بقلم امل محمد الكاشف
سرعان ما تحولت نظرات زهير من خوف إلى ترقب لحالة يوسف الذي ظهر عليه اجهاده و غرقه بعالم آخر لا يرى به سوى تلك الغرفة المظلمة التي حُبس بها من قبل مجهولين، رأى خيال رجل لا يظهر منه سوى ملامح غير واضحة بسبب ذلك الضوء الخافت الذي تسلل من تلك النافذة الصغيرة العلوية.
وجد زهير الوقت المناسب ليمثل به دور الصديق القلق على صديقه حيث اتصل بأورهان بيه ليخبره بوضع ابنه الروحي. ثم اقترب من يوسف ليمسك ذراعه كي يسير به لأقرب مكان ليجلسهُ، لم يتوقع ردة فعل صديقه عندما سحب ذراعه من يده مبتعد عنه وهو يصارع ما يراه بظلامه .
وصلت سيلين مسرعة و مهرولة بخطواتها و عيونها التي تبحث عنه بكل مكان حتى صُدمت بحالته وتعرق وجه واغلاقه لعينه بقوة وهو يتألم مما يحدث داخله.
اقتربت منه و حدثته بصوتها الحنون لتحثه أن يتحرك معها ليذهبا، وعلى غير المتوقع استجاب يوسف لزوجته وتحرك معها عدة خطوات وصل بعدها أورهان إليهم وهو يقول لابنته بحزن وقلق
" فلنعد للقصر على الفور"
ردت بصوت يكاد ان يُسمع
" ليس الان عليه ان يستعيد وعيه اولا "
تحركا بهِ اتجاه مكتب اورهان وسط حزن خُيِمَ على جميع العاملين المحبين له، اما زهير فعيونه و وجهه لا يوحيان بالحزن بل العكس كان فرح لأنه لم يُكشف أمره بعد وانه لم يستمع لما قاله أثناء محادثته كما توقع بأول الأمر .
تحدث شاهين لغمزه و هو ينظر نحو يوسف بحزن قائلا
" و كأنه حلم، من يُصدق ما يحدث أمامنا، والله لو رويتهُ على عاقل ما كان ليصدق كل هذه الأحداث الغريبة التي أصابتهم، وكأنها قصة خيالية حزينة "
ردت غمزة وهي تنظر ليوسف قبل دخوله لمكتب أبيه بملامح حزينة تشبه وجه شاهين قائلة
"انت محق ، من سيصدق ما نراه. أهذا يوسف بيرقدار الذي كان صوت ضحكه لا ينقطع طوال السهرات والسفريات، أهذا مستودع ذكرياتنا القديمة التي لا يستطيع أحد منا تذكر أدق تفاصيلها مثله"
نظر لها شاهين بعمق و شرود لترتبك من تلك النظرات التي كادت ان تغرق بها، خفضت رأسها وهي ترجع شعرها خلف أذنها قائلة
" بالأذن منك سأعود لعملي "
ابتسم ابتسامة ساخرة
" حتى انكِ تأخرتِ على قول هذا "
رفعت نظرها له ، ليكمل كلماته
" حسنًا سأصمت وأترككِ على راحتكِ كما وعدتك، بالأصل علي ان اعود لشركتي فالاعمال لا تنتهي. من بعد اذنك أبلغي أورهان مني السلام وأخبريه أنني سآتي غدا لأجل إتمام الاجتماع لا داعي لإشغالهم بالوقت الحالي فلا عجلة لدينا "
تحرك بخطواته الثابتة القوية قائلا لها بوجهه المبتسم وعيونه الغامزة لعيونها التي لم تسقط من على عيونه طوال حديثه
" دمتي سالمة ، إلى اللقاء "
لم ستستعد وعيها بعد ، غرقت غمزة بمشاعرها محتضنة الملفات بين ذراعيها لتدخلهم بصدرها وهي لا زالت تعلق اعينها عليه من الخلف.
لتندم على حالتها فور استدارتها حين وجدت شاهين ناظرا إليها ملوحًا لها بضحكته وعيونه الغامزة قبل دخوله المصعد، ارتبكت واستقامت بوقفتها معاتبة على نفسها ضعفها أمامه.
دخلت مكتبها واغلقت الباب خلفها بقوة غضبها
"برافوا من جديد غرقتي و فُضحتي أمامه "
جلست على مقعدها لتترأس مكتبها مكملة لنفسها
"لا اعرف ماذا يصيبني كيف اصبح بهذه السذاجة أمامه"
( أنه الحب يا سادة ان دخل القلب بصدق من المستحيل التخلص منه بسهولة، نعم أنه الحب الذي توج بالزواج و الصدق و الاحترام لسنوات عديدة )
صمتت لتتذكر عيونه التي كانت تستيقظ من نومها لتجدها تنظر لها غامزة بهذه القوة الساحرة "صباح الخير يا جميلتي"
شردت بحزن و عيون مُلئت بالدموع وهي تتذكر حديثها الاخير معه
" إلى هنا وحسب أنا لم اعد اتحمل أكثر من هذا، علينا أن ننهي هذا الوضع. علينا أن ننفصل بأقرب وقت "
بالأسفل وبعد ان خرج شاهين من الشركة و صعد سيارته تغيرت ملامح وجههُ ليغرق بحزنه متذكرًا حديثه لها
" ليس ذنبي وما أدراني بوضعها انا ايضا تفاجأت بأمر الطفلة كما تفاجئتي، رجاءً لا تفعلي ما تفعلينه أمامها. أنا احتاج لكِ بجانبي لا يمكنكِ أن تصبحي أداة ضغط مثلهم"
…….
