recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الأول

 الفصل الأول 
خيط من حرير 
بقلم الكاتبة سميحة رجب 



في معظم الأحيان تكون الأقدار عبارة عن عواصف نفسية، تشبه لحد كبير المد والجزر من حيث الرضا بالقدر وتبعاته وتحمل الحسرة والألم فيجاهد القلب متحملا كل أسي يلاقيه، ومن حيث الجزع واليأس ونفض اليد من التسليم بهذا القدر ويتغلبه الهلع حين يفقد شيئا أو شخصا ويجزع حين تتبدل به الاحوال... 

ولكنها الحياة باختباراتها التي لا تنتهي ولا ينضب المطاف منها فتمتحن الجميع وتقسو عليهم وتشد حولهم الوثاق الغليظ القاسي الذي لايرحم.. 

ليكون في النهاية، القوي حقا من يرخي حباله ويسلم لمصاريف الأقدار بكل اتزان ويدع الحياة تخرج له كل ما بجعبتها ولا يكون منه سوى الصبر والعزم لطي كل الصفحات القاسية والشروع كل يوم في صفحة جديدة يسطرها بالصبر والأمل واليقين حتى يضحي حادا كخيط من حرير 

في إحدى محاكم الأسرة القابعة في محافظة الجيزة تحديدا بتلك القاعة التي قدر أن تكون شاهدة على إنكسار تلك المرأة التي تطالع ذاك المدعو بزوجها وهو يقذفها بأبشع الصفات ويتهمها بشرفها ولا يقف للحظة أمام انها زوجته ولكن كل ما يهمه هو تكذيبها وإثبات أن كل ما اتهمته به ما هو إلا ضربا من الكذب، كادت الجدران أن تهتز من بشاعة ما يتفوه به ناطقه، وارتعدت قلوب الحاضرين و امتعضت ملامحهم حتي القاضي كان يستمع له وهو مدرك لهدفه المنشود مما يتهم به زوجته، وكل جالس على قطعة من الجمر يحترق ببطئ، كل يترقب وينتظر الدقائق، تمر عقارب الساعة من خلالها، توجهت الأنظار نحو القاضي وما سيصدر من كلمات من بين شفتيه، بضع كلمات فقط تحدد مسار وحياة أسر، رجال ونساء وأطفال، هناك في تلك القاعة التي يخضع الكل فيها للقانون.

طالت الجلسة والقي الاثنان كل ما بجوفهما ولكن زهرة ذبلت وهي تسترسل ما تلاقيه من تعنيف وتنكيل ومهانة من ذاك الوغد ومع كل كلمة تمر بلسانها وكل ذكري يتخطفها عقلها تزداد غصتها ويتضاعف وجعها ولكن كل ذاك قد استعد ليبرأ حينما أنصفها القاضي حاكما بقبول دعوة طلاقها وأن يستلزم المدعو عمار الأسيوطي كافة المصاريف من نفقة ومؤخر وكافة احتياجات صغيرهم والذي ظفرت والدته بحضانته… 

نطق القاضي بالحكم: لقد حكمنا نحن بطلاق المدعوة زهرة العراقي من المدعو كرم الأسيوطي، علي أن تكون حضانة صغيرهما أنس عائدة لوالدته وأن يلزم الأب بكافة نفقاته كما حُدِدَت له من قبلنا. 


استقبلت الحكم بفرحة منكسرة فصحيح أنها تحررت من جحيمه ولكن بعد أن فقدت رونقها وأنوثتها وبرائتها وكل عواطفها تهشمت بيد من ظنته زوجا وأنيسا، وقفت شقيقتها ياسمين والتي ثقل لسانها حينما أبصرت الألم الذي تغلل بأعين شقيقتها وخليلتها فاكتفت بضمها مواسية لجروحها، وشدت بقبضتها لحين فض الجلسة وخروجهما لتلتقي بكرم الذي لم يهتز ولو بقدر شعرة بعد قرار المحكمة بل الظاهر انه لا يهتم ولا يعبأ.


