الفصل الثاني
رواية خيط من حرير
بقلم سميحه رجب
الى اين أنت ذاهب بي يا قطار الحياة
اعدني الى الوراء فقد اضعت في الطريق أشياء
وفقدت اشخاصا احبهم وهربت مني امنيات
اعدني الى طفولتي فقد أدركت كم كان جميلا
ذلك الوقت الذي فات.
ربما هجرة او هروبا من الواقع الحالي، ولكن المرجح انه لجوءا متلبسا رداء الحيرة والتيه، اخذت زهرة تصول بعقلها تفكر مرارا في عرض خالد، رغم ان قلبها ضجر وأرهق من صنف الرجال جميعهم ولكن ثمة ضوء خافت يطرق ذاكرتها ليذكرها برجل ما دون البقية، ذلك الرجل الذي لطالما حلمت وتمنت أن تزف عروسا لمن يحمل ولو خصلة واحدة من خصاله، ولكن مع الأسف فليس كل ما يتمناه المرء يدركه فلقد أعصرت رياح حياتها بما تخشاه سفنها.
أرهقها التفكير العميق والحيرة من التفكير والوقوف عند الأمر من الأساس، لا تعرف لماذا عارض عقلها قلبها وتريث طالبا حقه في التفكير ملياً.
هربت أو ربما لجأت لآخر عهدها بوالدها..
حيث كانت تتجهَّز للذهاب لبيتها بعد أن قضت يومين مع والدها ترعاه وتواسيه، فأصر أن يرافقها حتى تستقل سيارة الأجرة علي أول الطريق، ولكنه كان كمن أدرك لحظة الوداع فسار معها متعلقا بيدها ليقبل خدها كل حين وحين مرددا: بوركتِ يا أم أبيكِ.
فتبتسم لتضم يده المعلقة بذراعها لتغمض عينيها تدعو ربها أن يديم عليها السكينة النابعة من وجود أبيها، فترد الدعوة بنسيم يخلق أريجا لا تتقنه هي ولكن والدها يتقنه ويدركه جيدا.
فيهمِس ابنته وحبيبته:
والله إني راض عنك يا زهرة أبيك، واخبري اخوتك اني ارتضيت عنهم جميعا وغفرت أفعالهم ولا سيما ياسمين، احتضنيها يا زهرة وواسيها فهي أخطأت ولكن لا تدعيها تدفع عمرها ثمنا ليوم غفلت به.
ثم تبع حديثه بهدوء مؤلم:
يازهرة، عسى ألا تلتقينني بعد عامي هذا.
فتتوقف نبضاتها وكل ما حولها اصطبغ بنكهة النواح والذعر، ولسانها تثاقل إثر اختناق حنجرتها فلم تقوى على قول ولو كلمة واحدة.
ثم اكمل والدها همسه:
لعلك ستمرين بهذا البيت بعدي فلا تستهوينه، وربما تهجرينه ولكن أنصحك ألا تنسينني في دعائك وقيامك، فأنا كلي ثقة ان عملي وان انقطع من كل الجهات ولكن ربي رزقني إياك، ابنة صالحة تدعوا لي.
فتبكي زهرة معانقة إياه تتمنى لو لم يتحقق ما يقول، تدرك أن كل شئ قضاء وقدر ولكن هذا القضاء ثقيلا عليها، والحياة بعد وقوعه ستكون أثقل علي قلبها ولن تتحمل، وثباتها سيهاجر ادراج الرياح ان بقيت دون أبيها، وها هي قد بقيت دونه، ولكنها ليست وحيدة فلقد اتخذ منها البلاء أنيسة ويبدو أنه ألفها لدرجة أن يأبى فراقها لسنوات، وها هو قد عقد العزم أن يثبت العُدة ويستكمل معيشته معها عهدًا آخر...
