recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل السادس

رواية خيط من حرير 
الفصل السادس 
بقلم سميحه رجب ♥️ 



"تتمحورُ حياة الإنسان حول لوحة ناتجة من إنسجام خطوط الآمال والمخاوف معا، يتأرجح بين طرفيّ الخوفِ والرجاء، وأحيانا تقوده المخاوف لنفق مظلم فيفقد اتزانه لدرجة تنسيه أن الأمل مضيئا هناك في نهاية النفق" 


هذه ياسمين هى والروح والكون حزانى ليس لأنها حبيسة هذه الغرفة المعتمة بالكاد يصلها ضوء خافت من تلك المصابيح الزيتية القديمة، وليس لأنها تعانى من البرد الذى يكاد يشق جلدها ويقرح عينيها معاونا للبكاء، وليس لأنها متهمة بسرقة أبيها الروحي، تتملكها الحسرة فلأول مرة تدرك معنى أن تصبح يتيمًا في زمن ضاعت فيه الرحمة والإنسانية، تجلس أسفل تلك النافذة تقتحم عينيها تلك القضبان الحديدية لتصل إلى السماء تناجى ربها حينًا وتطلب منه يد العون وحينًا أخرى تخاطب أبيها قائلة: 

قبل أن تنتقل الى الرفيق الاعلى ارتكبت أكبر سفاهة بحياتى، كان خطأى لا يغتفر لم أغفره لنفسي حتى ساعتي هذه ولن أغفره، أما أنت فقد غفرت وسامحت ورغم فداحة فعلتى هونت عليَّ لدرجة أنك وثقت بى اكثر وملكتنى مفاتيح الورث لأقسمه بعدل الله علي إخوتى، أما اليوم فلم أخطئ ولم أرتكب ذنبًا ورغم ذلك أجدنى هنا وحيدة كما اللاشئ أنتظر الحكم على بجريمة لا يد لى فيها، شتان بين قلبك وبين هذه الدنيا، فقلبك حنون رحيم أما هذه الدنيا ضارية لا رحمة فيها ولا شفقة، حين توفيت تعايشت مع الأمر رغما عنى واقتنعت أن والدى قد مات ولم أدرك معنى أننى أصبحت يتيمة سوى الليلة فهذه مرتى الأولى يا أبتى أجد نفسي وجها لوجه مع ثقل هذه الدنيا التى اعتدت دوما أنك ستحمله عنى، ولكن أين أنت الآن؟ 


مرّت أيام عديدة ثقلها كالحچر الچاثم على صدرها، حكم بأن تبقى خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق، قضت منهم أربعة أيام، مرّت عليها فيها أوقات تتساءل: 

كيف لم يقف العالم؟

كيف لم يقلقوا علي؟ ورباب التي أعطيتها من روحى قبل مالى، وساعدت زوجها رغما عن ماضيه وذكراه القذرة، هل هذا جزائي؟ 


صعب علي الانسان أن تتلاشى روحه ضحية لتساؤلات إجاباتها غير منطقية، فكيف لها أن تقتنع بإجابة أن: 

طبيعى أن تتركك يا ياسمين فباختصار اختك لا تحبك! 


كيف بالله! أن يجتمع الكره والأخوة في جملة واحدة، هل وصلنا إلى هذا الزمان؟ 

أجل… 

حمدا لله على سلامة الوصول إلى زمن عليك فيه أن تهجر الجميع هجرا جميلا، حتى تتجنب غلهم وحقدهم بما فيهم الأخوة إلا من رحم ربي. 


بعد ساعات قليلة وجدت نفسها أسفل السماء دون قضبان حائلة، وقد كانت الشمس في هذا اليوم في حالة كسوف بدأ ينجلي شيئا فشيئا حتى استحالت الظلمة لضياءا وكأن الضوء قد خلق من رحم الظلمة، يتردد بأذنها ما قيل قبل دقائق وقبول خروجها بكفالة، أخذت تتنفس بعمق محاولة تهدئة روحها فلقد كادت تموت ضيقا بالداخل، ليأتها صوت خالد قائلا: 

يجب أن أتحدث مع الحاج عبد الله لإقناعه بالتنازل عن البلاغ. 


التفتت إليه تسأله:

هل هو من قام بالإبلاغ عنى؟ على حسب ما علمت فإبنه هو من فعل. 


أومأ بالإيجاب ليردف: 

أجل ابنه من فعل، وأيا كان فأكيد فعل بأمر والده لذا يجب أن أقابلهما ثم صمت برهة ليكمل بضحك: 

وإلا أختك ستأتي تقلب الوسط حتى يمكن أن تجعله يتلبس التهمة عوضا عنك. 