وقف امامها شامخا رافعا رأسه بغرور زائف وابتسم باستهزاء هامسا بفحيح أفعى:

 لم تنتهي المحاكمة بعد! انتظري لحكم كرم والذي سيكون الفيصل يا … طليقتي العزيزة! 


ضاق نفسها وثقلت قبضة صدرها فشدت على يد أختها التي أخذت تمسح علي وجهها مرددة: 

هششش اهدئي لا تقلقي غاليتي فهذا حيوان ولا يمكنه فعل شئ سوى التهديد 


أخذت تردد بتيه:

ابني ابني! 


تحدث ياسمين محاولة أن تقويها لتستجمع نفسها ولا تعبأ له:

 لا يمكنه أخذك وإن حاول فلديك اثبات من قعر المحكمة أنك المسؤولة عن حضانته.. 


لم تسمع زهرة شيئا مما قالته فظلت تردد بضياع:

 ابني يا ياسمين، لو أخذه مني سأموت.


تنهدت الأخرى بحسرة: 

هيا لنذهب لتطمئني عليه بنفسك وتهدأي، أنت متوترة بسبب أجواء الجلسة ولكنك رأيت بنفسك كيف أن القاضي لم يخدع بكلماته وكل اتهاماته لك تم إثبات عكسها. 


وهمتا بالذهاب ولكن مع أول خطوة كادت أن تصطدم بأحدهم، وقف أمامهم يناظرها بحزن وانتظر ان تطلع إليه ولكن يبدو أنها مهمومة لدرجة ان انحنت اكتافها فلا تقوى على رفع عينيها ولكن انتبهت حينما سمعت ذاك الصوت الذي تعرفه جيدا وتعلم من صاحبه:

 هل أنت بخير يا دكتورة زهرة؟


أومأت بنعم دون النظر إليه، فتحدث بضيق: 

أشعر بوجعك ولكن كما تقولين دائما:

 كل قدر في باطنه رحمات مهما قسى وقعه في نفوسنا، ربما تضيق بنا الحياة للوهلة الأولى لأننا نقابل الأقدار بعقلياتنا البشرية المحدودة ولكن بمرور الوقت تتفتح تلك العقلية لتدرك الحكمة الإلاهية من ذاك البلاء. 


تحدثت زهرة بخفوت وهي تطالعه بنظرات منكسرة لم يعدها منها من قبل مؤكدة ما يقول: 

وهذا صحيح بالطبع ولأخر عمري مؤمنة به ولكنني متعبة فقط وأريد أن أرتاح فما مر منذ قليل لم يكن بهين. 


تحدثت ياسمين مقاطعة إياهما:

 عذرا يا أستاذ… 


لاحقها قائلا: 

خالد مهران 


ردت بلطف: 

تشرفت بحضرتك،وأنا ياسمين شقيقتها


 أردف ومازالت عيناه معلقة بتلك الزهرة الذابلة: 

الشرف لي 


لاحظت نظراته لأختها فأردفت بخفوت لتهمس له: 

الجلسة لم تكن سهلة وهي تحتاج للراحة 


أومأ بتفهم محيدا بنظره عن زهرة موجها حديثه للأخرى: 

علمت ذلك وأساسا الوجود هنا ليس سهلا ولكنه قدرنا… لن اشغلكم فلقد حان موعد جلستي 


واخيرا استطاعت زهرة أن تتحدث قائلة:

 خيرا ان شاء الله، ستمر وربما هذه هي أول خطوة صحيحة في طريق تجاوزنا للماضي. 


تنهد خالد ليرد عليها بيقين وتماسك:

 ستمضي… مؤكدا ستمضي، ومعك حق فعلا لأول مرة أشعر أنني مقدم علي خطوة صحيحة لدرجة أنني لا احتاج للتفكير ثانية، هيا سأذهب لوجهتي وإلى اللقاء. 


