رواية صدى الألم
و في اليوم الذي يسبق تنفيذ الحكم، كان صمت ثقيل مهيمنًا على الجميع، ليمر اليوم عليهم بهذا الصمت.
كريم كان جالسًا في الحديقة، شاردًا، وملامح التفكير واضحة على وجهه، شعور ثقيل كأن شيئًا وضع على صدره ، فكل شيء يذكره بتلك اللحظة الأخيرة التي جمعت شفق وتيم به.
بينما هبة كانت تراقبه، و هي حزينة على حالته، أرادت أن تذهب إليه لكنها تراجعت، فقررت تركه وحده ليُرتب مشاعره ويعيش المه.
أما سديم فكان واقعًا بين نارين: أن يذهب مع أخيه ويكون بجانبه، أم يكون بجانب سهى التي ساءت حالتها بشكل كبير.
اتصل سديم بكريم ليخبره أنه سيأتي معه، لكن كريم رفض للمرة الثانية وأخبره أن يكون مع سهى، ليظل سديم بجانبها محاولًا أن يخفف عنها ويهدأ المها ارتجف قلبه وهو يراقب حالتها.
وفي فجر اليوم التالي، وبعد أن صلى كريم وهبة صلاتهم، اقتربت منه هبة وأمسكت يده قائلة
"أأنت واثق أنك تريد أن ترى إعدامه؟"
هز كريم رأسه وقال بثبات
"نعم… لأرى الحق يأخذ مجراه. نعم، النهاية ستكون مرة و مؤلمة، لكنها ضرورية لأخذ حقهما."
صمت وهو يقف، لتقف هي أيضًا قائلة بنبرة قلقة و لكنها حاولت أن تكون هادئة "أستذهب إلى المقبرة؟"
قال كريم وهو يلتفت لساعته
"لا… سأذهب مع عمر، إنه في الخارج ينتظرني. سينفذ الحكم في السادسة."
كانت هبة قلقة وخائفة عليه، فشعر كريم بخوفها واهتمام قلبها. اقترب منها وقبلها على جبينها قبلة طويلة، لتغمض عينيها وتبكي بصمت. طمأنها كريم قائلا "سأكون بخير . فقط أريد منك أن تدعي لي بالقوة."
أومأت هبة لتحتضنه وهي تبكي بصمت، وتدعو الله أن يلطف بقلبه.
بعد أن ودع هبة، خرج كريم ليجد سديم منتظرًا بجانب عمر. اقترب منهما، وكان واضحًا عليه أنه لم ينام.
وضع سديم يده بلطف على كتف كريم وقال "كريم… سينتهي وسيمر، لذلك كن قويًا."
أومأ كريم بصمت، فاحتضنه سديم وهو يدعو له. أبعده كريم بلطف، والتفت لعمر ليذهبا.
في سجن الاستئناف
كانت رائحة الرطوبة والصدأ تعبق المكان، الممرات خافتة الإضاءة، هناك هدوء ثقيل يطفو في المكان ، هدوء استسلام...
في الطابق العلوي، صدّى صوت خطوات السجانين في الممر، فتحفز جميع السجناء بخوف. ارتجفت أوصال هيثم عندما سمع صوت فتح باب زنزانته، أرجع ظهره للخلف، صدره يعلو ويهبط من الخوف، شعر وكأن جدران المكان أطبقت عليه ارتجفت يديه، و رعشت أوصاله من الفزع.
اقترب منه أحد السجانين ليأخذه، فذهب معهما باستسلام وخضوع. قادوه ليغتسل، و يصلي صلاته الأخيرة، ويدعو لنفسه.
كان هيثم يبكي، قائلاً بسجوده
"يا رب، سامحني…" كررها كثيرًا، ثم رفع يده و دعا لسهى بأن يمنحها الله القوة والصبر لتكمل حياتها.
