الجالسة بإحدى زوايا الاريكة المقربة من باب القصر مغمضة الأعين تبكي بحرقة وصمت، تتساقط دموعها الحارقة وهي تخرج انفاسها النارية بين الحين والاخر من فمها كلهيب نار من فوهة البركان.
جاءت غمزة لتقترب منها لتواسيها ولكن عمتها منعتها كما كانت تمنع الجميع من التحدث والتقرب لها كي لا تعود لبكائها وانهيارها ومناداتها على روحها و حياتها.
أرسلت ساجدة عدة صور لنعمان زادت من حزنه وامتلئت عيونه بالدموع على حالتها، احتضنته زوجته من الخلف وهي تسند رأسها على كتفه تهون عليه حزنه بكلماتها الحنونة.
اصبحت سيلين لا تنام سوى بحضن ابناءها تروي لهم كل ليلة حكايات مختلفة عن أبيهم و أول لقاءاتهم و تعارفهم و جدتهم الحنونة و عن حياة الاعمال والجوانب الإنسانية التي كان دائما يخفيها عن الناس ليظهر القوة امامهم عكس ما بداخله.
حدثتهم عن أمنياته الكبيرة التي تمناها لأجل مستقبلهم. اخبرتهم كم كان يسعى و يحلم دائما ليجعلهم متفوقين مميزين سعداء.
دمعت عين لي لي لتمسحها لها سيلين وهي تقبل رأسها وتخبرها بأن والدها يشعر بها فإن كانت سعيدة سيصبح هو ايضا سعيد وان حزنت سيحزن هو أيضا على حزنهم.
صمتت أمام حزنهم لتعود وتسألهم
"هل تريدون ان يكون حزيناً لحزنكم؟"
مسح تولاي عيونه الحمراء وهو يجيب أمه
"هل ابي يشعر بنا الآن؟ يعني هل هو يرانا ونحن بجانبك الآن ؟"
تماسكت بصعوبة وهي تضم رأسه الصغيرة بحضنها قائلة
" نعم يرانا، وانا متأكدة انه فرح بنا"
قاطعتها لي لي وهي تمسح انفها الاحمر بالمنديل قائلة
" هل يسمعنا؟ هل يمكنني التحدث معه واخبره انني اشتقت إليه"
بكت الصغيرة لتزيد دموع اخيها وامها وهي تقول" امي انا اشتقت له كثيرا، أريده بجانبي، امي لا اريده ان يذهب ويتركنا، نحن كيف سنعيش بدونه، كيف سنتحمل عدم رؤيته لنا، من سيوقظنا كل صباح و هو يضحك و يلعب بشعري"
رد تولاي ليقول بصوته الصغير الباكي
"وانا من سيقول لي استيقظ يا بطل، استيقظ يا قبطان قصرنا"
تحدثت سيلين وهي تحنو عليهم بحضنها قائلة
"وانا أين ذهبت، اعلم انه صعب على قلوبكم الصغيرة تحمل هذا الالم، ولكنها أقدار الله علينا ان نصبر و نرضى بها، وايضا علينا ان نساعد بعضنا البعض لنتعافى سريعًا كي نتعافى وننجح بتخطي هذه الأزمة كما نجح بدراستنا كي يفرح بنا، لو استمريتم بهذا الشكل سيحزن كثيرا منكم "
مسح تولاي دموعه وهو يقول
" لا أريده أن يحزن مني. لا أريده.." وأكمل دموعه التي أشبهت الشلال في انهمارها و عدم استطاعته توقيفها.
ردت امه عليه
" لا تضغط على نفسك ابكي واخرج ما بداخلك و لكن لا تجعلوا دموعكم بأعينكم طوال اليوم"
ظلت على هذه الحالة تواسيهم وتخفف عنهم وهي بأشد الحاجة لذلك، ويوم بعد يوم وحكاية وراء حكاية استطاعت سيلين احتضان ومداواة جروح أبنائها بشكل نسبي.
وصلت هوليا لقصر الفولاذ بعد مرور شهرين على الوفاة، لتتفاجأ بها فضيلة أمامها تبكي وهي تحتضنها وتعزيها بالغالي معتذرة عن التأخر بمجيئها لأسباب خارجة عن إرادتها.
