الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم امل محمد الكاشف
( لا تَلومني فعندما زاد حبي لك ، جعلني أغار عليك حتى من نفسي 😢)
اتسعت اعينه و تغيرت ملامح وجهه بعدما أخبرته بما كان ينتظره منها، رفض استيعاب ما قالته متحدث بغضب وصوت علا بقدر استعادته له قائلا
" هل كنت اتنافس معه على قلب زوجتي، أكنت ساذجًا لهذه الدرجة، هل اعمى حبك قلبي لهذا الحد، أم أنا سيء لدرجة ترك زوجتي…."
حركت يدها و وضعتها على فمه لتصمته وهي ترد عليه
" انت حسن، انت هو وهو أنت ، يوسف بيرقدار هو حسن انتما روحين بجسد واحد، أحببتك من أول نظرة حين كنت حسن وامتلكت قلبي و اسرت روحي وأنت يوسف بيرقدار وبين هذا و ذلك اجد نفسي غارقة ببحور عشقي الأبدي لك "
اقترب منها وهو بنفس حالته و وجهه الذي لا ينبأ أنه فهم ما قالته ليتحدث من جديد بنفس نبرة الغضب وملامح الغيرة التي اعتلت وجهه ولم يستطع إخفاءها
" كيف هو أنا ، هل تسخرين مني ؟".
أمسكته من يده لتسحبه معها نحو الفراش وهي تبتسم بقولها
" أنا سأشرح لك، ولكن لدي شرط صغير قبل ان اشرح لك"
استغرب من قولها شرط، سألها بعيونه لتجيبه و هي تصعد على فراشها جالسة على ركبتيها تنظر نحوه وهي تحرك يدها بجانبها كي يأتي هو ايضا..
تحرك و جلس على طرف الفراش بعيون تراقب فرحتها و ابتسامتها ببداية حديثها الذي اشترطت بأوله أنها لا تقبل منه الغيرة من حسن..
( يظهر ان بنتنا قلبها جمد قوي 😂 وهنشرب احنا الليلة 😂)
لم تكن حالته تتحمل التدلل او الضحك فهو أشبه بالقنبلة التي أوشكت على الانفجار، سألته سيلين بنفس حالتها الفرحة
"أين هو الدفتر؟" ومالت بجلستها نحو الأدراج مكملة " هل هو بمكانه؟ "
لم تتوقع إجابته بهذا الصوت الغاضب الذي خرج منه للرد عليها
" دعكِ منه الان، اجيبيني على سؤالي من هو ذلك الشخص؟ وان كان من الماضي فلماذا تحتفظين بهذا الدفتر حتى الان؟ "
أدركت سيلين أن الوقت ليس وقت للضحك و لا للرومانسية ، نظرت له وهي تعود بقامتها لتجلس على ركبتيها مرة اخرى قائلة
" أعتذر منك ظننت أنك صدقت كلامي ، فأنا لم أكذب عليك من قبل قط. لقد اضطر يوسف بيرقدار في حقبة من الزمن ان ينتحل شخصية وهمية باسم حسن حينها كانت أمي أمينة لا زالت على قيد الحياة و لكنها كانت مريضة و بحالة سيئة و شاءت الأقدار أن أكون أنا المسؤولة عن رعايتها وهناك التقيت بك و تعرفت عليك باسم حسن ذلك الرجل غريب الشكل والكلام و الحركة "
سألها بفضول كبير جعله يقطع حديثها
"ولما أنتحل شخصية رجل آخر هل كنت هاربًا من شيء "
ردت عليه لتشرح له عن العصابة التي تآمرت عليه و خسر بسببها شركته و قصر ابيه و أيضا مرض والدته بسبب الحادث المدبر
استدار قبلتها وهو يرفع احد ارجله على فراشه مستمعًا لها باهتمام كبير و ترقب لملامحها التي كانت تتفاعل مع ما تتفوه به، هذه التعبيرات و هذه المشاعر جعلته يصدق ما قالته ويتأخر به.