أمره السجان أن يقف ليأخذه وينزله إلى ساحة تنفيذ الحكم، ومع كل ممر يمر به تتبعه نظرات المحكومين، منهم من يبكي ،
و منهم من ينظر بخوف و هو ينتظر دوره ، ومنهم من يدعو له بالثبات.
قاده السجان و أوقفه أمام منصة المشنقة. اتسعت عيناه، ارتجفت يداه وأرجله، شعر وكأنه سيسقط، لكن السجانين كانوا ممسكين به بقوة.
اقترب منه شيخ، لقنه الشهادة ليرددها هيثم بصوت مكسور وخافت.
قاده السجان إلى المشنقة، نسمة هواء باردة هبت، فارتجف هيثم وهو يرى الحبل يتدلى، التفت إلى السماء، و دموع صامتة تنزل.
وضع السجان غطاءً أسود على وجهه، ربطت يداه للخلف، وأُسندت رجلاه على لوح خشبي.
وقف الشيخ خلفه وقال عميق "قل الشهادة يا ابني."
أجاب هيثم بصوت باكي، و ارتعش الحبل على رقبته، فشعر ببرودة وقسوة الحبل على عنقه ، تعالت دقات قلبه وهو يلفظ الشهادة.
بينما كان كريم وعمر ينظران من خلف الحاجز، كان كريم ينظر إليه وهو يساق ويسحب، يتذكر ذكرياته مع شفق وتيم، لحظاتهم وسعادتهم، كل شيء خاص بهم.
شعر بضيق وتعالت أنفاسه، اقترب منه عمر بسرعة وسأله بقلق
"كريم… أأنت بخير؟ إن لم تكن مستعدًا لهذا، لنذهب."
هز كريم رأسه نافياً، كانت يداه باردتين تعكس صراعه الداخلي الذي يمر به .
فجأة بدأت حركة غريبة في الساحة، فقال عمر وهو يشدد على كتف كريم "سينفذ الحكم الآن."
زفر كريم ونظر إلى الساحة بثبات .
صدى صوت السجان "استعدوا… الآن!" قالها بصوت غليظ وهو يشير للحارس لقطع الحبل.
وفي تلك الثواني المعدودة، في لحظة واحدة، شد الحبل، هبط اللوح، جسد يهوي ويرتجف، وأنفاس تقطع…
قال السجان بصوت مظلم لا روح فيه "نفذ الحكم."
بعد تنفيذ الحكم، أغمض كريم عينيه، سالت منه دمعة كأنها تسطر معاناته طوال هذه الفترة، رفع رأسه إلى السماء وزفر بارتياح وابتسم ليست ابتسامة نصر، بل ابتسامة سكون بأن العدالة والحق تم أخذهما.
أغمض عينيه فتراءت أمامه صورة شفق وتيم مبتسمين، لتدمع عيناه بحزن ، شعر وكأن فصلًا مظلمًا ومؤلمًا أغلق، لكن ثمنه كان باهظًا عليه.
بينما كان عمر واقفًا، ينظر لجسد هيثم بشفقة ، شعر بثقل وضيّق في صدره، داخله مقتنع أن هيثم استحق ما ناله، لكن لحظة الموت شيء لا يمكن لأي أحد أن يعتاد عليه أو يتصالح معه، ولو بعد ألف قضية. نظر للأرض، شعر بالألم في قلبه، ثم التفت إلى كريم الذي بدا وكأنه خرج لتوّه من حرب أنهكته، ليقول في داخله "أتمنى أن يرتاح قلبه وتسكن روحه… يا رب، اغسل قلب صديقي من كل حزن وكدر."
وضع عمر يده على كتف كريم وقال "انتهى."
أومأ كريم قائلاً "نعم… انتهى وعوقب قاتلهم… لكن…"
صمت و أطرق رأسه بحزن.
ليدرك عمر ما يقصده، فأكمل كريم بصوت مختنق "سيظل هذا جرحًا حيًا في روحي."
