recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الثالث

رواية خيط من حرير 
الفصل الثالث 
بقلم سميحه رجب ♥️ 



لماذا يقول الإنسان دائماً أشياء أخرى غير تلك التي رتبّها في قلبِه؟ 


في تلك الاستراحة التي تبعد عدة أمتار عن بيتها جلست قبالته على حال غير معهودة بالنسبة لها ولكنها غير محمودة، تشعر بالشفقة على حالتها تلك فلا شئ يعجبها، لا المكان ولا الهواء ولا الحديث كل شيء يطبق علي أنفاسها فتكاد تعتصر اختناقا وضيقا. 


لتزفر بحنق لتستهل الحديث قائلة: 

في البداية العلاقة بيننا كانت ومازالت حتي الآن علاقة طبيبة ومريض، ولكنك اليوم أتيت لتغير كافة الاعتبارات وتبدلها بعلاقة بالنسبة لي مقدسة ولا يمكنني أن أتعامل مع أمر مهم كما الزواج كأنه اتفاقية، اعتبار الزواج كأنه صفقة هذا لا يجوز علي الإطلاق بل من مبطلات الزواج أن يكون مشروطا. 


لوهلة شعر أن كلامها معناه أنها ترفض عرضه ولكنه قرر أن يكمل معها الحديث عله يصل معها إلى ما غير ذلك فتحدث بثقة: 

ومن قال أنها اتفاقية؟ 

أنا أطلبك للزواج ليس لأنني أريد الزواج والسلام، ولن أخدعك وأقول أن قلبي هو من اختارك بل في هذا القرار تحديدا لقد همشت قلبي وسلمت السلطة الكاملة لعقلي، وأنا على يقين أن هذا هو القرار الصائب


ثم صمت برهة يتابع تغير ملامحها وتفاعلها مع حديثه ثم تنهد بضيق ليستكمل حديثه: 

 لا أريدك أن تعشقيني بل لا حاجة لي للعشق وأموره، أنا أبحث عن زوجة تراعيني وتراعي بيتي، أبحث عن أم تهتم بأطفالى وتنقذهم مما تسببت به والدتهم، أحتاج سكنا ومؤنسة، أحتاج طبيبتي النفسية والأمر فاق احتياجي لجلسات بمواعيد محددة. 


ابتسمت بتفهم وكأنها توصلت لحل مشكلته وأردفت: 

إن كانت هذه المشكلة فيمكنني إيجاد حل لتأتي للجلسات بأى وقت تحتاجني فيه، ويمكن أيضا تخصيص الوقت لتتم جلسات المعالجة بمكان بعيد عن الأنظار كما تفضل دوما، كما أنه يمكن علاج تضررات الأطفال النفسية، ويمكن أن…. 


وقبل أن تكمل قاطعها قائلا: 

لم تفهمين ما أقصده، يا دكتورة زهرة أنت أكثر من يعرفني فكل أسرارى النفسية معك، لا أحد يعلم أنني اتعالج عند طبيب نفسي وأتناول مهدئات معظم الوقت، ولا أحد يعلم بالأسباب الحقيقية لطلاقى ولا بالمشكلات التي تفاقمت حتي وصلت مسمع ومرأى الصغار، نوح ابني الأصغر يكاد أن يفنى حالته لا تتحسن أخذته لكبار الأطباء ولم يجد أحد منهم سببا لحالته، وأحمد أصبح منعزلا عن الجميع صامتا طوال الوقت مدرك أن والدته تركته بإرادتها وذهبت، وملك حاقدة على الوضع تكذب انها لن تعود مجددا.. وأنا.. أخاف أن أخبرك أنني عدت لخالد الذي رأيته بعيادتك أول مرة لم اعد اسيطر على غضبى وتهوري. 


صمت ليعطها المجال للرد لكنها ظلت صامتة تناظره بتلك النظرة التي يعهدها دوما والتي تعني: "أنا أفهمك، أنا أشعر بك، لست متوهما ولا مبالغا بأحزانك" 


فاسترسل كلامه قائلا: 

أعلم أن لك همك الذى يكاد بالشرق وهمي بالغرب، ولكنني أعدك أنني سأساعدك في إيجاد ابنك، لنضع أيدينا بأيد بعضنا وكلا منا يساعد الآخر لنلملم أشلاء عائلتنا، وأعدك وعد شرف وأقسم لك أنني سأقطع الفيافي بحثا عن أنس وحين أجده سأحضره لحضنك ولن يقوى أحد على انتزاعه منك وسأعامله كأنه طفلي لا فرق بينه وبين ملك واحمد ونوح. 


