الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم أمل محمد الكاشف

كان إمساكه لها وإلقائها بقوة جانبا أسرع مما يتصوره أحد لهذا لم ينجحوا في إنقاذها من سقوطها المدوي على يد الأريكة.
تحفظت الشرطة على ابراهيم وأمرت بإخراجه من الغرفة، خرج من خلفهم يوسف وعثمان ليتأكدوا من ابتعاده.
بينما اهتم تولاي ومن خلفه سيلين بزبيدة خوفا على طفلها.
-" هل انتِ بخير؟، هل تتألمين؟"
قالها تولاي وهو يحركها لتستقيم بجلستها مكملا:
" اياكِ أن تخفي عني أعلم تقولين بخير ومن بعدها اكتشف انكِ كنتِ تتألمين".
اومأت زبيدة رأسها قائلة:
" بخير لا تقلق عليّ أنا وهو بخير".
ابتسم وجهه لارتياح قلبه قائلا:
" فلتبقيا هكذا دوما، وايضا لا تكترثي لحديثه انا اثق بكِ واعلم مدى ظلمك"
كانت لحظات صادقة نابعة من القلب نسي فيها نفسه وتحدث بطلاقة فاضحا ما لم يصرح به لقلبه دون الانتباه لحالة أمه وهي تقف أمامهم لا تصدق ما تراه بعينيها.
عاد يوسف مع شرطي يحمل بيده دفتر قائلا لزبيدة:
" نحتاج لتوقيعك على المحضر".
راقب وجه زوجته ونظراتها الثابتة على ابنه محاولا فهم ما كان يحدث بغيابه في هذه الدقائق، وقعت زبيدة على الاوراق ثم مدت يدها لتعطيهم للشرطي، اقتربت سيلين من زوجها متسائلة عن آخر المستجدات وماذا سيفعلون بإبراهيم، رفع عينيه عليها قائلا بعقل مشوش:
" أخذت الشرطة توقيعه على محضر عدم تعرض ومن ثم تتركه، لنرتاح جميعا اليوم وغدا نفكر بما سنفعله معها."
نظرت سيلين لعثمان الذي أتى بجانبهم للتو قائلة:
" ممتاز، عثمان يصطحب زبيدة للملحق ونحن سنعود للقصر".
همَّ تولاي برفض طلب امه لولا مقاطعة أبيه له قائلا بحزم وجديه:
" وأنت تعال معي أريدك بأمر مهم".
ثم نظر يوسف لعثمان مكملا:
" وانت تابع تزويد الأمن بفرق إضافية لتجنب أي مشكلة ولو كانت صغيرة كن منتبها أكثر".
اخفض عثمان رأسه قائلا:
" امرك يوسف بيه".
وقفت زبيدة وتحركت ببطئ خلف عثمان، وفور خروجهم همَ يوسف ليبدأ حديثه مع ابنه لولا تدخل سيلين ومنعها له كي ينهوا الليلة بهذا الكم الكافي.
عاد الجميع للقصر بصمت يظهر عكس ما في القلوب، انتظر يوسف دخول ابنه لغرفته حتى يحدث زوجته قائلا:
" متى حدث؟، وأين كنا نحن؟".
سحبته للغرفة مغلقة عليهم بابها قائلة:
" لا تسألني من غير شيء عقلي يؤلمني من كثرة تكراري نفس السؤال عليه".
تحركت لتجلس على فراشها وهي تكمل :
" نظراته واهتمامه حتى ابتسامته فور شعوره براحتها كيف لم أنتبه من قبل، كيف وصلا لهذا الحد…
أومأ يوسف رأسه مجيبًا:
" بجانب غضبه ولكمه للرجل من أجل الدفاع عنها ".
جلس بجوار زوجته وهو يكمل:
" علينا ان ننهي هذه المهزلة بأقرب وقت، لا بل وباول ساعات الصباح ".
صدم يوسف قبضة يده على رجله وهو يقول معاتبًا على نفسه:
" كيف حدث! كيف لم ننتبه لهم!"
ردت عليه سيلين متسائلة:
" بماذا تفكر أين سترسلها؟ "
أجابها وهو يهز قدمه من التوتر والغضب:
" إلى مكان لا صلة لنا به كي نأمن عليها من مكر ابن عمها و وصول ابننا لها".
