recent
جديدنا

الليالي المظلمة ٢ الفصل العاشر

Wisso

 

   الليالي المظلمة الجزء الثاني 

                            بقلم امل محمد الكاشف 



ركضت نحو روحها وحياتها منتظرة ان يفتح جناحيه ليضمها بهما كسابق عهدهما، ركضت دون أن تتوقع للحظة تراجعه خطوات للخلف وهو ينظر إليها كنظرة الغريب للغريب .

تباطأت خطواتها حتى وقفت بالقرب منهُ تنظر إليه بفرح و عيون احيتها رؤيته متسائلة بلهفة  

" ما بك! ألم تتذكرني!" 

تدخل نعمان ليرد على اخته عوضًا عن صمت زوجها قائلا  

" مع الاسف هذا ما يبدو عليه. من الواضح فقدانه للذاكرة و حدوث مشكلة بالتخاطب، ولكني تحدثت معه بعد الحادث وحكيت له عن حياته السابقة كمن يكون و من هم أطفاله وزوجته وعمله وكنيته. اعتقد ان هذا القدر وافي مبدئيًا" 

نظر أورهان نحو من كان يدعى بالغريب وقال 

" لا احد يستطيع اخذ فرحتنا منا اليوم، حتى بأحلامنا لم نتوقع مجيئ هذه اللحظة. ولهذا سنعمل أولا على عودتنا لبلدنا ومن ثم سنعرض ملفك الطبي على أكبر المختصين بهذه الحالات لا تقلق نحن معك. احبائك حولك"


نظر الغريب لنعمان نظرات قلق. اشار له برأسه ليطمئنه ان الوضع آمن،استغربت سيلين من تعلق زوجها بأخيها لهذه الدرجة 

اقتربت منه وسألته بصوت منخفض 

"أين وجدته؟ ماذا فعلت به إياك أن تكون هددته أو ارغمته على الوقوف بهذا الثبات"


دافع عن نفسه 

" لم يحدث شيء من هذا القبيل" 

ثم نظر لأورهان متحدث بجدية كبيرة

 "انهوا الإجراءات و ابلغوني بموعد العودة " 

انهى حديثه وتحرك ليخرج، ليتحرك الغريب خلفه، تحدثت سيلين بلهفة الشوق

"انتظر. ابقى أنت معنا"

نظر يوسف لزوجته بعيون تحاول تذكرها دون رد، تحدث نعمان من جديد لأخته 

 "لا يمكنه البقاء حفاظًا على سلامته، عليكم ان تنهوا الإجراءات بسرية عالية، ليس من الضروري أن يعلم أهل النيجر ان الغريب هو يوسف بيرقدار كي نضمن سلامة عودته دون اطماع او خطر على حياته" 

أراد أورهان ان يستفسر عن سبب خوف نعمان الزائد، ولكنه صمت لأجل ابنته.

 

خرج نعمان و من خلفه يوسف بيرقدار ليقترب الرجال كي يخرجوه بسرعة وأمان دون لفت الانتباه له.

التحق أورهان بهم ليرى ابنه يبتعد وسط عدة رجال يسيرون بجانبه وهم يلتفتون يمينًا ويسارًا.

اقترب من نعمان متسائل باهتمام كبير

 "لم أرد التحدث أمامها، ولكني اريد ان توضح لي كيف تم تزوير التحليل ولحساب من، وماذا كنت تعني بالخونة. من تجرأ على مس ابني بالضر، أنت مجبر على التوضيح لي " 

نظر نعمان باتجاه زهير الذي ظهر بأول الممر من بعيد وهو يرد على اورهان قائلا "انظر حولك وأنت تجده بسهولة، تم اختطافه بتعليمات جاده بإنهاء أمره. بجانب تزوير التحليل كما رأيت. انتبه واحرص على سرية عودته حتى تصلوا بسلام" 

تركه واكمل سيره وهو ينظر لزهير نظرات أدخلت الخيفة بقلبه و جعلته يوجه سؤاله لأورهان فور وصوله قائلا بخوف 

 "من هذا الرجل الغريب؟ " 

نظر اورهان خلف نعمان ثم نظر لزهير وهو يقول له " و لماذا تسأل عنه؟ " 

تحدث ليقع و يكشف عن نفسه قائلا 

"هيئته و نظراته الغريبة لي. برغم انني اول مرة أراه إلا أنه كان ينظر لي بطريقة قوية ومخيفة"

دخل الشك بقلبه صمت قائلا لنفسه

 "نعم ومن سيكون غيرك" 

 ابتسم زهير وهو يغير حديثه أمام صمت اورهان قائلا

 "من الواضح أن النتيجة لم تظهر بعد " 

ألقى نظره نحو غرفة سيلين و تحرك بثقة ليقترب من بابها مكملا

"جئت لأكون بجانبها. اقصد بجانبكم في هذه اللحظات الحرجة" 

وقف اورهان أمامه بقوة وشموخ قائلًا

دون السماح له بالدخول 

 "الشكر لله ظهرت النتيجة "

تغيرت نظرة عيون زهير متسائل باهتمام واستغراب من حالة أورهان الهادئة 

 "وماذا خرج بها، من منا كان محق بأمر هذا الغريب يا ترى" 

رفع ملك الفولاذ وجهه بشموخ أسدًا منتصر في ساحة القتال قائلا بقوة ألقت الخوف بقلب من أمامه 

 "وبماذا ستخرج من وجهة نظرك؟ "