فقاطعته متسائلة: 

وإن لم أقبل؟ 


ليجيبها بحزن وقد عبست ملامحه وأغرقها الاحباط: 

سأساعدك لإيجاده حتى لو لم تقبلي فأنت مقامك كبير عندى، ولا أنسي انك الوحيده التي ساعدتني وأرشدتني بعز ضياعى، وحدك من فهمت أن مشاكلي النفسية لها حل وأننى لست مجنونا ولا مخبولا كما كانت تدعى نورسين، ولكن الى متى سأصمد أنا وأولادى لا أعلم؟ 


مررت نظرها بالمكان حولها بتوتر وأخذت تفرك يديها ببعضها، وتنفست بعمق محاولة تنظيم نفسها وقد قررت أن تؤجل الرد عليه ولكن لسانها قرر أن يتفوه بما يعاكس ما رتبه عقلها حين تفوهت على عجلة: 

حسنا لنتفق!


تحفز فرحا ليقول: يعني قبلت؟ 


اغمضت عينيها بقوة حين أدركت ما فهمه لتردف بتردد: 

يعني ليس كذلك ولكن اعتبرها موافقة مبدئية حتى أستشير والدتي وشقيقتي فلا يمكنني القبول ولا الزواج دون موافقتهما. 


أومأ بالإيجاب قائلا بتفهم: 

معك حق، فلتخبريهم الليلة وغدا نلتقي لنكمل حديثنا ونتفق على كل شيء وأخبرك بما خططت لحياتنا سويا. 


استوقفته متعجبة: 

ما بالك تتحدث وكأنهما ستوافقان بسهولة، أنسيت أنني مطلقة منذ ثلاثة أشهر، وعدتى مضى على انقضائها يومان فقط. 


نهض لينهي ذلك الحوار بقوله: 

سيتم الأمر وانا علي يقين يكفيك مماطلة يا دكتورة زهرة، هيا لأوصلك للبيت وأذهب فلقد تأخرت على الأولاد. 


نهضت وهي تعدل خمارها وتحكمه أثناء تحركها قائلة: 

لا داعي سأصل البيت بنفسي لا أريد أن يرانا أحد ذهابا وإيابا فألسنة الناس لا ترحم وانا في غنى عن أي مشكلة مع احد من الجيران، هيا عن اذنك وحين أتخذ القرار النهائي سأخبرك. 


وتحركت تاركة إياه يناظر طيف ذهابها وقد اجتمعت مشاعر العجز تتملكه من جديد، يجب أن يذهب الآن لصغاره ولكنه خائف، فما أصعب مواجهة أعينهم وملامسة حزنهم وعبراتهم طوال الوقت، فهو أمام هؤلاء الثلاثة ضعيف عاجز خلاف طبيعته القاسية الصلبة، قلبه يتحول بشكل تلقائي إلى قلب هذا الأب الذي لا يهتم لشئ سوى مصلحة أولاده، لا يعبأ لنفسه قدر أنملة يفديهم بروحه ويحارب كل من تسول له نفسه ليحزنهم لدرجة انه حارب أمهم حين أدرك أنها خطرا عليهما، والآن يحارب الظروف ليحضر لهم من تعوضهم بحنانها وعقلانيتها عمن أنجبتهم. 


أما زهرة فآه علي زهرة التي تقودها الحيرة مع كل خطوة تخطوها نحو البيت، تشعر أنها تسير في سرداب متاهات لا مخرج منه، كلما شعرت للحظة انها تحررت تأتي قوى خفية لتقيض حركتها وتقبض أنفاسها، ولكن كل شاغلها الآن أنه ربما يكون المنقذ الذى سيعيد إليها غائبها، وسؤال واحد يدق نقوس عقلها ووجدانها هل سيتمكن خالد حقا من إيجاد أنس؟ 


صعدت البيت بخطاها المتثاقلة لتلتقي بياسمين التي تستند على بابه مستسلمة لوهنها حتى كادت تسقط أرضا، لا تريد أن تدخل وتتقابل مع والدتها التي تصر على معرفة ما حل بها وتتمنى أن تلتقي زهرة فترتمي بحضنها، وبالفعل ها قد وجدتها زهرة فركضت نحوها تلتقطها بين ذراعيها لتدفن رأسها بحضن شقيقتها وخليلتها متعلقة بحبل نجاتها الأوحد في هذه الحياة، لتسألها زهرة بتوجس: 

مابك يا ياسمين؟ هل آذاك أحد أم أنك تشاجرت مع حسن مجددا؟ 


لتجيب عليها بما جعل قلبها يهوى من الذعر: 

لقد عاد… أدهم… لقد عاد مجددا يا زهرة. 


