recent
جديدنا

رواية صدى الألم الفصل الثالث

رواية صدى الألم 
بقلم سجى إمام
الفصل الثالث



و هل للمرء الهروب من أشياء تركض في رأسه طوال الوقت؟!

و بعد مرور شهر...

كانت سهى تتخبط في التفكير من أين وكيف ستجلب هذا المبلغ؟

ومع ازدياد إصرار وتهديد هيثم لها، ازداد توترها وقلقها...

لاحظ سديم ذلك، فمنع هيثم من القدوم إلى بيته واللقاء بها، لكنه لم يدرك أنه يبث لها سمه عبر الهاتف والرسائل.

كانت خائفة على طفلها، فحالتها تتدهور مع اقتراب موعد الولادة، وتصبح أضعف وأكثر إرهاقًا. طلبت منها طبيبتها أن ترتاح وتبتعد نهائيًا عن أي توتر أو قلق كي لا يتضرر الطفل.

حاولت أن تفكر في شيء يمكن بيعه وله قيمة. وقفت وهي تدور بأرجاء الغرفة تلعب بخاتمها، لتقع عيناها عليه وتتذكر...!

نعم!

قطعة الأرض تلك ستجلب أكثر من المبلغ المطلوب...

علت وجهها ابتسامة فرِحة بأنها أخيرًا ستتخلص من هذا الهم. توجهت بسرعة نحو خزانتها وأخرجت أوراق الملكية وهي تنظر إليها بانتصار. لكن سرعان ما تحولت تلك البسمة إلى غصة وحزن...

فكيف لها أن تبيع هذه الأرض، وهي هدية سديم لها في يوم زواجهما؟ كانت قيمتها المعنوية لديها أكبر من قيمتها المادية.

جلست على كرسيها وهي تذرف دموع الندم على ما فعلت، والحسرة على ما ستفعل...

حدثت نفسها وهي تضع يديها على بطنها: "من أجلك بني سأبيعها، لكي نعيش بطمأنينة."

شردت، وسرح ذهنها وهي تتذكر بداية أيامها مع سديم، لتبتسم بحسرة وهي تنظر إلى صك الملكية...

أفزعها صوت هاتفها، فأخرجها من فقاعة ذكرياتها. رأت أن المتصل هيثم، وما إن ردت حتى تهكم عليها وهو يستعجلها بأمر المبلغ.

ردت وهي تبكي، غاضبة منه: "يكفي تهديد، يكفي! لقد وجدت طريقة لتوفير المال. خذ المال واتركني وشأني!"

ضحك هيثم مستفزًا لها: "وكيف لي أن أترك أختي الصغرى؟ لا يمكن طبعًا."

كادت أن تصرخ، لكنه تحدث بصوت حازم: "والآن أخبريني، كيف ستوفرين المبلغ؟"

أخبرته بقطعة الأرض، وأنها غالية وستجلب لهم المبلغ وأكثر.

"لا يمكنني القدوم، تعلمين أن صهري لا يحب قدومي، لذلك سأبعث من يأخذ صك الملكية ومعه ورقة وكالة للبيع، وقّعيها."

أكمل كلامه وأغلق الخط، بينما ذرفت دموعًا من الندم والحسرة...

كان سديم في شركته يتناقش مع موظفيه تفاصيل المشروع الجديد، وما إن فرغوا حتى رن هاتفه.

التفت ليرى من المتصل، تأمل لحظة، لكنه رد وقال بصوت متعب

"تحدث بسرعة."

"ليس هناك جديد، إنه على حاله... من البيت إلى المقبرة والعكس."

كاد سديم أن يُغلق الهاتف، لكن الرجل أكمل "سيد سديم، هل تسمعني؟ ألو؟"

"تحدث."

"لكن منذ يومين، زاره صديقه عمر، ومن تلك الزيارة شعرت أن شيئًا ما حدث. وأيضًا، لقد باشر عمله منذ أمس."

استمع سديم لكل ما قال، ثم أغلق الهاتف.

هو لا يعلم لماذا يريد أن يراقب كريم و يعرف كل شيء عنه.

هل هو قلق عليه؟ أم أن مشاعره كأخ لم تمت كما يدّعي؟

في النهاية، ورغم كل شيء، هو أخوه ... لا يمكنهم الانفصال و لو ارادوا....

تنهد بضيق، وأرجع رأسه للخلف، يغمض عينيه بإرهاق، وصورة أخيه بين قبري شفق وتيم لا تفارقه...