سألها بعيون صُغرت و جوارح تهتز بمحاولتها أن تتذكر ما يقال
" هل كنت متزوجًا بهذا الوقت؟ "
خفضت عينيها وقالت
" نعم كنت متزوج ولديك لي لي ، ولكنهما كانا بأمريكا بهذا الوقت "
صدمها وهو يسألها
" هل لأجلكِ ، اقصد لأجلنا انا وانتِ تركت زوجتي و ابنتي "
تلعثم بالحديث الذي لم يرد إخراجه من داخله، أكملت هي مصححة سؤاله
"اتقصد هل تركت زوجتي و أبنتي بسبب حبنا ؟ "
اخفض يوسف عينيه وهو يقول بصوت متعب
" اعتذر منكِ ان ازعجكِ سؤالي. ولكني أحاول تذكر الماضي "
ردت عليه بغير المتوقع لتقول
" وأنا أيضا أعتذر منك ، اجابة هذا السؤال ليست لدي. لا يمكنني التحدث بلسان أحد آخر فمن الممكن أن اخطأ او انقص او اظلم، لهذا عليك أن تسأل أحدًا غيري و ايضا ان قرأت باقي الدفتر ستعلم كيف ظهرت حقيقتك امامي و كيف انفصلنا و ابتعدنا و كيف شاء القدر أن يجمعنا مرة أخرى "
أنهت كلماتها الاخيرة و تحركت على فراشها بنفس ضيقها لترفع الغطاء و تنام أسفله مخبئة رأسها به كي لا تظهر حزنها و دموعها التي تجمعت بأعينها و اختنق بها حلقها
فحتى وإن لم ترد اظهار ما تشعر به أمامه إلا أنه رآه بوجهها و صوتها الذي اجابه دون النظر له، فأصبح قلبه يشعر و يصدق و يتفاعل مع صوتها و حركتها و تغيراتها.
تحرك ليخفض الاضاءة ومن ثم أخرج الدفتر و جلس بجانبها على الفراش مستندا بظهره على وسادته ليقرأ به ما ظل ناقصًا..
بدأ القراءة بهذا الوجه و هذه الحالة المتجهمة التي لم تطل كثيرًا حتى تحولت لابتسامة جميلة حين قرأ
" أحببته نعم هذا ما حدث، وهذا ما تهربت منه ولكن قلبي ليس بيدي لا أعرف كيف أحببت شخصا مثله و لكني أصبحت أعرف جيداً قلبه الكبير الحنون "
حرك إصبعه يقلب الصفحة قارئًا
" ألم أقل لك أنه حنون ذو قلب كبير، أرأيت كم خاف و حزن لأجلي، تعلمت أن الإنسان ليس بظاهره بل بقلبه "
ابتسم وجهه أكثر و هو ينظر نحوها بنومها، قلب من جديد ليعرف كيف اعتنى بها وقت مرضها ببيت امه أمينه و ما هي اول تجاربه بالمطبخ حين قرأ
" برغم تعبي إلا أنني لا أصدق طعمها اللذيذ و كأني لم اتناول طعامًا قبلها قط، دعني اخبرك بأن هذا الطعم الجميل لم يأتي بسهولة فقد خرجت روح من روحي وأنا أجيب على اسئلته الكثيرة التي كانت جميعها بوجه جميل بريء "
تحمس مما يقرأ رفع شعره للخلف و عيونه تقرأ بفرح و ثقه
" هل هو ايضا يحبني ، هل يفكر بي كما أفكر به، ام انهُ من طرف واحد فقط "
لفت انتباهه كلماتها
" كنت أشعر أن بداخله هم كبير واليوم تأكد لي هذا الشعور ، أعتقد انه شخص تعرض لخيانة كبيرة و خذلان، هذا ما فهمته من حالته و كلماته"
ظل يقرأ العبارات القصيرة و تغيراتها و لحظات خوفها بعلامات استفهام كبيرة؟! فهذا أكثر ما شد انتباهه من أول حرف بدفترها فلما كل هذا الخوف الذي يسيطر عليها؟!
حزن حين قرأ كيف تعرفت على شخصه و حديثه مع الضابط عمر الذي يدعى بصديقه، تأثر بحديثها و بكاءها لدفترها بل تأثر بحبها له طيلة تلك الشهور رغم انفصالهم نهائيًا
ابتسم وجهه حين قرأ أول لقاء لهم بشركة اورهان ، و ابتسم اكثر وهو يقرأ كيف داعبها حتى اعترف لها انه حسن..
شد انتباهه تحدثها عن فتاة اسمها غمزة كان منجذب لها تحرك بجلسته و نظر لها بجانبه بدهشة ثم عاد لينظر للدفتر ليقرأ غيرتها عليه و اعتصار قلبها كلما رأتهم سويًا..
حينها حدث نفسه بدون صوت قائلا
" هل كان حبها من طرفها فقط"
أكمل القراءة ليُصدم بحزنها و حالتها التي وصفتها بالخنجر الذي زرع بقلبها حين أخبرها أنها بمثابة أخته و أنه سيسلمها لزوجها بيده.
