recent
جديدنا

صدى الألم الفصل الثاني والعشرون

Wisso

                     رواية صدى الالم 

                                                           بقلم سجى امام 



مرت الأيام بسرعة، والأخَوان يتجهّزان للانتقال إلى بيوتهم الجديدة . 

في قلب كل واحد منهم  هناك أمل صغير ينمو، أمل ببدء حياة مستقرة، بعيدة عن ألم الماضي و صداه.


كانت سهى تتجوّل مع سديم في بيتهما الجديد بعد أن تم تأثيثه كاملًا. كانت ابتسامتها عفوية وهي تنظر لغرفتهم الكبيرة المطلة على الحديقة. تقدّمت وفتحت باب البلكونة، أخذت نسمة دافئة على وجهها، ونظرت للحديقة بإعجاب. أمسكت ذراع سديم واحتضنته وهي تقول بسعادة "إنها جميلة جدًا… أجمل من حديقتنا حتى."


ابتسم سديم وقال "نعم، جعلتهم يهتمون بها بشكل خاص… وطلبت مجموعة أزهار بألوان ورائحة مميزة."

أخذت سهى نفسًا عميقًا وقالت بضحكة خفيفة "رائحتها واصلة إلى هنا… فردوس عندما تكبر، لن تفارق الحديقة." 


قال سديم وهو ينظر حوله برضا 

"إذا كل شيء جاهز… ما رأيك في نهاية الأسبوع ننتقل ؟"

وافقت سهى بحماس، وبدأا تحضيراتهما الأخيرة للنقل.



أمّا كريم وهبة فقد أكملا كل شيء أيضًا في بيتهما الجديد.

كل شيء كان دافئًا ، بسيطًا ، وصادقًا فاختيار الألوان يشبه أرواح تريد بداية جديدة، قريبة من الحنان، و  مليئة بالطمأنينة .


وفي صباح أحد الأيام، وبعد أن زار كريم شفق وتيم كعادته، اتصل بعمر ليلتقي به، لكنه لم يرد. استغرب كريم و تمتم "ألم يكن هو أصلاً من يريد أن نلتقي؟!"


بعد دقائق اتصل عمر وقال

"آسف، كنت في اجتماع وما رأيت اتصالك إلا الآن… تعال لمركز الشرطة، ومن هناك نخرج."

وافق كريم واتجه اليه.



في مركز الشرطة…


وصل كريم، فوجد يوسف ذاهبا أيضا لعمر، سلّم عليه و دخلا غرفة عمر، لكنهما لم يجداه.

جلس كريم يفكر بحال عمر مؤخرًا وقال باستغراب "ما به عمر؟ كأنه مرتبك… أو كأن شي سلب عقله."


ضحك يوسف وهو يهز رأسه

"ألم يكن يسخر مني؟ أنظر اليه الآن… وقع، و وقوعي أنا أهون بكثير من وقعه." 


اتسعت عينا كريم "عمر؟! لااا، لا أصدق!" وضحك بسخرية خفيفة.


كان يوسف على وشك أن يتكلم، لكن عمر دخل وعلامات الاستياء واضحة عليه، رمى الأوراق على المكتب وجلس وهو يزفر بقوة.

نظر إليه يوسف بنظرة مشاكسة، فحدق عمر فيه وقال "لماذا تنظر هكذا؟"


عدل يوسف جلسته بنبرة مصطنعة الجدية " لا شي… ما بك متضايق ؟"


بينما كريم يكتم ضحكته وهو ينظر إلى ملامح يوسف.


قال عمر بضجر "كنت مع النائب قبل قليل… كنا اتفقنا أن تكون شعبة الجرائم وشعبة مكافحة المخدرات معًا في قضية (...) ، لكنه اليوم فجأة أخبرني أنه أوكلها لشعبة ثانية!"


رفع كريم حاجبه وهو يحك خلف أذنه "وهل هذا يدعو لكل هذا الاستياء؟"


أدار عمر عينيه بضيق "لن تفهم."


قال يوسف وهو يبتسم بمكر"أنا ساشرح له."


التفت عمر بسرعة "مهلًا! ماذا ستشرح؟! يوسف، لا تبدأ…" قالها محذرا يوسف بعيناه.


قال يوسف  مشاكساً "أحلّال لك وحرام علي؟! أفشيت سري، و انا سأفضح سرك "


ضحك كريم بخبث وقال "فهمت… الموضوع بخصوص لارا، صحيح؟" 


تجمّدا الاثنان، ثم نظر عمر لكريم "من أين عرفت؟"


أشار كريم إلى يوسف و أخبرهم انه هو من تحدث في ذلك اليوم في المزرعة .


جلس عمر يفرك رقبته وقد ظهر عليه الارتباك "لا يوجد شيء جدي… يعني… إلى الآن."

ابتسم قليلًا وكأن شيئًا خطفه للحظة "لكنها فتاة قوية وصلبة… تخيل أول يوم لها أتت كانت تصرخ وتعصف بكل من أمامها…"


قاطعه يوسف ضاحكًا " تقصد نفسك صحيح ، رأينا كيف عصفت بك!" 


رمقه عمر بنظرة جامدة  ثم أكمل

"كانت مستاءة من تنظيم القسم، ويبدو أنهم أخبروها أني المسؤول فأتت إلى مكتبي و…"


صمت وهو يتذكر الموقف وانفعالها أمامه.