خرجتا من المبنى لتقف زهرة لثواني تتنفس بعمق محاولة رسم الثبات علي ملامحها ومسحت دمعها وعدلت حجابها ونظرت لشقيقتها مبتسمة بانتصار لتبادلها الأخرى نظرة حزينة قائلة: 

فنانة في اخفاء حزنك وتصدير الثبات والقوة، منذ لحظات ظننتك ستسقطين بين يدى والآن تبتسمين وكأنك قد خرجت لتوك من الملاهى وليس من المحكمة، ولكن انا اعرفك أكثر من نفسك يا شقيقتي العزيزة. 


تنهدت بقوة وزفرت بحنق قائلة: 

أولا... لن أكذب عليك فهذه المرة الأولى منذ ست سنوات أتنفس فيها براحة، أشعر وكأن ثقلا جسيما قد أزيح من فوق أنفاسي فأخيرا تحررت من ذاك الكرم، 

وثانيا... يجب أن أظهر قوتي حتي لا يري أحدا ممن بالبيت وجعي، يكفي انهم لم يعيروا مشاكلي اي اهتمام، وأخي الفاضل لم يساندني فيجب أن يدركوا أنني ثابتة اسند نفسي ولا أحتاجهم.


ردت الأخرى بتقرير: 

 لست مضطرة أن تخبريني بهذا ولكن ما قصة ذاك الذي يدعي خالد؟! 


صمتت برهة ثم أردفت: 

قصته تشبه قصتي ولكن هذا ما يقال فيه من يرى مصائب قوم تهون عليه مصائبه 


والتفتت حولها بتوتر محاولة تغيير الموضوع لتكمل: 

وليس وقته الآن، يجب أن نذهب واختلي بنفسي قليلا فإن طال وجودي وسط الناس سأنفجر في البكاء، ولقد اشتقت لأنس ويجب أن أره في أسرع وقت 


تعلقت ياسمين بذراعها وتحركتا قائلة:

 حبيب خالته لابد أنه ضجر من الجلوس بمفرده ولكن سيزول كل شئ في الأيام القادمة وسأقضيها معكما 


قاطعتها شقيقتها بامتنان: خيرا ستفعلين فأنا أحتاجك أكثر من أي وقت مضى


شدت ياسمين يدها حولها قائلة:

 حبيبتي انت وليس لي في الدنيا سواك وسنتخطي هذه الأزمة كما تخطينا كل ما مضي وحدنا دون رفيق أو دليل عدانا 


نظرت زهرة بطرف عيناها للسماء وأردفت بيقين صادق: صدق ربي " سنشد عضدك بأخيك "


أما في الداخل وبعد مرور وقت ليس بالطويل.. 

وقف خالد بفخامته وكبريائه المعتاد أمام القاضي متحدثا:

 لم اشأ أبدا أن تصل الأمور إلي هنا ولكنها أرادت، أدرك أن اليوم سيتم النطق بالحكم ولكن لا يصعب على نطقه دون اللجوء إلي القضاء، ولكنني تمسكت لأخر لحظة ليس حبا بها أو تلهفا للعيش معها فوالله ان العيش معها ضرب من الجحيم ولكن تأملت أن ترفق بأطفالنا ولا تدفعهم ثمن أخطائنا في قراراتنا ولكنها لم ترفق ولم تلين، لذلك فبدون التجريح في بعضنا أكثر من ذلك 


التفت نحوها قائلا بكل عزة: أنت طالق طالق طالق يا نورسين.  


ألقاها كما القنبلة التي انفجرت بوجهها مبتسما وكأنه حقق انتصارا ليس بعده انتصارات، انتصر عليها وعلى مكرها وحقدها ولم يحقق هدفها بأن يطلقها بعد الحكم والذي يدرك تماما أن وراء رغبتها هدفا وسيدركه لا محالة. 