ابتلع ريقه و هو مُنصدم بعرضها عليه الزواج، استقام بجلسته وهو يضم حاجبيه و يصغر عينيه. عاد ليقرأ السبب الرئيسي بزواجهم واضطراره للزواج منها لأجل كسب حضانة أبنته الصغيرة، تنفس بضيق وهو يقرأ ما كتبته عن سوء هوليا و ظلمها له.
ثبتت عينيه على كلماتها
" أعلم أنه لن يحب شخص بسيط مثلي، وأعلم أن حياته مختلفة عن فتاة تعرضت تعرضت لما تعرضت له أنا"
نظر للصفحة التالية قارئًا
"لن أتراجع سأتزوجه لأجل مساعدته و استعادة ابنته و بعدها سأتركه كي يختار شريكة حياته التي تليق به"
حزن وهو مندمج بحديثها مع دفترها
" أسمعك جيدًا تريد أن تقول لي أنني سأتزوجه لأجلي، تعتقد أنني سأخبئ عنك هذا و لكني تغيرت أصبحت قادرة على مصارحة نفسي لهذا أنا أنا أجيبك بنعم، سأتزوجه لأجلي حتى ولو بضعة اشهر. أعلم أنه لا يمكن لأحد أن يتزوج بشخص مثلي وان فكرة اجتماعنا بزواج طبيعي شيء يشبه الخيال، لهذا قررت أن احقق حلمي بهذه الاشهر و أعيش معه بمنزل واحد نجلس و نأكل ونتحدث وقتما شئنا. ابدأ يومي بوجهه و يكون هو آخر شخص أراه قبل نومي. هذا حلمي وما اريد تحقيقه ولو لبضعة أشهر"
اختنق بصعوبة ما كتبت، نظر للأمام شاردًا يفكر بما قرأه و حبها الكبير له وأكثر ما شد انتباهه هو اضطراره للزواج بها كي يكسب حضانة ابنته
لم يطل شروده و تفكريه كثيرًا حتى نام على حالته هذه، ومع أول شعاع شمس تسلل و اضاء غرفتهم مدغدغا وجهها الذي كان يعتلي صدره تحركت هي لتستيقظ قبله واجدة نفسها بحضنه ككل صباح حين تفرض قلوبهم عليهم ما ترغب به، تحركت من بين يده بعدما رأت دفترها بيده الأخرى.
اجتمع عليها تذكره لهوليا و خالته و اعتقاده أنها سبب طلاقه من زوجته و تفكيره بها بهذا السوء
ارتدت ملابسها بعد ان توضأت و صلت فرضها ثم خرجت من الغرفة رغم ملاحظتها استيقاظه و ردها عليه الصباح قبل خروجها و إغلاق الباب خلفها
تحرك ليرفع ظهره مستندًا على وسادته وهو يحك عينيه مستغربا من حالتها و خروجها قبله على غير العادة فهي منذ عودته لم تتركه و لم تخرج من حضنه حتى يتحرك هو أولا.
……
بمنزل جميل صغير يحاوطه حديقة مليئة بالورود و الاشجار، كانت بينجو المنتحلة شخصية فيروزة جالسة بداخله على فراشها الجديد بصمت تفتح فمها لتتناول من يد نعمان الشوربة الساخنة مستمعة لوعوده بتعويضها عن كل شيء و اعذاره عن ما حدث لها بسببه.
لا زالت مستمرة بتمثيلية عدم تذكرها له كي تكون حجة لعدم استطاعتها تبادل ومشاركته الاحاديث والذكريات ، ولهذا ظل نعمان يحدثها عن حياتهم و حبهم و لقاءاتهم الاولى و كيف تزوجا و تحملته و سعت دائما لاحتوائه
وبعد أن انتهى من إطعامها وضع الطبق بجانب الفراش و اقترب منها و هو يضمها لحضنه قائلا لها
" اعدكِ انها ستكون الاخيرة ، اعدكِ انني لن أحزنكِ من جديد"
استغرب بُعدها عنهُ ولكنه لم يتركها توسل لها أن تبقى بحضنه لتداوي ما كُسر بقلبه. ترجاها بأعينه الحزينة أن لا تحرمه منها. تجمعت دموعها بعيونها من جديد ليبتعد وهو يقول لها
" اعتذر اعتذر لن اضغط عليكِ ولن اطلب منكِ ما لا تريدين "
تحرك بحزن وخرج من الغرفة وهو يكمل
" سأترككِ براحتكِ لن اضغط عليكِ يكفي ان تكوني بخير وان لا تبكي مجددًا"
نزلت دموعها فور خروجه فهو لا يعلم أن تلك الدموع ليست بسبب الضغط بل بسبب رؤيتها لوفائه و حبه الكبير لزوجته التي أخذت مكانها دون ترتيب سابق.