ضحك يوسف

"لو رأيت يا كريم كيف أصبح ضابطنا ، تجمّد! و لم يقدر ينطق كلمة! فقط ينظر لها ببلاهة " حاول كتم ضحكته ليكمل" و لكن عمر تحدث معها بهدوء  لتجلس ، و لا أعرف ماذا حدث و لكنها تبدلت و ضابطنا حل كل مشكلاتها و مندو ذلك اليوم اصبح كل وقته في شعبة مكافحة المخدرات بدل الجرائم!"


ابتسم كريم وقال "إذن هذا سبب استيائك."


نظر لهم عمر بنظرة جامدة وجلس بصمت بينما هما يضحكان.


ثم قال يوسف بجدية مفاجئة "أنا قررت."

صمت لحظة ثم ابتسم "قررت أتزوج لين."


فرح عمر و وقف ليبارك له، وكذلك كريم. سأله عمر عن موعد العرس فقال بحماس "بعد سنة من الآن إن شاء الله."


ضرب كريم كتف عمر مشاكسًا "هذا يعني لدينا عريسان!" فضحك الثلاثة.


رن هاتف يوسف فاستأذن وخرج، بينما بقي عمر وكريم.

سأل كريم: "ألن نخرج؟"


رد عمر: "آسف كريم … علي الذهاب لموقع جريمة  بعد ساعة، لنأجلها "


أومأ كريم متفهمًا، ثم قال بنبرة عميقة "متى سينفذ الحكم؟"


نظر له عمر وقال "لا يزال هناك وقت… الإجراءات كثيرة قبل التنفيذ."


قاطعه كريم: " كم من الوقت تقريبًا؟"


فكر عمر قليلًا، ثم قال "ثمانية أشهر."


تفاجأ كريم "ثمانية أشهر! لماذا كل هذا التأخير؟"


شرح له عمر بهدوء "يا كريم… تنفيذ حكم الإعدام يمر بمراحل قانونية ضرورية، مراجعات واعتمادات حتى لا يُظلم أحد. لذلك يتأخر التنفيذ."


سكت كريم قليلًا، ثم قال بثبات

"حق شفق وتيم لن يضيع… لا في الدنيا ولا الآخرة. الإعدام بداية حسابه فقط. أمّا عدل الله أوسع وكل خطوة تتأخر فهي مكتوبة عنده. أنا اكتفيت بأن أرى الحق يسير كما أراده الله."


قال عمر موافقًا "وأعظم عقاب لهيثم… أن يبقى خائفًا كل يوم، لا يعرف متى يطرق الموت بابه ، لذلك لن ندع العجلة تفسد علينا طمأنينة أيامنا ، لنترك كل شي يجري في مساره و نسلم أمرنا لله ، فهو سبحانه أعدل الحاكمين ، و سيرضينا بقدره و حكمته " 

أومأ كريم و شرد بكلام عمر ، و بعد قليل من الوقت استأذن كريم  و ذهب .



في بيت المزرعة…


كانت هبة ونسيبة ينظرن لصور البيت الجديد التي التقطتها هبة.

جاء تيم وصعد بجانبها متحمسًا و باصرار يقول 

"أريها غرفتي يا أمي! أريها غرفتي!" 


فتحت له هبة الصور، فأخذ الهاتف وأصبح يشرح لنسيبة تفاصيل غرفته بحماس طفولي وفرح.


شعرت هبة بسعادة و هي ترى سعادة تيم ، أغمضت عينيها لحظة تشكر ربها على نعمه.


دخل كريم، ووجدهم مجتمعين على الصور يضحكون.

توقف قليلًا يتأمل هذا المشهد الدافئ ،هذا الضجيج الذي يريحه ، هذا البيت الذي يعيده للحياة.

تنفس بعمق وزفر براحة، ثم تقدم وقال مبتسمًا."ماذا تشاهدون؟ لأرى أنا أيضا."


جلس قرب هبة، التي ابتسمت بخجل ، قال تيم بحماس "كنت أري الخالة نسيبة غرفتي! بابا تعال أنت ايضا و انظر !"


ضحك كريم وحمله "لنرى إذًا."


أستاذنت نسيبة وتركتهم وحدهم.

كان تيم يشرح بحماس، وبعد أن انتهى، التفت كريم إلى هبة التي 

كانت تنظر لهما بشرود مبتسم 

راقبها كريم بابتسامة دافئة. وما إن شعرت بنظراته حتى هربت بعينيها بخجل.


"بابا، متى سنذهب لبيتنا؟" قالها تيم متحمسًا.


رد كريم وهو ينظر لهبة بمزاح

"نسأل ماما… القرار قرارها." 


التفت الاثنان إليها ، فقالت بتفكير

"أممم… أبعد أسبوع مناسب؟"


اعترض تيم بضجر، فقال كريم "سديم وعائلته بينتقلون بعد غد أعني في نهاية الأسبوع."


قاطعه تيم "لنذهب نحن أيضا مع عمي!"


ابتسم كريم لسماع كلمة عمي، ومسح على شعره بحنان.


أما هبة فصمتت تفكر، ثم قالت

"لنؤجل ذهابنا."


زفر تيم و جلس  على الأرض بتململ و هو مستاء ، يلوّن دفتره.


قال كريم بهدوء "حسنًا… بعد أسبوع. اتفقنا؟"


نظرت له وقالت بنبرة خجولة عميقة "رفضت لأنني… أريد أن يكون هذا اليوم لنا نحن فقط … أنا وأنت و تيم. لحظة نكتب بها أول سطر من حياتنا. أريده يومًا خاصًا  لنا فقط . نكتبه بضحكتنا ، خالٍ من العالم فقط نحن " 


استمع لها كريم بابتسامة دافئة، ثم أمسك كفها وقال بحنان  "مثل ما تريدين… أعدك سيكون يومًا خاصًا ومميزًا."