أبعدتها لتسألها بترقب للجواب وخوفا من أن يكون قد ألحق بها أذى: 

هل هو سبب تلك الحالة؟ أم أنه تسبب لك بأذى مجددا؟ 


اومأت بالنفي لتمسح دموعها وتحركت لتجلس على إحدى درجات السلم وتحركت الأخرى خلفها لتجلس بجوارها تربت على كتفها بينما بدأت ياسمين تقص عليها ما حدث. 


تملكها الغضب والثورة على الحقد الذي وصلت إليه رباب تجاههما والذى لم تجد له مبررا، وبدأت تلقي اللوم عليها هاتفة بتهكم: 

لولا خالتي منال لكنت ذهبت الآن وعلمتها كيف تدور كما الحية لتلدغك في حين إنك تكفلت بكل تكاليف وتجهيزات الزواج وحتي علاج والدتها نحن من نتكفل به، هذا لأننا نخاف عليها كما نخاف على والدتنا دون تفرقة بينهما فكيف يحمل قلبها هذا القدر من الجحود علينا وعليها، وحسن لا يختلف عنها كيف يقبل بهذا الحقير زوجا لها. 


رغم الحسرة التي عمرت قلبها على حالها ولكنها تحدثت مدافعة عنهما قائلة: 

لكنهما لا يعلمان شيئا عما حدث لي. 


لتردف الأخرى بضيق: 

حتي لو، فهما يعلمان علي الاقل أن هذا الذي يدعى أدهم قد تقدم لخطبتك ووالدنا رفضه، هذا يكفي لرفضه زوجا لأخته الأخرى. 


ثم صمتت برهة لتتبع حديثها قائلة بنبرة ساخرة: 

وانا الحمقاء ظننت لوهلة أن الغريب سيساعدنى، كيف أصدق وأنا أرى الأقرباء يكيدون ويملأ قلوبهم الحقد والحسد تجاههنا. 


لتستوقفها ياسمين بتساؤل: 

من تقصدين بالغريب، هل استجد شئ بموضوع أنس؟ 


تنهدت زهرة بحنق ونهضت تتحرك قليلا بالمكان وأرادت أن تخبرها ولكنها فضلت أن تخبرها ووالدتها معا، وبالفعل بعد دقائق وجيزة كانت تجلس قبالتهما تخبرهما بما عرضه عليها خالد، سكتت وحين تسكت تبوح بكل الألم الذي تعيش، ضاعت عوالمها وكل العناوين وأيقنت أن الفرح لا يريدها سعيدة رغم أنها بمنتهى والصبر الذي بقلبها تقاوم، صمت بتفاصيله يؤذيها فأين الأُنسُ وهي مثيدة دون أنس.

ما عادت تريد أن تنتصر وتفتخر بصلابتها كل الذي تريد أن تغفو وتستفيق فتجده لا يزال متشبثا بيديه الصغيرتين بحضنها. 

متى تنطقين يا زهرتي؟ ذلك السؤال الذي ينغص على أمها تريدها أن تتحدث وتثرثر كثيرا المهم أن لا تسكت فصمتها قاس وضعف تلك العجوز يزيد من حسرتها، أما ياسمين فتحس أختها مع كل تنهيدة حارقة تخرج من صدرها لكن ما بيدها شيء غير الصبر والكثير منه لتتنهد بنفاذ صبر ونهضت لتجلس بجوارها تضم كتف شقيقتها وكأنها تطمئنها، وكم كانت لهذه الضمة من طريقة سحرية في خياطة كل الثغرات التي يدخل منها القلق لقلبها، فابتسمت بامتنان لها وبدأت تتحدث بارتياح قليلا موجهة الحديث لوالدتها: 