تذكرت فيروزة بالحادث وهي تصرخ باسمه ليكون اخر ما تلفظت به قبل وفاتها وهي تحتضن ابنه راجية ان يأتي حبيبها و بطلها لينقذها كالعادة.
………..
أرادت سيلين ان تهرب من مواجهة يوسف واضطرارها لسماعه وهو يتذكر زوجته الأولى معتقد انها من فرقت بينهم.
قررت أن تذهب للشركة بهذا اليوم أخبرت خالتها انها ستنهي بعض الأعمال وتعود دون تأخير.
استغربت فضيلة ذهابها للشركة و تركها لزوجها الذي رفض ان يذهب معها حين عرضت عليه خالته ذلك، مما زاد هذا من ضيق سيلين وعجل من خروجها السريع قبل ان يسيطر عليها حزنها .
و بعد خروجها جلس هو مع خالته في محاولة منه ان يعرف معلومات اضافية عن زوجته و سبب طلاقهم و كيف تركت له ابنته.
ترددت فضيلة بإخباره و قالت له
"حذرنا الطبيب من ان نجيب عليك مؤكد علينا ضرورة تذكرك الماضي بمفردك"، صمت بحزن و شرود بعالمه و ضياعه و محاولته التي لا تنتهي طوال اليوم بتذكره لماضيه
ومن جديد دار بالقصر يمينًا و يسارًا ينظر بكل مكان محاولًا تذكر أي شيء جديد
دخل غرفته يفتش بها عن أي تفاصيل صغيرة يسترجع من خلالها ما يمكن استرجاعه ، لفت انتباهه ملابسها و جمال ذوقها باختيارهم لم تقع يده من عليهم بسهولة و كأنها تعلقت بملمسهم الناعم و رائحة عطرها التي ملأتهم
مال برأسه قليلا ليشتم رائحتها بقلبه المفعم بحبها حينها زاد شوقه لها و ضيقه من خروجها و تركها له على غير عادتها، بل و ضيقه من اهتمامها بأبنائها على الفطور دون الالتفات له على غير عادتها اليومية.
نزل الدرج بنفس حالته و هو يستمع لخالته تتحدث بالهاتف قائلة
" ان لم تكن أبنتك لظننت أنك تغير عليها من أي شخص يتقرب منها، اهدئ يا روحي ليس هناك داعي لما تفعله فقد عاد زوجها، اذا كان لم ينجح وهي وحدها فكيف سينجح تقربه منها و زوجها بجانبها"
شد انتباهه حديثها ركز أكثر معها ليسمعها تقول
" ليس لهذه الدرجة. أنت بهذا الشكل تظلمها وتظلم شاهين. حسنًا نعلم مراده بالسابق ولكن مضى على هذا سنوات. هي لازالت جميلة كما هي ولكن جميعنا نعلم أن زوجها و ابناءها كل شيء لديها"
لاحظت فضيلة وجود يوسف خلفها نظرت له و انهت الحديث مع زوجها مغلقة هاتفها و هي تضحك بوجهه قائلة
" لا يستطيع المكوث بمكانه هادئًا يتصل و يتصل حتى يخرجني عن صوابي "
ابتسم لها لتكمل فضيلة
" وأنت ايضا كنت تفعل مثله ولكن على نهج النسخة الجديدة يعني هو لا يتركني دون اتصالات وأنت لا تتركها دون رؤيتها "
رد عليها متسائلا " ألهذه الدرجة كنا..."
هزت رأسها وقالت
" تبقى القليل يا بني لتتذكر حياتك و حينها سأشتاق لوجودك بالمنزل، فأنت لا تسمح لها بالخروج بدونك و كأنها حكر عليك لا احد يراها و لا احد يتحدث معها اكثر منك. نعلم انك محق فهي كالملاك بجمالها وقلبها المحب للجميع، لهذا يقع بها الكثير معتقدين ان احترامها و رحمتها و قلبها خاص بهم. هذا ما يحدث حين يتم تفسير الخير الذي يصدر منها بشكل آخر "
ابتلع ريقه وهو ينظر للساعة التي تأبى أن تتحرك عقاربها بغيابها ، لم تعلم فضيلة انها بهذه الكلمات قد أشعلت الغيرة بقلبه مرة اخرى حتى انها جعلته يندم على عدم ذهابه معها للشركة.