هدأ يوسف واستعاد نفسه بعد ان تناول الدواء الخاص به، سأله أباه
" هل اجواء الشركة جعلتك تتذكر أيامك السابقة بها "
راقبت سيلين زوجها منتظرة الرد منه كما ينتظره والده، تنهد يوسف بضيق مجيبًا به
" لا شيء كالعادة ظلام و أشباح "
ردت زوجته مشفقة عليه
" لماذا أتيت ألم ترفض المجيء من قبل"
نظر لها مطولا ثم رد
" رأيت أنه من الأفضل مواجهة حياتي السابقة ، توقعت أنني سأتذكر أي شيء ولو صغير بقدومي" و صمت ليشرد من جديد متذكر كيفية دخوله الشركة بهذه القوة وخطواته بسيره في الممرات و كأنه استعاد ذاكرته او كأنه عاد لأيامه الاولى.
وقفت سيلين قلقة من شروده قائلة
" هيا لنعود للقصر يكفي بهذا القدر "
هز رأسه رافضًا لما سمعه قائلا لها
" حدث و أتيت لا يمكننا التراجع و العودة هكذا كالهاربين ، سأكمل اليوم كي اعتاد على المكان فلربما أجد بعملي ما ابحث عنه"
نظرت لأبيه لتحثه ان يتدخل و يقنعه بالعودة معها، ولكن اورهان أيد رأي ابنه قائلا لها
" معهُ حق فليبقى، ما دام قرر ان يخوض حربه باستعادة ذاكرته و ما مضى فليبقى بل و ليأتي معنا كل يوم فكما قال لعله يجد ضالته التي يبحث عنها هنا ".
مضت عدة ايام و اسابيع على هذا النهج أصبح يذهب معهم للشركة كل يوم محاولًا استعادة ذاكرته بأي طريقة فهذا ما يتضح من حرصه على مراجعة أعماله السابقة و قراءة ملفات كثيرة قام بإنهائها من قبل.
اشفق اورهان على حالته تدخل ليهون عليه وينصحه ان يخطوا خطواته ببطء وان كل شيء سيأتي كما طمئنهم الطبيب ولكن عليه التحلي بالصبر.
لم يستمع له فقد وجد اورهان داخله امر اخر بخلاف رغبته بالتذكر و كأنه يبحث بالملفات التي تخص عمله بجانب زهير وهذا ما ظهر بأسئلته المتوالية له حين فتح ملف و سأله به عن عدة بنود هامة. ثم فتح الآخر و كرر نفس السؤال.
لم ينتهي الامر إلى هنا وحسب ،انتبه اورهان لجدية الامر و ما وصل له يوسف من تجاوزات كبيرة، جلس بجانب ابنه وبدأ يعيد فحص وتدقيق الملفات السابقة باهتمام كبير ليتأكدوا بالتلاعب الواضح داخلهم.
وهذا ما كان يحدث بعد انتهاء يوسف من أمر الملف و تولي زهير باقي المهمة.
لم يتوقعا هما الاثنان اندماجهم بالأوراق كالماضي و مراجعة يوسف للملفات بشكل احترافي كعادته وهذا ما لفت انتباه اورهان و جعله يتشجع ويسأله
" بني هل تشك بأمر زهير "
نظر يوسف لأبيه مصدومًا من سؤاله له مجيبًا بسؤال اخر
"هل هو ظاهر لهذه الدرجة؟"
……
انشغلت سيلين بعملها داخل غرفة مكتبها. جاءها زهير بوجهه الضاحك قائلا
"ألقيتِ بنفسك داخل العمل من جديد، ان لم ترأفي بنفسك فرأفي بنا. نعمل بجهد كبير ولا نستطع مجابهتكِ"
ابتسمت شاكرة له اهتمامه بإنهاء ما كلفته به، وهنا تشجع وطلب منها ان تتكرم عليه بفنجان قهوة من يديها فهو لم يستمتع بمذاقه منذ سنوات عديدة، نظرت سيلين نحو ركن القهوة قائلة
" انت محق انا لم اصنعها بالشركة منذ ان غاب يوسف عنا "
تحدث زهير بسرعة
" دعينا لا نتذكر هذه الايام، فها هو الان بيننا و بالشركة ايضا"
هزت رأسها بحزن
" انت محق ولكن أعتقد أن هناك نقص"
عاد لينظر نحو ركن القهوة و هو يقول بصوت يملئهُ الحماس
" لا لا يوجد نقص او ما شابه ، فلقد اوصيت السيد جميل ان يحضر اجود انواع القهوة و امرته ان يجهز المكان للبدأ بتحضيرها "
تحركت سيلين لتقف من على مقعد مكتبها وهي تنظر لركن القهوة بوجه مبتسم
" من الجيد أنك فعلت هذا من المؤكد أنه سيفرح ان اعددت له فنجانه الخاص. أو من الممكن ان تساعده القهوة بتذكر ما مضى"
( قصفت جبهته بصاروخ أرض جو😂)
تغيرت ملامح وجه زهير رغم انه جاهد أن لا يظهرها ممثلا ضحكته الصفراء الماسخة و هو يقول لها
" نعم ، نعم انها فرصة لتذكره بعض اللحظات الجميلة، حتى أنه سيتذكر مع أول نفس يشمه من رائحتها "
تحمست سيلين وبدأت بتحضير القهوة دون الانتباه لملامح زهير الغادرة لها بل ولم تنتبه من اقترابه منها بحجة انه يريد ان يتعلم كيفية صنعها و اعدادها للقهوة.