تذكرت سيلين زبيدة وهي تحتمي بابنها وتترجاه ان لا يتركها له، ليعود إلى مسامعها ذكرى صوت بكائها في كوابيسها وهي تستنجد بأبيها كي لا يتركها للوحش، استمرت بشرودها ونظرها الثابت نحو يوسف وهي تتذكر بداية تعارفهم وكيف كانت تستنجد به واحتوائه لها في أوقاتها العصيبة.
لم ينتبه لها مكمل حديثه بعصبية وغضب قائلا:
" يعتقد اننا صغار أمامه يقول اختي واحافظ عليها وهو، استغفر الله العظيم "
اختنقت سيلين بالماضي والحاضر، وقفت وهي تجيبه :
" سأنام الان وغدا نكمل حديثنا "
قام من خلفها قائلا:
" نعم نامي و ارتاحي واتركي الأمر عليّ، لا يمكنني أن أسمح له أن يضيع مستقبله بهذا الشكل حتى وان استدعى الأمر لارساله لنوادي ألمانيا من جديد مستغنيا عن حلمي ببقائه بجانبي، سأفعل كل شيء لأفصل بينهما كي لا يرتبط مستقبله بشيء كهذا"
اختنقت اكثر وخاصه ان شريط ذكرياتها والمها أصبح يدور أمامها بعد أن فتح ونزف جرحها من كلماته الذي لم يعي صداها على جريحه مثلها فالسنوات لم تكن كافية إلا لتضميد الجرح دون ذهاب آثار ندباته.
نامت سيلين مبحرة باحلامها الحزينة واتهام الوحش لها بأنها هي من كانت تغويه وتفعل ما تفعله برضاها.
كما ظل يوسف مستيقظا يفكر بالوضع حتى أغشاه النوم، انتظر تولاي عدة ساعات تأكد من نوم الجميع ليبدأ نزوله للأسفل بحذر عبر مصعد المطبخ ليخرج من بابه المطل على الحديقه متسللا بعدها للملحق وهو يتعمد عدم رؤية أحد له.
وأثناء سيره وتلفته يمينا ويسارا خرج أمامه رجل أمن كان يراقب المكان من خلف جذع شجرة كبيرة فزع تولاي وسمى الله، ليسأله فرد الأمن:
" تولاي بيه هل تأمرني بشيء "
اخذ نفسه وهو يستقيم بوقفته قائلا له:
" شكرا لك اردت ان اعاين وضع الحراسة بنفسي، هل كل شيء على ما يرام "
رد فرد الأمن عليه قائلا:
" نعم لا تقلق جميع مخارج القصر ومداخله بقبضة يدنا "
اومأ تولاي رأسه :
" جميل استمر بهذا ".
وأشار لمكان بعيد مكملا:
" ولكن عليك أن تراقب من هذه الزاوية البعيدة بالأصل هذه المنطقة يتم رؤيتها من جهة أمن البوابات، اذهب أنت للساحات الرياضية في الخلف فكما تعلمنا قد تأتيك ضربتك من آخر مكان تتوقعه".
وبولاء وطاعة اجابه فرد الأمن:
" أمرك تولاي بيه "
تحرك تولاي مقتربا من الملحق طارقًا الباب بسرعه قائلا:
" انه انا تولاي… افتحي بسرعه"
دخل فور فتحها للباب وهو يراقب الخارج بعينيه، سألته:
" ماذا حدث مما تخاف هل عاد إبراهيم من جديد؟"
رد عليها بصوت منخفض:
" لا تقلقي الأمور بخير و مستقرة للغاية، تهربت من الأمن وأتيت لرؤيتك لا اريد ان يزعج أحدهم أبي بهذا الوقت لاخباره عن وجودي في الملحق ".
ردت زبيدة عليه بصوتها الحزين المتعب:
" انزعج والدك من اهتمامك بي وأنا أيضا شعرت بهذا، لا أعرف ما عليّ قوله اعتذر منك".
:" اتركينا من هذا وقولي لي كيف حال اسدي هل هو بخير، سألت تخوفا من توابع سقوطك على الأريكة " .