رفضت لي لي الخروج من غرفتها والنزول لاستقبال والدتها، صُدمت هوليا برفض ابنتها نظرت لفضيلة متسائلة
" ولماذا لا تريد رؤيتي؟ "
وقبل ان ترد فضيلة أتاها ردها من الخلف بصوت سيلين وهي تقول بقوة
"ليس رفض لشخصكِ، فهي على هذه الحالة من بعد الحادث، تستطيعين الصعود لغرفتها والتحدث معها ان اردتي"
تفاجأت هوليا من قوة سيلين وصمودها برغم وجهها الذي يفضح ما بداخله، فكانت تتوقع ان تجدها طريحة الفراش او جالسه جانبًا تبكي فقيدهم ولكنها وجدتها صلبة امامها.
وبعد موافقة هوليا، نظرت سيلين لساجدة متحدثة بنبرة اميرة الفولاذ
"اصطحبي هوليا هانم لغرفة لي لي"
اقتربت هوليا منها وبصوت منخفض تحدثت قائلة
"حزنت كثيرا على ما حدث، بسلامة رأسكِ"
ردت عليها بقوة ثبات
"انه القدر، شكرا لكِ"
تحركت هوليا لتكمل طريقها للأعلى بعدما انهت سيلين ردها عليها. جلست فضيلة بجانب سيلين المستندة بظهرها على الأريكة تنظر للأمام متذكرة حديث زوجها لها حين كان يشعر باختناق وضيق وقلق يوصيها على ابنته وأن لا تتركها لأمها مهما حدث.
سقطت دمعة من عينها الحمراء لتقترب فضيلة منها أكثر وهي تقول باعين تنظر للأعلى
" هوني على نفسكِ يا ابنتي، هوني على نفسكِ أن لم يكن لأجلكِ ، فلأجل ابناءكِ"
تحدثت سيلين بصوت يعلوه البكاء والحسرة والندم قائلة
" كان قلبه يشعر بما سيحدث حدثني و اوصاني عليهم قبل سفره، يا ليتني لم ادعه يسافر. يا ليتني..."
لم تستطع اكمال حديثها من تغلب بكائها عليها، بالأعلى تمكنت هوليا من احتضان ابنتها الحزينة بعد ان شاركتها البكاء و التألم على والدها
" سنداوي جراحنا مع بعضنا البعض انهيت عملي ولن اترككِ سنبقى سويًا حتى تتعافى قلوبنا "
بكت هوليا وهي تتذكر رقصاتها الجميلة مع يوسف بأول زواجهم ، مسحت عينيها وهي تروي لابنتها كم كان حبهم كبير وكيف تعرفت عليه بالجامعة وسعادتهم لولا غيرة أمه أمينة من حبهم حتى فرقت بينهم.