عند ذكر خليلتها لم تستطع إلا أن تبتسم فردت عليه مبتسمة بحزن:

هل علمت؟ 


أجابها مباشرة: لا ولكن علمت من والدتك انك مختفية، وكلاهما ستموتان من القلق، ولكن لا تقلقي الأمر عندى وسأحله. 


طالعته بامتنان ولم تجد ما تقوله سوى "شكرا" نابعة من أعماقها. 


ابتسم ليطمئنها أكثر قائلا:

لا داعى للشكر، اعتبرينى أخاك وأى مشكلة تقعين بها انا ملزم بحلها. 


قاطع حديثهم هذا الصوت الذى لا يبثها إلا ضيقًا وغضبًا، ليصل إلى مسامعها وهو يخاطب خالد قائلا: 

لقد انتهت الإجراءات والمحامي قد ذهب وسيتابع الأمر. 


ليتحدث الآخر: 

عظيم، إذا فلنذهب ونقابل الحاج عبد الله. 


التفتت خلفها بنظرات من شرر لتغمض عينيها بضيق قائلة: 

ماذا تفعل هنا؟ ألم أحذرك من الظهور أمامي مرة أخرى. 


لتصبه الدهشة من رؤيتها فرد بسخرية: 

توقعت انها انت حين علمت أن الحاج عبد الله هو من تمت سرقته، فليس بعيدًا عنك. 


لتصرخ به غضبا:

ولماذا هذا اليقين، هل تعرفني لتتهمنى هكذا اتهام؟ 


ليجيبها بتهكم: 

ولكن سيماهم في وجوههم. 


كان الشجار في بدايته ولكن لو تركهم للحظة اضافية لجلبهم من أسفل السيارات المارة بالطريق، فتدخل بصوته الذي أعادهم للخلف ليحذرهم: 

يبدو أنكما تعرفان بعضكما ولكن شجارات الأطفال تلك لا أحبها، وانت اكثر من يعرف يا مراد لذا فلتزم حدك معها قليلا، هي أختى وانت صديقى لذا فلا داعي لتجريح بعضكما خصوصا أنكما ستتقابلان كثيرا في وجودى وان غضبت بسببكما فلن اكون لطيفا أبدا يا ياسمين، هل فهمتهم؟ 


وتحرك نحو سيارته ومن خلفه كلاهما يسيران على مضدد، تطالعه بنظرات حارقة فيجيبها بأخرى ساخرة فتشتعل غضبا ولكن تقمعه في أعماقها حتى لا تغضب خالد، الذى يسير امامهما كبرياؤه يسبقه وخطواته المستقيمة تبرز طبيعة شخصيته الحادة ولكن من داخله يريد أن ينفجر ضحكا علي سذاجة صديقه في تعامله معها. 


وصلوا إلى حي المعز بعد قليل من الوقت وتحديدا تلك الحارة التي مكثت بها عمرها بأكمله، وجدت جميع الجيران امام بيتهم وخلفهم رباب وحسن يطالعانها بنظرات كيف لها أن تفهمها ولم يعرف الحقد والغل طريقا لقلبها أبدا، لم تتحرك نحو البيت بل أدارت ظهرها لتسير نحو المحل ومع كل خطوة تجاه المحل تليها خطوات من سكان الحارة يبدو أنها ستمنع من الدخول، لم يمنعها خوفها منهم من التقدم ولكن ما منعها حين رفعت ناظرها للأعلى قليلا فرأت ما لم تتمناه يوما، حين سقطت تلك اللافتة الحاملة اسم أبيها، كم كان صعبا عليها أن تبصر أجل اسماء الدنيا أمام قدميها، كيف لاسم عثمان العراقي أن يهان بهذا الشكل؟ 

كبحت زمام دموعها وأرادت أن تدلف لتحادث عمها عبد الله ولكن هذه المرة وجدت ابنته أفنان تقف في مواجهتها، هتف لسانها بعشم: 

أفنان، أنت صديقتي واكيد لم تصدقي أننى فعلتها، أليس كذلك؟ 


لتأتها الإجابة حين نظرت لأدهم تأمره، فدخل ليحضر آلة التصوير خاصتها وحقيبة عملها ليلقيهم أمامها فتهشمت آلة التصوير.