ابتلع زهير ريقة بتوتر مجيبًا

 "انت تعلم رأيي بهذا الموضوع، يعني نحن تناقشنا واختلفنا بآرائنا من قبل، كنت أنا أكثر منطقية و واقعية. تعلم أنني اجنب مشاعري حين افكر بأمر جدي وخاصة ان كانت جديته لهذه الدرجة" 

تحدث اورهان بضيق

 "نعم صدق من قال ليست كل الأمور كما نراها بظاهرها، فهناك ما لا يرى إلا بالقلب، وهناك أمور بالخفاء لا يعلم بها إلا الله يعتقد الإنسان أنه لا يقدر عليه أحد.تزداد ثقته بنفسه حتى ينقلب السحر على الساحر، يخطو الإنسان بهذا الطريق وهو يغفل ان الله بصير عليم بعباده. وان الله لا يقبل الظلم، يُغير نواميس الكون لنصرة عبده المظلوم فقط عندما نلجأ له و نترك حملنا و همنا و اقدارنا بين يديه"

استغرب زهير من أحاديث اورهان  له بل استغرب اكثر من صوته وطريقة ألقاءه لدرجة انه تبقى القليل على اتهامه ومواجهته بما فعل، زاد توتره اكثر حين صُدم بالنتيجة ومعرفتهم بحقيقة توافق نسب يوسف مع أبنائه وخالته. 

حاول ان يكون متماسك امامهم وهو يبارك لهم معتذرًا على عدم تصديقهم من البداية، تحجج بإنهاء اوراق مهمة بالمركز الإداري  وخرج ليذهب غرفتهُ ثائرًا وغاضبًا على من اتفق معه لتغيير النتيجة. 

اتصل بالرجال الذين احتجزوا الغريب كي يعطيهم الأوامر لإنهاء امره بشكل تام، فمن الواضح أنه فقد عقله بشكل تام، لم يرد عليه أحد لتزداد ثورة غضبه اكثر و اكثر.. 

وبشكل سري رتب اورهان مع الشرطة والجهات الأمنية كيفية اصطحاب يوسف  بيرقدار معه برحلة العودة لبلده. تم الأمر سريعًا بعد أن قدم لهم نتيجة التحليل وحدثهم عن ملابسات الحادث، لم اتوقع انه سيكون بهذا الغضب والقوة وهو يتحدث مع كبار المسؤولين  بالدولة حيال هذا التقصير الكبير بالبحث عن المنكوبين والتأكد من وفاتهم ونجاتهم فأرواح البشر ليست برخيصة لدى ذويهم ليتهاونوا بها.

تظاهر زهير باستمرارية بحثه عن صديقه  وهو قلق بشأنه. ولكن الحقيقة أنه كان مستمتع باختفائه وإتمام إخراجه من البلاد دون عودة. 

........... َ

وبساعة متأخرة من الليل تم السيطرة على الطابق المتواجد به عائلة نعمان من قبل رجال ملثمين ومسلحين.

دخلوا غرفتهم التي نقلوا بها حديثًا ولكنهم لم يجدوهم، غضبوا وهددوا الأطباء بالإفصاح عن مكانهم.. 

اخبرتهم طبيبة 

"تم السماح لهم بالخروج بعد أن تحسنت حالة الطفل"،  لم يصدقوها لمراقبتهم المشفى والمكان لأيام وليالي. ضغطوا عليهم اكثر لتضعف ممرضة من بينهم وهي تقول

 "انهم بالطابق العلوي ينهون إجراءات الفحوصات والأشعة الأخيرة" 

وصل خبر الهجوم المسلح للدكتور هازار  حمل الطفل و هو ينظر لأمه قائلا 

" اتبعيني بسرعة "

ترددت فيروزة بالتحرك خلفه متأمله ان يكون زوجها هو من أتى ليخرجها.

صرخ دكتور هازار بوجهها وهو يقول لها

 "أم انكِ تعلمين بمجيئهم؟!  هل كنت تنتظريهم؟  هل ستضحي بطفلك المريض كي تهربي من المشفى قبل إتمام شفائه؟" 

تذكرت فيروزة رسائل نعمان لها وتأكيده على أخبارها عن موعد مجيئه بنفسه لضمان الخروج الآمن دون أذى، لم يستغرق حديثهم سوى لحظات قليلة تم اقتحام القسم بعدها من قبل الرجال وهم يهددون الجميع بالأسلحة. 


لم يكن تهديدًا بالكلام وحسب  بل تم اصابة ممرض بطلق ناري بكتفه لإخافة الجميع.. 

بهذا الوقت تم سيطرة رجلين على مركز المراقبة بالمشفى لتتبع الخارجين والداخلين من مبناها، ليتأكدوا من هروب فيروزة وهي محتضنة لطفلها المخبأ بغطاء ابيض وصعودها تاكسي تحرك بها فور إغلاقها لبابه. 

وصلت الشرطة وحاصرت المكان وهم يهددون المجرمين ان يخرجوا بسلام دون اذى لأحد وهذا لضمان تخفيف العقوبة .. 

لم يستمعوا لتهديدات الشرطة ولم يهتموا بمحاصرتهم فمن الواضح انهم جهزوا أنفسهم لهذا الأمر جيدًا وهذا ما يرى من هروبهم السريع من خلال المبنى المجاور للمشفى ثم صعودهم لسيارات خاصة بهم خرجوا بها فجأة من مرأب هذا المبنى القديم الفارغ تاركين المكان بلمح البصر. 