وفي نهاية الأسبوع، كان سديم واقفًا أمام بيت العائلة، ينظر إليه بينما شريط طفولته وشبابه يمر أمامه. الكثير مرّ بهذا البيت… انهزام، وسقوط، وعثرات، ثم نهوض يتبعه سقوط آخر. ذكريات كان بعضها سعيدًا، لكن أغلبها كان مؤلمًا له.


أغمض عينيه، وفرت دمعة منه وهو يتذكر أمه ، ذكرياته معها اجتاحته بفيض من الحنين والشوق. فتح عينيه مجددًا ليلقي نظرة على الحديقة، نظرة أخيرة، قبل أن تتعلق عيناه بشرفة غرفة المكتب. تجمد قليلًا وهو يتذكر أباه، ثم أغمض عينيه بغصة واستدار و هو يخرج مودّعًا هذا البيت، أقفل الباب خلفه معلنًا أن هذه ستكون بداية جديدة له. استدار ليتأمل سهى و فردوس بحب، ثم توجه إليهما، وغادروا معًا نحو بيتهم الجديد…



و ها هو  الأسبوع قد مر بسرعة…


و جاء يوم انتقال كريم و عائلته لبيتهم الجديد. كانت نسيبة حزينة لفراقهم، لكنها سعيدة لهم.

اقترح كريم أن تنتقل معهم لكنها  رفضت بلطف قائلة  "  أبنتي ستلد قريبًا… سأذهب اليها لاكون بجانبها ." لم يضغطا عليها و أخبروها أن البيت مفتوح لها في أي وقت.


في صباح ذلك اليوم، وبعد الإفطار، جهزت هبة تيم  و ألبسته بدلته، ثم تجهزت  ونزلت إلى الصالون .

هناك توقفت متعجبة وهي ترى كريم ببدلته الأنيقة ، بدلة داكنة ، و قميص أبيض .


اقترب منها وقال"وعدتك أن هذا اليوم سيكون خاص ومميز…" صمت قليلا و هو يمسك يدها قائلا "  وبما أننا نبدأ صفحة جديدة من هذا اليوم…" استدار، أحضر علبة كبيرة، وابتسم "ستدخلين لبيتك كعروس."


اغرورقت عيناها بدموع الفرح ، وقفت في مكانها و هي تنظر له و لما في يده ،  فاقتربت منه واحتضنته  ، ابتسم قلبه قبل ملامحه و هو يشعر بسعادتها ، و شعر و كأن دفئ مشاعرها أذاب جليد ألمه.


أبعدها بلطف ومسح دموعها و هو يمد لها العلبة قائلا 

"هيا بسرعة… ارتديها. أما تجهيز تيم… فهو علي."


حملت العلبة بسعادة  وذهبت.

أما كريم فأخذ تيم، قبّله، ولبّسه بدلته الصغيرة المشابهة لبدلته.


مرّت عشرون دقيقة…


قال تيم بملل "هيا لنذهب! ما الذي ننتظره؟"


ضحك كريم "ننتظر أمك… أنذهب بدونها؟"


هز تيم رأسه بالنفي وجلس بجانبه.


خرجت هبة ، فلمحها تيم وقال بإعجاب و هو يصفق بفرح "ماما! أصبحتي جميلة!"


وقف كريم ، نظر إليها ، لجمالها ، و للسكون الأبيض عليها و لجمال الأبيض عليها ، كان فستان أبيض بسيط، ناعم، منسدل برقة… تطريز خفيف على الصدر على شكل ورود صغيرة… 

هربت هبة من نظراته و هي تبتسم بخجل ، اقترب كريم، و مد يده لها و هو يشير لها أن تضع يدها في يده.

وضعت يدها بيده  فارتجفت قليلًا بارتباك و خجل ، شعر بها فضم يدها بحنان. و أشار لتيم ليمسك يده الأخرى… وخرجوا ثلاثتهم.


ساروا جنبًا إلى جنب ، أصابعهم متشابكة ،ثلاثة قلوب تسند بعضها.

كأن أصابعهم الملتصقة تحميهم من كل قسوة في الحياة. كانت خطواتهم بطيئة ومطمئنة، وهم يخرجون من البيت الذي شهد ألمهم وسعادتهم، وتركوه خلفهم ليبدأوا صفحة جديدة، في بيتهم الجديد . شعروا، فجأة، وكأن كل ألمهم السابق كان مجرد ألم المخاض، وها هي لحظة ولادة أرواحهم ومشاعرهم ..




 *هبة* 


مدّ يده إليّ، فخجلت… ومددت يدي بخفّة وأنا أبتسم. ما إن وضعت كفّي في كفّه حتى سرت فيّ رعشة خفيفة… هو  أول من صافح قلبي ، و أول  من دقّ  قلبي له.


سرنا ثلاثتنا، وصعدنا السيارة، وانطلقنا نحو وجهتنا. كانت ملامحنا كلّها تبتسم، بسعادة لا تخفى.


ازداد خجلي، فهربت بعينيّ عنه ، فوقعت نظراتي على فستاني الجميل، فابتسمت بحب وأنا أتأمّله.

كانت السماء فوقنا وكأنها تبتسم هي أيضًا ! 

أم أن ذلك ما كنت أشعر به أنا؟ لا أعلم. لكن كل شيء كان يبدو ورديًا ، سعيدًا ،وكأن العالم أخيرًا يفتح لي ذراعيه.