صمتت هوليا عن بكاءها وهي تراقب طفلتها الباكية لتضمها اكثر بحضنها وهي تقول
" لا تبكي يا عمري. لا تبكي يا حياتي. لا تبكي يا وحيدتي. يا كل ما لي بهذه الحياة. لا تبكي"
تحدثت فضيلة لسيلين بالأسفل قائلة
" لا يمكنكِ الضعف أمامها من الجيد ما فعلتيه معها كوني قوية لأجل ابناءكِ. هيا امسحي دموعكِ لنصعد لنرى بأي سم عادت إلينا هذه المرة "
ردت سيلين وهي تمسح دموعها وتستقيم بجلستها قائلة
" لنتركهم سويًا، لربما تحسن من حالة لي لي وتخرجها من عزلتها، يا ليتني أجد قلب قوي يحنو على تولاي ويشد ازره بهذه الازمة، فأنا لا طاقة لي بمساعدتهم"
نظرت فضيلة لها بشدة وغضب
" هل ستستسلمين بهذه السهولة، هل ستنسين وعدكِ له، أنسيتي ما فعلته هذه العقربة بيوسف وبنا جميعًا على مدار تلك السنوات، هل ستنتظرين منها ان تسممها بسمها من جديد، انسيتي بكل مرة كانت تأخذ ضالتها وتترك ابنتها خلفها تعصف و تتخبط من جديد"
ردت سيلين بتعب و انفاس كادت ان تتقطع لتقول
" لا يمكنها تكرار افعالها وخاصة بهذا الموقف، لا أعتقد أنها بدون قلب لهذه الدرجة"
وقفت فضيلة وهي ترد عليها بصوت غاضب
" برافوووووووو هذا يعني انكِ أعلنتِ استسلامكِ قبل أن تبدأ المعركة ، ان أتت بعد أيام لتأخذ ابنتها من بين يدكِ لا تحزني ولا تبكي "
نظرت سيلين نحو فضيله بصعوبة متألمه من شدة دوران رأسها لتقول
" لي لي لن تتركني، لا يمكنها ان تتركنا وتذهب لأي مكان "
حزنت فضيلة لوضعها وحالتها لتأخذ نفس عميق محمل بالألم ونار الفراق لتقول بعده
" لا تكوني واثقه، ما يدريكِ باي سم ستسمم الصغيرة وهي بأضعف حالاتها، انسيتي انها لا تزال طفلة، حتى وإن كانت كبيرة وشابة نحن نعلم انها تمر بمرحلة صعبة وقلبها ضعيف ومتألم لدرجة أنها تريد التشبث بأي ضوء بسيط ينقذها من انهيارها وألمها وحزنها"
وتحركت وهي تكمل حديثها
" ولكنِي لن اسمح لها، لا يمكنها هدم ما بنيناه لسنوات، لا يمكنها تحطيم آمال ابني بحبيبة قلبه حتى وان لم يعد بيننا ".
نزلت هذه الكلمات على سيلين لتصعقها وتصدمها وتملأ قلبها رعبا على طفلتها، تحركت وهي ممسكة برأسها تصعد خلف فضيلة بخطوات بطيئة من سوء اهتمامها بغذائها وكثرة بكائها و شدة حزنها، وقفت فضيلة امام باب غرفة لي لي تنتظر اقتراب سيلين منها حتى يدخلا سويًا.
مدت فضيله يدها حين دنت سيلين منها لتمسح دموعها من على وجهها المنهك
وهي تقول لها
" لن يطول الامر سنجعلها تندم وتعود إلى عالمها من جديد"
فتحت الباب لتنظر نحو هوليا التي تقف هي وابنتها امام لوحة فنية من إبداع لي لي، التفتت هوليا نحوهم لتتحدث على الفور وهي تحتضن ابنتها قائلة
" ما هذا الجمال ، وكأنني أنا من رسم هذه الصورة وليست بنوتة جميلة مبتدئة"
ابتسمت سيلين بوجه لي لي وهي ترد
" إنها البداية فقط ، فأبنتنا موهوبة ولديها حس كبير بيدها التي تضيء و تثمن كل ما تلمسه"
اخفت هوليا ضيقها من حديث سيلين لتنظر لابنتها قائلة
" ولكن كما اخبرتكِ عليكِ أن تتعافي سريعًا وتتخلي عن حزنكِ كي نسافر سويًا لاعرفكِ على رموز و ايقونات الفنون الجميلة بأمريكا"
حدث ما خشوا حدوثه و بسرعة لم يتوقعوها، فكيف تصرح بهذه القوة أمام الطفلة انها ستأخذها دون أن تتحدث معهم..