عادت من ذكرى والدها على صوت شاعرها المفضل محمود درويش وهو يهتف بحسرة من المذياع الذي اعتادت سماعه كل صباح: " يقول مسافرٌ في الباصِ: لا الراديو ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال، أُريد أن أبكي
يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ، وابْكِ وحدك ما استطعتَ "
وكأنه يصف حالها وهي تقضي الأيام بحثا عن محطة تستقبل دموعها وتحتضن خوفها، تهرب من قسوة ذكرياتها بين جدران هذه المشفى تأخذ نوبات إضافية حتي لا تطرق العنان لتفكيرها ولكن دون جدوى، فتنهدت بضجر تنفض عن ذهنها عمق التفكير والحيرة لترفع هاتفها مقررة أن تستشير شقيقتها وخليلتها، ولكن أتاها الرد ب:
أنا علي باب المستشفى يا زهرة فلقد مرضت الخالة منال فجأة ويجب أن ألحق بها، أين أنت؟ اذا كنتِ هنا فتعالي رجاءا..
لتركض كلا منهما بهرولة الي غرفة زوجة أبيهما، لتتقابل زهرة مع الطبيب و تدلف ياسمين للاطمئنان عليها، حيث وجدت والدتها تجلس قبالة صديقة عمرها تمسك يدها بقلق، فاقتربت منها مقبلة رأسها لتقول:
لا تخافي فزهرة هنا وستطمئن على حالتها من الطبيب و تطمئننا.
تنهدت والدتها مردفة برجاء:
يارب يارب، فأنا لا يمكنني تحمل مرضها، ليتني انتبهت أنها لم تأخذ دوائها.
لتعقب الأخرى محاولة تهدئتها: كل شئ سيكون علي مايرام و بخير لا تقلقي.
وقبل أن تتحدث فردوس مرة أخرى صدح صوت رباب بوقاحة:
كيف تقولين خير يا ياسمين وانا والدتي هنا تموت بيوم زفافي؟
جاءها الرد من زهرة رادعا:
عن أي زفاف تتحدثين يا غبية، هل أنت إنسانة لديها إحساس؟ ثم ألم تتكلفي بمتابعة دواء والدتك تلك الفترة بسبب انشغال ياسمين، كيف تغفلين عنها؟ هل يوجد شئ اهم من صحة والدتك حتي تقدمينه على موعد علاجها؟
لم تتراجع الأخرى عن الرد لتكمل بصراخ دون الاخذ بالاعتبار انها تمشي بوسط مرضي:
كنت أنهي تحضيرات زفافي وانشغلت، وألا يوجد غيرى ليهتم بها؟ هذه كانت مهمة اختك ويبدو انها هربت بجلدها من المسؤولية.
استوقفتها ياسمين بنبرة عتاب:
ياسمين لم تهرب يا رباب بل كنت أقطع الأميال حتى أجلب بقية ما تحتاجيه لأجل زفافك، كنت أسير ببضاعتي تحت الشمس الحارقة حتى أكمل ما نقص بجهازك
لترد رباب بنفس النبرة الوقحة:
هل تذليني يا ياسمين؟ لا انا لست بحاجة لأموالك كله من فضل أبي وغربته بالعراق لسنوات أم نسيتي؟
ابتلعت غصتها وكتمت ضيقها لأجل امها الحزينة وزوجة أبيها المريضة، ونظرت إلى أخيهم الذي لاح طيفه من بعيد قائلة بعد أن مدت يدها تعطيه ما جلبته من مال جراء عملها المتواصل منذ أيام:
جيد انك جئت يا حسن، هيا خذ رباب وهذه الأموال واذهبا لتكملا ما تحتاجه وليتم الزفاف وحين تستفيق خالتي سآتي لأحضر أنا الأخرى واكمل ما تبقى من نواقص.
رفضت رباب الذهاب مردفة بتهكم:
نذهب؟ هل تريدين الناس أن يأكلو وجهى ويقولون رباب تحتفل بزفافها ووالدتها بين الحياة والموت.