وعلى هذا المنوال محاكمة تليها أخرى وجلسة تليها أخريات بين طلاق وخلع وتدمير بيوت نشأت نتيجة قرارات خاطئة وغير مدروسة لاختيار شريك الحياة لنكتشف بعد مرور الزمن أننا اخترنا خطأ وللأسف لسنا وحدها من ندفع الثمن بل فلذات أكبادنا الذين يدفعون الثمن غاليا من اعمارهم وطفولتهم وبرائتهم التي تتلاشى شيئا فشيئا وتنصهر مع حكم القاضي بالطلاق معلنا عن تشتت أسرة وتدمير أطفال لا ذنب لهم بشئ 

يظن احد الاطراف أنه انتصر والآخر قد هزم ولكن الحقيقة أن هنا في محكمة الأسرة لا يخسر سوى هؤلاء الأطفال الذين يقفون بين شقي الرحي ينتظرون الحكم بمع من سيعيشون ليتفاجئوا أنهم فقدوا أبسط حقوقهم وهو العيش بهدوء بين أم حنون وأب عطوف. 


خرج خالد من المحكمة طاويا الأرض بقدميه وصولا لسيارته متجاوزا كافة الصحفيين الذين ينتظرون ليعلموا فيدونوا خبرا عن رجل الأعمال خالد مهران. 

ليذاع الخبر كما النار في الهشيم ويعلم الجميع أنه طلقها بمحض ارادته وليس بحكم القاضي. 


بقيت نورسين لساعات تصول وتجول دون وجهة محددة فلم تستوعب ماجرى ولم تستطع تخطى صدمتها، فكل ما خططت له ضرب به خالد عرض الحائط، فأدركت أنه علي علم بما تخطط له وما فعله كان ثأرا لكرامته. 


صدح صوت هاتفها لتجده من هذا الذي كان السبب وراء ما سعت ومازالت تسعى إليه، لتجيب مباشرة: 

هل علمت بما حدث؟ 


ليأتيها الرد: 

علمت ولكن لا تقلقي، اذهبي عنده وخذى منه ما اتفقتما عليه حتى تنتهي هذه القصة وتغلقين صفحته للأبد، وأنا سأنفذ ما اتفقنا عليه ونلتقي صباحا بالمطار، إلى اللقاء يا حبيبتي. 


توجهت نحو سيارتها لتتخذ بيت خالد وجهة كي تنفذ آخر بند في اتفاقهما. 


في هذا الوقت كان يقف بشرفة البيت يراقب الطريق منتظرا قدومها، يراهن نفسه انها لن تفوت هذا القدر من المال مقابل أولادها، وبالفعل مجددا أثبتت له أنها تقدس المال حين وجدها تقف بسيارتها أمام البيت وتهم بالنزول، أسرع ليقابلها قبل أن تصعد حتى لا يراها أحد من الصغار، وقفت أمامه بشموخ وكبر قائلة: 

أين الشيك؟ 


ابتسم بسخرية وأخرجه من جيبه مردفا: ها هو... أنت تريدين شيئا آخر؟ 


اومأت بالنفي لتسرع بالذهاب لدرجة صعقته، فبقي يحادث نفسه: 

هل هذه أم بحق؟ 

لقد تنازلت عن أبنائها وذهبت دون رحمة، وأنا الذى نزلت حتي لا تطلب رؤيتهم، هي لم تفكر بهم حتى، ياليتها طلبت لقائهم والله ما كنت لأمانع ولكن... 


زفر بحنق مكملا: فلتذهب للجحيم لم يعد وجودها يهم. 


والتفت مقررا العودة للبيت ليصطدم بابنه الأكبر عمر خلفه، ليسأله بنبرة مهزوزة: 

هل ذهبت؟ 


اقترب من صغيره ليضمه لحضنه مجيبا: 

انا هنا ولن أترككم. 


ناظره الصبي قائلا: 

لا أريدها من الأساس فلتذهب ولا تعد ثانية. 