توقفت السيارة أمام بيتنا ! 

نعم… بيتنا. 

نزلنا، وكان تيم صغيري يقفز بحماس فأبتسمت أنا بحب .


أمسكه كريم و اقترب  وهو يحمل تيم، فرفعت نظري إليه ولمعت عيناي بالفرح. أخرج كريم مفتاحًا من جيبه، ومدّه لي وهو يقول بابتسامة هادئة "مفتاح… بيتنا."

تأملته قليلا و أخذت منه  المفتاح بخفة و أبتسمت، وتقدمت نحو الباب، ثم استدرت وقلت بابتسامة "لنفتحه ثلاثتنا… هيا."


صفّق تيم بحماس وركض نحوي، واقترب كريم بدوره ووقف خلفي. التفتُّ إليه، فمدّ يده هو أيضًا، وفتحنا الباب معًا… كأننا نفتح صفحة جديدة من حياتنا.


دخل تيم أولًا وهو يركض، أما أنا فتوقفت لثوانٍ… أدعو الله في قلبي. فهبّت نسمة لطيفة داعبت أطراف ثوبي، ثم تقدّم كريم وأمسك بيدي، ودخلنا سويًا.


وما إن خطونا إلى الداخل حتى داعبت أنوفنا رائحة الورد الجميلة . و كأنها رائحة حياة جديدة.

كان كريم يتحدث، لكنني كنت شاردة فيه… في ابتسامته… في اللحظة نفسها التي لم أتخيل يومًا أن أعيشها.


كان تيم سعيدًا وهو يركض في الحديقة، حتى ناداه كريم "تيم… تعال، ستقع." فجاء فورًا، فحمله كريم، ثم التفت إليّ وقال بابتسامة  دافئة  "هناك مفاجأة أخيرة."


و ذهبنا للجهة الخلفية من البيت كانت هناك طاولة بسيطة… لكنها بالنسبة لي أجمل ما رأيت.


امتلأت عيناي بالدموع ، أنها دموع السعادة… دموع باردة ،  نظيفة،  وكأنها تغسل سنوات كاملة من الخوف و الألم.


أجلس كريم تيم في كرسيه، ثم جلسنا نتحدث بحب وطمأنينة. وبعد أن أنهينا الطعام، دخلنا إلى بيتنا ممسكين بأيدي بعضنا… بابتسامة صافية فرحة و كأنها تعبر عما في قلوبنا .


جلسنا في الصالون، وشغّلنا فيلمًا ليمضي الوقت سريعاً… فاللحظات الجميلة لها عادة سيئة  تمضي بسرعة.


نام تيم ، التفت كريم إليّ وأشار نحو الصغير قائلًا بصوت منخفض "نام… سأصعد به لغرفته."


أومأت برأسي بصمت، أحاول إخفاء خجلي وتوتري…

ابتسم كريم، وحمل تيم، ثم قال وهو ينظر إليّ "ألن تأتي؟"


وقفت وهززت رأسي، رغم أن توتري كان واضحًا. صعدنا لغرفة تيم، و وضعه كريم على سريره وغطّاه. تقدّمت أنا وقبّلت تيم، وتأكدت من دفئه قبل أن نخرج، تاركين الباب مفتوحا قليلا .


حكّ كريم ذقنه بارتباك، وقال "كان يوم جميل."


هززت رأسي وأنا أبتسم… فقد لاحظت ارتباكه؛ كريم لا يرفع خصلات شعره للخلف ولا يحك ذقنه إلا حين يكون مرتبك .


قال بعدها بصوت خافت "لنذهب لغرفتنا لنرتاح."


تقدّم ودخل، فتبعتُه أنا بخطوات بطيئة… وخجل يشتعل في وجنتي.


وقف أمامي و قال بلطف "لنشكر الله على هذه اللحظة… وعلى هذا السكون. لنصلِّي معًا."


توضأنا وصلّينا. رفع كريم يديه ودعا بصمت، فرفعت يدي معه وقلت دعائي في داخلي "اللهم يا ربي… أتمم لنا سعادتنا، واجعل حياتنا هادئة مستقرة."


وما إن أنهيت دعائي حتى سمعت صوته يهمهم… ثم بدأ يدعو بصوت خاشع، عميق، جعل قلبي يرتجف 


 "اللهم يا مقلب القلوب… ثبّت قلبي على دينك. اللهم اجعل هذا البيت سكنًا للرحمة و مأوى للطمأنينة وموطنًا للفرح. اللهم ارزقنا بركة في أيامنا  وصلاحًا في نياتنا  وحفظًا لمن أحببنا. اللهم اجعل بيني وبينها مودة ورحمة، واجعل قلوبنا معلّقة برضاك. وأنبت تيم نباتًا طيبًا مباركًا واجعله قرة عين لنا في الدنيا والآخرة. اللهم إنك تعلم ما مرّ علينا  وما أثقله الزمن في صدورنا فارفعه عنا، وابدِل خوفنا أمنًا، وحزننا سكينة، وضعفنا قوة."


كان صوته يرتجف… كأن الدعاء يخرج من أعماق قلبه ، همس في النهاية: "آمين."

وكأنه تنفّس بارتياح لأول مرة منذ زمن.


أما أنا… فشعرت بدفء يغمر صدري، ودمعة خجولة فرّت من عيني وأنا أسمعه يدعو لبيتنا… لعائلتنا… وكأنه يعترف دون أن يقول الكلمات: أنه تعلّق بنا… وأنه يحتاجنا كما نحتاجه.