صادف هذا مرور يوسف بجانب مكتبها ليكن من حظه سماع صوت ضحك زهير وتحدثه مع زوجته، فار الدم وغلى بعروقه اسرع ليدخل عليهم لينصدم بقربه منها لهذا الحد فمن يراهم من الخلف يعتقد أنهم متلاصقين.
اقترب بصوته الغاضب متحدث دون تفكير
" ماذا يحدث هنا؟ "
استدارت سيلين بوجهها الفرح لتتفاجأ بقرب زهير منها، تراجعت خطوة للخلف مبتعدة عنه ليعتذر زهير منهما ويقول
" اعتذر منكم لم انتبه، فرغبتي برؤية كيفية صنعها للقهوة جعلتي لا انتبه من قربي"
ردت سيلين وهي تنظر لزوجها قائلة
" نعم وانا كذلك ، بدأت بتحضير فنجان القهوة الخاص بك دون ان اشعر بشيء حولي"
اقترب يوسف و تخطى زهير ليقترب منها ويسحبها من يدها ليجعلها بجانبه او بمعنى ادق داخل حضنه حين التفت يده حول خصرها، تفاجأ من حديثه مع زهير وتحدثه بكلمات شعر انها خرجت منه سابقًا.
نظرت سيلين له باستغراب لتجده ينظر لزهير نظرات غريبة حينها تأكدت مما شعرت به وكأنه كان يتحدث مع شاهين قبل سنوات بعيدة.
لم يكن شعورا فقط فكان هذا ما يحدث مع يوسف حين اختلطت عليه صورة زهير بشاهين و استعادته لذلك المشهد وهو يدافع عن زواجه امام شاهين حين أعطته غمزه الامل بالتقرب من سيلين مجددًا.
استأذن زهير وخرج من المكتب وهو يوسع من رابطة عنقه ( الكرفت) قائلا
" مجنون اقسم انه مجنون، لا يمكنه أن يستعيد عقله بهذا الجنون "
أخذته زوجته من يده واجلسته على الاريكه الجانبية وهي تروي له ما حدث مع شاهين منذ سنوات و اخبرته انه قال نفس ما كان يقوله بالسابق .
أومأ يوسف رأسه بضيق تحدث به
" نعم انتِ محقة حتى اني رأيت وجه شاهين أمامي بدلًا عن ذلك الجبان "
استغربت من نعته لزهير بالجبن، لم ترد ان تراجعه فحالته المضطربة جعلتها تنشغل به محاولة تهدئته أكثر من أي شيء اخر.
..........
و بطريق عودتهم للقصر سألها يوسف هل استطاعت الوصول لأي خبر يخص اخاها نعمان ، اجابته بحزن
" مع الاسف حتى عمتي ايفان لا تعرف عنه شيء منذ أن اختفت زوجته من المشفى"
أجابها براحة كبيرة
" لا عليكِ المهم ان يكون بخير، هما الاثنان بحاجة لمداواة جروحهم سويًا بعيدًا عن الناس"
وصلا للقصر تزامنًا مع وصول سيارة الأولاد، وأخيرًا ضحك و جهه و فرح قلبه لرؤيته لابنائه، فكانوا هم أكثر شيء حقيقي ملموس يتذكره جيدًا بحياته الحالية.
نزل مسرعًا كي يحتضنهم و يرفعهم نحوه ليقبلهم وهو يسألهم عن دروسهم و يومهم الدراسي، تحركت سيلين لتسير خلفهم وهي سعيدة بهم و بحالتهم الفرحة.