قال عمر "سيشفى ويُندمل جرحك، نعم سيأخذ وقتًا، لكن سيشفى."
التفت كريم لعمر وابتسم بتعب، اقترب منه واحتضنه بامتنان وتقدير، ليبادله عمر ذلك.
خرجا من السجن، و هما صماتان، كل منهما ينظر أمامه بتفكير وشرود.
قطع الصمت صوت كريم قائلاً بنبرة عميقة "خذني إلى المقبرة."
أومأ عمر وشغّل السيارة ليذهبا.
و في طريقهم، شعر كريم بالاختناق والضيق، وقال بنبرة متقطعة "عمر… لأنزل هنا، أريد أن أمشي وأستنشق بعض الهواء."
لم يعترض عمر، فهو يدرك أن كريم يريد أن يكون وحده في مثل هذا الوقت. أوقف السيارة، ودع كريم ليذهب.
كان كريم يمشي بخطى بطيئة، و دهنه ضبابي ، داخله شعور بالتيه والحنين، شريط ذكرياته معهما يتراءى أمامه، فيبتسم بحزن وغصة. التفت إلى السماء وقال بغصة "لماذا لا أشعر بالراحة؟ لماذا ..."
قطع حديثه صوت الأذان، فصمت كريم وهو يستغفر ربه، ثم اتجه للمسجد، توضأ، وصلى جماعة. و بعد الصلاة خلاء المسجد من المصلين ، فجلس كريم ، بدا التعب واضحًا عليه، فاقترب منه الإمام وربت على ظهره بحنان وسأل عن حاله بوجه بشوش.
فرد كريم بصوت منخفض ومنهك.
جلس الإمام بجانبه وقال بهدوء
"تحدث يا بني، ما بك؟"
التفت إليه كريم، زفر بضيق، وشرح له ما حدث معه باختصار. تأثر الإمام وربت على يد كريم قائلاً "رزقك الله يا بني الصبر والشكر على قضائه وقدره."
أومأ كريم بصمت، فطال صمته، دمعت عيناه وقال بصوت مهزوز
"يا شيخي… لماذا لست مرتاحًا؟ لماذا أشعر بثقل في صدري؟ أليس من المفروض أن أرتاح بعد تنفيذ الحكم؟ كنت أتوقع أن رؤية العدالة تأخذ مجراها ستسكن قلبي، لكن…"
"لكن ماذا؟" قال الإمام بهدوء.
"شعرت وكأن القاتل عوقب، لكن جرحي أنا وفقدي لم يشفى." قالها كريم بصوت متألم.
وضع الإمام يده على كتف كريم وقال "يا بني، إن الله شرع القصاص ليحفظ النظام ويردع الجريمة و التخفيف عن اهل المجني عليه ، فهو قانون خاص بالأرض، لكنه ليس دواءً للقلب."
التفت إليه كريم بعيون دامعة وقال "وأين دواء قلبي؟"
ابتسم الإمام بهدوء "سلم أمرك لله واعلم أن كل ما حدث معك هو قدرك، والموت حق على كل بني آدم. اليوم هما ذهبا، وغدًا نحن. احتسب يا بني كل ما أصابك، وأصبر عليه، ولك أجر صبرك."
تلا الامام عليه بعض الأيات عن الصبر و الابتلاء ، فارتاح كريم بكلام الإمام ، وقال له "جزاك الله خيرًا، لقد ارتاح داخلي بكلماتك."
فدعى له الإمام، ثم ذهب كريم إلى المقبرة.
وقف كريم أمام بوابة المقبرة قليلاً قبل أن يدخل، كان شعوره هذه المرة مختلفًا؛ لم يكن يشعر بالذنب مثل المرات السابقة، بل ارتاح داخله لفكرة أنه أخذ حقهم ولم يترك دمهم على الأرض.