تحركت لتجلس على طرف فراشها وهي تضع يدها على رأسها قائلة:
" أترك أمره الان، فليحدث ما يحدث بالأصل من الظلم أن انجبه وسط عائلة كهذه لا ترحم، لا تفكر بنا وفكر بعائلتك اخشى ما سيحدث لكم، لن يترككم عمي خليل وخاصه ان اخبره ابراهيم عن حملي وملأ عقله بما قاله، اخشى اخشى..
صمتت بحزنها دون كلام، ليتحدث تولاي متسائلا:
" ماذا تخشين اخبريني بكل شيء هل تخشين من مجيئه هو ورجاله".
نفت بحركة رأسها قائلة:
" ليس بنفسه فقط بل أخشى أن يصل الخبر للعشيرة كلها وحينها لا أحد يستطيع توقع النتائج، أراجع نفسي و اكذب حدسي ولكن على حد علمي لن يقبل عمي طفل مني يحمل اسم العائلة بشكل رسمي ويفضح أمر تزويجه لي غصب وسرا بجانب إلقائه لي بعدها بالقمامة ليزوج ابنه بصاحبة النسب والحسب والمصالح ، من المؤكد انه سيحاول إنهاء الحمل والتشكيك به وإخراجي مذنبة استحق الموت لتنظيف اسم العائلة".
رد عليها بغضب:
" نحن في أي عصر نعيش، هناك تحليل ابوه سيفرض عليه ما يهرب منه ".
وبحزنها ردت عليه بنبرة متألمة:
" أنت لا تعرفه ولا تعلم ما تفعله العشيرة بأمور كهذه ، حكيت لك من قبل عن الظروف التي تم تزويح امي وابي بها، ستقلب الدنيا رأسا على عقب وتصبح قضية شرف ".
سألها يترقب:
" وبماذا تفكرين؟".
صدمته قائلة:
" سأهرب من هنا واختفي قبل طلوع الشمس كي أنجو بنفسي وبابني ".
صمتت ناظره نحو بطنها بحزن، مما جعل تولاي يتحدث لها بلطف وفضول:
" أين ستذهبين مستحيل ان اترككِ؟، لا يمكن لا اسمح لكِ "
ردت عليه بعكس حديثها عن التخلي وحرمانية إنجاب طفلها
" لا تضغط عليّ يكفيني ما اشعر به، عودتي لنقطة الصفر من جديد لا أمل لي في حياة طبيعية بدونه".
سألها تولاي:
" افهم من ذلك بأن حملك تأثر بسبب ذلك الحيوان؟".
دمعت عينيها وهي تجيبه:
" عليّ ان اخرج من هنا بسرعة قبل أن أصبح مصيبة على رؤوسكم "
قلق يوسف في منتصف الليل فتح هاتفه ليتحدث مع عثمان بنومه متسائل عن الوضع، أخبره بأن الوضع مستقر ولا يوجد قلق.
شكره يوسف وأغلق الهاتف مغمض عينيه كي يكمل نومه قبل أن يستمع لباقي الحديث الذي يتضمن وجود ابنه بالملحق.
ومع طلوع الشمس واستيقاظ أهل القصر، اتصل عثمان بيوسف قائلا:
" نحن بوضع صعب هناك سيارات كثيرة تحيط بالقصر، اتصلت بالشرطة وهي بطريقها إلينا، نطالب من سيادتك انت والأسرة عدم الخروج من القصر، و لزيادة الأمان طلبت من الأمن اخبار تولاي بيه والطلب منه الدخول للقصر هو و الفتاة".
سأله يوسف بصوت ارتفع بغضبه:
" هل تولاي بالملحق؟"
اجابه عثمان بنبرة تخوف رادا عليه:
" نعم حدث هذا بعد ذهابكم بساعتين على الأكثر ".
تحرك يوسف بغضب كي يخرج من الغرفة وهو لازال يتحدث بصوت عالي:
" احضروه للقصر بسرعه"
اغلق الهاتف و نزل الدرج بقوة قائلا:
"انا سأحاسبه على ذلك".
رأته سيلين فذهبت خلفه محاوله السيطره عليه ولكن أي سيطرة هذه التي تنجح بعد أن آتاهم خبر اختفاء الفتاة وتولاي وعدم وجودهم لا في الملحق ولا في القصر.