تم التأكد من خلو المشفى من المسلحين وإعادة نظامها الأمني.  وصل المأمور جوكهان بيه للمكان ليتفقد المشفى بنفسه، اقترب من الشرطي مارت الذي قال له 

" أصبح كل شيء تحت السيطرة" 

رد عليه جوكهان قائلا

 " وماذا عنهم" 

اجابه  مارت 

"لا زالوا بنفس المكان ماذا سنفعل؟ هل سيعودان لغرفتهم ونشدد الحراسة أم ننقلهم إلى مشفى أخرى أكثر امنًا" 

فكر جوكهان قليلا و هو يتفقد الارجاء و ذعر الطاقم الطبي ليقول بعدها

  "حسنًا يستطيعون الخروج. الطريق اصبح مؤمن لهم" 

رد مارت 

 "هل أنت متأكد من القرار، يعني الطفل مريض وانتقاله بهذه الحالة ألا تعد مخاطرة بحياته!"

رد عليه المأمور وقال 

"لا تقلق كله تحت السيطرة جهز مكانه الجديد لرعايته، أنت  نفذ ما اتفقنا عليه و أي طارئ نحن سنكون معهم ومن هناك يمكننا نقلهم لمشفى آخر لا يعلم أحد عنها شيء " 

تحرك مارت و بتخفي فتح باب مخرج الطوارئ وبدأ يتنقل ومن باب إلى باب آخر حتى وصل لممر به مجموعة كثيرة من صناديق تابعة لإطفائيات حرائق.. 

تخطى الصناديق وهو يتلفت خلفه. فتح باب المخزن الخاص بالمشفى وهو يقول 

" لا وقت لدينا هيا لنخرج "

اقترب دكتور هازار من فيروزة ليحمل طفلها عنها، لم تسمح له تحركت بزيها الجديد الذي اشبه اطباء العمليات وعليه الروب الابيض ليكمل هيئتها، هذا ما اجبرت فيروزة عليه حين اعطت ملابسها للشرطية بينجو كي تخرج بها من المشفى للفت الأنظار نحوها، كما كان عليها هي أيضا ارتداء ملابس تشير لأنها طبيبة بالمشفى وليست من المرضى او ذويهم وهذه الخطة السريعة المذهلة كانت سبباً بإنقاذهم .

فمن يراها لا يشك للحظة انها ليست طبيبة، ولأجل هذا المظهر اجبرت على ترك طفلها يخرج وحده بواسطة امرأة عجوز، كي يضمنوا سلامة الخروج الآمن للجميع.


وبعد وقت ليس بقصير وصلا جميعًا لمنزل في منطقة هادئة ليست بعيدة عن المشفى تم تجهيزه بعناية لاستقبالهم  ... 

وصل الخبر الصادم لمسامع نعمان فحدوث هجوم ومحاولة خطف زوجته وابنه من المشفى امر ليس بهين عليه وخاصة ان الفاعل مجهول الهوية، وما زاد الأمر تأزمًا  هو اختفاء زوجته وابنه وانقطاع الأخبار عنهم ليجن بغضبه ليصبح كالثور الهائج. 


حدد موعد عودته دون اعتبار لأي مخاوف أبلغه عنها سنان. ليكون على متن الطائرة نفسها مع اخته ولكن بشكل منفصل وكأن كلا منهما لا يعرف الآخر. وهذا ما فعله نعمان رغم نظرات اخته التي لم تنقطع عليه.

 

صُدم زهير بوجود الغريب معهم على متن الطائرة، بل تفاجأ اكثر من حالته الجديدة وملابسه وهدوءه اتسعت عينه عندما رأى نعمان ايضا بنفس رحلتهم.. 


حاول يوسف تذكر وجه زهير لشعوره أنه رآه من قبل في مكان احتجازه رغم الغرفة المظلمة ولكن ملامحه كانت شبيهة له. 


لاحظ زهير نظراته نحوه تحرك وجلس بالخلف و هو يبتعد بوجهه عنه، كان بحالة غريبة لدرجة انه نسى ان يرحب بصديقه ويعرفه بنفسه وهذا ما أكد شك أورهان به.. 


كانت سيلين اسعد راكب على متن الطائرة جلست بجانبه فرحة تنظر نحوه من الحين للأخر  بوجه مشرق مبتسم و عيون اغرقتها فرحتها، حاولت امساك نفسها عن معانقته والتشبث به من فرحتها. مكتفية بلمسة من يده بين الحين والآخر بحجة تنبيهه عن موعد الطعام وضرورة شربه للماء وما شابه.


بقصر الفولاذ شرحت فضيلة لأحفادها وضع أبيهم وهي تحثهم أن يكونوا بقدر المسؤولية وان لا يضغطوا عليه ولا يحزنوا ان لم يتعرف عليهم. ووجوب صبرهم حتى يتعافى ويعود لتذكرهم. 

ضحك جهها وهي تقول لهم بفرحة كبيرة 

 "ها هو قد عاد إلينا من جديد يكفينا عذاب  ببعده وفراقه" 

تحمس تولاي بقوله

 " سيتذكرني فور رؤيته لي أنا متأكد من هذا" 

احتضنته اخته وقالت له 

"نعم سيتذكرنا وهل له أن لا يتذكرنا "


حزنت فضيلة على تأملاتهم الكبيرة فما سمعته عن حالة ابنها يؤكد عدم تعرفه على أولاده حتى انه من المحتمل والمنتظر أن لا يقبل تقربهم و احتضانهم له.