ضم رأسه مقبلا إياها بقوة ثم رفع عينيه للأعلي وكأنه يدعو أن يعينه ربه ثم أردف: 

هيا يا بطل لنطمئن علي إخوتك فالوقت متأخر ويجب أن ننم الآن.


وصعدا للأعلى بقلب منفطر على صغيره الذي كبر قبل أوانه ليشهد صراعات عنيفة ممتدة لسنوات بين والديه، يشعر بثقل أنفاسه وحزنه وقلبه المضطرب ولا يدرى كيف سيصلح كل ما أصاب صغاره.


دلف غرفتهم ليلتقي بملك التي ركضت نحوه ترتمي بحضنه قائلة: 

أين أمي؟ ألن تعود اليوم أيضا لقد اشتقت إليها. 


صرخ بها عمر: 

لقد ذهبت ولن تعود افهمي يا ملك، لقد تركتنا والدتنا دون رجعة. 


استوقفه والده صارخا بإسمه حتى يتوقف، فكيف لتلك الصغيرة ذات السبع أعوام أن تفهم ما جرى، كيف لها أن تتقبل ذهاب والدتها وأن عليها أن تكمل حياتها دون كبقية الأطفال، ضمها والدها وحملها لفراشها قائلا: 

علي غير عادتي سأحكى لك قصة قبل النوم، رغم أنني لا أجيد هذا الأمر لكنك تطلبين مني دوما ويجب أن أنفذ لأميرتي ما تشاء. 


ولكنها التفتت للجانب الآخر مندسة تحت الغطاء قائلة: 

لا أريد...

لتغط بعدها في بكاء مرير بصوت مختنق كاد أن يودى بخالد للضياع، فهذا حال صغاره منذ ما يقارب العام حين ازداد الخناق والخلاف بينه وبين نورسين ولم ينطفئ حتى وصل الأمر للطلاق، كل ليلة ينام عمر حاقدًا علي إهمال والدته لهم، وتنام ملك بحضن دموعها خوفا من أن تتركها والدتها وتذهب، وخالد بين مشاكلهما وتأثر أطفاله كاد أن ينهار مرارا ولكن أي قوة مكنته من الثبات حتي اليوم. 


وقف بين غرف صغيريه اللذان نام كلا منهما مفترشا دموعه متخذا من الحزن والخوف غطاء، واطلع علي ثالثهما الذي ينام دونما حركة، أقسي ما يصدر منه حركة عيناه وحسب، لا بكاء ولا ابتسامة ولا حركة طبيعية كبقية الأطفال، لقد تجاوز العام ومازال كطفل حديث الولادة بمهده. 


تمدد جوار الصغير يحيطه بذراعيه محدثا إياه: 

ماذا علي أن أفعل يا نوح؟ 

أما آن الأوان أن تشفي بعد يا صغير، لقد ذهبت من تسببت في وصولك لهذه الحالة، آه لو تعرف ما فعلته كي أدعها تذهب لأنقذكم قبل نفسي من شرها، ولكنني عاجز أمامكم ولا أدرى ما الذي علي فعله حتى أعيد الحياة لقلوبكم.... 


وهكذا قضي خالد ليلته بين نيران حسرته علي أطفاله الثلاثة عمر وملك ونوح، لم يغفل ذهنه عن التفكير لحظة، حتى صدح بأذنيه قول طبيبته: 

وبيوم ما ستشرق شمس قلوبنا وستُعلنُ الهالات السّوداء الغافية تحت أعيننا انتماءها للسّماء، وتُشّع الأحداق شُهباً إثر دهشة الوصول، سنصلُ للنّور حتماً وسنكتشف أن خيط الحرير الملازم لأيامنا ما هو إلا خيط استرشادي للنور الذي ينتظرنا بآخر النفق. 


اومأ بالإيجاب ليطالع الصغير بحضنه مردفا: 

لن أجد الحل سوى لديها كالعادة!. 