صعد لغرفته من جديد بعدما تركته خالته و تحركت بجانب انيسه ابله لمتابعة بعض الاعمال بالمطبخ، دخلها من جديد ولكن هذه المرة ليس لأجل ان يقلب بملابسها بحثًا عنها، ولكنه هذه المرة أمسك دفترها ليفتحه من جديد باهتمام و تركيز ليقرأ و يقرأ محاولًا تذكرها.
يعتقد ان الدفتر سيهديه لحبها بقلبه وهو لا يعلم أن قلبه تذكرها منذ وقت بعيد، كان من حظه أن يقرأ تفاصيل زواجهم و التجهيزات و اول لقاء مع الطبيبة النفسية.
فرح و هو يقرأ شعورها بأول رقصة و بأول حضن و بأول قبلة اعتقدت انها لأجل الناس ، وحزن على ارتداءها ثوبها الأبيض ليلة الزفاف وحدها وكتابتها
"انا عروس"، كان اكثر ما يثير انتباهه مجاهدتها الغريبة لنفسها وهي ترتدي ملابس العروس بمنزلها و ذكرها لحربها القوية مع خوفها من ماضيها.
ظل يقرأ حتى سمع أصوات أبنائه بالأسفل تحرك بسرعة لينظر من الشرفة بفرح ليتأكد من وصولهم وهي معهم
نزل الدرج بنفس فرحته و كأنه طفل صغير كان ينتظر عودة أمه، فتح لهم الباب ليحتضنهم بفرح
وقفت جانبًا بوجهها المبتسم لتنظر نحو فرحته هو وابناءه بصمت ، و بعد دقائق همت لتتحرك للداخل وهي تقول لهم
" اغسلوا أيديكم و رتبوا الحقائب والملابس بمكانها "
ردت لي لي على امها
" سنأكل أولًا ، سأموت من جوعي "
تذمر تولاي هو ايضا و قال
" سآكل قبل أي شيء "
وصل اورهان هو ايضا لباب المنزل قائلا
" هل نفس التذمر كل يوم ألم تسئموا، اصعدوا سريعًا انهوا الامر و عودوا لنأكل فهي لم ولن تغير ما قالته وان اجتمعنا كلنا عليها"
ابتسمت سيلين بعد سماعها لكلماته قائلة
" حمدلله على السلامة وانت ايضا ستفعل مثلهم فخالتي لا تقل عني تعنتًا بهذا الأمر "
تركهم اورهان و هو يقول بوجهه المبتسم
" نعم اعلم هذا و كأننا بمعسكر جيش "
ونظر لأحفاده مكملا
" ما باليد حيلة كما قلت لكم، سأذهب أنا ايضا لأرى جدتكم و ابدل ملابسي كي لا اتأخر عليكم "
تحرك الأولاد ليصعدا بوجوه متذمرة كي ينفذوا ما قالته امهم
لم يتبقى سواهم بجانب الباب نظرت له و استأذنت للصعود هي ايضا لتبدل ملابسها ، تحركت خطوتان تفاجأت بعدهم بمسكه ليدها و هو يقول لها
" حمدا لله على السلامة"
نظرت له بعتاب و عيون اوشكت على البكاء فعيونه الضاحكة جعلتها تتأثر بسرعة ، تحرك ليقترب منها محتضنها داخله بعد أن قبل خديها قائلا
" هل الرد على حمدا لله على السلامة صعب لهذه الدرجة"
نسيت نفسها و حزنها و عقلها بهذا الحضن الذي طال حين أبا كلاهما ان ينهياه عاد ليتحدث من جديد أمام صمتها ليقول
" هل انهيتي عملك ، أعني ما ذهبتي لأجل ضروريته "
فكرت قليلا عن أي عمل ضروري يتحدث عنه لتتذكر حديثها لها وظنه بها أنها من سرقته من عائلته و زوجته ، تحركت من حضنه وهي تقول بوجهها الذي عاد ليخيم عليه حزنها
" سلمت كل شيء على ما يرام سأصعد لأبدل ملابسي كي لا أتأخر على الأولاد"
جاء ليصعد خلفها ولكنه لم يفعلها حين فرحت عيونه برؤيته لتولاي يركض على الدرج وهو ينادي عليه بوجهه المضيء
فتح ذراعيه كي يتلقاه و هو يرتطم به قائلا
" تم اختياري للعلب المباراة النهائية "
فرح يوسف بهذا الخبر و رفعه ليقبله ، أسرعت خالته مقتربة منه حين رأته يطوح وكأنه سيسقط قائلة
" بني ما بك؟ "
اخذت تولاي من يده و أنزلته ثم امسكته لتتحرك به لتجلسه على الأريكة وهي لا تصغي لكلامه و تأكيده انه بخير .