أغمضت عيني وقلت "آمين."

بطمأنينة عميقة ، وكل ذرة فيّ كانت تحمد الله على هذا اليوم، وعلى هذا الرجل، وعلى البداية التي لم أجرؤ يومًا على الحلم بها.




و في صباح اليوم التالي…


كانت هبة في المطبخ تحضّر طعام الفطور، شاردة بابتسامة خجولة وهي تتذكر ليلة الأمس. أغمضت عينيها بخجل ، ثم أكملت تحضير الطعام.

نزل كريم و تيم، فتقدّم كريم وجلس وقال بابتسامة دافئة "صباح الخير."

أرجعت هبة شعرها للخلف بارتباك خفيف ليكمل كريم وهو يأخذ قطعة من الفطائر "تسلـم يداكِ… يبدو شهيًّا."


جلست هبة بجانب تيم وهي تساعده على الأكل. كان كريم وتيم يتحدثان، لكن حديثهما انقطع برنين هاتف كريم. استأذن منهما وذهب للصالون ليرد.


كان المتصل سديم، يبارك له على الانتقال لبيته ، تحدثا قليلا عن جمال المكان و هدوء المنطقة 

"نعم، معك حق يا سديم… المكان هنا جميل وهادئ، ينعش الروح."

صمت سديم قليلًا قبل أن يقول بنبرة جادة "متى ستأتي إلى الشركة يا كريم؟"تردّد كريم لثوانٍ وهو ينظر أمامه  بتفكير ثم قال "لقد رفضتُ أخذ مالك الذي هو حقّ لك لشراء البيت،  لكن لا ترفض أخذ حقك بالشركة. مكانك محفوظ يا أخي . تعال وتولَّ منصبك."


فكّر كريم قليلًا وقال بنبرة هادئة

"حسنًا… ما رأيك أن آتي غدًا إذًا؟"


فرح سديم بقراره وقال "جميل جدًّا. غدًا نذهب سويًا… وأيضًا كريم .." صمتت سديم  


"نعم؟ أسمعك." قالها كريم بعد ان انقطع صوت سديم برهة.


"لنجتمع اليوم على طعام العشاء في الحديقة." قالها سديم 


تردد كريم للحظة قصيرة لكنه لم يشأ كسر خاطر أخيه، فقال

"اتفقنا." 

أتاه صوت سديم فرحا فابستم كريم و ودعه ، أغلق الهاتف وذهب ليخبر هبة. طلب تيم من كريم أن يلعبا في الحديقة فخرجا، بينما هبة فكرت بتجهيز بعض الاشياء لعشاء الليلة.


في المساء…


اجتمعت العائلتان في حديقة بيت سديم كان كريم يساعد هبة بحمل ما أعدّته، فاستقبلهم سديم بفرح وأخذ من كريم ما بيده، ليستدير كريم ويأخذ ما تحمله هبة.

أما تيم فكان ممسكًا بيد هبة، يلتفت ويتفحص المكان بعينين تبحثان بفضول واضح.


حملته هبة وقالت قرب أذنه هامسة

"تيم… أتبحث عن شيء؟"

هزّ رأسه بجدية "نعم… بابا أخبرني  إنني سألعب مع بنت عمي… و لكنني لا أراها  ! ."


ضحكت هبة وقالت "إذًا هذا ما تبحث عنه ،  ستأتي مع أمها بالتأكيد."


اقترب منهما كريم وهو يبتسم "ما سرّ هذه الابتسامة؟" قالها وهو يبعثر شعر تيم.

ضحكت هبة "يريد أن يرى ابنة عمه." ابتسم كريم، وحمله وهو يحدّثه.


أتى سديم وهو حامل فردوس، وبجانبه سهى التي بدت مرتبكة قليلًا وتحاول تجنّب النظر إلى كريم.

اقتربوا، فسلمت سهى على هبة وباركت لها الانتقال لبيتها الجديد.


التفت تيم لسديم وقال وهو ينظر إلى فردوس "بابا… أهذه هي؟!"

ضحك كريم "نعم، إنها فردوس ابنة عمك… سديم، قربها منا."


اقترب سديم مبتسمًا، فابتسمت فردوس لكريم، فمدّ كريم يده وأخذها بحذر لطيف ليقرّبها من تيم.

نظر تيم لها بخجل وهمس لكريم "هي صغيرة… كيف سألعب معها؟"


ضحك سديم "ستكبر… وتلعبون. لا تستعجل."


ابتسم تيم ومد إصبعه الصغيرة ولمس خدها، فابتسمت فردوس وضحكت.

فرح تيم وقال بخجل طفولي

"بابا… انظر! ابتسمت لي."


نادتهما سهى ليبدؤوا الطعام، فأخذ سديم فردوس وجلس بجانبها.


أما تيم فانحنى نحو كريم وهمس "إنها جميلة جدًا…"

ضحك كريم وذهب ليجلس بجانب هبة.


كانت سهى صامتة، داخلها يؤلمها وضميرها يضغط عليها. وعدت نفسها أن تستغفر وتتجاوز كل ما مضى… من أجل سديم، من أجل فردوس، من أجل الفرصة التي أتتها لتتوب ، التقت عيناها بعيني كريم.

فأومأ لها كريم بإيماءة هادئة قصيرة ، ثم عاد لحديثه مع سديم.

ارتبكت سهى قليلًا، لكنها لم تشعر في نظرته غضبًا أو حقدًا… فقط نظرة خالية، خالية من أي حكم او اي شي .