تحدثت فضيلة موجهة حديثها لهوليا قائلة
"عليها أن تنتبه لدراستها اولًا و بإجازة نهاية العام الدراسي يمكنها أن تقوم بالرحلات التي تريدها، حتى يمكنها أن تصطحب اخوها معها فهم كروح واحدة لا يمكنهم التنفس بعيدًا عن بعضهم"
أتتهم الصدمة الحقيقية عندما اسرعت هوليا كعادتها في عدم استطاعتها تخبئة أي شيء أو التمهل والمحاربة لأجل الحصول عليه، ردت عليهم بسرعة وقوة على قائلة
"حان الوقت لتعود ابنتي لحضن امها اعتقد ان لا احد سيخاف عليها ويحنو على قلبها الحزين اكثر من امها الحقيقية ، سأخذها معي لتبتعد عن الذكريات المؤلمة و تتعافى بسرعة"
اقتربت من ابنتها وهي تحرك يدها على رأسها لتحنو على شعرها قائلة
" لا يمكن لأحد أن يحرمها من اخيها فأنا اعلم مدى ارتباطهم ببعض، و لكن طفلتي بحاجة للهدوء والبعد عن هذا الجو لتتحسن، ايضا انها فرصة جيدة لتطوير روح الفنان التي بداخلها، فوجودها وسط الفنانون العظماء بهذا المجال سيفيدها كثيرا ويطور منها"
غضبت فضيلة وهي تنظر لهوليا واحتضانها لبنتها و لعب دور الأم الحنون عليها، صم طلبت منها ان يتحدثا بالأسفل وحدهما قليلًا
وافقت هوليا قبلت رأس ابنتها واستأذن منها وهي تعدها ان لا تتأخر عليها وتحركت خلف فضيلة خارج الغرفة.
وضعت سيلين يدها على رأسها فكادت ان تسقط من هول ما سمعته وشعرت به، اسرعت لي لي مقتربة منها وهي تمسكها لتجلسها على فراشها قائلة
" امي هل انتِ بخير، اجلسي بجانبي، اجلسي"
احتضنتها سيلين داخلها بقوة وهي تقبل رأسها وكأنها تقول لها " انتِ ابنتي انا فقط" ، قالتها داخل نفسها دون التفوه بها فهي تشعر ان طفلتها ليست بصدد تحمل التنافس والتزاحم على اكتسابها
كان عليها النزول للأسفل لترى ما سيحدث و بأي رياح أتت هوليا هذه المرة، تحركت بصعوبة وهي تقول
" سأعود إليكِ مرة اخرى "
خرجت من الغرفة وهي تضع يدها على رأسها متألمة، نزلت الدرج ليكون لديها موعد جديد مع القدر حين سمعت هوليا تعلن بكل قوة انها ستأخذ ابنتها بالقانون، وانها لم ولن تتركها لهم فيكفي ما مضى من العمر وهي بعيدة عنها وكأنها ليست هي من كانت تتركها دون رحمة بصغر حجمها.
كانت تنظر نحوهم بصعوبة تحاول ان تفتح عينيها، تشوشت الرؤية أمامها لتصبح تراهم اكثر من اثنان، رفعت يدها و وضعتها على رأسها و قد أصبح جميع ما حولها يدور بها
سقطت امام الدرج طريحة الأرض يسمع صوت اصطدامها من قوة سقوطها، لتسطر ملحمة جديدة و ظلمات جديدة من ظلمات لياليها المظلمة.
علم نعمان بالوضع وسقوط اخته بحالة مزرية من الالم والحزن
ارتعب سنان خوفًا عندما رأى وجهه و عينيه وهو يأمره ان يجد حلًا سريعًا لابعاد هوليا عن عائلة اخته والا سيبعدها عن هذه الحياة بشكل كامل.
حذره سنان من تتبع الشرطة له بهذه الفترة، تحدث نعمان بعينه القوية
" وهل سأخاف منهم، لقد عاهدت نفسي ان احميها وان لا اجعل أحد يقترب منها ويؤذيها ولو بكلمة، ماذا تنتظر مني هل سأشهد على تحطيمها دون تدخل"
صمت سنان ليكمل نعمان وهو يصدم يده بقوة على مكتبه قائلا
" لن اسمح لأحد ان يزيد حزنها و يأخذ منها شيئًا لا تريد تركه ، ان كان بمحض ارادتها لن نتدخل ولكن ان لم ترد تركها فلا يوجد قوة على ظهر الأرض ستأخذ منها ما تريد مادمتُ حياً "
✿✿✿
رفض وتصدى الجميع لأخذ هوليا لابنتها، حاولوا ايجاد حل وسط دون ادخال لي لي بالوسط وتخييرها كما كانت تطلب أمها الحقيقية فعله. تخوفًا من ان يزيد هذا حزنها و استياء حالتها النفسية وهي بهذه الظروف والفترة الحساسة
لم تكف هوليا عن بث سمها بطفلتها لتذهب لمدرستها وتقنعها باصطحابها معها لحفل للفنون التشكيلية، وبعدها بيومين لحفل عيد ميلاد صديقتها خلاف تناول الطعام بالخارج والتأخر دون الاعتبار لمواعيد الدراسة او المدرسة.