كان يشعر بالذنب، ويحمل نفسه مسؤولية ما حدث لأخيه وعائلته.

هزّ رأسه محاولًا طرد تلك الهواجس، وارتدى رداء القوة. و هو من يصارع ضعفه وحزنه كل يوم في تلك الغرفة، ويخرج منها مهزومًا...

وصله إشعار على هاتفه، فتحه ليبتسم وهو يقرأ

"لقد بقي أربعة أشهر لقدومي يا بابا."

وكأن كل ما كان ينغّص عليه تبخّر، وحلّت مكانه البهجة... أربعة أشهر، وستأتي شبيهة روحه، كما يقول.

كان فرِحًا، لا، بل يكاد يطير من السعادة.

كانت فكرة جميلة من سهى حين اقترحت أن يصلهم إشعار عشوائي خلال اليوم يذكّرهم بقدوم أميرتهم. وقد أثّرت هذه الفكرة فيه كثيرًا...

خرج من شركته متوجهًا إلى بيته مبتهجاً.

*مر شهر...*

لم يكن سهلاً أبدًا...

وكيف لي أن أعتاد على غيابكما، وأنتما كنتما روحي؟ والآن، صرت جسدًا بلا روح.

في كل زاوية من ذلك البيت، ذكرى محفورة... وما أقسى تلك الذكريات...

لا أعلم، أأحنّ لها أم أحزن لأنها لن تعود؟

جمعت كل شيء يخصّهما، وضعته في غرفة نومنا، وأغلقتها... في محاولة مني أن أُبعد الذكرى عن ناظري، لكنها محاولة فاشلة كالعادة...

فكيف لي أن أمحو الذكرى من قلبي وعقلي؟

*انسحبت...*

نعم، انسحبت من ذلك البيت، وأنا مهزوم، لأنني إن لم أفعل سأُدفن فيه حيًّا ولن أنهض مرة أخرى.

وطبعًا، هذا سيحزن شفق.

عليّ أن أكون أقوى، أن أستمر في حياتي التي بلا روح، بلا حياة، بلا ألوان...

لكنه انسحاب مؤقت، ريثما يهدأ بركان قلبي ويتوقف نزيفه...

كان في حديقتنا ملحق صغير، نظّفته، واتخذته ملجأً لي من ألمي.

ليرتاح عقلي من التفكير.

حاولت النوم، أطفأت الأنوار، أغمضت عينَيّ، لكن كالعادة، عقلي أبى إلا أن يوقد شموع التفكير...

خلال هذا الشهر، ببطء لملمت شتات نفسي. وكأن عقلي بدأ يستوعب مصيبته ويتفهمها، لكن قلبي لا يزال يعاند...

أصبحت عادتي أن أستيقظ صباحًا، أصلي، أدعو لهما، ثم أتوجه إليهما...

أسكب الماء على قبريهما، وأضع زهورًا من حديقتنا. أصبحت المقبرة ملاذي، فهي تحتوي على عائلتي...

كان هذا اللقاء الصامت يوميًا يريح قلبي الجريح، ويعينني على مواصلة يومي بصمود...

لم يعجب عمر حالي، فكان دائمًا يصر على أن أرجع لعملي ، وأهتم به. فهو ذكرى من شفق، وعليّ أن أعتني بما كانت تحب...

كانت تحب البرامج وتصميمها. اقترحت عليّ أن نفتح مكتبًا صغيرًا للبرمجة والتصميم. أعجبتني الفكرة، ومع دعم من عمر وبعض أصدقائه، افتتحت مكتبًا صغيرًا. كان في البداية محدودًا، ثم توسعت أعمالنا بسرعة...

أعطيت صديقي عمر الحق، ووعدته أن أستأنف العمل خلال هذه الأيام.

أخبرني أنه يريد إخباري بشيء مهم، لكنه تراجع ، وقال بتردد مرتبك واضح "لنجعلها في وقت آخر..."

كان تصرفه غريبًا، لكنني لم أصر عليه...

أثقل ما يمرّ عليّ كان الليل. فلولا صلاتي ومناجاتي لله، لذهب عقلي...

وها أنا اليوم أُباشر عملي من جديد...

استيقظت صباحًا، تجهزت، ووقع نظري على نافذة مطبخنا المطلة على الملحق.

تذكرت أن للصباح رائحة!

رائحة تشبه قبلة شفق وتيم...

رائحة تشبه شايها وفطورها الزاكي...