استدارت زهرة لتذهب فلقد ضاق بها وهي تستمع لحوارات وطريقة رباب السخيفة، وهربت أيضا من تواجد حسن فهي لم ولن تقوى على غفران ما ارتكبه بحقها حينما تعامل بسلبية وخشي من طليقها ورفض مساعدتها، لترسل رسالة لشقيقتها مضمونها: " الخالة منال بخير، لقد ارتفع السكر فجأة لأنها لم تأخذ جرعة الأنسولين خاصتها في موعدها، ولم تتناول إفطارها ستصبح بخير بعد فترة وجيزة، ولكن فلينفض هذا الصراع الذي جوارك وتتركو المرضى ليرتاحوا، فما يحدث عيب"
لترد ياسمين: " حسنا سأدعهم يذهبون وآتي إليك لنتحدث قليلا"
لترد الاخرى: " سأخذكم لبيتي حتى ترتاح الخالة بعيدا عن ضجيج الحفل ولتبقى امي جوارى قليلا، وأنت تذهبين للحفل ثم تعودين ونتحدث"
أنهت ياسمين مراسلة أختها لتجد رباب وحسن قد أخذا الأموال وذهبا، لتتحدث فردوس بحسرة:
لا أعرف ما هذا الجحود الذي تملك هذان، سواء رباب أو حسن كلا منهما بلاء من الله فليعين منال علي عقوقهما، ويعينك يا ابنتي عليهما فمنذ أن توفي والدكم وانت المتكفلة بكل شيء في حين أن هذا واجب أخوك.
جلست على ركبتيها جوار كرسيها المتحرك لتضع رأسها بحجرها مردفة:
كله يهون ما دمت بخير، أنت والخالة منال وزهرة بالنسبة لي مقومات الحياة، فلا تهمني معاملة رباب السيئة ولا جحود حسن فأنا أقوم بواجبي أمام الله ثم أبي ولا أنتظر مقابلا.
انحنت لتقبل رأس صغيرتها وأخذت تلامس شعرها بلطف قائلة:
وما أخبار زهرة؟ رأيتها حين ذهبت منذ قليل ألن تعود مجددا؟
ابتسمت لتجيب:
سنخرج من هنا ثلاثتنا الى بيتها حتى ينتهي الزفاف وضجيجه وتذهب رباب بصخبها، بعدها سآتي ونمكث عدة أيام بيتك فلقد انتقلت زهرة إليها بعد طلاقها كما تعرفين.
تنهدت براحة لتردف بإبتسامة نابعه من اشتياقها لابنتها الكبرى:
خيرًا فعلتما فلقد اشتقت إليها ولم يمنعني عنها طوال الفترة الفارطة سوا عجزى بهذا الكرسي، أخيرا سآخذها بحضنى واواسيها في مصابها...
وفعلا بعد ساعات قليلة تحققت رغبة فردوس وكانت ابنتها بين يديها تبكي وجع كل ما مر عليها خلال الأشهر الفارطة، تظن نفسها قوية وثابتة، ثبات زائف في هيئة قوة، لا تضعف ويمكنها أن تقاوم كما تعودت منذ الصغر إلى الكبر، تعلم أن كل ذي سلطان وكل قوي شديد عند أمه يضعف، ركضت إليها ولم تعقب، إلى ذراعيها التي لا تكف عن العطاء، أخذوا أنس ولن تستسيغ تلك الوحشة دونه إلا وهي بين ذراعي جدة أنس، شيء من الطمأنينة خالج قلبها التعب، هناك فقط وجدت زهرة الطفلة الحنان وزهرة الشابة الأمان، في حضن أمها بكت دون تكلف وصرخت دون توقف.
زفرت بغصة وشدت بكل ما تملك من قوة على ذراعي أمها، ليس ضعفا ولكن خوفا، خوفا من أن يهزمها هوس فقده، خوفا من أن تخور قواها وعلى شفا حفرة الألم تنهار.
لتتحدث فردوس من بين عبراتها:
سامحيني علي بعدى عنك لولا ظروفي لكنت جئتك راكضة.
أخذت تقبل كفي والدتها المحيطتان بخديها وتتمسح بالحنان النابع منهما مردفة:
كنتِ معي بدعائك الذي مكنني من الثبات رغم ما حدث، لولاك انت وياسمين لما تحملت يوما دون أنس.