ولكن ما حدث كان مفاجأة لهم جميعًا فحين وصلت سيارتهم أمر أورهان بالتوقف خارج القصر ليكملوا الدخول على أقدامهم. 

دخلوا من البوابة الفولاذية الكبيرة بجانب بعضهما وهم يستمعون لشرح اورهان 

"هذا القصر عائد لزوجتك وهو هدية مني بيوم زواجكم، لديك منزل اخر  كنتم تعيشون به في اول زواجكم و حين طلبت منكم أن تأتوا و تشاركونا حياتنا سلمتم لم تكسرونا واضفتم لحياتنا السعادة"

كان يوسف يستمع لأورهان وهو يتفقد كل ما حوله مستمرًا بمحاولات تذكر ما يقولون.


لا زالت عيونها التي لم تخفض من عليه تؤثر به وتحثه على تذكرها، رغم هروبه من مواجهتها لعدم تذكره لها، إلا أنها ظلت تلح عليه بهذه النظرات الفرحة التي كانت تنخز قلبه وكأنها تقول له

" انا هنا. انا بجانبك. عدت إلي. استجاب الله دعائي واعادك لي"

 تأثر بتلك النظرات والفرحة التي من المستحيل أن تنبع الا من اعماق القلب.

لم يتوقع احد حتى فضيلة ركض الاطفال على الدرج وهم ينادون على أبيهم.

اكملوا سيرهم لخارج القصر ليكونوا اول من يستقبلونه بفرحتهم العارمة.

ثبتت نظراته عليهم وهم يركضون نحوه فاتحين أذرعهم له. تنبأ أورهان وسيلين برفضه تراجعه عن احتضانهم..


ليحدث عكس هذا حين استسلم يوسف لاقتراب أولاده منه وهم يتمسكون به بقوة ينظرون له بعيونهم الصغيرة الباكية.

تأثر بهم لدرجة دمعت عينه ورفعت يده استجابة لمشاعر غريبة طرأت على قلبه ، حاوطهم بذراعه فإن لم يتذكرهم عقله فقلبه حن لهم.

ضمهم ومال عليهم ليأخذهم داخله مغلق عليهم بقوة ضياعه، بكى الجميع من شدة تأثره و حالتهم واشتياق قلوبهم لبعضهم.


 اقترب أبوه الروحي وهو يمسح دمعتهُ الفرحة قائلا

 "هل تذكرتهم يابني، هؤلاء أولادك هم من حدثتك عنهم الصغير تولاي و الكبيرة لي لي. لم اتصور انك ستتذكرهم بهذه السرعة " 

 اقتربت خالته منه بحذر و خوف من رفضه لها متحدثه بصوت منخفض يعلوه البكاء 

" بني، يوسف، ابني، وحيدي، حياتي"  تحمست اكثر حين اقتربت لتحتضنه بمكانه وهو يحتضن ابنائه، لم يرفضها او يبتعد عنها ظل ثابتً متأثرًا بدموعها و فرحتها و اشتياقهم له. 

دخلا قصرهم لتشرق شمس السعادة بدخوله من جديد. 

جلس بالصالون المقابل للدرج ليجلس اولاده على جانبيه وهم داخل حضنه فرحين بعودته، لا زال ينظر لهم بعيون تتمنى تذكرهم فحبهم الكبير وفرحتهم و برائتهم اثبتت له انهم ابنائه حقًا. فان كذب الجميع من المستحيل لهذه الطيور البريئة ان تمثل الفرحة بهذا الحد.

نظر للحائط الكبير المجاور للدرج ليجد اطار كبير داخله صورة تشير لزفافه من تلك المرأة التي لا زالت تنظر نحوه وبجانبهم خالته و الرجل المسن.


أتت السيدة انيسة للصالون وهي تجر ارجلها بصعوبة. ترتجف بجسدها وعيونها التي ملئت بالدموع. 

تحركت سيلين لتقترب منها وهي تشفق على حالتها، احتضنتها قائلة لها

 "لا داعي لما تفعلين لقد عاد، عاد طفلك من جديد" 

نظرت لوجهها المخفض لترفعه بطرف يدها قائلة لها 

" انظري إليه لقد اصبح حقيقة بيننا" 

وبحالتها المحزنة رفعت انيسه وجهها لتنظر له لتزداد بكاءً، حضنتها سيلين من جديد وهي تهدأ منها ومن فرحتها لم تستطع تصديق ما ترى أمامها.

تحدث أورهان ليعرفه عليها

" انها المربية الخاصة بك، كانت مساعدة أمك السيدة أمينة هانم رحمة الله عليها والمسؤولة عنك منذ صغرك"

نظر يوسف لها نفس النظرة العميقة المتجردة من المشاعر الملموسة. فقط يدقق وهو يتمنى ان يتذكرهم، بعد ان اصبح متأكد من انهم عائلته وأنه ينتمي لهم.

حدثه اورهان من جديد

"هيا اصعد انت لغرفتك مع زوجتك أبدل ملابسك وتحمم ان أردت. ولكن لا تتأخر سيحضروا لنا المائدة بعد قليل كي نجتمع كسابق عهدنا.  ولكنك الرابح هذه المرة فمن المؤكد انهم قد اعدوا جميع ما تحب وتشتهي فأنت ملك الحفلة الليلة". 

وقفت سيلين و تحركت خطوات نحو الدرج ليتحرك يوسف ليقف واولادهم تحت ذراعه يأبون ان يتركوه. 