الرجل الذي كان هنا اسمه خالد مهران، رجل أعمال ذو شأن ويملك من السلطة والمعارف ما يمكنه من مساعدتى لأجل استعادة أنس و و…


صمتت تحاول أن تستجمع أطراف بقية الحديث فاستعجلتها ياسمين: 

هاا وهل سيساعدك؟ ولماذا؟ 


لتتدخل والدتهما مردفة بحزم: 

لم أتدخل يوما بأمر يخص قراراتك لأجل حياتك لأنني أراك دوما علي قدر كبير ربما يفوقني شخصيا من الصرامة والالتزام، وأنا علي يقين انك مازلت كذلك رغم كل ما عنيته ولكن لا تجعلي البحث عن أنس سببا لانشغال ألسنة الناس بك، أنت الآن مطلقة يا زهرة. 


هنا لم تتحكم زهرة بنبرتها القاسية فتحدثت بصوت عال نابع من وجع روحها: 

وما بها المطلقة سوا أنها إنسانة ذاقت الأمرين من رجل لا دين له ولا يعرف شيئا عن الحق، ما بها المطلقة سوى أنها نجت من جحيم محتم كان سيقضي على عقلها و يمحقها، هل كان علي أن أتحمل وأدفن نفسي في قبر كرم حتى أمنع تهكم ألسنة الناس عنى؟ هل لو مت يوما بين يديه بعد عودته سكيرا كان سيرضيكِ؟ أم لو قتلني بليلة مظلمة وألقاني بالعراء دون رحمة كان سيرضى ألسنتهم؟ لقد عشت سنوات مع شخصية نرجسية حقيرة وعانيت قدر ما عانيت ولم يشعر أحدا منكما بما أمر به لأنني حاولت ألا أخرج سر بيتي، وحاولت أن أصلحه ولكنه خاض بالأمر وتجبر، ما رأيته مع هذا الرجل يكفيني لكي لا اهتم للناس ولا لأحاديثهم ففي كل الأحوال أنا لا أخشى سوى ربي ويستحيل أن أخطئ مهما كان هدفي حتى ولو كان الهدف هو ابنى.. 



حاولت ياسمين أن تهدئها وتحتوي حالتها ولكن الأخرى اقتربت من والدتها لتجلس على ركبتيها أمامها واخذت تقبل يدها والدموع تنهمر من عينيها فتحدثت الأخرى: 

انا واثقة بك يا زهرة عمرى، وأعلم يقينا أن لو انجرف كل البشر للطرق الخاطئة فلا يمكنك أن تحيدى عن الصواب، ولكنني أخشى عليك من كلام الناس حتى لا يجرحوك بما ليس فيكِ. 


وبدأت تمسح دموع ابنتها وياسمين تطبطب على كتفها كي تهدئها ثم أردفت: 

مهما كان قرارك فأنا معك ولكن توخى الحذر لئلا تتألمي مرة أخرى. 


نهضت زهرة وتحركت أمامهم خطوتين للخلف لتتبعهما بأخرتين للأمام ثم استجمعت شتاتها قائلة:

لقد عرض على الزواج ولكنني لم أعطه الرد بعد، يجب أن أخبركما أولا بقراري وآخذ موافقتكما. 


استوعبت فردوس الأمر بسهولة فاختصرت الطريق على ابنتها التى أصابتها الحيرة من أمرها في مقتل فقابلت ما قالته بسؤال: 

بعيدا عن الظروف ولكن الأصول لا تتجزأ يا زهرة، الباب مفتوح ليأتى ليطلبك منى، أم أنني مخطئة؟. 


بدون أن تدرك ياسمين حقيقة الأمر ولمن تلك النظرة من اختها جعلتها تقف معها دون تفكير حين لامست حيرتها وبنفس الوقت عيونها تنادي علي صغيرها لهفة وخوفا فنهضت لتقف بجوارها قائلة:

ان كان سيساعدك ويعيد أنس فلن نعارضك، أليس كذلك يا أمى؟ 


تحركت فردوس بكرسيها خطوتين لتقترب من بناتها قائلة بنبرة جادة: 

أنت أم يا زهرة وانا كذلك، لا أحد يشعر بنيران خوفك علي صغيرك مثلى، رغبتك في التضحية بنفسك لأجل أنس أتفهمها ولكن لا يمكنني أن أضحى بك مرة أخرى، زواجك من كرم كان ظاهره مثالى ولكن ما خفى كان ظلاما ومرارة راح ضحيتها ابنك الذي لم يذنب بشئ، ولنكن عقلانيين بعيدا عن عاطفة أمومتك فأنس الآن ليس معك ولكنه ليس بالشارع انه بحضن والده، والده الذي آذاك ولكن لن يؤذيه، ولكنك بحضني كيف تطلبين مني أن أضحى بك. 