كادت لي لي ان تنساق لحياة امها التي بلا قيود او واجبات ، جاهدت سيلين لمنعها فأصبحت تتشاجر مع لي لي كي تستمع لها وترفض الخروج بمنتصف الاسبوع مكتفية بالعطل فقط.
لم تكف هوليا عن الضغط عليهم وكثرة زيارتها لابنتها واصطحابها لها للتجول بحجة مساعدتها وإخراجها من حزنها حتى
نجحت بضم ابنتها إليها من جديد و استعطاف قلبها و اغرائها بحياة التجول والرحلات والسهرات دون تقيد.
بل نجحت ان تجعلها تتعلق بأحلام الشهرة والفن لتصبح رسامة عالمية ذات مستقبل كبير تتسلط عليها الأضواء بكل مكان..
حاولت سيلين منع خروجها وتأخرها بالسهر ليلا. لم يسمح لها أورهان بالضغط على صغيرتهم واجبرها على تركها تخرج دون الوقوف امامها وخاصة بهذه الفترة الصعبة و ما تفعله أمها من محاولات كبيرة لجذبها نحوها.
و حذرها من ارتكاب اي خطأ صغير تستخدمه هوليا ضدها و تأثر به على الطفلة بشكل سيء.
ردت سيلين على أورهان
"سيضيع مستقبلها، لقد اصبحت بعيدة كل البعد عن دراستها و ازداد تغيبها عن مدرستها بسبب هذا السهر"
اعتصر أورهان حزنًا وهو يستمع لها اغمض اعينه بحسرة
" أرى بعيني يا ابنتي كل ما تقولينه، ولكن علينا ان نصبر قليلًا حتى نستطيع التخلص منها بأقل خسائر نفسية على صغيرتنا، لا تنسي ان ابنتنا بسن حرج وهذا ما يحتم علينا ان نتأنى ونحذر، فمن الممكن ان تطلب الذهاب مع والدتها وحينها لن يستطيع أحد الوقوف أمامها "
نظرت سيلين له ثم نظرت لفضيلة وهي تقول
" كيف سأتحمل هذا، كيف سأصبر و اصمت وانا ارى مستقبلها يضيع امامي "
تدخلت فضيلة
" لا يوجد اضاعة، كل ما في الامر سيتأثر مستواها الدراسي قليلًا ، سننجح باكتسابها وهذا هو الأهم الآن وهذا ما علينا ان نسعى نحوه كما قال والدك فجميعنا نعلم ان القانون بصفها، وبأصغر قضية واضعف محامي ستأخذ ابنتها "
مضت عدة أيام اخرى مليئة بالضيق والحزن والغضب على أفعال هوليا و ضغطها على العائلة بسحب ابنتها لعالمها.
استيقظت هوليا بأحد الايام صباحا بغرفة الفندق لتجد أعلى هاتفها رسالة ورقية محتواها
" عيني عليكِ، اضبطي اعداداتك قبل ان اضبطها انا لكِ"
واسفل الرسالة امضاء بكلمة " قدرك"
قلقت وخافت من هذه الورقة وكيفية وصولها لغرفتها، نزلت لإدارة الفندق لتروي لهم ما حدث، اهتم جميع من بالفندق بما قالته وتم فتح الكاميرات، ليتم اخبارها بعدها انه لم يظهر اي شيء غريب بغرفتها طوال اليوم.
غضبت هوليا عليهم و رفعت الورقة بوجههم وهي تهددهم، لم تصل لأي شيء مما زاد رعبها وخوفها حاولت ان تقنع نفسها بحديث مدير الفندق ان هذه الورقة ليست خاصة بها و انها وصلت بالخطأ داخل اغراضها ولكنها لم تقتنع، لتترك الفندق وتحجز بفندق اكبر و اكثر أمنًا.