أنزلت رأسها، وداخلها مشاعر مختلطة ارتباك، توتر،  خجل  وامتنان لكريم لما فعله معها.

رفعت رأسها بعدها بنَفَس متردد، وقررت أن تبدأ من جديد، فالتفتت إلى هبة وبدأت معها بعض الأحاديث الهادئة.


كانت ليلة جميلة… كسرت الجليد بينهم. وكانت بداية لهم  كعائلتين …

 كانت هبة تغمرها السعادة بهذه اللمة، أما كريم كان سعيدًا  لأنه يرى فرحتها.



و في اليوم التالي

ذهب كريم وسديم إلى الشركة معًا، كلٌّ منهما يسند الآخر. كان سديم سعيدًا وضميره قد ارتاح أخيرًا لرجوع كلّ ما كان حقّ كريم له، وأنه لم يظلم أخاه…

جلس كريم في مكتبه الذي لم يتغيّر، فسديم لم يلمس أي شيء فيه، فقط أقفله وكأن المكتب  ينتظر صاحبه بهدوء ثقيل.


مرت الأيام سريعًا… بأحداثها تارة وبرتابتها تارة أخرى.


وفي تلك الفترة تطورت علاقة عمر بلارا حتى أصبح الأمر رسميًا، وذهب عمر ليتقدم لها، وتمت خطبتهما، ففرح الجميع لهذا الخبر.


أقاموا حفلة صغيرة في حديقة بيت كريم، اجتمعت فيها العائلتان ويوسف وخطيبته لين، وعمر وخطيبته لارا. كانت أمسية جميلة هادئة امتلأت بالضحكات الخفيفة ونظرات الارتياح بين الجميع، مما جعل صداقة لطيفة تنشأ بين النساء خصوصًا حين تبادلن قصصًا و أموراً شخصية قصيرة دافئة.


ها هو قد مرّ شهر ، كانت سهى في غرفتها تجهز فردوس وهي تغني لها وتقلبها بحنان.

دخل سديم والابتسامة على وجهه، وقال بنبرة لطيفة "ألم تجهزا بعد؟!"

"فقط اللمسات الأخيرة لأميرتنا" قالتها وهي تضع فراشة في شعر فردوس، ثم قالت: "والآن انتهينا."


اقترب منهما وحمل فردوس، ودار بها  بفرح، وهو يقول بنبرة مليئة بالبهجة "أصبحتِ أميرتي مثل الفراشة." كانت فردوس تضحك و هي تحتضن سديم ، أشار سديم لسهى أن تقترب ، فاقتربت  منهما، فضمّها سديم إليه أيضًا و قال  بنبرة خافتة مليئة بالدهشة  "سهى… لا أصدق أن سنتان مرت بهذه السرعة."


التفتت سهى إلى فردوس بحب وقالت "نعم، مرت سريعًا… وابنتنا الجميلة تزداد جمالًا كل يوم."

غمز سديم ضاحكًا "تمامًا مثل أمها."

وخجلت سهى و أبعدت نظرها قائلة "لننزل… الجميع منتظر فتاة الميلاد. تأخرنا، هيا."

ضحك سديم وقال "أتيت لأستعجلكما… لكنني أُسرت بكما."

ابتسمت بخجل وقالت "هيا لننزل."

ونزل الثلاثة…


كانت الحديقة مزينة بشكل جميل،  بالونات وردية وبيضاء ، و  أضافت رائحة الورد للمكان جوًا منعشًا و كأن الأزهار في ذلك اليوم تحتفل معهم و تفرح لفرحهم .


كان كريم وهبة جالسين ويكتمان ضحكتهما من منظر تيم، الذي كان ينتظر فردوس بحماس وانزعاج من تأخرها.

أما عمر ولارا فكانا يتحدثان بجدية عن العمل ،  ويوسف ولين يضحكان بلطافة…


وصلت فتاة الميلاد، فصفق الجميع بحب. ضحكت فردوس وصفقت معهم.

تقدم سديم وهو يحملها، ووقفت سهى بجانبه.

أخرج عمر هاتفه وقال بنبرة مرحة " قبل ان نبداء لناخذ صورة ، هيا اقتربوا أكثر… أريد صورًا جميلة!"

اقتربوا جميعًا والتقط لهم عدة صور.


حمل كريم تيم الذي كان سعيدًا بأجواء عيد الميلاد، واقتربا لالتقاط صورة مع فردوس.

ثم قطعوا الكيك، وكانت فردوس في المنتصف، والضحكات تملأ المكان ، الجميع سعداء ، و فردوس تبتسم بسعادة و تصفق و هي تراى الجميع يصفق معها .


حان وقت الهدايا ، ركض تيم أولًا وهو يمد لها هديته بابتسامة.

ابتسمت فردوس وتعلقت بوالدتها، فاقتربت سهى من تيم ومسحت على شعره بنعومة وقالت"شكرًا يا تيم." خجل تيم وخفض نظره قليلًا ثم عاد مسرعًا لهبة.


كان كريم وسديم يتحدثان عن أمور تخص الشركة، فجاء عمر من خلفهما وقال "يكفي! لنترك الحديث عن العمل للشركة."

رفع سديم حاجبه وقال مازحًا "العمل لا يعرف مكانًا." فابتسم عمر.


قال كريم "كنا نتحدث عن مكتبي لقد أهملته كثيرًا، لكن صديقيَّ لم يهملوا العمل، فسلمتهما المكتب، وسأشرف عليهما وأزورهما كل فترة." أيد عمر الفكرة وبدأ حديث عن العمل بينهم.