علي ذكره غص قلبها وعادت الحسرة تعتصر روحها فكيف لقلب الام أن يتحمل الابتلاء بفراق الولد، كيف لها أن تستصيغ ذكراه وكأنه شيئا من الماضى وقد عبر، كيف وهو الحاضر الغائب وصورته لا تختفي من أمام ناظرها طوال الوقت، وكأنه شبحا يلاحقها حيثما أبصرت.
شعرت والدتها بكل ما تعانيه وبحرقتها على صغيرها فأخذت تواسيها قائلة:
سيعود... حتما سيعود فربك اسمه العدل حاشاه أن يرضي بظلمك، ولا تقلقي عليه فمهما كان هو مع والده يستحيل أن يؤذيه، الموضوع مسألة وقت وكل شيء سيعود لنصابه يا صغيرتي.
اومأت بتفهم لتعقب بتأكيد على ما قالت:
صحيح أن كرم لا يخشى ربه ولا يتقيه، ولكنه وإن كان ذو قلب جاحد ولكن نقطة ضعفه هي أنس، كان يهينني ويعذبنى ولكن صبرى كان لأجل أنس، ظننت أنه قد يرأف بي لحبه لابننا ولكن كنت مخطئة، ظننت أنه سيتركه معي لان الولد متعلق بي ولكنه لم يرأف حتى لحاله وأخذه دون رحمة.
قاطعهما صوت المنبه فنهضت مسرعة إلى الغرفة الأخرى حيث تنام خالتها منال، وتحركت والدتها خلفها بكرسيها المتحرك قائلة:
جيد انك ضبطي المنبه وإلا كان الوقت والحديث سرقنا.
لترد عليها وهي ترتب الدواء بجوار ما حضرته لهما من طعام:
تعرفينني أحب النظام، كما أن ما أصابها كله بسبب إهمال موعد الدواء.
ليأتيها صوت منال من الداخل:
لم أر بحياتي شخصا منظما مثلك يا زهرة.
لتسرع فردوس لتدلف لها تطالعها بلهفة واخذت تطمئن عليها وتتفحصها بعينيها ووجدانها قائلة:
حمدالله على سلامتك يا غالية، والله كاد قلبي أن يقف وأمت من خوفى عليك.
لتقاطعها مسرعة:
بعيد الشر عنك، لا تذكرى الموت فأنا لا أتحمل دونك.
وضعت زهرة الطعام وبدأت تناولها الدواء مردفة بابتسامتها البسيطة المعتادة أمام والدتها في غالب الأحيان:
لم أر يوما ضرتين متحابتين لهذه الدرجة، يبدو أن أبي رحمه الله كان متحكما في زمام الأمور بينكما.
لتجاوبها والدتها:
والله لا أنكر أنني في البداية حين أخبرني والدك أنه سيتزوج مصرية ابنة بلده رفضت وغضبت، ولكن لم يكن لي باليد حيلة فقبلت خصوصا أنني في العراق وهي بمصر لم يخيل إلي يوما أننا سنتقابل، وصار الوضع بيننا كما كان قبل أن يتزوجها فلم يكن ينزل مصر الا في المناسبات وكان أكثر بقائه في العراق لذا سموه بعثمان العراقي، ولكن حين مرضت ياسمين و اضطررنا للنزول لمصر لعلاجها ووجدت من منال ما لم أجده من أهلي هناك، كانت تلازمني في الركض بين المستشفيات دون كلل ومن طبيب لطبيب حتى تعالجت أختك، وبعدها أصبحت هي صديقتي المقربة وكيان عائلتي هنا بمصر، وعندما مرضت وشلت قدماي أصبحت هي مرشدتى وأكثر من يعتني بي.
اكملت منال وهي تمسح دمعها الذى فاضت به الذكريات:
والشهادة لله فلم يكن والدك يوما الا عادلا بيننا، كان عادلا لدرجة لم نشعر تجاه بعضنا ببعض أو غيرة إلا وكانت محمودة، وفي الاخير هو لم يرتكب ذنبا أو حراما.
اعتدلت زهرة وبدأت تطعمهما بيدها وأكملت الحديث معهما قائلة:
صحيح ليس حراما ولكن لا يقوى الجميع عليه، رغم أنني تحملت الكثير من كرم وقاومت حتى تطلقت ولكن أن أكون زوجة لمن يتزوج بأخرى فلا أتحملها صراحة خصوصا إن كنت أحبه فقلبي لن يسمح له.