وفي ليلة من الليالي الأشد ظلمة و تألم، واحتراق الافئدة بين الأحلام الحقيقية و الكوابيس المفزعة، كان هناك تصاعد لدخان أسود اللون اندلع من حريق كبير ليكون غيمة كثيفة أعلى كوخ خشبي يدوي البناء.
علت النيران الحارقة وخرج لهيبها من نوافذ الكوخ لتتصاعد بكل أرجائه، ارتفع في الخارج أصوات صراخ النساء و الرجال عاليًا بأسماء الأطفال داخل الكوخ وهم عاجزون عن إنقاذهم
توهجت وتصاعدت النيران وكأنها وحش يلتهم كل ما أمامه، علا صوت توهجها وهي تأكل ما حولها بشكل مخيف.
تعالت الصرخات وانهيار من هم بالخارج ، على الاطفال بالداخل متمنين انقاذهم.
لم يتجرأ أحد منهم بالدخول وسط النيران المتوهجة لإنقاذهم. بهذا المشهد المهيب ومن الخلف هرع رجل غريب الهيئة وهو يركض و يركض متبع أصوات صراخ الأطفال ومن حولهم، اقترب من مكان الحريق لتتسع اعينه وهو ينظر للأطفال وسط النيران بالداخل وهم يلوحون للجمع بالخارج كي ينقذوهم، و بدون ان يفكر أكمل ركضه ليدخل وسط النيران لإنقاذهم وسط تحذيرات الرجال ونعتهم له بالمجنون.
استمر بركضه ليقفز وسط اللهيب لينقذ الاطفال وامهم التي فقدت الوعي وهي تحتضنهم، سقطت خشبة صغيرة محترقة على كتفه دفعها بقوة غير طبيعية عنه.
بهذه اللحظة صرخت سيلين بحلمها جالسه على فراشها فزعة واضعها يدها على كتفها وكأنه هو من احترق بتلكة الخشبة.
اختنقت بحلمها وهي تردد بحزن
"يوسف يوسف" تحركت باحثة عنه بأرجاء الغرفة متأثرة بكابوسها، ازداد ضيق نفسها شربت المياه ليبدأ بكائها عند تذكرها حقيقة وفاته، دنت من مقعدها بجانب النافذة لتبكيه من جديد.
وبينما كانت تبكيه بحرقة لما ترآه بشكل يومي في كوابيسها المتكررة وهو يحارب سقوطه من هاوية عالية ينادي عليها صارخًا باسمها لتنقذه، والاصعب شعورها بوجود روحه تحوم بغرفتها كل ليلة حتى اصبحت بهذه الحالة الشبه متلازمة بها منذ اعلامها بوفاته. كان ذلك الذي نعته أهالي البلدة بالمجنون قد نجح بانقاذ الام واطفالها وسط فرحة الأهالي البسطاء هناك.
هرب منهم متأثر بحروق يقشعر لها الابدان بمناطق مختلفة من جسده اثناء انقاذه للابرياء داخل الكوخ
رآه رجل يركض دون ان يبالي لحروقه المتناثرة بجسده لمس شيء غريب بوجه وعيون هذا المجنون تحدث لنفسه قائلا
"لا والله ليس بمجنون، "
صمت لوهلة تحدث بعدها لنفسه بعدها
"وكأن بداخله ألم أكبر من الم الحروق جعله لا يشعر بألمه الظاهري وإن كان بهذا الحد المدمي"
فما قصة هذا المجنون؟
وما هذه الكوابيس التي اصبحت متلازمة مع اميرة الليالي الاكثر ألماً و ظلمة؟
هل ستعيش سيلين ألم مناداة زوجها لها كي تنقذه من الظلام كل ليلة دون معرفة سبب هذا الشعور؟
يتبع ..
إلى حين نشر فصل جديد ، لا تنسوا قراءة الروايات والقصص المنشورة منها الكاملة ومنها وقيد النشر حصرية لمدونتنا.