اقتربت من والدتها تجلس أمامها ودون أن تخطط لما سترد به ولكن وجدت لسانها يتحدث مدافعا عن خالد:

ولكن خالد ليس ككرم، شخصيته مختلفة وانا اكثر من يعرفه، انا احتاجه وهو يحتاجنى واطفاله أيضا يحتاجون أمًا لتكن بجانبهم، وهو يحتاج لمن يتفهمه، لقد اخترت قبل ذلك بقلبي والآن انا اختار بعقلي وميزان العقل دوما هو الفائز. 


احتضنت والدتها وجهها مبتسمة بحزن ثم قالت: 

لا فإعمال العقل والقلب معا مهم، يجب أن تعدلي كفتى الميزان حتى تسعدى، ثم تنهدت واكملت علي مضد: 

نظرة عينيك تبدلت يا زهرة عمرى، سأوافق مبدئيا وأنت فكرى جيدا لا تتسرعى وأينما كانت راحتك فأنا معك. 



فماذا إن كانت أمنية قلبك على ضفة وعائلتك بالضفة المعاكسة فإلى أيهما ستخاطر بالإبحار؟ 

لم تجد إجابة محددة لسؤالها فقررت أن تلجأ لمرشدها، فدماغها يكاد يضج من التفكير والحيرة لقد كانت بالأمس الراشدة التي لا تتغلب لتتخذ قرارا بحياتها، لكنها مرت بتجربة أقل ما يقال عنها أنها بددت ثقتها بنفسها وأذهبتها، فتحركت نحو غرفتها مطأطأة الرأس لتستوقفها ياسمين معانقة إياها بقوة، وكم كان لهذا الحضن من تأثير على شقيقتها التى أدركت به لما تحتاجه، إنها بحاجة لحضن يحتويها ويتفهمها، تريد روحا تركض إليها كلما اتسعت حياتها عليها أوضاقت عليها الأرض بما رحبت فهل يمكن أن تجد هذه الروح إذا ما التجأت لخالد؟ 


وبعد دقائق كانت تفترش سجادة صلاتها تنوى أن تصلى ركعتين تستخير ربها، لم تجد سبيلا للراحة غيره، لا تستشير البشر بل رب البشر، وقفت أمام يدي ربها وكلها يقين أن ما سيرشدها نحوه عز وجل هو الصحيح والسوي، مشاعرها مبعثرة لا تدري أي إحساس يعايشها في تلك اللحظة، ما عاد يهم فقط تريد الخلاص، صلت وبدعائها ختمت بكل خشوع وصوت يبكي سامعه قائلة:

"اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، وعاجله وآجله ، فيسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، وقدر لي الخير حيث كان ، ثم ارضني به

"

ظنت أنها غدت ورقة خريف عجوزا يابسة تخلى عنها

 الغصن لكن حين لجأت لربها وبين يديه وقفت وبكت ودعت أيقنت أنها قد تحررت من ذلك الغصن الذي لا يريدها إلا خضراء يانعة مثمرة فوجدت مبتغاها واطمأنت وسرت رغم شحوبها وتعبها وحينها أخذت قرارها بكل رضا.



حل الصباح علي خالد الذي استيقظ على رسالة منها تطلب منه اللقاء في ذلك المقهى الصغير المقابل للمستشفى الذى تعمل به، فخرج بعد أن اطمئن على صغاره ووصلت مربيتهم ليعطها من المال ما يكفيها لأجل الأولاد وشراء علاج نوح والاهتمام بأمور البيت طوال اليوم، كان يجلس في المقهى بصمته وشفاهه الذى وإن حركها تكاد تنفض غبارا، يطلب القهوة بإيماءةٍ من يديه

إذ يطوي الاصابع ويُباعد بين السبابة والابهام، ابتسم بسخف على تلك الذبابة التي تحوم حول الطاولة فتربص لها حتى حبسها تحت كأس مقلوب وظل يطالع ردة فعلها وهي تحاول الهروب وبعد أن تأكد من غبائها أطلق سراحها مبتسما باستهزاء، ليأتيه صوتها وهي تجلس أمامه قائلة: 

لماذا العنف تجاهها وهي ضعيفة. 