و بعد انتهاء عشاء عائلي جميل وفرح تلى بعده استجابة يوسف لطلب ابنه ان يذهب معه لغرفته كي يحكي له قصة ما قبل النوم كسابق عهدهم، فرحت لي لي و طلبت ان ترافقهم لتستمع لوالدها، نظر تولاي لامه و هو يطلب منها ان تأتي معهم ولكنها رفضت قائلة
" لا طاقة لدي رأسي تؤلمني اذهبوا انتم و انا سأصعد لأبدل ملابسي و اصلي فرضي"
صعد الأولاد برفقة أبيهم وهم سعداء به كلا منهم يطلب أن يقرأ له من قصته الخاصة، أعجب يوسف بالرواية التي كانت تقرأها لي لي و اخبرها انه احب هذه الرواية كثيرا، ثم نظر لتولاي و لقصته وهو يقول
" ألم يكفيك الاستماع لتلك القصص ، اختار قصة تليق بسنك لم تعد طفل صغير ينتظر بشوق نهاية مغامرات الحيوانات بحدائقهم "
فكر تولاي قليلا ليرد بعدها على ابيه بأعينه التي كادت أن تبكي
" ولكني احب هذه القصة كثيرا"
ضحك يوسف و اخذه بحضنه و هو يقبل رأسه قائلا
" و مع هذا علينا ان نذهب سويًا لاختيار قصص تليق بسنك واعدك انها ستكون شيقة بل أكثر من شيقة "
فرحت لي لي وبدأت بطلباتها الكثيرة، غضب تولاي و قال لها
" لا لن نأخذكِ معنا. سندور خلفكِ طوال الوقت ولن تنتهي طلباتكِ حتى ينتهي يومنا "
شردت فضيلة وهي على فراشها بجانب أورهان متذكره ما قالته لسيلين بندم كبير على تشجيعها بفعل هذا.
امسكت بهاتفها لتحدثها و تتراجع على ما الحت واصرت على حدوثه متأمله ان يتذكر زوجته بقربه منها.
و بعد مرور وقت قصير دخل يوسف غرفته ليجدها على سجادة الصلاة رافعة يدها تدعوا ربها، اغلق الباب لتقف هي و ترفع السجادة لتطويها و تضعها جانبًا.
تحدث ليقول
" اريد بيجامة أخرى لقد سقط معجون الأسنان على خاصتي بالصباح"
ردت عليه دون النظر له قائلة
ّ " ها هي على الاريكة أخرجتها لأجلك"
نظر لبيجامته ثم نظر لها و هي ترفع حجابها و تطلق شعرها ليتراقص خلف ظهرها وهي تصعد فراشها بجمالها و زينتها و عطرها الفواح
لم يستطع رفع عينه من عليها ، فمن الواضح أنها ارتدت هذا الثوب ليصل لما هو عليه الان. استلقت على فراشها وبدل ان ترفع الغطاء حتى عنقها كعادتها اكتفت بوضعه على خصرها.
ابتلع ريقه بحالته التي انفصل بها عن العالم كله فكان قلبه هو المتحكم الآمر الناهي به في هذه اللحظات الثقيلة على كل عاشق.
تحرك ليرتدي ملابسه و هو ينظر لجمال الزيتوني عليها و كأن هذا اللون خلق خصيصًا لأجل جمالها و تنعمها به..
تردد بالنوم بجانبها و هي بهذه الحالة التي لن يستطع التحكم بنفسه اذا اقترب منها.
وهذا ما جعله يفعل ما لم تتوقعه حين نام على الاريكة هاربًا من ضعفه أمام جمالها،
ليزيد هذا من غضب و اكتظاظ سيلين التي شعرت بعدم قيمتها لديه، لامت نفسها على ما فعلت حتى كادت أن تذهب لتبدل ثوبها و توقظه ليأتي بجانبها، لولا و وسوسة الشيطان الذي جعلتها غاضبة على ما فعله دون تحكيم عقلها واعطائه بعض الحق بتصرفه.
وهذا ما جعلها تتقلب على فراشها دون نوم تنظر له على الاريكة بين الحين والاخر متمنية استيقاظه و عودته للفراش دون أن يحدث.
جلست على فراشها بحزن تنظر لملابسها بعيون كادت ان تبكي تحركت كي تبدلها و ترتدي بيجامتها اليومية.
بدلت ثوبها وهي تنظر له خيفةً من أن يستيقظ ويسوء الوضع أكثر، وضعت الثوب بمكانه و تحركت من جديد لتصعد فراشها الذي أصبح باردًا من المشاعر بدونه
من شدة ضيقها و حزنها على ما فعلته لم تنتبه له و لكابوسه الذي كان يصارعه فمن جديد تعالت أصوات صراخ و اضواء و خيالات لأشخاص جدد يظهرون أمامه.