جلس بينهما، عيناه تذرف الدمع بصمت هادئ، مسح على تراب قبر شفق مبتسمًا، كان ينظر إليها كأنها أمامه وتبتسم له الآن أيضًا. هبت نسمة هواء ناعمة، فأغلق كريم عينيه وشعر وكأنها لمست شفق له، وقال بصوت مختنق "أخذت حقكما ولم أتركه… لترتاحا الآن."
أختنق صوته، وأضاف "ارتاحا في مكانكما… أنتما السابقان، ونحن اللحاقون."
رفع يده ودعا لهما، وبعد أن أكمل وقف، وهو ينظر إلى قبريهما، محدثًا نفسه "سلمت أمري لله وأحتسبت ما أصابني… اللهم يا رب، هب لي القوة لأكمل، وارزقني راحة القلب وطمأنينة الصدر." ثم ذهب كريم إلى بيته.
في بيت سديم، في غرفة نومهما، كانت سهى جالسة على سجادتها منهكة من البكاء، فقد ظلت طول الليل تبكي هيثم وتدعو له، وكانت تتمنى ألا يمر الوقت سريعًا، لكن الصباح أتى، معلنًا عن موت أخاها.
وما إن دقت السادسة، حتى أحست بانقباض مفاجئ في صدرها، فالتفتت إلى سديم، الذي جلس بجانبها ، أغلق هاتفه ، أومأ لها بحزن وأطرق رأسه. وضعت يدها على صدرها بألم، و دموعها سالت بصمت، عيناها معلقتان على الفراغ.
اقترب سديم بحذر، احتضنها، ومسح على شعرها بحنان قائلاً "ليعفُ الله عنه."
دفنت نفسها في حضنه، وكأنها تختبئ من وحش الفقد الذي انهال عليها فجأة .
سكنت سهى وهدأت قليلا ، ابتعدت عن سديم ببطئ ووقفت، فوقف سديم بسرعة، قلقًا عليها، فلمست وجهه بحنان وقالت بنبرة متهدجة "أنا بخير، لا تقلق علي."
نظر لها بعيون حزينة و قلقة عليها ، فقالت بصوت مختنق وباكي "أتعلّم يا سديم… ما هي وصية هيثم؟"
هز رأسه نافياً. أكملت هي "أن لا أبكي عليه…"
لم تكمل كلامها، فانفجرت باكية. اقترب منها سديم، احتضنها و هدأها. فخارت قواها، فحملها إلى السرير، فأغمضت عينيها ونامت.
أما كريم فوقف أمام بوابة بيته، ينظر بشرود، متأملاً كل ما حدث معه منذ لحظة اتصال عمر و إخباره بتلك الفاجعة وحتى لقائه بهبة وزواجه بها وكل الأحداث.
تذكر كلام الإمام: "كل ما حدث معك هو قدرك..."
حدث نفسه "نعم… إنه قدري، وما كان مكتوبًا لي. لم يكن سهلاً عليّ، لكنني صبرت، وها أنا أخذت عطاء صبري… أقتصصت لهما، ووجدت جبر الله ولطفه لقلبي بهبة وتيم… إنهما هبة الله لي."
رفع كريم نظره إلى السماء ودموعه تنهمر "لك الحمد يا الله على قدرك… اللهم إني رضيت بقدرك، فارضنا بقدرك، والطف بي."
ليزفر براحة ويدخل بيته، كانت هبة تنتظره في حديقة المنزل بقلق، وبجانبها تيم يلعب بألعابه.
رأته يدخل، لتقفّ و تنظر لها بعيون دامعه ، و زفرت براحه و هي تحمد الله لقدومه . وقف أمامها بصمت، بينما هي تأملت وجهه، فرفعت يدها واحتضنت وجهه بحنان، فابتسم كريم بتعب وقال "الحمد لله… لقد انتهى."
أومأت، وهي تحارب دموعها، اقترب منها كريم واحتضنها، أغمض عينيه، وشعر براحة غريبة تسللت إليه، وكانت هبة تدمع بصمت وهي تمسح على شعره وظهره بحنان.