ابتسم ومازال محتفظا بملامح السخرية وأردف: 

الكون لامثالها هي تشبههم، حتى انظري إليها هربت بعيدا ثم ها هى عادت مرةً أخرى إلى طاولتي، 

هي تشبههم نلاحق نور الشمس و تحبُّ من يُؤذيها. 


تنهدت بضيق لتستكمل عنه معارضة اياه:

بل هي مثل الكثيرين لا تُفكر ابعد من جدران المقهى

ف إن دخلت فيه لا تخرج قبل ان تموت، هي تشبهك انت اذ انها مخططةُ الجسد وأنت بظهرٍ مُخطط من الجَلد قرر قتلها إذ لاحظت تشابههكما و أَردت لها ما تحب لنفسك. 


صمتت برهة تنتظره أن يعارضها كما اعتادت علي سماع اعتراضه كل حين مقاطعا كل كلمة ولكنه لم يفعل ففهمت ما يدور برأسه فتحدثت بنبرتها الجادة: 

لقد فكرت وقررت أن أقبل بالزواج منك، ولكن لوالدتى الرأي النهائي. 


ابتسم ليفتح هاتفه وقربه منها مشيرا الي الرقم بأعلى قائمة اتصالاته قائلا: 

وعن موافقة السيدة فردوس فلقد نلتها بعد ساعتين من ذهابك ليلة أمس. 


أصيبت بالدهشة فكيف وهي التي ظهرت معارضتها لها طوال الحديث، هل استطاع أن يؤثر عليها بهذه السهولة؟ 


ليقطع حبل أفكارها ليستكمل حديثه: 

اتصلت بها وأطلعتها على ما يهمها من الأمر ووعدتها أن أحافظ عليك ولن أؤذيك او اضرك، ستكونين زوجة خالد مهران وكرامتك من كرامتى، ولست بحاجة لأثبت او ادعم رجولتى بالتقليل منك أبدا، وقبل أن تكونى زوجتى فكنت طبيبتي وستبقين كذلك، لك احترامك ومكانتك المحفوظة، سنعيش حياتنا بشكل طبيعي كزوجين ونحاول معا أن نصلح ما أفسدته طليقتي وطليقك بماضي حياتنا، يدى بيدك نساند بعضنا ونصلح ما أفسده الزمان، وسأحاول أن أفي بدعى ولكن يجب أن تعديني أن تكوني أما لأطفالي الثلاثة وأن تحتوي وجعهم. 


اومأت بتفهم لتعقب بتأكيد: 

لست بحاجة لأن أعدك ولكن كن علي يقين أننى سأعامل الله فيهم، ولن يشعروا بغياب والدتهم، لن أنسيهم إياها ولكن سأحتوى جروحهم. 


هز رأسه بثقة وكأنه يقول وأنا اثق بك، لينهض قائلا: 

إذا فهيا بنا. 


تساءلت بتعجب: 

الي أين؟ 


أشار بحاجبيه نحو سيارته مجيبا: 

المأذون والشهود في بيتكم باستضافة والدتك، وكل الإجراءات قد تمت، أما ياسمين فهى بعملها الآن اتصلت بها وتحدثنا عن كل شيء، وستأتي مساءا لتوديعك قبل أن نذهب. 


حاولت أن تستوقفه فعقلها لوهلة يكاد أن يقف من تسرعه وتصرفاته المستعجلة، فقاطعته قائلة بتيه:

كيف؟ بهذه السرعة؟ أعطني الوقت لأستعد أولا. 


تحرك نحو السيارة لتتبعه مكملين حديثهما أثناء الطريق ليشرح لها أن الوقت ليس بصالحه، وأن ابنه الأصغر يضيع منه ويحتاجها اليوم قبل الغد. 


بدأ الخوف يتسلل دواخلها من هذه العجلة لكنها تفهمت خوفه على صغيره، فهذا الرابط الذي جمعهما عاطفة أمومتها وعاطفة أبوته الصادقة فقررت أن تسلك الطريق معه لأجل إنقاذ هؤلاء الأطفال الأربعة الذين لاذنب لهما بشئ مما لاقوه من معاناة بسبب أهلهم وسوء اختياراتهم. 