همهم بأنفاسه العالية وهو يحرك رأسه يجاهد ما يراه، اقتربت منه دون أن توقظه بناء على تعليمات الطبيب لتتركه يتشاجر بغرفة أشبه ما تكون بمحبس يصرخ برجل غريب عنه يقول له
"هي من فعلت، هي من ساعدت الرجال، هي وراء كل شيء "
ازداد لون حمرة وجهه المتعرق وهو يتذكر سيدة مريضة اضاء وجهها ليتأكد أنها أمه ولكن لما هي بهذا المنزل البسيط. لما هي بهذا السوء، اعتلا صوت أنفاسه و هو يتذكر تلك الفتاة الخجولة التي تطعم أمه وتحقنها بدوائها، اضاء النور بوجهه أكثر ليرى نفسه خلف القضبان سجينًا، حرك رأسه بضيق وجهاد أكثر وهو يسمع صوت صراخهِ بذلك المحبس صادمًا جبهتهُ بقضبانه مكرر اتهامه لتلك الامراة التي ساعدتهم.
ازداد صوت الصراخ و الأضواء بكابوسه ليفتح اعينه هاربًا منه، أعطته كأس الماء وهي تقول له " ذهب ، لقد ذهب"
نظر لها و لقربها منه بعيون أجهدها كابوسها و محاولاتها تذكر ما أضاعته، تحركت لتمسك يده و تحركه معها نحو الفراش لينام بمكانه ثم تحركت للجهة الاخرى لتنام هي أيضا بجانبه تاركة مسافة بينهم
ادار رأسه لينظر لها حتى عاد لنومه بهذا الصمت و هذا الاجهاد لتتوالى عليه المزيد من ذكريات الدراسة في الجامعة و الأصدقاء و زفافه من هوليا الذي أصبح شبه كامل أمامه ، تذكر صديقه عمر و التجائه له لينقذه ممن يدورون حوله.
من الواضح أن ذاكرته تعود له بأسرع مما توقع الطبيب فحتى ولو لم يتذكر الحاضر فهو اصبح يعي الماضي بشكل كبير.
بهذا الصباح استيقظ يوسف بوقت متأخر عن الطبيعي فبعد ليلة شديدة الصعوبة عليه لم يستطع الايفاقة بسهولة
بحثت عيونه عنها بالغرفة فلم يجدها لا بجانبه على الفراش ولا بالحمام الذي كان مفتوح بابه و مغلق نوره
تحرك لينهض من على فراشه و هو يستمع للأصوات بالأسفل نظر من زجاج نافذته ليجد سيارة أبناءه تخرج من القصر
حزن لذهابهم قبل ان يودعهم معتقدًا انها خرجت معهم و تركته لينام براحه بعد ان تأخر كل هذا الوقت باستيقاظه.
استدار لينظر للساعة و هو يتألم من رأسه اكمل سيره نحو الحمام بنفس ضيقه و تعبه.
جلست سيلين بجانب خالتها وهي تُنزل هاتفها من على أذنها قائلة
" كالعادة لا جديد، ما يمر به شيء طبيعي و محاولة منه لتذكر ماضيه، ولكنه طلب أن نذهب للعيادة اليوم على الظهيرة كي يتحدث معه وجهًا لوجه"
ردت فضيلة عليها متسائلة
" هل لنا أن نرى طبيب غيره، لا أقصد غيره بالمعنى الكامل اعني نذهب لطبيبين بنفس الوقت لنطمئن أننا على الطريق الصحيح "
فكرت سيلين بكلمات فضيلة و هي تلقي برمح بصرها لأعلى الدرج قائلة بحيرة
" لا أعلم ، وأنا فكرت بهذا ولكن أبي أخبرني أنه أفضل طبيب بمجاله ، و ايضا يوسف اصبح يشعر بالراحة معه هو من أخبرني بهذا، أخاف أن تكون فكرة طبيب جديد غير مجدية بهذه الفترة، فأن تشتت تركيزه بالتنقل من طبيب لأخر من الممكن أن نفقد سلامه النفسي و الارتياح بالإفصاح عن ما بداخله "
نظرت فضيلة بوجهها الذي ابتسم فجأة بمجرد رؤيتها له ينزل الدرج قائلة له بصوت منخفض
" لقد أتى ، لنؤجل حديثنا بوقت اخر "
وتحركت لتقترب منه لتستقبله فور نزوله من على الدرج وهي تقبله قائلة
" صباح الخير لمن يضيء وجهه صباحي "
فرح يوسف بحالة خالته
" صباح الخير لكِ أيضا خالتي العزيزة "
نظرت سيلين نحوهم بسعادة زادت حين رأته يقترب منها بوجهه المبتسم ليقول
" توقعت انكِ ذهبتِ للشركة "
ردت عليه وهي فرحة بقربه
" لا يمكنني الذهاب للشركة اليوم. بعد ان اصبح لدينا موعد مع طبيبك الخاص على الظهيرة"
قاطعها قائلا
" لا تؤجلي أعمالك لأجلي، اذهبي أنتِ و أنا سأذهب برفقة خالتي "
ارتبكت سيلين نظرت لخالتها ثم نظرت له قائلة
"لا عليك أنا من سيذهب معك، وايضا لا يوجد شيء مهم بالشركة "
تحركت مقتربة من مائدة الفطور مكملة
"هيا لتتناول فطورك. تأخرت على دواءك بما يكفي"
.............