أما النساء فكنّ يستمعن لمغامرات لارا التي كانت تتحدث بنبرة واثقة وقوية و هي تخبرهم عن بعض الاشياء و تكتم بعضها . بينما كان تيم يلعب مع فردوس، و يوسف بجانبهما، فهو يحب الأطفال.

كانت عين لين عليه وعلى وجهها ابتسامة حالمة لا شعورية،

فهمست هبة لها بابتسامة "سيكون يوسف أبًا رائعًا."

خجلت لين و أبعدت نظرها عنه ثم أومأت بصمت.


وهكذا مرت الأيام والشهور… بهدوء وجمال على العائلتين.


كانت تلك الفترة شفاء لجراح كثيرة.

استقرت حياة كريم، وبدأ يقف على قدميه من جديد، فوجود هبة وتيم ملأ حياته بالدفء الذي افتقده. 

فكان يحمد الله دائما على لطفه عليه و حكمته .

أما هبة فأخيرًا شعرت بالطمأنينة، وكأن الله أعاد إليها نعمة الأمان و الاستقرار ، و جدت في كريم الطيبة و اللين و الحنان معها و مع تيم فكان وجودهم معه يعني السعادة.



وها هو تيم اليوم واقف ممسك بيدي والديه، يخطو أول خطواته التعليمية.

قال بثقة طفولية "سأذهب وحدي… لم أعد صغيرًا الآن."

بعثر كريم شعره "ومن قال أنك صغير؟ لقد أصبحت الآن في الصف الأول يا بطل." لمعت عينا تيم بفرح.


رتبت هبة شعره بحنان وقالت "ولكن مهما كبرت… ستظل صغيري دائمًا." وقبلته و هي تدعوا له.



دخل تيم المدرسة بعدما لوّح لهما.

دمعت عينا هبة، فالتفت لها كريم وسألها بنبرة قلقة "ماذا هناك؟"

قالت بصوت مكسور قليلًا "أتتذكر أول يوم له في الروضة وكيف…"

صمتت و لم تكمل و هي تتذكر ذلك اليوم بحزن .

تذكر كريم ذلك اليوم أيضًا، فاقترب منها ومسح دموعها بإبهامه بهدوء وقال "ألم نتفق أن نترك ما يؤلمنا؟ و نلتفت للمستقبل. انظري إلى تيم الآن أنه ليس تيم القديم هو أيضا أصبح أقوى و أكثر ثقة ."

هزت رأسها ومسحت دموعها وأخذت نفسًا عميقًا و زفرت براحة .


قالت بنبرة خافتة و عيناها معلقة على باب المدرسة "ألن نذهب لنراه؟"

"لا… لنتركه يعتمد على نفسه."

أومأت، فأمسك يدها وذهبا للجلوس على الشاطئ.


كانا يتحدثان عن تيم و سعادته برجوعه للمدرسة ، حتى جاءت رسالة عمر و تغيرت ملامح كريم وانخفضت كتفاه فجأة ليزفر بضيق و هو يغلق الهاتف .

سألت هبة بقلق سريع "كريم… ماذا حدث؟!"

قال بصوت مثقل "إنه عمر  يسأل إن كنت أريد حضور…" اختنق صوته و لم يكمل .

قلقت هبة فقد فهمت ماذا يريد عمر ! ، تسألت في داخلها بقلق " أيريده ان يحضر إعدام هيثم؟!" ، وضعت يدها على صدرها  بخوف.


أكمل كريم "انه عمر يسأل ان كنت أريد الحضور لأعدام هيثم…" قالها كريم.

سألته بصوت مرتجف "أستحضره؟"


التفت لها طويلًا ثم قال "لا أعلم . لكن جانبًا مني يريد أن يرى حكم الله وهو ينفذ… يريد أن يرى أن من أخذ شفق وتيم… ستؤخذ حياته."

ثم أكمل بقوة "سأذهب… سبعة أشهر وأنا أنتظر."


أمسكت هبة كفه وأصابعها ترتعش بخوف عليه وأومأت بصمت 

ظل كريم شاردا و هو ينظر للبحر امامه .

أغمض عيناه لوهلة و بعدها وقف و أشار لهبة ليذهبا ، أوصل هبة لمنزلهما و طمئنها ان تيم سياتي به باص المدرسة و دعها و ذهب لشركة  ، بينما هي وقفت و هي تنظر له مطولا بحزن و هي تدعوا له. 


دخل مكتبه وهو مشتت الذهن، يفكر ويخلق عدة سيناريوهات لذلك اليوم. دخل سديم ليراه بهذه الحالة، مهمومًا وملامحه تائهه. اقترب منه وقال بقلق "كريم… أأنت بخير؟ ما بك؟ ألم يكن اليوم أول يوم لتيم في المدرسة؟ أحدث شيء معه؟ تحدث ولا تقلقني."


هز كريم رأسه نافياً "لم يحدث شيء."


قال سديم "وإذا ما هذه الحالة؟"


زفر كريم ونظر إلى سديم قائلاً بدون اي مقدمات "بعد غد… إعدام هيثم."


تفاجأ سديم  ليس لأنه يهتم لأمر هيثم، ولكن لأن خبرًا مثل هذا يصعب هضمه. أطرق رأسه مفكرًا بسهى وكيف ستكون حالتها عند سماعها لهذا الخبر.


رفع سديم رأسه وقال "أستذهب …"

لم يستطع إكمال الكلمة، وصمت.


فأومأ كريم بصمت ثقيل و يصدره يعلوا و يهبط ، ليطفو صمت مزعج متوتر بينهما.