أتى أورهان للصالون و هو يستمع لصوت فضيلة المحفوف بالخوف على ابن أختها ، تحدث يوسف من جديد ليطمئنهم
" دار رأسي فقط و لكني بخير الان لا داعي للقلق"
أصرت فضيله على ذهابه للطبيب خوفًا عليه و خاصة أنه لم يكتسب صحته السابقة حتى الآن فهو لازال نحيفًا ضعيفٍا على أثر ما عايشه طوال الثلاث سنوات
نزلت سيلين الدرج وهي تترقب وضعهم و التفافهم حول زوجها ، أسرعت بخطواتها لتقترب متسائلة " ماذا حدث؟ ، ما بكم؟ "
قاطعها سؤال فضيلة له
" هل أخذت ادويتك و فيتاميناتك اليوم ؟ "
نظر الجميع ليوسف منتظرين منه الجواب الذي لم يتوقعوه حين أخبرهم
" لقد نسيته ، اعتقد لأجل هذا دار رأسي لا لشيء اخر"
غضبت سيلين و هي تعاتب نفسها قائلة
" كيف نسيت هذا؟ كيف لم أعطيه لك قبل خروجي؟ " وتحركت لتجلبه له لتكتشف حينها أنه لم يأخذ جرعته ليلة أمس أيضا، ليزداد غضبها على نفسها بعد ان نسيت أمر علاجه وهي منشغلة بغيرتها و تدللها عليه بل و حزنها منه.
تجمعوا على مائدة العشاء ليتفاجؤوا أنه يأكل بشراهة كبيرة نظرت له خالته باستغراب وهي تقول
" أكنت جائعًا لهذه الدرجة ؟ "
نظرت سيلين لخالتها فضيلة ليأتيه السؤال الثاني منها " ألم تأكل شيء منذ الصباح؟ "
ابتلع طعامه و مسح فمه بمنديل الطعام و هو يجيب " لم أشعر بالجوع "
وضعت سيلين المزيد من الأطعمة في طبقه وأجبرته على تناولها و هي تذكره بكلام الطبيب وأنه عليه أن يستعيد وزنه و صحته و هذا لن يحدث سوى بالاهتمام بالطعام و الدواء
سمعت انيسة ابله حديث سيلين وهي تضع الفاكهة على المائدة لتتدخل بالحديث و هي تقول بحزن
" لقد عرضت عليه أكثر من مرة و هو لم يقبل ، عزل نفسه بغرفته طول اليوم دون طعام"
نظرت لي لي لأبيها وهي تقول
" أنا سأهتم به من الان وصاعد حتى يمكنني أن أطعمه بيدي فهو لا يرفض منها الطعام "
ابتسم لها و حرك يده ليداعب شعرها و هو يقول
" وهل لي أن ارفض يا صاحبة الشعر الذهبي "
تلعثمت بطعامها وهي تتحرك على مقعدها بضيق جعلها تنسى ما حولها و تلتزم بالصمت طوال جمعتهم ليس فقط على المائدة بل وهم يحتسون قهوتهم بعدها.
نظرت فضيلة للأولاد وهي تقول لهم
" هيا معي حان وقت نومكم "
تحركوا بجانبها وهم يحكون عيونهم من نعاسهم ، سأل يوسف ابنه عن موعد المباراة ليخبره انها بآخر الشهر المقبل.
نظر له اورهان وقال
" لا تقلق سنذهب جميعا معه كسابق عهدنا "
فرح تولاي كثيرا ليحتضن أباه و من بعده جده الذي لم يكتفي فقط بحضن واصبح يدغدغه ببطنه ليستمتع بصوت ضحكة و توسله له أن يتركه
وبعد صعودهم مع جدتهم، استأذنت سيلين منهم وصعدت لغرفتها كي ترتاح تاركة اياه خلفها دون أن تنتظره او تسأله هل سينام أم سيبقى وقتا إضافيًا
نظر اورهان له بعد ذهابها ليقول
" كان الله بعونك عملك صعب ، فهذا ما يحدث عندما تغار احداهن"
نظر يوسف خلف زوجته جهة الدرج ثم نظر لأورهان قائلا بأعين متسائلة " تغار!"