ابتسمت والدتها وهي تتلقى منها اللقيمة قائلة بنبرة ضاحكة:
لنغلق هذه السيرة فأنا ومنال استثناء للقاعدة ودعينا نستمتع بالطعام من يديك فسبحان الله دوما من يديك له نكهة مختلفة هكذا تدفئ داخلي.
واستمرت الجلسة بينهما بود ومحبة كالعادة تدللهما زهرة ولا تشعر منال بفرق بل وكأنها أمها لدرجة أن الناظر من بعيد لا يمكنه تحديد أيا منهما هي والدتها التي خلقت من رحمها، كانت جلسة بمثابة علاج نفسي ومداواة لروحها المنهكة فصحيح هي الطبيبة النفسية التي تسمع للكثير وتعالج معضلات حالاتها ولكنها أيضا لها الحق في المداواة حتى لا ينهشها الاكتئاب وهوس الفقد الذي أصبح هاجسها بالفترة الأخيرة.
في شركة مهران للإستيراد والتصدير كان يدلف من بابها يهب الأرض بقدميه نظره مصوبا للأمام وبطرف عينه يلمح الجميع، فبمجرد ما دلف إذ بكافة الموظفين والعاملين كل ينطلق إلى عمله خشية غضبه إذا أبصر تقصيرا أو إهمالا، يلقبونه بالرجل الذي لا يخطئ فاستنتجوا أنه لا يرضى بالخطأ، في وقفته هيبة وحين يصدح صوته عند باب مكتبه يتوجس الكل منه خيفة، قرع نعاله يوحي بأن الصعب آت، لا يتنازل عن رأيه ولا يعود في كلمته ولا يناقش، لا يجامل ولا يمازح مغلفا بالقسوة البراقة لكن ما تخفيه تلك الصورة العالية الجودة خراب وفجوات خلفتها تقلباته مع الزمن وعبثه مع من هم أسوأ وأقسى منه.
دلف مكتبه ليجد صديقه مراد بانتظاره فوقف فاتحا ذراعيه ليعانقه مواسيا إياه:
من الجيد انك عدت لعملك، لا يجب أن تظل حبيس البيت أكثر من ذلك.
تحرك خالد ليجلس على رأس مكتبه مردفا:
لم أكن حبيس بالبيت بل كنت مع الأولاد، فلم يكن من السهل عليهم تقبل الوضع الجديد، حاولت أن أنسيهم فترة المشاكل والصراعات وأهيئهم لحياة جديدة، ولكن مع الأسف…
صمت برهة ليسأله صديقه بفضول:
يحتاجون أم؟
أومأ بالإيجاب يفكر مليا في الموضوع متذكرا عرضه لزهرة الذى أقره عليها بالأمس ومازال بانتظاره، وبدأت ملامحه تمتعض وهو يفكر بحاجة أولاده لمن تعالج نفسيتهم وتساعدهم لتجاوز هذه المحنة ويتحسر على طفولته التي حرم فيها مما حرم منه صغاره، ليمقت علي هذا الزمان الذى يعيد الكرة من جديد دون رحمة.
ليتنهد بضيق محاولا أن ينفض الخناق من أنفاسه قائلا بحزم:
سأتزوج.
ارتسمت معالم الدهشة على مراد الذي اعتدل بموضعه ليستمع له باهتمام بعد أن سأله بتعجب:
اعتقد انك اكثر من يعرف كيف تكون الحياة مع زوجة أب، هل من كل عقلك تريد أن تفعل وقررت أيضا بهذه السرعة؟
ليجيبه دون تفكير:
لأنها لا تشبه الكثيرات من النساء، ألم يقل سيدنا محمد فاظفر بذات الدين؟
ابتسم الاخر ليقول باعجاب:
خالد صديقي يستشهد بحديث نبوي؟ واضح أن أثرها بدأ يأخذ وضعه في حياتك يا خالد باشا.