رائحة تشبه ضحكة تيم...

رائحة تشبه حب شفق...

وهنا دعوت الله أن يربط على قلبي، وأن يهبني الصبر والقوة لأتحمل هذا الابتلاء...

قررت المجاهدة في هذه الحياة، والاستمرار. لكنني أرى نفسي كمن يركض وهو لا يملك طاقة للمسير، يفعلها وقدماه تنزف!

وها هو أسبوع آخر مرّ بنفس الرتابة...

كل من يراني يشفق عليّ، وهذا يجرحني. فحاولت أن أتظاهر بالقوة والثبات أمام الناس.

قررت أن أكتم حزني عنهم...

وأعيشه داخلي.

ظن الجميع أنني تجاوزت، وبدأت أعتاد...

لكنهم لا يعلمون أن هذه القوة خلفها نزيف قاتل، حدّ الهلاك...

الوحيد الذي كان يرى ويفهم ما أمرّ به هو عمر. لم يتركني يومًا خلال هذه الفترة، رغم أنني كنت أطلب منه عدم المجيء، وأحيانًا أطرده بغضب، لكنه كان يعود دائمًا...

اتصل بي، وقال إن هناك شيئًا مهمًا سيخبرني به. سألته " عن ماذا؟ "

قال " سنتحدث حين أتي..."

توقفت سيارتي أمام بيت كريم.

كنت أحاول أن أرتب كلماتي وأفكاري كي أخبر كريم بحقيقة الحادث...

فلقد كذبت عليه عندما سألني، وطلب مني معلومات عن الحادث. قلت له إنه مجرد حادث...

كذبت فقط لأحميه من نفسه، ولأجله، فقد كان في حالة لا تسمح له بالتفكير السليم...

أخذت معي ملف القضية، وتقدمت نحو الملحق. لا أدري كيف سيتحمل كريم هذه الحقيقة الأخرى، لكن من حقه أن يعلم...

استقبلني كريم بابتسامته المبتورة، ودعاني للدخول.

كم تغيّر صديقي!

وكأن سنوات أُضيفت فوق عمره، ونُحتت على وجهه علاماتها.

عيناه باهتتان...

وصوته فيه بحة ألم مؤلمة...

أطال شعره ولحيته، أو أنه لم يهتم بهما!

قلت ضاحكًا "لقد أطلت شعرك ولحيتك! لم أكن أعهد عليك ذلك."

هزّ رأسه، وكأنه تذكر شيئًا، وقال بصوت مبحوح بألم "لم أكن أُطله، لأنها لم تكن تحبه طويلاََ."

صمت قليلًا، ثم ظهرت ابتسامة حزينة على وجهه، وقال "لكن تيم، صغيري، كان يحب لحيتي الطويلة... كان يشدها، وأنا أتظاهر بالألم، وهو يضحك حين أفعل ذلك."

ثم صمت فجأة و أطرق براسه بحزن ، وكأنه تذكر مرة أخرى أنهم لم يعودوا هنا...

كانت حالته تمزق فؤادي، لكنني كنت دائمًا أريده أن يعود للحياة، ولو بالتدريج. وها هو قد بدأ بالفعل بخطوته الاولى ...

لكن لا أعلم ماذا سيفعل بعدما أخبره بالحقيقة...

لاحظ عليّ شرودي، فسألني "ما بك؟ تحدث. ألم يكن هناك شيء مهم؟"

تنحنحت قليلًا، وقلت وأنا أنظر إلى عينيه "ما سأقوله سيكون صعبًا..."

ابتسم بسخرية، وقال: "لا شيء أصعب من فراقهما. تحدث."

أغمضت عيني، وتنهدت، وقلت:

"ما أريد قوله يخص شفق وتيم."

سكتُّ، أراقب ردة فعله...

لقد تحفّز، وقال متحدثًا بسرعة

"ما تقصد عمر؟ تحدث ولا تراوغ!"

توتر الجو، ترددت قليلًا، لكنه صرخ بي لأتحدث...

أخذت نفسًا عميقًا، وقلت الحقيقة

"لم يكن حادثًا .... بل جريمة. "

رفع يداه وهو يرتجف خوفاً...

اتّسعت عيناه وهو ينظر إلى جثة الرجل أمامه، ابتلع ريقه وهو يتلفّت في زوايا تلك الغرفة المغلقة، شعر وكأن عيونًا تراقبه وتتبع حركته.