 وكأنه خلق فقط ليدمر كل جميل بحياتها، دمر ماضيها وحاضرها لم يبق له سوى مستقبلها هل سيكتفى ام يدمره هو الآخر؟ 


خرج جمال ابن الحاج عبد الله قائلا بصوت جهور: 

من اليوم وإلى الأبد ليس لك مكان بيننا، وهذه الحارة حرم عليك السكن او العمل بها فلم يعد بإمكاننا الوثوق بك مجددا، عضدت اليد التي مدت إليك فماذا يمكنك أن تفعلى أكثر؟ سرقت المحل وتسببت في إصابة أبى بجلطة لربما لن ينهض منها، لقد تسببت في أذى الرجل الذى خيره عم جميع سكان هذه الحارة بما فيهم أنت، ولولا أننى أحسب حسابا لوالدك الذى لم يكن سيئا أبدا وكان كوالدى فلن أقتلك وسأكتفى بطردك من هنا، ولن تخطو قدماك هذه الحارة مجددا. 


حاولت أن تبرر له وتقنعه أنها لم تفعل شيئا مما يتهموها به ولكن لم يسمع بل تقدم رافعا يده متحفزا لضربها ولكن خالد كان له بالمرصاد، إذ وقف أمامه حائلا بينهما ومن بين أسنانه هدده:

قبل أن تفكر مرة أخرى في التطاول عليها فلتسأل عن خالد مهران أولا. 


والتفت إليها قائلا: 

لو أردت أطبق الحارة بما فيها علي رؤوسهم. 


نظرت حولها تمرر عينيها علي جيرانها التى لم تتوانى عن خدمة المحتاج منهم يوما، والي اللذين ظنتهم إخوة كيف لم يدافعوا عنها، الجميع يشاهد بصمت يتأهبون للحظة التى ستذهب بها، فعادت بنظرها له قائلة: 

لا داعى، أصلا بيتى بمنطقة أخرى، كان أبى محقًا حين أرادنى وزهرة أن نخرج ونسكن مع والدتنا بالبيت الآخر. 


ثم انحنت لتمسك آلة التصوير بأجزائها المهشمة بين يديها والدموع على شفا عينيها التي استحالت حجرا فجأة وأبت أن تذرف دمعا يريحها، كانت الآلة بيدها ليست مجرد آلة بل حلمًا استكثروه عليها، حين تخلى عنها حلمها الأول جددته بهذه الآلة فسرقوه منها مرة أخرى. 


تحركت نحو السيارة مع خالد فتبعهم مراد ولكن قبل أن يتحرك تحرك نحو أدهم قائلا: 

ماذا تفعل هنا؟ 


ارتبك الآخر ولكنه رسم الجدية فأجاب كذبًا:

الحاج عبد الله شريكنا الجديد وهذه السارقة نهبت بضاعتنا وأبى كلفنى بإبعادها. 


للحظة كان سيقتنع من نبرة أدهم الجدية ولكن نظرات ياسمين المنكسرة جعلته ينصحه: 

ولكن تمهل فلربما ليست هي السارقة، راجعوا الكاميرات جيدا. 


ليتحدث مباشرة دون تفكير:

هي الوحيده التي تملك نسخة من مفاتيح المخزن، ولكن ما علاقتك بها يا مراد؟ 


أجابه وهو ينظر لحقيبة عملها:

انها أحد معارف خالد.


ثم انحنى ليحمل الحقيبة وتحرك ليلحقهم قائلا: 

سنتقابل بوقت لاحق.. 


خطت خطواتها عازمة علي الرحيل دون رجعة، بين يديها تحمل حطام حلمها، وأمامها الطريق للغياب وخلفها الماضى المندب بجروح لن تندمل والحاضر يعانقه يتعالى عليه بندوب أعمق وأقسي، لم تلتفت سوى التفاتة واحدة لاح فيها حقيقة غيابه ومدى إحتياجها له لحظتها فنظرت لإسمه هاتفة: 

لو أن أهلك أخرجونى منك لما سكنت غيرك


لحق بهم مراد ليعطها حقيبتها وجلس بالامام بينما نظرها يتابع كل شبر يأتى أمامها تتذكر طفولتها التى قضتها فيه، تتذكر المرة الأولى التى نزحت فيها من العراق الي هنا، دلفت هذا الحى محمولة بحضن والدها، لم تكن أمورها معتادة كما الآن، كان كل شيء غريب، صعب عليها أن ترى كل شيء يمر بمراته الأولى، يُعاد تعريف الأمور من جديد لكن بدون أبيها، تعلقت عينيها ببيتهم الكبير الذي أصبح ملكًا لرباب وحسن فتتذكر المرة الأولى التي أكلت فيها من يد منال، المرة الأولى التي غفت فيها بحجر والدها، المرة الأولى التي ابتسمت فيها والدتها بعد أن شفيت، المرة الأولى التي دخلت فيه مكانا لم تدخله إلا مع شقيقتها، المرة الأولى التي رأت الأطفال يلعبون في الشارع، لم تكن الأشياء قاسية مثل تلك المرة فلقد استقبلت كل شئ بلا روح فلم يعد مقدرا لها البقاء هنا فلقد رحل من كانت تعتاد البقاء هنا لأجله 

كانت تحاول كل يوم تحاول لأجله، لأجله ألف مرة ومرة. 