نظر لهم ثم نظر لاورهان الذي اقترب منهم وسحبهم ليأخذهم بحضنه وهو يقول لهم 

" سيبدل ملابسه و يعود إليكم هو لكم هذه الليلة" 

رفع تولاي يده لأعلى وهو يقول

" سأنام بحضنه الليلة" 

وردت لي لي وهي تهتز

" نعم سننام بحضنه ولن نتركه" 

من العجيب ظهور الابتسامة الاولى على وجهه المقتر استجابة لشعوره بحبهم 

وهو ينظر لهم، فرحت فضيلة على استجابته لأبنائه و عدم هروبه منهم وشعوره بهم  وإن لم يتذكرهم فبقاءهم بحضنه و يداه التي كانت تحنو عليهم دون أن يلاحظ و ابتسامته الأخيرة وهو فرح بحالتهم وحبهم تثبت ما شعروا به.. 


صعدا الدرج سويًا وهو يتفقد المكان بعيونه، دخل الغرفة لتدخل خلفه وهي ترقص بسيرها، أسرعت نحو الخزانة وأخرجت منها طقم خاص به وضعته له على الفراش وهي تشير له نحو الحمام، ورغم فرحتها و تعطشها لحضنه إلا أنها خرجت من الغرفة لتتركه براحته أكثر.. 

فمن الجيد تفكيرها بهذا الشكل وتركه ليعتاد وحده على المكان وهذا ما حدث فبعد خروجها تحرك بغرفته يلامس ما بها محاولاً التذكر وهو يقترب من الإطارات المعلقة التي تجمعه هو وعائلته وأطفاله.

فتح خزانته وهو يتفقد اطقمه و ملابسه، استغرق وقتًا كبيرًا بالحمام وكأنه اول مرة يستخدم حمامًا من لحظة خروجه من قصره.

 

بل وكأنه شعر براحته و موطنه و اراد ان يزيل الآلام و المتاعب عن كاهله، عادت لتطمئن عليه بعد أن تأخر كثيرًا لتجده لا زال بالحمام، كانت ستحدثه ولكنها خجلت بجانب رغبتها بعدم ازعاجه وخاصة وهي تستمع لصوت المياه و حركته التي عجلت من خروجها فمن الواضح انه انهى حمامه .. 

وبعد دقائق خرج من الحمام مقترب من فراشه لأخذ ملابسه ابتدأ بارتداء البنطلون كعادته و من ثم أخذ القميص وارتداه دون اغلاقه متحركًا  بغرابة نحو رف اغراضه وهو ينظر للعطور ليقع اختياره على افضل عطر لديه سابقاً دون أن يعلم هذا .


وضع منه على جسده ومن ثم اغلق ازرار قميصه ليحدث الاغرب بالنسبة له حين فتح علبة سوداء ليس لها معالم من الخارج ليأخذ منها ساعته المعتاد عليها وارتداها  بصمت كبير أدرك بعدها ما قام به.

  نظر للعلبة ثم نظر للساعة بيده ومن ثم نظر الى علبة اخرى بالجوار غطاءها شفاف و داخلها عدة ساعات وهو متفاجئ من نفسه فإن كان يريد ارتداء ساعة يد فمن الأولى أن يأخذ واحدة مما هي واضحة أمامه. فكيف له أن يعلم ما بداخل هذه العلبة السوداء .

بنفس اللحظة والشرود سمع صوت يناديه من خلفه " بابا. تأخرنا هيا سيبدأ العرض" 

 ألتفت لينظر لمصدر الصوت ولكنه لم يجد أحد خلفه.. 

ابتلع ريقه وهو ينظر للمرآه بصمت و بتفكير عميق وكأنه يتذكر نبرة هذا الصوت العائد لابنته، عادت زوجته مرة اخرى للغرفة وهي تنظر بفرح لهيئته و طريقة ارتدائه لملابسه و ساعة يده بل لعطره الذي شرح صدرها بمجرد دخولها.

توقع أن تكون خيالًا أو وهمًا كالذي سمعه قبل قليل، تحركت مقتربة منه وهي تقول له 

" الطعام جاهز هيا لننزل قبل أن يبرد " 

نظر لها دون رد.. 

لتكمل هي قائلة 

" ستتجاوز كل هذا اعلم انه ثقيل عليك، ولكن اعدك انه لم يكن بثقل تلك الأيام المؤلمة سنكون دوما بجانب بعضنا البعض وسنتجاوزها سويا كما تجاوزنا الكثير من قبل.." 

لا زال على حالته الحزينة من عدم استطاعته التذكر نظرت نحو الباب ثم نظرت له وقالت " هيا لننضم لهم الجميع ينتظرك بالأسفل " وتحركت ليتحرك هو خلفها تباطأت بخطواتها كي يلحق بها ويسير بجانبها

حدثته من جديد وهي تخبره عن  الأطعمة المحببة إليه وما كان يطلبها منهم دومًا ، نزلوا الدرج لتشير إليه موضحة أين كان يجلس على المائدة و بأي صنف كان يحب ان يبدأ طعامه قائلة 

" أنت مختلف عنا قليلا بهذا الامر تبدأ بالشوربة اولا فهي عادة لديك ، ومن ثم المقبلات و بعدها الاكلات المفضلة لديك ، وبالطبع انت سعيت  كثيرا ان تجعل الاولاد يعتادون مثلك ولكنهم يفضلون البدأ بالنقانق والمقرمشات اللذيذة خاصة جدتهم فضيلة " 