جثا على ركبتيه واضعًا يديه على رأسه مفكرًا بصدمة...

"كيف حدث هذا؟"

"لماذا فقدت السيطرة وانقُدتَ لغضبك؟"

تذكّر ما حدث، وكأن عقله يعيد تحليل اللحظات...

اتصال... بدأ كل شيء من هنا...

تبعه تهديد وصراخ:

 "أخبرتك أريد مالي، وإلا سأكشف أمرك وستتعفّن بالسجن!" قالها غاضبًا.

ردّ عليه باستياء ظاهر:

 "أنت من أخطأ بفعلتك الغبية، ولن أدفع كامل المبلغ بسبب خطئك و..."

قاطعه الآخر بحدة:

 "أنت لم تحدد كيف، فقط قلت لي أن أقتلها! لم تقل كيف أفعلها أو أين! والآن، إما أن تدفع، أو أدفع حريتك!"

خاف... وابتلع صدمته...

قال وهو يحاول كبح أعصابه:

 "حسنًا... أرسل عنوانك. سآتي وأسلمك المال يدًا بيد. لا يمكن بطريقة أخرى، وإلا سننكشف."

وبعد أن أرسل له العنوان، أخذ المبلغ وهو حانق على ذلك الغبي الذي أخلّ بخطته...

ذهب متخفيًا لكي لا يعرفه أحد.

طرق الباب طرَقات سريعة، فجاءه الرجل الآخر، فتح له الباب بابتسامة عريضة وهو ينظر إلى الحقيبة.

مد يده ليأخذها، لكن الأول أبعدها عنه وأشار له أن يدخل اولا.

تذمّر الآخر، لكنه دخل...

 "أعطني المال وارحل، انتهى عملي معك."

 "لم ينتهِ."

 "لا أريد أن أتعامل مع شخص مثلك مرة أخرى، المال ثم ارحل، هيا."

ابتسم الآخر بسخرية وقال:

 "من أجل المال... ستعمل مرة وألف."

ضحك وقال باحتقار:

 "طبعًا سأعمل، لكن مع واحد حقير مثلك؟ أبدًا. والآن، هيا."

غضب بشدة، وتقدم منه مهددًا...

فقفز عليه الآخر ولكمه، وأخذ المال قائلًا:

 "قلت لك بالحسنى ولم تستمع، تستحق ما حدث لك."

سقط الآخر على الأرض وشفاهه تنزف من أثر الضربة، وما إن استدار الرجل، حتى هجم عليه من الخلف، خنقه!

وكأن قوة غريبة دفعته...

أحكم قبضته عليه بقوة، ليبادر الآخر بضربه في معدته مرارًا حتى تضعف قبضته...

تحرر منه، لكنه بهجمة سريعة طرحه أرضًا وأمسكه مجددًا وهو يخنقه بعنف.

حاول الرجل الإفلات، لكنه عجز...

سقطت يداه، وخارت قواه... ومات.

جحظت عيناه، و هو ينظر إلى ما فعله!

ارتبك... وفكر بسرعة.

ذهب إلى المطبخ وهمّ أن يفتح إحدى الخزائن، لكنه تراجع:

 " لا أريد ترك أثر أو بصمات..."

أخرج منديلًا من جيبه، بحث في المكان حتى وجد ما يريد...

حبل.

أخذه، ولفه حول رقبته ليُظهره كحادثة انتحار... لا جريمة قتل.

سمع صوتًا في الخارج فارتبك، أخذ الحقيبة، تفقد الأرجاء بسرعة، ثم غطى وجهه جيدًا وأخفى ملامحه تمامًا.

خرج بحذر...

غير مدرك أن ما فعله...

سيرتد عليه لاحقًا كالكارثة.

"لم يكن حادثًا... بل جريمة."

قالها عمر بصوت عميق.

فحلّ الصمت...

صمت مزعج... مقلق... مؤلم.

ارتعشت شفتا كريم وهو يحاول أن يُخرج صوته بثبات "ما الذي تقوله؟ حادث؟!"

أخرج عمر زفيرًا حارًا وهزّ رأسه.

كريم بدا مصدومًا، لا يصدق، و لا يقبل.

عيناه تدمعان في صمت، ويداه ترتجفان ، بينما صوته المكسور يقطّع القلوب..

 قال بعدم فهم و عتاب لعمر "ألم أسألك عن هذا؟ وقلت لي: حادث!

ما الذي تغيّر الآن؟ أجبني!"