طالعه بتحذير حتى لا يتمادى أكثر فيضغط على جرحه الذي يتهرب منه ثم قال:
لست شيطانا ولا كا*فرا بالأخير أنا رجل مسلم، ربما تضج حياتي بأفعال قد تكون خاطئة ولكن لم أكفر يعني..
تراجع مراد ليغير الموضوع حتى لا يتطرقا لهذه المسألة ليتحدث مستفهما:
من تكون يا ترى؟ هل نعرفها؟
تحرك بموضعه ليطلب سكرتيرة مكتبه ثم وجه حديثه لمراد:
طبيبة تعرفت عليها مؤخرا إن تم الأمر سأعرفك عليها قبل أن ننتقل بالأولاد إلى الأقصر، والآن توجه إلى شركة السياحة لتقابل الوفد القادم من كندا عليك اصطحابهم الى مزارات الجيزة وبعدها رتب لهم رحلة إلى مدن الصعيد.
نهض ليتحرك على استعداد لينفذ أوامره ولكن تراجع قبل أن يخرج قائلا:
نسيت أن أخبرك أن لدينا بالشركة هناك نقص بعدد الموظفين ونحتاج مرشدين سياحيين بأسرع وقت ويفضل أن يكون إحداهما أنثى والآخر ذكرا.
وصادف ذلك دخول سكرتيرته ليكلفها خالد بتنظيم إعلانات توظيف بالصحف المتعاهدة مع مجموعة شركات آل مهران.
ليقضى بقية اليوم منشغلا في اجتماعاته ومراجعة أعماله المؤجلة طوال الثلاث أشهر الماضية، ليرتاح تفكيره أخيرا بالانغماس في العمل اللامتناهي وكاد أن ينسى مشاكل بيته، ولكن كيف السبيل لنسيان صغاره فكان كل حين يحادثهم و يستقصي عن أحوالهم من مربيتهم الجديدة، ولكن الوضع لم يريحه ليقرر أن ينهى الأمر الليلة وقبل أن يعود للبيت.
وبعد ساعات كان بسيارته أسفل بيتها يتملكه التردد فرغم أنه جاء مقررا أن يأخذ منها كلمة نهائية ولكن فجأة رق قلبه لحالها، لأول مرة يشعر بجرح شخص آخر غيره، لقد اعترف امام نفسه ان هذا القرار نابعا من رغبته هو فقط وهذا كافيا بالنسبة لخالد مهران، ولكن لوهلة تذكر كسرتها وضعفها الذي أبصره يوم أن قابلها بالمحكمة، أدرك أنها في نفس موقفه فلا يجب عليه أن يضغط عليها، للحظة كان سيتراجع ولكن تردد صوتها بأذنه حين نصحته في آخر جلسة علاجية قائلة:
الحَياة أثمن مِن أن تهدُرها علىٰ عَلاقات مُزيفة أو أحَلام مِيتة، وصَداقات هَشة، أو حتى على أماكن لا تنتمِي إلِيها، إن تلك الأشِياء تُنقِص من عُمرك وتثقلِك وتستنزفِك، ابحَث عن ما تجدُ نفسَك حقاً به فأنت جدِير بأن تعِيش حياة حقِيقية مَليئة بالشغف والحُب والجمَال ، لا أحد منا يملِك أدنى جُهد ليثبّت أنه شخصِيه جيّده، أُؤمن بأن من يُريد أن يرى الضُوء سِيراه حتماً فِي أعمَاق العُتمة ومن يبحَث عن العُتمة لن يستطِيع إدرَاك الضُوء، أصلح ما بداخلك وامضِ لا تلتفت ولا يربكك ضجيج أحد في الخلف.
وبعدها ولى هاربا من ضجيج أفكاره ليصعد درجات السلم ينهبها بقدميه وما هى إلا ثوان معدودة وكان يقف أمامها وقد أصابتها الدهشة حينما أبصرته أمامها، لتتحدث متسائلة:
كيف علمت عنواني؟
ليجيبها بابتسامة ملؤها شئ من الكبرياء:
انا خالد مهران وأي شئ أريده أصل إليه بكل سهولة.