لتتحدث بعد حين فحركة يده العشوائية بارتباك خفى وحتى وتيرة تنفسه المتسارعة جعلتها تدرك ما تخاف فتحدثت بضيق:

تركت الدواء مجددا؟ 


ليجيب بتوجس فلقد نسي مجددا:

يبدو أننى عدت للنسيان مجددا، مؤخرا لم أعد أركز، ربما حين استقر قليلا سأنتبه. 


لترد بحزم:

ان كنت تطوق لمساعدة الأطفال فلن يمكنك قبل أن تتعالج اولا، ولقد نجحت بقطع طريق طويل وتبقي اقل القليل فابدأ بنفسك قبلهم لتستطع حمايتهم. 


اومأ بالإيجاب ووعدها أن يعود مرة أخرى ويلتزم بما تنصحه به لأجل العلاج. 


وصلا الى المنزل أخيرا ليتقابل مع مراد وأحد الاصدقاء مع المأذون أمامه بانتظارهم، ليتحركو جميعا للأعلى ومراد يتابع زهرة بنظراته التى تبرز تعجبه من اختيار صديقه، فمظهرها الذي يدل على تدينها لا يدل على أنها تناسب خالد وحياته، والاكيد أنها لا تعلم بكل الحقائق حوله، فرح لأن صديقه سيتزوج من إنسانة مثلها ولكن انسانيته جعلته يخشى على نهاية هذه العلاقة. 


دلفوا جميعا للداخل لتتفاجئ بوالدتها وزوجة أبيها بانتظارها ومعهما اثنين من معارفهما ليشهدوا على العقد، ما أن التقت عينها بذوات والدتها حتى انبعثت الطمأنينة داخلها حين اومأت لها في رسالة معناها أنها موافقة، وكذلك منال التى أشارت إليها باطمئنان فجلست جوارهما لتزداد دهشتها اكثر حين وجدته يقترب مقبلا يدى فردوس ومنال قائلا: 

أعدكما مجددا أن هذا سيكون القرار الأكثر صحة بحياتها. 


لتتحدث والدتها بخفوت بصوت لم يسمعه أحد سواه: 

اعطيتك ابنتي وأمنتك إياها لأجل أطفالك وطفلها، ورغم اننى لا اعرفك جيدا ولكن وثقت بك لأنها واثقة من مروءتك وانا بانتظار رؤيتك وانت تفي بهذا الوعد. 


ليجيبها بابتسامة يملؤها الامتنان لتبادله بأخرى تشبهها، ليتحرك نحو المأذون وجلس جواره ليبدأ بالعقد الذى انتهى بأن أصبحت زهرة رسميا زوجة خالد مهران، ذلك الشخص الذى لم تتخيله يوما زوجا ولا شريكا لحياتها ولكن يبدو أن هذا الزمن قد عاهدها أن يدهشها بما لا تتوقع أن يصيب قدرها. 


وفى العاشرة ودقيقتين من مساء تلك الليلة، اهتزت أرجوحة الرحيل وهي تودع والدتها وشقيقتها وزوجة أبيها، تحاول أن تلهى قلب ياسمين عن فكرة البقاء معها هنا كما قررتا منذ ثلاثة أشهر، وكان الوداع قائما كمقذوفها يخرقُ صدر اللحظة الباقية معها، فأمسكت بكلتا يدّيها وقلبها يعتصر معانقة شقيقتها وخليلة دربها بلهيب ترغب أن تفرغ منه بين ذراعيها، كما اعتادتا على الدوامِ، تعتصر الأخرى خمار أختها إلى آخر شهقة، كي يذوب عبيرها بروحها. 


لينتهي هنا هذا الوداع حين اصطحبها خالد إلى صعيد البلاد وبقيت عائلتها هناك في محافظة الجيزة، أصبحت هي بضفة وعائلتها بالأخرى، ولم تجد زهرة إجابة عن سؤالها: إلى أين أنت ذاهب بى يا قطار الحياة؟


الي هنا انتهي فصلنا الثاني، آمل أن ينل إعجابكم 

منتظرين رأيكم وتفاعلكم على الرواية و بقية روايات المدونة 

يتبع..

google-playkhamsatmostaqltradent