اقتربا من المائدة ليرحب به اورهان من جديد قائلا " والآن استطيع ان اقول لك اهلا وسهلا بك بيننا من جديد" 

اهتزت لي لي بمكانها فرحا اقترب تولاي من امه وهو يقول

" هل يمكنني ان اجلس بجانب ابي الليلة "

ابتسمت لابنها وهي تحرك يدها على شعره الاسود الكثيف قائلة

 " نعم يمكنك" 

وبنفس حماسها اقتربت منهم لي لي بدون كلام، لتنظر لها امها قائلة 

" وأنتِ أيضا تستطيعين الجلوس على الجانب الاخر منه" 

تحرك الطفلان وسحبا مقاعدهم ليجلسوا عليها اقتربت سيلين وسحبت له المقعد الذي يتوسطهم وهي تقول مبتسمة

 " أصبحت محاصر بينهم" 

جلس الجميع بأماكنه الا هي لا زالت فوق رأسه تضع له بطبقه جميع ما يحب من أطعمته المفضلة.. 

.......... 


 و بمجرد  وصول نعمان لتركيا اخذ سنان حقه واكثر بالتوبيخ و الغضب منه فلقد حملهُ كل الذنب بضياع زوجته وابنه بعد ان علم انهم خرجوا هاربين من المشفى لحظة السطو كما تبين بالكاميرات..

أمر بنشر الرجال بالحواري و الازقة وبكل مكان بحثا عنهم، لم يتجرأ احد بالتحدث امامه وان كان بالخير فغضبه وخوفه على عائلته تعدى حد الجنون.. 

فكان زئير صوته العالي المتواعد بحرق من فعل هذا بعائلته لا يبشر بخير وكأنه يكتب نهايته بيده فلم يعد يحرص على أمنه ولا تخفيه من احد 

فمن يرى خروجه للبحث بنفسه بادئًا من المناطق الأكثر خطرًا يعلم قدر خوفه عليهم ان يكونوا قد أغرقوا بأحد هذه الأماكن دون معرفة خطورتها.. 

............. 

بقصر الفولاذ انتهى أول عشاء جماعي للعائلة بعد الحادث ، تناول يوسف الكثير من أطعمته التي يحبها حاول ان لا يكسر احدا منهم وأن يأخذ من الجميع ويأكل ما تمنوا له أن يأكله.. 

كان الأولاد اكثر فرحًا وحماسًا وهم ينتظرونه للنوم بحضنه. لم يجعلوه يجلس  لدقيقة واحدة بعد تناوله للطعام ، سحبوه بيدهم الصغيرة وهم يصعدون الدرج بجانبه يرفرفون من سعادتهم وفرحتهم.


نام يوسف على فراشه ليصعد أبنائه وهما يحاوطوه بنومه كلا منهم أخذ يد أبيه و رفعها لتحاوطهم 

التزموا الصمت بحضنه كما اوصتهم جدتهم إلا يضغطوا عليه بأحاديثهم و ذكرياتهم، ناموا على الفور دقائق معدودة اطمأنت قلوبهم بحضنه ليخلدوا بأمان وسلام.

 

اغمض عينه هو ايضا لينام بعد يوم ثقيل عليه ليس بالإجهاد فقط ولكن بمحاولة تذكر حياته السابقة وهؤلاء الاشخاص الذي اصبح وسطهم دون تذكر ما يقولونه.

سمع صوت فتحها الباب ودخولها للغرفة استمر على حالته مغمض العين، تحركت بخطوات هادئة لتبدل ملابسها دون ان يشعروا بها. 

وقفت امام خزانتها شاردة بوجهها الباسم ليفتح هو طرف عينه مختلسًا بعض النظرات المتخفية لها وهو يدقق بجمال شعرها والضوء المنبعث من وجهها 

اخرجت بيجامة مميزة لديها باللون الزهري ذات ملمس ناعم ولامع شردت قليلا و هي تحتضنها لتتذكر احدى بداياتهم حين رآها بها وهي تنزل الدرج ترفع شعرها الذي اخفى وجهها الخجول المنحني خشيةً من النظر له.. 

تذكرت عيونه الباسمة المنبهرة بها بهذا اليوم ابتسمت اكثر حين تذكرت تلخبطه وتلعثمه  بحديثه أمامها..

لم تكن تعلم ان تلك العيون تنبهر بجمالها من جديد تلعثم بريقه حتى أحمر وجهه حين رآها تهم بتبديل ملابسها امامه 

انزلت كتف فستانها الجميل لتنظر نحوه ونحو ابناءها بخجل جعلها تتحرك للحمام خشية ان يستيقظ احد منهم وخاصة هو فمن يرى وجهها وهي تنظر نحوه وتضم كتفها العاري لا يقول انها زوجته لسنوات بل يقول انها عروس بليلة زفافها.. 

أخذ نفسا عميقا بعد دخولها الحمام و هو ينظر للأعلى يتذكرها وهي بحضنه تحت ضوء القمر. 

لم تلبث ثواني حتى عادت لتقف من جديد امام مرآتها  وهي بنفس بهجتها و فرحتها، مالت لتفتح درج كبير كانت قد اخفت بهِ ذكرياتهم بعد الحادث الأليم اخرجت منه عطرها الخاص المفضل له لتضع منه الكثير و الكثير حتى غرقت به فهي من فرحتها لم تستوعب كم ما وضعته وكأن روحها اشتاقت له بعد فراق دام لأكثر من ثلاث سنوات.