دارت بعينيها في المكان حيرة وخشية بنفس الوقت لتطلق تنهيدة من اعماقها وطالعته بحيرة دون أن تنطق بشئ، وظلت هكذا لمدة لا تعلم قدرها وهو امامها لم يحرك ساكنا، وكأنما الزمن توقف وتملك العجز كلا منهما، كلاهما يبحث في عين الآخر عن سبيل يسلكه أو حلا لمعضلته، هو يبحث عن طبيبته وهي تريد أن تجد السكينة التي هجرتها.
طال سكونهما حتى قاطعها صوت والدتها التي تقدمت تحرك كرسيها المتحرك قائلة:
زهرة؟ مع من تتحدثين يا ابنتي؟
وكأنه الآن قد وجد الحل وعرف أي سبيل يسلكه، ليتقدم خطوتين للداخل بينما زهرة تشير إليه بعينيها ب:ألا تفعل.
ولكنه أجابها بنظرات معاكسة مضمونها: انها فرصتي وقد سنحت.
في الطرف الآخر ببيت منال، تجهزت رباب بغرفتها وأخذت ياسمين تعدل لها فستانها وتشرف علي تزينها ومكياجها، تراقب كل صغيرة وكبيرة تخشى أن تفوت شيئا لأختها، فصحيح أن رباب لا تكن لأحد أي إحترام ولكن كعادة ياسمين تستنزف من روحها ووجدانها لأجل الجميع دون التفكير بنفسها، كانت تصول بالمكان وتجول من هنا لهناك ترتب أمور الضيافة تارة وأمور أختها تارة أخرى، فبعد قليل سيأتي خطيبها ليتم عقد القران وبعدها تنتقل معه إلي عش الزوجية، ووسط انشغالها وانهماكها في ترتيب كل شيء صدح صوت رباب السخيف قائلة:
لا داعى لكل هذا يا ياسمين لا تمثلي انك مهتمة بترتيبات زفافى وكأنك قد صرفت الملايين.
تركت ما بيدها و تحاملت على نفسها حتى لا يتشاجرا في وقت كهذا والتفتت إليها لتتحدث بهدوء:
ومن لديه الملايين كي يقدمها لك يا رباب؟ لسنا من ذوى المال والأعمال ولا جاه ولا سلطان لكى نحضر لك حفل زفاف عوضا عمن ستتزوجينه، هذه من واجباته هو؟
لتلتفت إليها متعمدة أن تغيظها أكثر وأكملت بطريقتها نفسها:
ليس لديك الملايين ولكن من تدعي أنها أختنا حضرة الطبيبة كان لديها ولكن ماذا نقول عنكن يا عاشقات الفقر، اضاعت من يدها رجلا كان يعيشها ملكة مال وجاه وخدم وحياة لن تحظى بمثيلتها مرة أخرى، وأنت تركت دراستك لتعملي مصورة فوتوغرافية وتتجولين بين السائحين ليل نهار.
ابتسمت الأخرى بسخرية والتفتت تكمل ما كانت تفعل قائلة بنفاذ صبر:
لا حول ولا قوة الا بالله، لا دخل لك في حياتنا كما لم نتدخل نحن بحياتك وقراراتك، كان لك في ذمتي إكمال جهازك وقد فعلت، من اليوم ستكونين بعصمة رجل وانتهت مهمتي معك حتي الآن يا.. يا أختى.
صمتت برهة ثم اضافت:
اه صحيح يا رباب، اليوم قرانك والي الآن لم تعرفيني علي من سيكون زوجك بعد قليل، ألا يحق لمن عانت لتكمل جهازك أن تعرفيها عليه؟ او حتي تخبريني بإسمه؟
معقول انك تحبينه لدرجة انكما قررتما الزواج بهذه السرعة وفي هذا الغموض؟
جلست علي الكرسي المجاور لها وأخذت ترتب طرحة فستانها قائلة بغنج:
ستعرفينه لا تقلقي فحسن تعرف عليه وهو من وافق علي الزيجة، وبعد قليل ستعرفينه فكما قلت لك انها مفاجأة، كما أننا تعرفنا علي بعضنا عن طريق إحدى مواقع التواصل الاجتماعي واعجب بي وبأفكارى و قطع سفره ونزل مصر ليتزوجني وربما بعد فترة أسافر معه.