ابتسم أورهان
" نعم غيرة ، اتريد ان تتذكر من ينادون عليها صاحبة الشعر الذهبي و لا تنتظر منها الغيرة "
وبتلقائية و لامبالاة رد عليه
" هل تغار من أبنتي؟"
( ألطم ياناس و له اجيب لطامة بالكهربا😂 ربنا يسترها عليا و اخلص الرواية قبل ما تخلص هي عليا واتصاب بالعته😂)
تغيرت نظرة اورهان متحدث له بحدة
" هل غلظ عقلك أم أصبحت تمثل علينا غلاظته ، تتذكر زوجتك الأولى و تأتي هي لتتقرب منك و تتصل بك بشكل يومي و تنعت ابنتها بما تنعتها بالصحف به و تأتي بعدها لتقف أمامي لتقول تغار من ابنتها "
( ايوه يا حج اورهان فهمه احسن بنات الجروب يفتحوا.. ر.اسه و يفهموه غصبن عنه 😂)
صمت أورهان لوهلة تحدث بعدها ليقول
" هناك تصحيح مهم ، اسمها أبنتها و ليس ابنتي فحين تتذكر ستعلم جيدًا انها ابنتها أكثر منك أنت "
ثم تحرك ليتركه بعد أن امتلأ صدره ضيقًا على ابنته الروحية ، تحدث يوسف و هو يهم ليلحق به قائلا
" أكانت سيئة لهذه الدرجة ، أم أنا ظلمتها و أخذت ابنتها منها بلعبة الزواج و ما شابه "
تفاجأ اورهان بما قاله ليسأله سريعًا
"هل تذكرت قصة زواجك من ابنتي والمحكمة"، عاد ليصدمه وهو يرد
" لا ولكني قرأت هذا بمذكراتها "
( بص يا أبن أمينة الراجل ده رغم انه عمل عملية قلب مفتوح قبل كده الا انه مازال مريض بالقلب من وره معرفتك فلطفاً بلاش نهايته تكون على ايدك😂😂)
اقترب اورهان منه و هو يراقب الدرج خوفًا من مجيئ زوجته قائلا بصوت منخفض
" ليس سوء بالمعنى المتعارف عليه، فهي تعدت هذه المرحلة لدرجة تجعل الانسان يتمنى فقد ذاكرته كي ينسى أفعالها ال.."
قطع صوت أورهان حين لمح زوجته فضيلة تنزل الدرج، ابتعد عن يوسف وهو يقول بصوت منخفض
" سنكمل لاحقًا ، لا استطيع تحمل عقابها و أنا بهذا السن "
( لا جامد يا حج ادهشتني 😂بطل بطل مش اي كلام اركن جنب اخواتك 🤣الا ما في حد رافع رأسي بابطالي)
.......
بمنزلهم البعيد دخل نعمان عليها الغرفة ليجدها لا زالت نائمة بوجهها الحزين اقترب من الفراش وهو يتأمل تفاصيل وجهها بعمق
صعد على فراشه مقتربًا منها ليحضنها من الخلف غامرًا أنفه بوسط شعرها لينام براحة كسابق عهدهم ، لم ينم بسرعة ظل شاردًا بشعرها وقتا ليس بقصير حتى سرقه نومه ليخلد بجانبها بنومه العميق فهو متعب و مجهد من حزنه و بعده عنها منذ ذهابه للنيجر.
( مش عارفه ليه بقيت اخاف اما بذكر اسم البلد ديه و كأنها لعنة تصيب من يسقط قدمه بها 😂 ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها)
في الصباح استيقظ نعمان ليراها جالسة بجانبه على الفراش ترفع شعرها جميعه للأعلى و تكوره فوق رأسها لتقوم بفرد يديها للأمام والأعلى مع تمايلها بشكل مستقيم رياضي جهة اليمين و الشمال.
استغرب من حالتها و رفع شعرها بهذا الشكل، استدارت لتنظر له ، ليغلق هو عينيه متذكرا فيروزته أول استيقاظها حين كانت تحسن من حالة ثوب نومها و تضع شعرها كله على كتفٍ واحد و هي تحاول أن تتخلى عن كسلها و حبها لنوم المزيد من الوقت لولا صغيرها و اهتمامها بطعامه و علاجه.
تحركت من جانبه لتدهشه أكثر بإكمالها عدة حركات رياضية قليلة بقدر صحتها و لكنها جيدة بها.
..........
لليوم الثاني على التوالي ذهبت سيلين للشركة تاركة زوجها خلفها، كانت مجبرة هذه المرة لأجل اعمال و اجتماعات هامة ، لم تخرج من القصر إلا بعد أن أوصت خالتها و انيسة عليه بجانب اعطائه الدواء بيدها للتأكد من عدم تكرار نسيانه و التهاون فيه .