أنهى نعمان فطوره و هو بحيرة من أمرها و طريقة تناولها للطعام، أقترب منها و أعطاها دواءها و هو يجلس بجانبها يحرك يده على أطراف شعرها من الخلف بشرود جعلها تتحدث معه قائلة
" هل تأثر شعري هو أيضا بالحادث "
اجابها بشروده
" لا أعرف هل تأثر أم أن قصر طوله ولونه الجديد جعلني أشعر بذلك"
تساءلت بينجو بفضول
"هل كان طويل"
رد عليها بحزن وهو ينظر لأطراف شعرها بين يده
"حتى أنه كان يعرقل جلوسك حين يزاحمكِ على الفراش، اردتي أكثر من مرة تقصيره و لكني رفضت بشدة فلم استطع التفريط بأي شيء منكِ حتى وإن كانت أطرافه "
ملأت عيونها بالدموع على حالته و حزنه و وفائه و حبه الكبير لزوجته ، أقترب منها ليقبلها من أسفل عنقها كي يشعر بها و لكنه تراجع عن تقبيلها حين شعر برفضها، ليكتفي بإراحة رأسه على كتفها و هو يغمر أنفه بثنايا عنقها ليستشعر الأمان كسابق عهده، متوقعا منها أن تأخذه بحضنها و تحنو عليه بيديها ولكن لم يحدث شيء مما تمناه بل لم يشعر بنفس ما كان يشعر به سابقًا. ليراوده شعور بالغربة وهو بجانبها.
كان يسأل نفسه كلما نظر لها
"هل يتغير الشخص لهذه الدرجة عند نسيانه أم أنه يحدث بسبب احتراق قلبها على طفلها"
.............
تسلل الامل بقلب سيلين حين سمعت زوجها وهو يروي ما يراه بأحلامه و كيف اصبح يسمع صوتها بأحاديث مختلفة و منزل مختلف. تنزل من اعلى درج بشكل غير واضح يرى ضل شعرها الطويل خلفها.
تدخلت سيلين لتقول
" اعتقد انك تذكرت منزلنا الأول"
نظر الطبيب ليوسف و سأله "هل تتذكر منزلكم السابق بشكل جيد؟"
رد بهز رأسه
" لا ليس بشكل كامل يعني كثرة الضباب و تشويش الرؤيا بأحلامي تغضبني وتضغط علي كثيرا"
تأثر الطبيب بضيقه وحالته التائهة وسط أحلامه وواقعه فكر قليلا لينظر بعدها لهم كي يقترح عليهم الانتقال لمنزلهم السابق وقضاء عدة أيام به فمن الممكن وجودهم هناك يساعده باكتمال الصور التي لا يستطيع اكمالها بأحلامه.
و بوجه متسائل نظر يوسف لزوجته
" وهل لا زال ملكًا لنا "
لم ينهي سؤالها حتى جاءت اجابته السريعة منها وهي تؤكد له انه لا زال خاص بهم ويمكنهم الذهاب له باي وقت يكفي أن يريد هو ذلك..
............
عاد نعمان لمنزله ويده محملة بأكياس مملوءة بأطعمة وفواكه وخضار دخل بهدوء كي لا يوقظها ان كانت نائمة، ولكنه لم يكن يتوقع ما رآها عليه وهي تتمرن بحركات رياضية قتالية لا يفعلها سوى المحترفين.
تخبئ جانبًا كي يتابع مراقبتها وهي تفعل ما تفعله بحذر لأجل وضعها الصحي ، اصبح الوضع اكثر غرابة وشك لديه ليس شك فقط بل أصبح شبه متأكد انها ليست زوجته و خاصة حين حاول الاقتراب منها اكثر من مرة والضغط عليها ليخرجها عن هدوئها و يختبرها ولكنها كانت تتهرب منه..
فعلها اكثر من مرة بشكل شبه متتالي على مدار اربع ايام ، ليأتيه ما أراده حين بكت و طلبت منه ان يعقد عليها مرة اخرى ليجددا زواجهما بحجة نسيانها وعدم شعورها انه زوجها.
صُدم من طلبها و الاكثر صُدم من كثرة بكائها و اقترابها منه كل يوم وهو نائم بالليل، فهي ببعض الاحيان تظهر قوية غير متأثرة بشيء و احيان اخرى ضعيفة مكسورة منهارة داخليًا .
هذا الاحساس لم يشفع لها ولم يهدئ من ناره و تفكيره ماذا حدث بزوجته! اين هي! .
كان قلق ان تكون بيد الشرطة محتجزة هناك وبحاجة إليه، وبعد تفكير حكيم قرر نعمان موافقتها على طلبها لتجد نفسها بعد ساعات قليلة تنتقل لمكان آخر أكثر امانًا و بعدًا عن العيون.