في هذه اللحظة علا صوت الموسيقى وازداد الضجيج في الخارج معلنا عن قدوم العريس لتنتفض ياسمين تستعجلها:
هيا لأضع لك طرحتك فلقد جاء، ويجب أن أخرج لاستقبال أهله.
قاطعتها مردفة:
لا ستخرجين معي فحسن سيستقبلهم ويخبرهم أن أمي مريضة ولم تستطع مقابلتهم، وبعد أن نخرج سلمي عليهم.
وبالفعل نفذت لها ما تريد دون جدال حتى تمر الليلة بسلام، لا يدور بعقلها شئ إلا رغبتها في أن تكتمل فرحة أختها علي خير بينما الأخرى مبتهجة أشد الابتهاج ليس لأنها ستتزوج من تحب بل لأنها ستنفذ خطتها التي تعبت وهي تخطط لها.
وبعد دقائق خرجت بها بعد أن طلبها الشيخ ليكمل إجراءات القرآن، فخرجت بها ياسمين والابتسامة تملأ وجهها وانفراجة ثغرها تدل على مدى فرحتها لأختها، لتتبع ابتسامتها بزغرودة من عمق قلبها ولكن…
لم تكتمل لتتجمد ملامحها وتتحول من الفرحة الي الذعر، ومن الابتسامة إلى الشحوب حين أبصرت هذا الذى يجلس قبالة أخيها يستعد ليضع يده بيده ويطلب منه الزواج من وكيلته …. رباب، رباب وليست ياسمين.
شعرت بأن الأنظار مسلطة عليها خصوصا حين لمحها خلف العروس تطالعه بنظرات مختلطة غير مفهومة، لا يعرف إن كانت حقدا أم عتابا أم حزنا أم انكسارا، لكنها ضربته في أعماق قلبه حين تمالكت نفسها وتحركت نحوه لتُجلس أختها جواره وهي تبتسم حقدا وفرحا على حال اختها دون أن ترفق بها، واقتربت الاخرى لتسلم عليه قائلة:
الف مبروك يا عريس، فليهنئكم ربي ويتمم لكم على خير.
والتفتت للخلف فأبصرت والديه فسلمت عليهما وهي تطالعهما بنظرات ملؤها الكبرياء وعدم الاهتمام بأمرهم، فشعروا جميعا أنها ليست بياسمين المعهودة بالنسبة لهم، لا يعرفون ان الزمان قسي عليها دون هوادة وكانت النتيجة أنها تعلمت الدرس جيدا.
ولكن هذا الثبات لم يدم طويلا فتوجهت خفية نحو غرفتها لتغلق الباب خلفها، تاركة العنان لدموعها لتتحرر من مقلتيها معلنة عن انهيارات السنين التي تجمعت لتقضي الآن علي ثباتها المزعوم، لم تستطع الحفاظ علي هدوئها فولَّي هاربا امام ضجيج معركة البارود بقلبها الغارق في النيران، موجوعة بلا أنين فلقد ضاق عليها صدرها، تريد أن تستسلم وتهرب من تلك الحرب ولكن لا سبيل لمثيلاتها للهرب، فالجنود لا يستلقون أثناء المعركة وإن أثخنتهم الجراح المخلوعة أكتافهم ولكنهم يسندون الجميع حُماة ثغورهم كي لا يُؤتى أحد من قِبلهم.
هكذا تدور الأيام على الشقيقتين من معركة إلى أخرى دون أن تترك لهما متسعا للراحة ولو يوما واحدا، هكذا دواليك وكأن لا حق لهما في التنفس والعيش بسلام دون التفكير والتساؤل بحيرة:
ماذا يحمل لي الغد؟
الى اين انت ذاهب بي يا قطار الحياة؟
إلي هنا إنتهي فصل اليوم، آمل أن ينل إعجابكم…
منتظرة رأيكم وتفاعلكم على الرواية وبقية روايات المدونة
يتبع..