كان حضنًا طويلًا وصامتًا، لكنه مريح لهما.
اقترب تيم منهما وقال بجدية ووجهه عابس "وأنا لماذا لا أحد يحتضنني؟!"
ابتعدا عن بعضهما بخجل، فابتسم كريم وحمله "تعال يا بطلي."
ابتسم تيم بفرح، ورمى نفسه في حضن كريم، فأشار إلى هبة لتأتي، فاقتربت ليكون حضنًا عائليًا جميلًا.
قبل كريم تيم وأعطاه لهبة قائلاً "سأصعد لأغير ملابسي وأرتاح."
أومأت له بتفهم، وذهب ليصعد لغرفته، دخل واغتسل، مرّر قطرات الماء على وجهه كأنه يغسل حزنه أيضًا، وبعد أن أكمل، ذهب إلى سريره، وضع رأسه، وأغمض عينيه لينام بعمق وراحة.
" في مكان أشبه بحديقة كبيرة، مليئة بالخضرة والزهور، وفي وسطها يمر نهر صغير، كنتُ أسير به، وكأنني أتبع شيئًا… أو صوتًا… نعم، صوت ! انه صوت ضحكة تيم!
ركضت بسرعة لأتبع الصوت، و رأيتهما أمامي ! شفق وتيم ، جالسان على الضفة الأخرى من النهر، كانا سعيدين ويضحكان. التفتت لي شفق وابتسمت، أردت أن أذهب إليهما، لكنهما وقفا ونظرا لي بابتسامة مودعة، ثم ذهبا.
ناديت لهما كثيرًا، لكنهما اختفيا عن نظري… "
فتحت عيناي على صوت أذان الفجر، وضعت يدي على صدري، وأغمضت عينيّ مسترجعاً حلمي، فابتسمت براحه. التفت لهبة وتيم النائمان بجانبي، ثم انسحبت بهدوء إلى الغرفة الأخرى، توضأت، وصليت، ودعوت ربي .
وبعد شهر…
عادت حياتهم إلى روتينها. كريم يذهب إلى عمله في الشركة بجانب سديم، وكانت الأعمال تسير بشكل ممتاز، و كان الأخوان فخورين ببعضهما البعض.
تيم كان قد بدأ اختبارات المدرسة، وكان سريع الملل ويميل للتملص من المذاكرة، لكن هبة كانت لديها أساليب متنوعة لتوصيل المعلومات بسهولة و بشكل ممتع ، كان كريم يضحك ويشاكس هبة عندما يتملص تيم من الدراسة، فتأتي هي بوجهها الغاضب لتطلب من تيم بالاستمرار في الدراسة ، لكن كريم يتحدث معها فتلين، ويجلسون معًا يتحدثون ويضحكون.
أما سهى فكانت قد تأقلمت وهدأت، وعادت لتستمر بحياتها. أدركت أن الحزن لن يفيد ، ولن يعيد أحدًا، بل سيدمرها ويحزن سديم، لذلك قررت دفن حزنها والاهتمام بعائلتها.
كانت العائلتان تجتمعان في أيام الإجازة في الحديقة، يمدون السفرة، يأكلون، يتحدثون ويضحكون. في البداية، كانت سهى تخاف وتشعر بالذنب والخزي من كريم، فتتهرب من هذه اللقاءات، لكنه تحدث معها وطمأنها قائلا "سهى، لا داعي لهروبك وخوفك مني، لقد رأيت وتأكدت أنك تغيرت كثيرًا وأصبحت سهى أخرى لهذا…"
صمت قليلاً، ثم أكمل "لقد سامحتك بحقي يا سهى."
قال كلماته وذهب، بينما سهى بكت براحه.
و هكذا مرت أيامهم بهدوء وسكينة واستقرار.