قال سديم بحزم "كريم… سآتي معك، لن أتركك لوحدك."


وقف كريم وقال بصوت متعب " كن مع سهى… فهي تحتاجك أكثر مني."


هم سديم ليعترض، لكن كريم أستاذن وذهب… ليترك سديم حائرًا وقلقًا يفكر كيف سيخبر سهى بهذا الأمر من جهة و يفكر بأخاه و حالته.


صعد كريم سيارته، ليزفر بضيق وهو يضع رأسه على المقود. أغمض عينيه، فتراءت أمامه صورة شفق وتيم، ليبتسم بحزن. شغّل سيارته واتجه لهما.


دخل المقبرة وجلس بجانبهما بصمت، مسح على تراب قبر شفق قائلاً "حان الوقت يا شفق… حان وقت أخذ أنفاس من أخذكم مني."


انهمرت دمعة حارة منه، وقال

"سيأخذ حقكما غدًا.  لكن… لازلت أفتقدكما وأشتاق لكما. كيف سأحاسبه على هذا؟ لا يوجد قانون يحاسب على شعور الفقد والاشتياق، ولا يوجد عقاب له… فكيف أعمل أنا بقلبي الذي لا يرضى إلا أن يشتاق لكما؟"


صمت ورفع رأسه للسماء وقال وهو يدعو "يا رب… قوّ قلبي وثبّته."

ثم دعاهما وذهب إلى بيته.


دخل كريم بيته… فاته صوت تيم الضاحك وهو يخبر هبة عن يومه في المدرسة، بينما كانت بجانبه تستمع له وهو يأكل طعامه. تبع صوتهما ليذهب إلى المطبخ، فابتسم ودخل ليجلس وهو يمسح على شعر تيم بحنان.


التفتت هبة لكريم  متسألة ، فاقترب منها ببطئ و إنطفاء. لاحظ تيم حالة كريم ، فترك ما بيده وذهب إليه واحتضنه قائلاً "عندما ماما تحتضنني… يذهب حزني و خوفي."


تأثر كريم بحركة تيم المفاجئة، واحتضنه داخله بقوة، كأنه يستمد قوته منه.


ابتعد تيم قليلاً وقال، وهو يضع كفه الصغيرة على وجه كريم "أذهب حزنك أيضًا."


ابتسم كريم وهو يرد رأسه قائلاً "ذهب… واختفى."


ابتسم تيم، ثم تحدث كريم  وقال له "كيف كان يومك في المدرسة؟"

ليحكي تيم عن يومه بسعادة.


اقتربت هبة من كريم وجلست بجانبه، التفت لها فرأى نظراتها وكأنها تواسيه وتخبره "كل شيء سيمر ويصبح على ما يرام."


أومأ لها بابتسامة، لتضع رأسها على كتفه و تغمض عينها، وهي تدعو الله أن يلطف قلبه ويجبره.



في الجانب الآخر…


وصل سديم إلى بيته، أوقف سيارته وظل يفكر بطريقة مناسبة وهادئة ليخبر سهى.

دخل بخطوات بطيئة، ليراها تلعب مع فردوس، وضحكاتهما تملأ المكان. أغمض عينيه وقال بغصة "إذا أخبرتها الآن… ستختفي هذه البسمة من محياها… يارب، ماذا أفعل؟"


صعد إليهما، وجلس بجانبها بصمت، وهو يتأمل ملامحها بحزن .

لاحظت سهى هالته الغريبة، فاقتربت منه وجلست بجانبه، وهي تنظر له وتتساءل عن حالته.


التفت لها وأمسك يدها قائلاً "سهى… هناك شيء… إذا أخبرتك به ستحزنين، وإذا لم أخبرك به… ستحزنين."


التفتت إليه بعدم فهم، وقالت بصوت ارتجف "عن هيثم؟!"


أبعد نظره عنها وأومأ. صمتت سهى، شعرت بشيء في صدرها يؤلمها، وقالت بصوت منخفض مهزوز "متى؟"


التفت سديم لها و قال "بعد غد."


وقفت بسرعة، وشعرت بالدوار، ليسندها سديم، لكنها أبعدته بلطف قائلة بنبرة مهتزة"أنا بخير… أريد أن أكون وحدي لبعض الوقت… أهتم بفردوس "


أومأ سديم ليتركها على راحتها، لتذهب إلى الغرفة المجاورة وتغلقها، وجلست على الأرض وهي تبكي بقهر وحرق على أخيها. فمهما كان هيثم مخطئًا، فهو أخوها في النهاية. شعرت بالذنب ولوم النفس "لماذا لم ألاحظ شرّه؟ لماذا لم أحاول إصلاحه؟ بماذا قصّرت أنا؟!"


كانت تبكي هيثم وذكرياتها وطفولتها. هدأت قليلاً لتظل تنظر للفراغ بشرود، وهي تبكي بصمت.

دق سديم على الباب، لكنها لم ترد، كرر الطرق عدة مرات لكنها لم تجب.

ذهب ليحضر نسخة المفاتيح الاحتياطية وفتح الباب، فوجدها جالسة، محتضنة نفسها وهي تبكي بصمت.


اقترب منها وجلس بجانبها، وأدخلها في حضنه وهو يمسح على ظهرها وشعرها بحنان، لتبكي سهى بصمت موجع.

ظل سديم بجانبها، يواسيها بلمسته الحانية محاولا ان يهدأ قلبها .


يتبع ...


google-playkhamsatmostaqltradent