في هذا الوقت صدحت صرخة زهرة تشق الآذان وهي تتوسل أن يتركوا صغيرها، ولكن دون رحمة نزعه شخصين ملثمين من حضنها، لم يرأفا لصراخها ولا لدموعها، لقد لجأت لصغيرها كي تتجاوز ما عانته لسنوات مع والده ليخطفه من بين يديها في نفس اليوم، الأمر أشبه بطفل هرول إلى أمه باكياً لتحتضنه ، فـ تلقى صفعه ليكف عن البكاء، اختلط صوت صراخها مع صوت صغيرها الذي ينادي عليها لتنقذه من هؤلاء الملثمين ولكنها تلقت ضربة قوية أسفل رأسها أفقدتها الوعي. 


ومضت الليلة لتمضي الأيام الموالية علي زهرة تتخطى الأيام بالنوم يوم يليه يوم يليه يوم، تعيش عيشة الأموات وتختلج جسدها انهيارات مستمرة كلما ركبت موجة من موجات الزمن، تطيح وتغرق وتتجمد عند مفترق الطرق، لا تدري وجهة أو سبيل. 


وبعد مرور ثلاثة أشهر… 


انتهت من صلاتها وابتدت صباحها بروتينها الباكي كما اعتادت واعتادت مقلتيها طوال الاشهر الماضية، صباح جديد تستقبله بقلبها المفطور حزنا وحسرة علي فقيدها، ولكن ليس بيدها شئ سوي الدعاء والتوسل لله وان تصبر و تتيقن أن الله سيعيد بهجة قلبها، نهضت تنفض سجادتها


 ولم تكد تجلس على سريرها حتى دلفت ياسمين مبتسمة كعادتها وقالت في محاولة منها للتهوين عن شقيقتها: 

صباح الورد يا زهرتي يا حبيبة أبيك 


ناظرتها زهرة بحنين طواق وردت عليها: 

مرت سنوات ولم أسمعها فلم يكن يمر صباح دون أن يصبح علي بهذه الجملة

 

جلست جوارها لتنظر بعينيها قائلة: 

كان يحبك ويفضلك عن الجميع وكنت أغار منك ولكن بعد وفاته أدركت أن معه حق فأنت مختلفة عنا جميعا 

سرحت الأخرى في الفراغ هاتفة بحسرة: 

لو كان على قيد الحياة لمات حسرة علي ما وصلت إليه من حال. 


ضمتها ياسمين بقوة مرددة: 

ومن قال لك أن حالتك هذه تعجبه حتى وهو بقبره، أنت زهرته القوية فذبولك يعذبه حيا كان أو ميتا 


تنهدت بضيق ثم أكملت: 

هل تظنينه سامحني؟


مسحت زهرة دموعها الحارقة وناظرت اختها بشفقة وامسكت كفها بقوة واقسمت: 

بالله لقد أخبرني قبل موته انه سامحك ومات وهو يدعو لك، اخبرتك بهذا مرارا وتكرارا ولكنك لا تصدقين


قالت بصوت مختنق: 

لا أصدق أنه سامحني وانا السبب في ما كان عليه وانا السبب في موته. 


انتفضت الاخرى بغضب واشارت نحو الباب: 

اخرجي يا ياسمين لقد تعبت من تكرار نفس الحوار مرارا وحسبت أننا أغلقنا هذه القصة ولكن دماغك الصلب يأبي الفهم، رجاءا ارحميني جئت لتهوني على فأثقلتني بالحزن أكثر 


ضحكت الأخرى من وسط دموعها ونهضت قائلة برفق: 

حسنا أنا آسفة والله ولكن ماذا افعل فكلتانا مفعمة بالبؤس يا شقيقتي، أظن أن العيب في والدتنا فهي العامل المشترك الوحيد ولكن انظري لإخواننا البقية فهم من أم أخري ولكن ليسوا بؤساء مثلنا إنهم أغبياء وحسب. 