أدرك عمر أنه أخطأ بإخفاء الحقيقة، لكنه لم يفعلها إلا خوفًا عليه.

تحدث عمر "أنا... لقد كذبت عليك... قلت إنه حادث... قلتها فقط حتى لا تتصرف بتهور... كنت في حالة لا تسمح لك بأي تصرف..."

قاطعه كريم غاضبًا، و رمى ما على الطاولة، وتناثر الزجاج أرضًا

 "لا يحق لك يا عمر أن تخفي عني حقيقة مثل هذه! لا يحق!"

سكت كريم، يحاول تمالك أعصابه...

همّ عمر بالحديث، لكن كريم صرخ فيه و صوته يعلو و يختنق بألمه و غصته "أبعد كل هذه المدة؟!

تأتي أمامي وتقول لي؟ لماذا لم تخبرني كنت سأعرف كيف أتصرف، أنا أدرى بنفسي!"

كانت نبرة كريم كافية لتفهم مدى ألمه ، فأحس عمر بمدى وجع صديقه .

 *فمن لا يفهم النبرة، لا يفهم الشرح الطويل...*

تقدّم عمر، حاول تهدئته، لكن كريم أمسكه يهزه بعنف و هو يقول ببكاء هستيري "من؟! من يا عمر؟! من سلب مني الحياة؟!

من أخذ مني طمأنينتي؟!

من؟!"

وانهار...

سقط أرضًا باكيًا، معلنًا أن حصونه قد انهارت، وأن قوته الزائفة قد تفتّتت...

وأُغمي عليه و يسقط معلنا ان الثبات له حد و ان القلب ما عاد يتحمل المزيد ....

فأسرع به عمر إلى المستشفى...

ليهتموا به و يعتنوا بحالته .

طلب عمر اذن من عمله ، و

ظلّ بجانب كريم الذي كان متعباً نفسيا و جسديا ، و هذا ما قاله الطبيب لعمر انه مر ب "انهيار عصبي حاد مصحوب بصدمة نفسية مكبوتة، أدّى إلى اضطراب في الوظائف الحيوية للجسم، واحتراق داخلي من فرط الكبت العاطفي."

اكمل الطبيب حديثه مع عمر و شدد عليه ان على كريم ان يرتاح تماما و يهتم باكله و يبتعد عن الحزن و القلق ...

كان قد أكمل جامعته التي أراده والده ان يدخلها .

 تخرج منها باعلى المراتب ، فطوال ١٨ سنه كان يحاول و يجتهد ليرضي والده ، لكي يشعر و لو قليلا بحبه له ، و خاصه ان والدته من كانت ام و رفيقة له ذهبت سريعا عنه .

فلم يعد لديه يد حانية او حضن دافئ او من تقول له كلمات تزرع فيه الحياة ، اتعبه فراقها و خاصه انه كان صغيرا ...

لا يزال في ١٥ من عمره ، لم يكن بعد أستوعب فراق أمه ليقرر والده ان يرسله إلى الخارج ليدرس و يكمل تعليمه ...

كان خائف من هذه التجربة و خاصه انه لم تكن لديه خلفية عن التعامل مع الناس بشكل كبير و ايضا سيذهب لدوله اجنبيه وحيدا ...

وحيدا ...

كان اكبر مخاوفه الوحدة.

فمندو موت امه ابتعد عن كل شي...

كان كريم الصغير يحاول ان يقترب منه و لكنه لم يكن يبادره بشئ فقط ينظر اليه بخليط من المشاعر ..

تارة يريد أن يحضنه و يبكي ..

و تارة يريد أن يبعده عنه ...

كان هذا الصغير يسبب له تشويش في عقله و قلبه ...

عقله يقول: " هو السبب... منذ قدومه صرتَ لا شيء."

وقلبه يقول "هو أخوك... وليس خصمك."

فكر أن يطلب من أبيه أن يسافر كريم معه، لكن الأب رفض

 "انه صغير... و انه يريده بجانبه."

كلمة عادية...

لكنها كانت فارقة في قلبه و في حياته ...

 يريده هو و ليس أنت...

كانت الحقيقة صادمة بالنسبة له او ان عقله ترجمها هكذا ...

تجمّد في مكانه ينظر لوالده باستغراب

أراد أن يقول: "لماذا لا تراني؟ ألست ابنك أيضًا؟"

لكنه انسحب بهدوء...

لتمر الايام و الاشهر و ها قد مضت عشر سنوات ...