كانت تعتقد انها بهذه التوصية و اهتمامها بمعاد الدواء قد أدت ما عليها و تركته براحة و مأمن و لكنها لا تعلم انها بذهابها للشركة اشعلت نار الغيرة بقلبه
فكلما تذكر حديث خالته عن شاهين و الرجل الآخر الذي لم يستطع سماع اسمه.
نزل الدرج و هو ينظر للإرجاء بضيق استقبلته خالته بوجهها المبتسم قائلة
" من الجيد انك اتيت كنت سأصعد لك"
نظر للساعة وهو يجيبها
" هل حدث شيئا ما"
ردت خالته
" لا، لا شيء اردت ان اجلس معك فقط"
هز رأسه وهو يفكر بأعين لا زالت تنظر لساعة الحائط قائلا
" لقد مللت هل يمكنني أنا أيضا الذهاب للشركة "
ابتسمت فضيلة فرحة لهذا القرار لتقول وهي من كانت تتمناه
" نعم يمكنك، بل كان يجب أن يحدث من قبل ولكنك رفضت قبل استعادة جميع ما فقدته . أيدك والدك اورهان بهذا فما كان لي غير ابتلاع ما على طرف لساني، فلماذا لا تجرب وتذهب لممارسة عملك كالسابق وخاصة انك تذكرت بعضًا منه، لماذا لا تعطي نفسك فرصة لتتذكر وسط عملك، لا يمكنك حصر نفسك بمكان واحد "
تحرك يوسف و هو يقول لها
" سأخرج لأرى هل توجد سيارة ام.. "
ردت عليه بسرعة
" توجد ، توجد سأتصل بهم ليتجهزوا و ينتظروك "
دخل يوسف الشركة ليتفاجأ العاملين برؤيتهم له وهو يدخل شامخًا بقوته السابقة، كان يشير لهم برأسه و يد ردًا على ترحيبهم به.
لم تخبر فضيلة احد بذهابه فهذا ما طلبه هو منها لإرادته التعرف على ارجاء الشركة وحده دون مساعدة احد لعله يتذكر بهذه الحالة
وهذا ما حدث فبرغم توتره وخوفه من الإحراج امام العاملين قبل نزوله من سيارته، إلا أنه بمجرد نزوله و ارتداءه نظارته الشمسية و وقوفه بشموخ و قوة تحرك نحو باب الشركة ليجد نفسه يتصرف و يتحرك كأنه شخص آخر وليس هو
حتى أنه توقف لدقائق ليستوعب ما يفعله والطريق الذي يسلكه وحده و كأنه حدد هدفه و ذاهب اليه
اراد ان يتعرف على الارجاء كما اخبر خالته فتحرك وحده رافضًا أي مساعدة قدمت له من العاملين ، كان يسير بالممرات وهو يدقق بنظره داخل المكاتب لعله يجد ضالته
علم اورهان بوجوده و رغبته بالتحرك مفرده، لم يخبر سيلين لكي يتركوه على راحته.
لا أحد منهم توقع ما حدث معه حين شد انتباهه هذا الصوت و هو يقول
" لم استطع، حاولت بكل الطرق ولكنهم وقعوا الاوراق منذ قليل ، ياليتهم نجحوا بالتخلص منه بتلك الليلة ما كنا وصلنا لهذا الوضع الان"
تحرك يوسف بخطوات ثابتة بطيئة نحو الصوت الذي شعر أنه سمعه من قبل، لم يعرف ما الذي شد انتباهه لهذه الدرجة التي جعلته يحترس باقترابه، بل لم يعرف لماذا هذا الصوت ذكره بليلته المظلمة بالنيجر.
أكمل سيره بالممر حتى وقف خلف ذلك الرجل الذي كان يتحدث وهو ينظر من النافذة قائلا
" سأغلق الان سنتحدث لاحقًا عليّ ان اعود لمكتبي"
استدار زهير ليفزع من وجود يوسف بيرقدار خلفه اتسعت اعينه و تراجع خطوة للوراء بجسده المرتجف.
بهذه الاثناء كانت عيون يوسف لا ترى أمامها سوى ذلك الشخص الغامض الذي دخل عليه الغرفة المظلمة، تغيرت نظراته و هو يدقق بعيونه خطى خطوه ليقترب من زهير وهو بهذه الحالة والعيون لتزيد هذه الحالة من قلق و خوف زهير الذي كان يتراجع و يبتلع ريقه كلما اقترب يوسف خطوة منه.
……..
هل تذكر يوسف ان زهير هو من دخل عليه غرفة محبسه بالنيجر؟.
هل ما سمعه سيكون حجر جديد بنهاية زهير
ام ان زهير سيستطيع ان ينجو كما نجى من قبل؟