فكرت زهرة قليلا ثم تحدثت: 

هل تقصدين أن الخالة منال غبية وأمنا بائسة؟ 


دارت ياسمين بعينيها وركضت خارجا هاتفة: 

تعالي لنفطر اولا ونفكر في هذا الموضوع بوقت لاحق 


جذبت حقيبتها وعدلت حجابها وتحركت نحو باب البيت قائلة: 

لا شهية لي ولقد تأخرت علي المشفي، سلام 


واغلقت الباب خلفها دون انتظار أي رد من الاخري التي جلست موضعها بيأس ورفعت رأسها داعية: 

يارب هون عليها مصابها وصبرها فلقد بدأت تضيع مني بسبب حالتها ولايوجد شئ بيدي أفعله


ثم نظرت للطعام أمامها وأكملت: 

لا تأكل تقضي اليوم بلقمتين تأكلهم غصبا، وتغرق نفسها بالعمل حتى كادت تبلي، فيارب أعده اليها حتى تقر عينها، وسامحني علي تأخري عليها تلك الليلة، لو كنت موجودة لربما تمكنت من مساعدتها وما أخذوه منها.


بعد مرور ساعتين وصلت ياسمين لمنزلهم الآخر حيث يسكن الجميع، تحركت مباشرة لتوقظهم كل علي حدا بداية من أخاهم الأكبر ثم اختهم التي صرخت بوجهها حينما استيقظت وأدركت الوقت: 

ماذا تأخرتي يا ياسمين لن ألحق لأجهز نفسي يجب أن اقابل خطيبي اليوم لنختار الفستان


تحدثت ياسمين بنبرة حاولت جعلها هادئة: 

لماذا لم تضبطي منبهك؟ 

لا تنسي أني كنت بالبيت الآخر يعني جئت كل هذه المسافة لأوقظك واتصلت بك مرارا لكنك لم تستيقظي فما ذنبي أنا 


تحدثت رباب بوقاحة: 

طبعا اكيد طوال الليل سهرتي جوار زهرة هانم التي تقضي وقتها تبكي على الاطلال 


اقتربت منها وتحدثت محذرة إياها: 

احفظي أدبك ولا تنسي انها اختك الكبري وإلا علمتك انا الأدب 


ثم التفتت جانبا ووضعت بعض النقود واردفت: 

خذيهم لزوم احتياجاتك اليوم لأنني لن أعود فلدي أعمال كثيرة اليوم 


وتركتها مكانها وتحركت متوجهة لغرفة والدتها ولكن توقفت مخاطبة رباب: 

صحيح يا رباب زفافك باقي عليه يومين ولحد اللحظة لم نري خطيبك لماذا يا ترى؟ 


ابتسمت رباب بخبث وأردفت: 

تعرفين كان مسافرا وعاد منذ أيام ولقد خطبت منه عن طريق عمته كما تعرفين ولم أري سوي صورته ولم أرغب أن ترونها


 وتابعت بابتسامة ماكرة: 

اعتبرينها مفاجأة يا ياسمين 


اكملت طريقها مرددة: 

الله يرحمنا من مفاجآتك ولا نجد مصيبة جديدة 


دلفت لوالدتها فردوس فوجدتها تجلس مع زوجة أبيها منال، فتحدثت بضيق: 

هذه الفتاة ستجلطني يوما ما 


ابتسمتا لتتحدث منال: 

اتركك منها وتعالي اخبرينا كيف حالك وكيف صارت زهرة 


جلست وسطهن لتنظر لوالدتها التي تنتظر اجابتها بفارغ الصبر، لتقول بضيق: 

انا بخير اما زهرة فادعو لها أن تتجاوز محنتها 


سألتها فردوس بلهفة: 

ألن تأتي إليَّ؟ اشتقت إليها وكلما حدثتها يتقطع قلبي من نبرة صوتها 


تنهدت ياسمين قائلة: 