مرت الايام و في أحد الأيام، عاد كريم من الشركة متأخرًا قليلًا، دخل بيته متعبًا ومنهكًا، نادى هبة، فأتت من جهة المطبخ وعلى وجهها ابتسامة خجلة. استغرب كريم حالتها، ورفع حاجبه بابتسامة، وهو يرى فستانها الوردي. حك كريم ذقنه وابتسم و تقدم اليها، وهم ليتحدث، لكنها سبقته وقالت "العشاء جاهز، لنأكل."
أرجعت شعرها للخلف بخجل وذهبت إلى المطبخ، تبعها كريم بابتسامة ضاحكة. جلسا، وبدآ يأكلان، كانت هبة تسأله عن العمل والشركة، وهو يجيب كالعادة.
قال كريم "ذهبت اليوم لأرى كيف يسير العمل في البيت، لقد رمموا جزءًا كبيرًا، وتبقى القليل، والحديقة سأعيد تشجيرها."
أبتسمت هبة "سيكون أجمل من السابق."
أكملوا طعامهم، ثم قامت هبة وجلبت علبة صغيرة، وضعتها بجانب كريم، التفت إليها متسائلًا، فقالت بصوت مهتز "افتحها…"
وقف كريم، و نظر لها متعحباً فرحاً ، وابتسم "أم أنك…"
لم يكمل كلامه، وفتح العلبة ليجد زوج شرابات أطفال.
دمعت عيناه فرحًا، وهو ينظر لها، بينما بكت هي أيضًا فرحًا. اقترب كريم منها، محتضنًا إياها، وهو يحمد الله بصوت فرح باكي، ثم أبعدها بلطف واحتضن وجهها قائلاً " الحمد لله ، الحمد لله على نعمته علينا و جبره لنا " وضعت راسها على صدره و أغضمت عيناها بسعادة بينما هو ضماها اليه بقوة فرحه، كانت هذه اللحظة و كأنها ولادة لحياتهم الجميلة الهادئة.
وها هي الأيام والشهور، لا بل السنوات مرت…
وها هي 15 سنة مضت.
*تيم*
"مرت 15 عامًا، وما زال أبي يذهب كل صباح ليزور قبر زوجته شفق وابنه تيم. لقد تعلمت الكثير من أبي كريم تعلمت الوفاء، فهو لم يخلف وعده لهما حتى بعد كل هذه المدة.
تعلمت الصبر ان أكون ثابتاً ، الحنان فرغم كل ما مر به لم يقسوا قلبه بل كان حنوناً ليناً ، العدالة، وعدم ظلم أحد… باختصار، تعلمت منه أن أكون إنسانًا.
أنا لا أتذكر أبي حمزة كثيرًا، على الرغم من أن أمي كانت تحدثني عنه، لكن أبي كريم كان دائمًا ما يأخذني معه لأزوره و أحدثه عني و أدعوا له ، لم أشعر يومًا أنني يتيم معه ابدا ، كان يعاملني كابنه، وأنا ابنه.
كان يخبرني أنه يستمد قوته مني عندما أحضنه، وأنه يرى ابنه تيم بي، أنه أفضل وأحن أب على الإطلاق.
نعم بعد قدوم أخي الجميل ، كانا يدلولوه أكثر، لكن لم يفرقوا بيننا ابدا ، كان حبهم لنا غير مشروط.
وها أنا الآن قد تخرجت من كلية الطب، وكل ذلك بجهد أمي وأبي، حفظهما الله وطال بعمرهما.
وقفت أنظر إلى بدلتي مرتباً إياها ، كنتُ متوتر قليلًا… لا، كثيرًا، فاليوم زواجي من محبوبتي، حب طفولتي. تبدل توتري إلى ابتسامة وأنا أتذكر ذكرياتي معها.
طرق الباب، فقلت "تفضل."
دخلت أختي وأخي الصغيران، يركضان بحماس وفرح إلي ، و يحتضناني، إنهما يذكرونني بطفولتي.