صُدم يوسف من رسالة ابنه التي وجدوها اعلى هواتفهم الملقاة على فراش زبيدة في الملحق، كان مضمونها:
" اعتذر منكم لقد اعطيتها وعد بحمايتها، اخذتها وابتعدت كي لا يتأذى أحد بسبب عائلتها، اعتذر لكم وسامحوني بحقكم".
تحركت سيلين مبتعده عن صوت يوسف الغاضب وهي تفتح هاتفها كي تتصل بابنتها قائلة لها فور ردها عليها:
" لا تعودي الى القصر ابقي بالمشفى حتى اتصل بكِ مرة اخرى".
:" أمي ماذا حدث".
:" لي لي اسمعي ما أقوله لكِ نحن بخير لا تقلقي ولكن لا تأتي حتى أتصل بكِ''.
كانت الأوضاع سيئة الكل قلق ومتوتر، وخاصة عندما علمت العشيرة بهروب ابنتهم وعدم وجود تولاي بالوسط مما جعلهم يتأكدون من هروبهم واختفائهم سويا .
تواعدت العشيرة لعائلة بيرقدار أن يدفعوا الثمن دما إن لم تعد ابنتهم عشية هذا اليوم.
هزت فضيلة رأسها بغضب وضيق وهي تنظر لاروهان قائلة بصوت منخفض:
"حدث ما كنت أخشاه، يا ليتني تحدثت مع أبيه دون الاستماع لتهديداتك".
ارتفع صوت أورهان دون أن يلاحظ دخول سيلين من باب القصر قائلا:
" ألم تشبعي من تكرار نفس الكلام منذ الصباح، انتفخ قلبي من سماعه، حسنا أنا المخطئ هل ارتحتي الان، انا السبب في حبه لها وهروبه معها هل برد قلبك".
غضبت فضيلة وهي تجيبه:
" لا لم يبرد ، ألم ترى ما نحن به، هل يكفي الاعتراف بالذنب أمام هذه المصيبة".
تحدث يوسف من خلف سيلين قائلا:
" هل كنتما على علم بوضعهما من قبل"
صمتت فضيلة بغضبها ليتحدث اورهان قائلا:
" فلنترك الحرب ونجلس نحاسب بعضنا البعض، اذهب وتتبع الكاميرات وحاول الوصول لابنك كي تحميه، تواصل مع اصدقائنا ليجدوا حل وسط بين الطرفين".
رد يوسف قائلا:
" لقد فعلت كل ذلك، بالاصل أخذت الشرطة تعهد من حكماء العشيرة عدم التعرض لتولاي فور عودة الفتاة "
تحدثت سيلين بنبرة رافضة :
"هل ستسلم الفتاة لهم؟"
أكمل يوسف حديثه:
" ماذا افعل تعهدوا أمام الشرطة برعايتها وعدم التعرض لها بسوء وخاصة حين يتم إثبات نسب ما في بطنها وشرعيته من ابن عمها كما تدعي هي، أم تريدين مني الاهتمام بها دون التفكير في الخطر الذي يحوم حول ابني ".
رد اورهان:
" صدقها نجاتها، ان كانت صادقة ستنجو بطفلها ونفسها، وان كانت عكس ذلك فلتتحمل عقابها نحن لا دخل لنا بها".
مرت ساعات الصباح الأولى وتعاقب النهار والليل كل هذا ولم يتوقف يوسف عن البحث بأوسع نطاق.
انتهى اليوم دون الوصول لتولاي، غلى الدم بعروق كبار العائلة و ازداد الأمر سوءًا بترويج الإشاعات وكلام الناس عن عرض العشيرة.
سقط خبر اختطاف الدكتورة لي لي من قبل عشيرة زبيدة على عائلة بيرقدار كالصاعقة .
بهذه اللحظة خرج يوسف عن طوره، هز بقوة نفوذه عرش اسطنبول الأمني حتى كاد أن يطلب مساعدة فرق أمنية خاصة مستأجرة من خارج البلد، من يرى عينيه و زئير صوته وشدته بجانب قوته وهو يتحدث مع كبار رؤوس الدولة يعلم جيدا انه اصبح حرفيا ملك الفولاذ في تركيا وخارجها.
يتبع ……