عاد.

وقف أمام بيته لتعلوا وجهه ابتسامة حنين و هو يتذكر امه و حبها له و حنانها عليه ، و دفاعها عنه عندما يخطى رغم انها اضعف من ان تقف أمام والده!

تقدم بخطوات تابتة لكنه داخليا لم يكن تابثا ابدا ...

بل هشاً....

ينظر لكل شبر و يتذكر طفولته..

دخل الصالون الكبير ليجده خاليا.

استقبله أحد الخدم، فسأل عن والده، فخفض الخادم رأسه و هو يخبره بما حدث خلال هذه السنوات

 "سيدي... بعد أربع سنوات من سفرك، سافر السيد كريم أيضًا للدراسة باصرار من والدك ... ومرت السنين، وتدهورت حالة والدكم... أصبح مقعدًا، ومصابًا بالخَرَف."

تفاجأ سديم و قال غاضباً

 "كنت أتصل وأسأل، وكنتم تقولون أن كل شيء بخير!"

 "كان والدكم يرفض إخباركما، كي لا تهملوا دراستكم أو تتأثر حياتكما."

صمت سديم و هو يتذكر اتصالاته بوالده كان يريد سماع صوته و لكنه في كل مرة يرد أحد الخدم.

التفت للخادم بغضب و صعد لطابق العلوي و هو يحدث نفسه غاضباً

 "لا أعلم كيف يفكر و يزن الأمور..."

طرق الباب أنتظر الرد و لكنه طال ليدخل ليجد والده على كرسي متحرك بجانب نافذة غرفته الكبيرة ينظر للامام بضياع و شرود ....

توقف سديم ينظر لحالة ابيه ، لم يكن يبدو بخير ابدا ...

تقدّم منه... وطفولته تمر أمامه.

تقدم نحوه و شريط طفولته يمر امامه ، اغمض عيناه متناسيا و تقدم نحوه مبتسما...

التفت والده اليه وسأله بهدوء " من انت؟ "

ادرك ان كلام الخادم صحيح و ان والده أصابه الزهايمر..

ابتسم سديم و قال " أبي ألم تعرفني أنا ابنك "

ابتسم الاب و نظر له بحب و مسح على راسه بحنان ...

بينما سديم تفاجى فهو كان نسى تلك النظرات منه و تلك المسة الحانية منه .

قال الاب بحنان" أبني "

هز سديم راسه بابتسامة و دمعه كادت ان تفر من عيناه. .

و لكن سرعان ما تبدلت ملامحه عندما نطق الاب بكلمات محت تلك السعادة و تلك البسمة ..

قال الأب بحنان "ابني... كريم، لقد اشتقت إليك."

تجمّدت الفرحة...

و الابتسامة ذابت...

كريم....!

كريم...!

تفاجى سديم و تنغصت فرحته و تسأل و هو ينظر لوالده بنظرات عتاب و استغراب...

و كأن لا ابن له الا كريم ...

نظر إليه بنظراتٍ مختلطة بالخذلان.

 "ألا يراني؟"

"حتى نبرة صوته تغيرت حين نطق اسمه... وكأنه يتغنّى به."

"ليس لك مكان في قلبه... هو يحبه أكثر... اعترف بذلك."

"لقد كانت كلمة... لكنها كافية لتهدّ كل ما كنت أحاول تكذيبه. "

يتبع ...


author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف10 أبريل 2026 في 1:54 ص

    ربنا يهونها علينا جميعا يارب يارب يارب 🤲

    حذف التعليق
    • Amany Ahmed photo
      Amany Ahmed10 أبريل 2026 في 1:55 ص

      ربنا يهونها علينا جميعا يارب يارب يارب

      حذف التعليق
      • Amany Ahmed photo
        Amany Ahmed10 أبريل 2026 في 1:56 ص

        مبروك عليكى يا سجى

        حذف التعليق
        • Amany Ahmed photo
          Amany Ahmed10 أبريل 2026 في 2:03 ص

          أصعب شعور موجع للإنسان ولقلبه الفقد لعزيز غالى علينا وكأن الحياة توقفت لا يفرق متنا اى شيء كل الآلام والاوجاع يسيرة رسوب او فشل تمل او مطبة او زواج ةو مال إلا فبد الأحبة والصحة
          ربنا يسبر كل إنسان عى مبالاه يا أرحم الراحمين يارب يارب يارب

          حذف التعليق
          google-playkhamsatmostaqltradent