و من ورائهم دخل والدي بجانبه أمي.
تقدمت مني أمي واحتضنتني، واحتضنت وجهي قائلة بنبرة باكية لكنها سعيدة "كبر صغيري وأصبح عريسًا." دمعت عيناها فرحًا، فاحتضنتها وقبلت رأسها بحب.
أقترب مني أخوي و هم يتحدثان بحماس و فرح ، فأبتسمت لهما.
قال أبي بمشاكسة و هو يشير لاخوي أن يخرجا "لتتركونا لوحدنا مع أبني هيا."
غارت أختي واشتكت بملل "لماذا لا تحدث أمامنا؟"
قال أخي "نعم، لنسمع جميعًا."
ضحك أبي، بينما ضيقت عيني بمشاكشة، مسحت أمي شعرهما بحنان وهمست في أذنهما بشيء ليبتسما، و يمسكان بيدها، رأيتها تلتفت لأبي وتبتسم بهدوء، بينما ابتسم لها بامتنان وحب لتخرج مع أخوي.
جلس أبي بجانبي، تحدث معي، وأعطاني نصائح كثيرة ومهمة، وكنت أستمع له. صمت قليلاً، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا ومدّه لي. نظرت له متسائلًا، فابتسم وأخبرني أنه مفتاح بيتنا القديم الذي رمم منذ سنوات. فرحت ولمعت عيناي فرحًا وسعادة، فلذلك البيت مكانة خاصة في قلبي.
قال أبي "إنها هدية زواجك يا بني."
ربت على كتفي بحنان، وقف لأقف معه، وقال ضاحكًا "ما رأيك أن أبعثر شعرك يا صغيري؟"
ضحكت بعيون ممتلئة حنينًا لطفولتي، وقلت بنبرة ضاحكة "لم أعد صغيرًا الآن." اقتربت منه واحتضنته بقوة .
أتت أختي واقتحمت الغرفة، و هي تقول بصوت واحد "أمي تناديكم هيا…"
سكتت، ولم تكمل كلامها، تقدمت إلى أبي، ونظرت إليه مستعطفة بمكر طفولي، فقال أبي "أغارت علي أمريتي."
ليحملها ويقبلها، ثم أشار لي بالسير بجانبه.
كانت الحديقة مزينة بشكل رائع ومنسق، لم يكن الحضور كثيرًا، فقط العائلة والمقربون وبعض الأصدقاء. كان عمر ولارا يتحدثان مع كريم وهبة، بينما ابنتي عمر تلعبان مع أبناء كريم، ويوسف ولين يتجولان مع أبنائهما الصغار.
بدأت الموسيقى الكلاسيكية معلنة قدوم العروس. كان سديم محتضن ذراع ابنته فردوس يسير بها لعريسها، كانت دقات قلب العريسين تعلو. وقف سديم أمام تيم، واحتضنه قائلاً بصوت متأثر "أعطيتك سلطانتي وفرحتي الأولى، فحافظ عليها."
ربت تيم على كف سديم و وعده أن تكون سلطانة قلبه، ليبتسم سديم بفرح ورضا، وهو يمد يد ابنته ليضعها في يد تيم.
كانت سهى تدمع فرحًا، بجانبها أبناؤها الاثنين. اقتربت منها هبة، و هي تمسح دموعها أيضا ، واحتضنتها بفرح. فقالت سهى "ليكن نصيبهم جميلاً مثلهم."
"آمين… آمين." قالتها هبة.
وقف سديم وكريم يراقبان أطفالهم أمامهما، وهم يبدأون حياتهم الجديدة بفرح وفخر. انتقلت عيناهما إلى صغارهم و هم يتعاركون، وهبة وسهى يفصلان بينهم ليبتعدوا قليلا ، ثم يعودون للعب، دون حدوث أي شيء.