اقتربت من فراشها وصعدت بجانبهم تحتضن لي لي و هي تمد يدها لتضعها بالقرب من قلبه مغمضة عيونها بفرحة كبيرة .. 

وبعد سكون و هدوء و نوم الجميع،وثبات استمر حتى تأكد من نومها فتح يوسف اعينه لينظر لها و لقربها منه وهو يستنشق عطرها ليملئ صدره منه بحركة لا إرادية.. 

لم يستطيع النوم رغم إجهاد ظل بهذه الحالة يتأملها هي والاطفال بحضنه حتى نام على هذه الوضعية...

............... 

بإحدى الشوارع المظلمة و بجوف الليل كان نعمان يصرخ بغضبه

 "واخيرا تذكرت الاتصال بنا، كان قد تبقى القليل لأتي إليك دون ان اخشى احد" 

تحدث مارت 

  " اعتذر منك. كما تعلم الوضع حساس ولم تكن لدي أي معلومة استطيع مدكم بها " 

غضب نعمان عليه قائلا

 " كيف ليس لديكم اي معلومات عن مكانهم" 

صرخ بقوة اكثر ليكمل بعدها

" انا لا افهم كيف خرجت من المشفى على مرآى منكم و من الرجال المسلحين ، ام انهم تعقبوها وهي الآن معهم "

رد مارت عليه وهو يقول 

" لا ليست معهم فقد انتظرت الحصول على معلومات مؤكدة حتى اتصل بك و اخبرك المفيد "

رد نعمان بصوته القوي 

 " اخبرني بسرعة ما لديك "

تحدث مارت وهو ينظر نحو الباب  بصوته المنخفض ليقول 

 " ولكن هذه المرة ستكون لي مكافأة مضاعفة "

تحدث نعمان بغضبه 

" لك ما تريد، تحدث قبل ان يذهب صبري "

اتسعت اعين نعمان وهو يستمع لما قاله تحدث بقلق

"انت تقول انهم بحوزة الشرطة الان " اكد له  ما فهمه، تحرك نعمان وجلس على مقعده داخل سيارته وكأن قلبه ارتاح الان عليهم، تحدث من جديد ليسأله عن المكان دون اخذ جواب.. 

فلقد اخبره حضرة الضابط مارت انه يحاول معرفة هذا المكان وسيتصل به خلال الساعات المقبلة ليعطيه تفاصيل اكثر.. 

وعده نعمان ان يعطيه اكثر مما يحلم ان تم الامر واستعاد عائلته بسلام وامان ، اغلق مارت الهاتف وهو يبتسم بخبث قائلا لنفسه 

" نعم ستعطيني انت مجبر على اعطائي ، ولكن لن أكتفي منك فقط فالصيد ثمين هذه المرة " 

فتح هاتفه واخرج رقم فواز واتصل به وهو يقول

 " لدي لك اخبار جديدة، عائلة نعمان بيد الشرطة الان تبقى القليل واعلم مكانهم ان كان الامر يهمك"

قاطعه فواز ليقول

 " وهل تعتقد عكس هذا، اعطني ما لديك وانا سأجعلك اسعد رجل بالعالم "


ضحك مارت وهو يرد  قائلا

" لا شكرا لك انا اعلم جيدا كيف اكون سعيدا" 

رد يافوز عليه بقوة 

" لك ما تريد "

دخلت عليه خطيبته الضابط بينجو الغرفة قائلة " مع من تتحدث كل هذا الوقت؟ "

اغلق هاتفه على عجل وهو يقول لها 

" لا احد كنت اطمئن على امي واخواتي، فانتِ تعلمين كالعادة المشاكل كثيرة بينهم وتأتي فوق رأسي بالأخير " 

ردت عليه لتقول 

" علينا ان نخرج لنحضر بعض النواقص كطعام للطفل و ادوية وما شابه ، هل هذا ممكن  ام اننا  نطلب المساعدة من أبي ويحضر هو لنا الطلبات بشكل متخفي "

رد خطيبها عليها ليقول

" لا تحملي هم انا سأدبرها، ولكن الان دعيكِ منهم ألم تشتاقي إلي " 

احتضنها ليقبلها ولكنها كالعادة رفضت وابتعدت عنه وهي تتحجج بمن معهم بالخارج.. 

ابتسم بصعوبة تحدث بها

" انتِ محقة هيا لنخرج لهم "

خرجا سويا ليدخلا غرفة تجلس بها فيروزة بجانب طفلها النائم و بجوارهم  الدكتور هازار الذي كان نائما على الاريكة الجانبية من كثرة إجهاده ومتابعته بحرص على سلامة وصحة الطفل.. 


استأذن منهم ليخرج هو قبل شروق الشمس و استيقاظ الناس ووعدهم انه سيأتي لهم عند حلول الليل كي يأتي بجميع متطلباتهم.

 

خرج بعد ان امنهم لدى خطيبته التي وجدت الفرصة لتتحدث مع فيروزه على انفراد ودون خوف وتقيد.. 


اخبرتها ان ما سيقال بينهم سيظل بينهم كاحاديث البنات واخرجت هاتفها و وضعته بالغرفة، وتحركت وهي تشير لها أن تتبعها ليجلسا بالصالون دون انارة الإضاءة لعدم لفت الأنظار نحو المنزل من الخارج، فكان الصالون الوجهة الوحيدة للمنزل على الطريق الرئيسي.. 