كان ينتظرهم داخله شيخ جليل جاء ليجدد عقد زواجهم، تسلل الخوف لقلبها و خاصه انها كانت تلاحظ تغير نعمان و نظراته الغريبة اتجاهها خلال الايام الماضية.
ولكن المفاجأة الأكبر نعته لها بطريقة غريبة أمام كاتب العدل حين قال
" الجميع لديه ما يخبئه و ما لا يحب ذكره أو تذكره كماضي او حاضر وهذا ما نسميه القدر، وهو يشبه فرض اسمائنا علينا شئنا ام ابينا نجد أنفسنا نحمل تلك الاسماء. ولان الاسماء ما هي إلا حبر مدون على ورق فقط لهذا اريد ان أغير العرف قليلا واسأل زوجتي بنفسي و اقول لها هل تقبل صاحبة العيون الخضراء بي زوجًا لها "
ابتلعت بينجو ريقها الذي تلعثمت به وهي تقرأ ما تقول عيونه قبل فهم ما يخرج من فمه، فكانت عيونه التي رشقت وثبتت بشكل غريب بعيونها أقوى وأثقل من كلماته وتلميحاته لها، حتى انها كادت ان ترفض لولا إنجبارها على هذا الخيار الذي لا بديل له.
هذا التردد لم يتوقع احد بعده انها ستجهز نفسها لتصبح حقا زوجته بشكل كامل. تزينت و قررت تسليم نفسها له. ليحدث ما لم تتوقعه حين تهرب هو منها بعدما اخبرها انه لا يريد الضغط عليها و سيتركها حتى تتذكره وحدها.
تعجبت لموقفه فهو من كان يضغط عليها و جعلها تطلب ان يكون بالحلال ، تركها بحجة اجراء اتصال مهم وخرج من الغرفة وهي لا تصدق حالته فكيف استطاع تركها بعد ان تجهزت بهذا الشكل.
جلست على الفراش بحالتها الغريبة وكأنها تعرضت لخيبة امل او اهمال من حبيبها بليلة عرسها فوجهها يحكي عن تأملات و بداية لانبات براعم خضراء صغيرة بقلبها اتجاه هذا القلب الحنون الوفي.
نعم فما سمعته عن وفاءهُ و حبهُ و شجاعتهُ و مروءتهُ من زوجته قبل وفاتها، و رؤيتها لحالتهُ و انهيارهُ امامها بالمشفى و صدق كلماته لها بانه سيفعل كل شيء يكفي ان تسامحه جعل قلبها يرق و يحن و ينجذب له و لذلك القلب الحنون و عيونه التي تشبه طفل صغير مذنب مقصر حزين مهموم.
ليس هذا وحسب بل و صدمتها بخيانة خطيبها مارت الذي توقعت انه وفي و عاشق لها ، فبرغم انها كانت تشعر بخيانته ورغم افتراقهم عدة مرات بسبب هذه الأفعال الغير أخلاقية إلا أنها كانت تنساق دائما خلف قلبها وحبها له.
............
ارتاح قلب يوسف بمجرد دخوله منزله قبل عدة أيام، فبرغم عدم تذكره له إلا أن شعوره بالراحة كان يظهر على وجهه .
رن جرس الباب تحرك ليفتح و هو يقول بصوت عالي " ها قد أتى سأفتح أنا"
صمت للحظات و هو ينظر لذراعه المرفوع و حديثه الذي خرج منه دون ترتيب و كأنه شيء اعتاد قوله.
تقدم خطوات نحو الباب ليفتح و يستلم بنفسه وجبة العشاء التي طلبتها سيلين بشكل خاص كما كانت تطلبها بالماضي .
أعطى الرجل حسابه و اخذ الاكياس الورقية منه و أغلق الباب وهو يشتم رائحتها بمتعه كبيره قائلا
" ما هذه الرائحة الشهية من الواضح انها كانت محقة باختياراتها" ، ثم عاد ليشرد من جديد محاولًا تذكر أي شيء بخصوص ماضيهم معًا
اتصلت سيلين بخالتها كي تطمئن على أبنائها. تغيرت ملامح وجهها عندما سمعت من فضيله نصائحها المكررة بأنها عليها ان ترتدي كأول زواجهم و ان عليها استعادة بداياتهم و أول لحظات جميلة بينهم
شردت وهي تنظر لفراشها لتتذكر أول ليلة لها بهذا المنزل حين ارتدت ثوبها الأبيض وكتبت بدفترها
" انا عروس"
اغمضت عينيها لتتذكر كلماته لها بعد كل تقارب بينهم
" حدث لأجل العلاج.. فعلتها لأجل القضية كي يكون طبيعي امام الناس"
اختنقت بالذكريات حتى دمعت عيونها، سمعت صوته يأتي من الخارج و هو ينادي عليها أنهت المكالمة مع خالتها و خرجت من الغرفة وهي تقول
" أتيت.. أتيت" لم تكن تتوقع أنه سيكون امامها عند فتحها للباب.