ضحك كريم و سديم على حالتهم، ولتلتفت كل منهما إلى الآخر بنظرة تحمل الامتنان والفخر.
*كريم*
فرشت المائدة و انشغل الجميع بتناول الطعام ، بينما كنتُ أنظر لكل فرد منهم بنظراتٍ فرِحة سعيدة. رفعتُ بصري للسماء وأنا أشكر الله على هذه اللحظة وهذه السعادة. ترقرقت عيناي وأنا أتذكر شفق وتيم، فابتسمتُ بحنين لهما. خمسة عشر عامًا مرّت ، ولكنني ما زلتُ محتفظًا بذكرياتهما في قلبي.
نظرتُ إلى يميني، فوجدتُ سديم ينظر إليّ بعينين ممتلئتين بالتأثر والفرح… كانت نظراته تحمل الكثير مما لا يُقال.
رفعتُ حاجبي مبتسمًا، فابتسم سديم بدوره، وانتقلت عيناه إلى فردوس. رمش سريعًا، يحاول إبعاد دمعته قبل أن ينشغل بابنه.
راقبتُه بصمتٍ دافئ، وأنا أحمد الله أن أخي ما زال هنا… معي… وأننا ما زلنا نقف جنبًا إلى جنب بعد كل ما مررنا به.
التقت عيناي بعيني تيم الفرِحة، فابتسمتُ له وأومأت له بمحبة. التفتَت هبة إلي، فأمسكتُ بكفّها وضممتُها، وهمستُ لها بنبرة دافئة أخبرها بحبي لها ، فالتفتت إليّ تحتضن يدي وتهرب بعينيها بخجل محبّ.
اقترب أطفالي منّي، فحملتُهما ووضعتُهما في حضني وأنا أقبّلهما بحب وحنان.
أخذتُ نفسًا عميقًا إلى داخلي، وزفرتُ براحة وطمأنينة وأنا أنظر لعائلتي، لفرحتهم وضحكتهم. ونظرتُ إليهم بقلبي قبل عيني، وأنا أحمد الله على هذا الجبر الذي جاءني بعد سنواتٍ طويلة من الانكسار.
هزّتني طفلتي لتقطع أفكاري، فمسحتُ على شعرها بحنان، لتطلب مني أن أُطعمها. ابتسمتُ وأنا أسمع تدلّلها، فقبّلتها، وأخذتُ أُطعمها بيدي هي وأخاها . شعرت في صدري دفء جميل و طمأنينة .
مر العرس بشكل هادئ و جميل وفي نهاية اليوم، تجمّعنا جميعًا .
عائلتي أنا وهبة وأطفالنا، وسديم وسهى وأبناؤهما، وعمر ولارا وبنتاهما، ويوسف ولين وأبناؤهما… وفي وسطهم كان تيم وفردوس واقفَين معنا.
وقفنا جميعًا لنلتقط صورة عائلية كبيرة… صورة مليئة بالسعادة، وكأنها تختصر كل جبر وصلني بعد عمرٍ طويل من الألم و الانكسار .
أحتضنت هبة بحب فالتفتت هي بعيون باسمة تلمع دفئاً و حباً و وضعت راسها على صدري .
لتكون هذه بداية فصل جديد لنا و لابنائنا فصل دافئ و جميل...
النهاية…
"وهكذا، تنطوي صفحات "صدى الألم" وينجبر القلب بعد طول انكسار، لتشرق شمس الأمل من جديد، وتؤكد أن وعد الله باليسر بعد العسر حق.
شكراً من قلبي ل لولو التي دعمتني و شجعتني دائما و لوسام حبيبتي 🥹 و
لكل من رافقني في هذه الرحلة، ولكل من شاركني بمشاعره وتفاعله و تعليقاته
. كلماتكم كانت تسعدني و تشجعني 🥹.
إلى لقاء قريب في قصة أخرى ان شاء الله 🤭، دمتم بخير 🥰.