لينتهي هذا الزفاف ونخلص من رباب ومشاكلها وبعدها سأحضرها فصعب أن تحضر زفاف اختها التي لم تسأل عنها ولو مرة ولم تكلف نفسها لتزورها وتهون عليها مصابها 


تحدثت منال بأسف: 

هذه الفتاة لاأحد يقدر عليها، فليشهد الله أن قلبي مع زهرة ولكن ما بيدي حيلة أصبحت مريضة ومثقلة وابنتي لا تطيعني 


ابتسمت ياسمين محاولة مواساتها: 

هذه رباب ونعرفها جميعا فلا نشغل بالنا بتصرفاتها كثيرا، وانت حبيبة قلبنا ومقامك من مقام والدتنا 


بعد ساعات كانت تسير ببضاعتها في احدي المناطق السياحية لتبيعها، تسمع كلمة من هنا ومن هناك، يشتري شخصا ويعرض عشرا ولكنها ماضية في طريقها لتكسب من تعبها وسهرها لصنع هذه التحف طوال الليالي الماضية، وبوسط عملها تنطلق إلى أحد الأماكن الأثرية لتخرج كاميرا التصوير الخاصة بها ليطلب منها السائحون أن تلتقط لهم بعض الصور الفوتوغرافية، ليمضي النهار بطوله على هذا المنوال كعادة كل يوم تبدأ كفاحها من أجل لقمة العيش منذ طلوع الشمس حتى غروبها دون أن تشتكي. 


وفي المساء بإحدى المستشفيات الخاصة بعد أن أنهت زهرة عملها جلست علي مكتبها بارهاق ودفنت وجهها بين ذراعيها غارقة في حزنها ولكن لم تكد تستسلم لذكرياتها المكلومة حتي سمعت صوت طرق الباب، فأجابت بصوتها الذي أصبح مبحوحا على مدار الاشهر الماضية بسبب كثرة البكاء: 

تفضل 


رفعت نظرها لترى من الطارق فوجدته يدلف وتحرك بهيبته ليجلس امامها قائلا مباشرة: 

كيف الحال يا دكتورة؟ 


رمشت زهرة عدة مرات ثم تحدثت متفاجئة: 

بخير ولكن اي رياح رمتك هنا مجددا 


ابتسم بخفوت تلك الابتسامة التي تكاد لا تظهر وقال: 

أريد أن أستعيد جلسات العلاج ونستكملها 


فكرت قليلا وظلت تلتفت تتأكد أن خالد مهران هو الذي يجلس أمامها واردفت: 

اممم هنا بالمستشفى أمام الجميع؟


أجاب بجدية: 

لا اكيد لن آتي لطبيبتي النفسية أمام الجميع فأنت تعرفين ان علم احد فلن ينتهي القيل والقال


اومأت بتفهم قائلة: 

طبعا أتفهم وضعك لذلك تعجبن، ولكن مع الأسف انا اغلقت عيادتي وعملي هنا فقط 


تنهد خالد محاولا أن يتحدث مباشرة دون مراوغة فقال: 

أنت تعرفينني منذ فترة طويلة وربما انت اكثر من يعلم من هو خالد بحكم علاقتنا كمريض وطبيبة نفسية لذلك فكرت وقررت وعزمت أمري لأتي اليوم لأعرض عليك ودون لف ودوران أن نتزوج! 


لم يكن ليخطر بذهنها أبدا أن يطلب منها مثل ذاك الطلب، ولم تكن في حال يسمح لهذا فلم تستوعب ما قاله واخذت تدقق النظر محاولة جمع خيوط اي رد تجيب به ولكن عقد لسانها فما زالت الحياة تفاجئها بكل غريب علي غير توقع فتقف هكذا علي شفا حفرة لا تستوعب ولا تفهم ما يدور حولها….

google-playkhamsatmostaqltradent