ارادت منها ان تحكي لها عن سبب تمسكها بموقفها وعدم الادلاء على اي معلومات تخص زوجها كما سألتها بفضول عن سبب هذا الموقف الغريب لها 

فمن يرى انهيارها حين ذهبوا إلى منزلهم الصغير وهي لا تعرف الموقع لا يقول أبدا انها تعيش حياة طبيعية مرفهة.. 

لم تتحدث فيروزة بأول الأمر ولكن مع كثرة اسئلة بينجو و تحيرها بأمرها 

تحدثت اخيرا وهي تنظر نحو فراش ابنها الذي كان ظاهر أمامها من جهة جلوسها قائلة بحزن 

 " كان خير أب وخير أخ وخير عائلة ، كان خير منقذ و معين و مدافع و محافظ، كان هو كل شيء لي وأصبح كذلك لطفلي، طبعا قبل انفصالنا الذي ليس له أسباب" 

و بفضول أكبر سألتها بينجو 

" كيف تعرفتي عليه ، هل كانت قصة حب كبيرة، وكيف خدع عائلتك و اقنعهم بزواجكم ام انكم تزوجتم بالارغام "

ردت مدافعة عن زوجها

" هو عكس ما تريه من الخارج ، بأول نظرة تلقيها عليه يصيبك الخوف و شعور بالهروب السريع خشية ان ياذيكِ، لم اتوقع ابدا انه من سينقذني من تعذيب ابي النفسي لي كل ليلة وهو يرغمني ان اخرج لأضيفُ اصحابه هو واخي ، طبعا بقول اضيفهم ليس لسكب العصير وما شابه، ولكنهم كانوا يجبروني على مضايفتهم المشروبات و اسايرهم حالمين  بإيقاع احدهم بي وحينها تبدأ المساومة و المزاد، فمن يدفع اكثر يربحني لم أجبر على فعلها إلا عدة مرات قليلة كنت حينها قد استسلمت لضربهم المبرح، و بالطبع طمع من لا عقل لهم وبدأوا بالمنافسة للفوز بالمزاد ، بهذا اليوم خرجت مسرعة من المنزل رافضة لما يحدث به ليخرج خلفي اخي و يضربني امام منزلنا بهذه الساعة المتأخرة ضربا مبرحا وقعت بعدها ارضا وانا  لا اشعر سوى بهذه اليد التي مدت لترفعني و تضعني بسيارتها، حينها صرخت بقوة رغم انهاكي الجسدي توقعت انه تم بيعي و لكني استغربت بشدة عندما وجدت امامي نعمان بيه صاحب المصنع الذي اعمل به انا واهلي"

صمتت فيروزة لتتذكر وقوف نعمان امام عائلتها وحمايتها منهم و جعلها زوجة له عندما رفضت ان تمكث بقصره دون نسب شرعي رغم معرفتها القوية انها ان عادت ستقهر وتذل اكثر واكثر.

تحدثت بينجو وهي تنظر لشرودها قائلة

" هل تنتظرين مني أن أصدق بأن نعمان افاي اخذك من الشارع وتزوجك لأجل حمايتك فقط ، لا تؤاخذيني ولكن الطفل لا يصدق ما قلتيه" 

تحدثت من جديد بنفس شرودها لتقول

 " كان قد رأني من قبل وانا اخرج من عملي بمصنعه ، توالت لقاءاتنا الصامتة و رفضي له حتى ذلك اليوم ليأخذ أبي الثمن الذي حلم به دوما وتركني له دون ان يفكر بشيء "

استرسلت فيروزه بحديثها حتى وصلا لسؤال

بينجو

" هل ندمتي على هذا، أو دعيني اغير صيغة سؤالي واقول هل تمنيتي حياة اخرى بعيدة عن ابيكِ و زوجكِ "

صدمتها فيروزة وهي ترد دون ان تفكر قائلة " نعم تمنيت، ولكني تمنيت ان لو التقيت به منذ زمن بعيد عن ماضينا و نشئتنا تمنيت ان اكون انا وهو وطفلنا بحياة اجمل واامن واهدى. حياة لا يوجد بها خوف و لا مستقبل مظلم، لم أندم على زواجي منه ابدا وان تكرر الزمن سأختاره هو، فلم أجد ولم أرى أحد يحبني ويخاف علي بقدره هو. اعلم انه غريب عليكِ فمظهره عكس ما بداخله"

ردت بينجو وهي تقول

" لم اتصور ابدا انه اعمى عينك لهذه الدرجة، هل انتِ مدركة انكِ تتحدثين عن رجل عصابات يقتل بدم بارد دون أي اعتبارات "

ردت فيروزه عليها قائلة

" لن تصدقي ان قلت لكِ انه لم يقتل مظلوم او بريء "

غضبت بينجو 

" حياة الناس ليست ملك له يقرر هو من الجيد ليبقى والسيء لينهيه " 

ردت فيروزة لتقول

" لن تتفهمي ما اقوله لهذا سأصمت، بالأصل أصبحنا منفصلين، لا داعي لحديثنا هذا "

ضحكت بسخرية عليها 

" نعم من الواضح انكم منفصلون" 

وقفت فيروزة لتعود لغرفة طفلها قائلة 

" سأذهب لأطمئن عليه " تركتها غارقة بحيرتها و لغز العلاقة الغريبة التي تربط فيروزة بزوجها هل قالت هذا من خوفها ام انها حقا تحبه .. 


google-playkhamsatmostaqltradent