انصدم بحالة وجهها. و لاحظت هي تعابير وجهه المتسائلة لتجيب قبل ان يتحدث قائلة
" تحدثت مع الاولاد لقد اشتاقوا كثيرا إلينا، ولكن لا تقلق سيأتون بعطلة نهاية الأسبوع كي نزيل الشوق"
ابتسم قائلا
" ما الداعي لهذا كان عليهم ان يأتوا معنا و يدرسوا و يذهبوا للمدرسة من هنا ، فأنا ايضا اشتقت كثيرا لهم"
اختنقت اكثر محاولة إخفاء دموعها ولكنها لم تستطع هذه المرة ، سألها بشكل واضح
" هل أنتِ متأكدة أن حالتكِ هذه بسبب بعد الأولاد واشتياقكِ لهم؟ "
لتجيبه بغرابة و هي تقترب منه و تحتضنه مخبئة رأسها بصدره قائلة
" هل يمكننا أن نبقى هكذا قليلاً "
اختنق صوتها اكثر وهي تكمل
" احتاج …" صمتت لينظر لها بحضنه وهو حزين لا يفهم حالتها وخاصة حين شعر ببكائها الذي تمرد عليها رغم محاولاتها لإخفائه.
رفع يده ببطء و تردد يريد أن يضمها و يحنو عليها و لكنه هو أيضا بصراع داخلي قوي فقلبه يريدها و عقله يحذره بشدة.
ومع سوء حالتها و التفاف يدها خلف ظهره وهي تضمه بقوه كي تشعر به و بملكيتها له، لم يستطع منع يديه من أن يلتفا عليها ليحاوطوها و يضموها لصدره بقوة ليهون عليها ما هي به .
وبعد دقائق من الصمت تحدث ليقول
" ما رأيك أن نرقص على انغام قلوبنا ، انصحك بفعل هذا فهو علاج مضمون وخاصة ان كانت الرقصة بالبيجامات. فهنا تكمن المتعة الحقيقية "
دهشت سيلين بما سمعته منه فتحت اعينها داخل صدره وهي تركز هل ما سمعته صحيح ام انها تتوهم بماضيهم.
ليست هي فقط من اندهش بل هو أيضا كان ينظر نفس النظرات الغريبة بعد ان خرج منه الكلام دون ان يشعر وكأن شخص اخر تحدث .رفعت رأسها لتنظر لوجهه فرحة مما سمعته بدأ يتمايل ويدور بها و هو مغمض الأعين منسمجًا مع الشعور الذي ينبثق من داخله.
لم يرد أن ينهي رقصتهم لهذا طالت كثيرا وخاصة حين تركت هي ايضًا نفسها بين احضانه رافعة يديها الاثنين ليلتفا حول رأسه من الخلف مغمضة الأعين تتمايل على انغام فرحتها و راحتها وأمانها الابدي.
كان من المفترض أن يناما بشكل منفصل فحين علم يوسف أنهما كانا منفصلين بأول الزواج أراد أن يكرر الامر.
فعلوها خلال الأربع أيام السابقة ولكن هذه الليلة كان الوضع مختلفا، فبعد ان انهيا رقصتهم التي أبيا كليهما أن ينهياها بوقت قصير وجدا انفسهما بجانب فراشهم.
نظر يوسف لها ثم نظر لفراشها و بنفس وضعه ويديه الملتفة حول خصرها قال
" ليلة سعيدة لكِ "
تنهدت بحزن وهي لا زالت متعلقة برأس عيونها تنظر بقرب لعيونه التي لا تريد تركها والذهاب بعيد عنها، وبعد تردد لم يطل كثيرًا طلبت منه ان لا يذهب للغرفة الاخرى و يشاركها الفراش.
لم يرد على طلبها لتكمل قائلة
" كنت ايضا تفعلها ، استيقظ صباحًا لأجدك نائمًا بجواري أعني بجوارنا طبعا حينها كانت لي لي صغيرة و هي من كانت تجمعنا، تأتي لتراها او تساعدها بالليل على النوم و لا تجد نفسك إلا و ذهبت بنومك بجانبنا "
ابتسمت بخجل وهي تخفض رأسها بدلع مكملة
" و ببعض الاوقات كنت تفعلها دون حجة او سبب تأتي وتنام وانت تقول لا اريد النوم بمفردي اخاف وحدي "
ابتسمت و هي تهتز بحضنه لتقول له
" حتى لي لي كانت تهز رأسها بنعم عندما تسألها أليس كذلك يا جميلتي "
ومن جديد و بدون ان يشعر او يفكر بعقله أخفض رأسه ليقبلُها بالقرب من وجنتها القرمزية.
لم تكن قبلة من قلب مشتاق بل كانت قُبلة غريق يريد أن يتشبث بأي أمل و لو صغير، أي شعور بسيط او خيط يصل به للضوء الذي فقده داخله بعد ان أرهقه كثرة التفكير و محاولاته الكثيرة لأجل تذكر كل ماضيه و من هي بجانبه لشهور.