أوصل خالد صديقه لبيته الذى تحرك صاعدًا بصمت يفكر بأدهم ووجوده في ذاك الحي، ليتصل به ليستفسر منه لكن الآخر لم يجب فتأكد انه يتهرب منه، فألقى هاتفه جانبا ثم استلقى على الأريكة بإهمال يفكر في طيش ذلك الادهم الذى ظنه سينتهى ولكن يبدو أنه لم يحدث.


اما بالسيارة كان خالد يخبرها أنه سيأخذها إلى زهرة، اعترضت ياسمين قائلة:

يجب أن أذهب لأطمئن أمي مؤكدا أنها قلقة وحتى لا تتضرر صحتها. 


مد يده بهاتفه مردفا بإصرار: 

اتصلي بها لتطمئن وأخبريها أنك ستبقين عند زهرة ليومين فقط. 


لم تستطع المعارضة فهي بأقصى الحاجة لحضن شقيقتها، منقذها الوحيد الذي تلجأ إليه إذا ما جارت عليها الأيام والبشر، لم تتعلم شيء من الدنيا بقدر ما تعلمت أن لا حضن قد يربت على آلامها كحضن زهرة فتركض إليه بكل حالتها فيستقبلها ذلك الحضن في كل حالاتها أيضا، إنه لكنز أن يكون ملجأك بين ذراعين. 


اتصلت بوالدتها التى أجابت بقلق خوفًا من أن تكون زهرة بها ضرر، فلأول مرة يتصل بها، ولكن تحول قلقها للهفة حين وجدتها ياسمين فتحدثت: 

حبيبتي هل أنت بخير؟ 


لم تعرف بماذا ترد فهي ليست بخير البتة، أ تخبرها أنها تحملت فوق طاقتها أم أن الضغوطات تلك المرة مؤلمة بعض الشئ؟ أتراها تخبرها أن قلبها يرتجف وروحها تكاد تشهق من الحسرة والخذلان؟ ولكنها لم تخبرها بأي من ذلك، لم تقل سوى.. "أنا بخير يا أمي، لا تقلقي" 


ولكنها أدرى بما بنفس صغيرتها فصوتها يبين أنها تكتم صرخات متأججة، ولكنها اعتادت على الكتمان منذ وفاة والدها، تكتم حزنها وضيقها وبكائها بداخلها أعاصير وفيضانات ولكن الكون لا يسمع صدى وجعها. 


أخبرتها أنها ستمكث عند زهرة ليومين، و قبل أن ترد والدتها بالمعارضة أو الموافقة قاطعهما صوت طرقات عنيفة على الباب لتتبع بصوت حسن الذي دلف صارخا بفردوس: 

أين ابنتك؟ سأقتلها وأتخلص من عارها، لقد تبجحت لدرجة أن تأتي للحى برفقة رجلين، معها حق فلم يعد لها حاكم ولا كبير يوقفها عند حدها. 


أسرعت فردوس لتغلق الهاتف حتى لا تصل تلك الاتهامات لمسامع صغيرتها، ولكنها ولسوء حظها قرعت تلك الكلمات آذانها فتمنت لو كانت صماء أو الأكثر راحة لو كانت ميتة قبل أن تتلقى ذاك الخذلان والاتهام البشع. 


لم تتحمل منال تمادى ابنها اكثر من ذلك، وبدون أن تشعر وجدت يدها تتحرر دفاعا عن شرف تلك التى لم تتراجع عن خدمتها ورعايتها يومًا، ليسقط كفها علي وجهه بشدة لدرجة أن صوته ظل يتردد بأذنيه لدقائق طوال، وتحدثت مهددة إياه: 

لآخر مرة أحذرك يا حسن، لن اسمح لا لك ولا لأختك أن تجرحا ياسمين اكثر من ذلك، يكفيكما حقدا وغلا، قضيت عمرى وأفنيته في تربيتكما ولكن مع الأسف لم أجني سوى قلوب مسودة مليئة بالحقد، لقد تحملت أذيتكم لها مرارا ولكن الي هنا وحسب، لقد مات عثمان وياسمين عملت بوصيته وقسمت الإرث كما شرع الله، اعتبر أن والدتك ماتت أيضا وهذا البيت لا تخطوه مرة أخرى… اخرج يا ضيعة عمرى وحسرته لا أريد رؤية وجهك حتى أموت. 


وخرج حسن متوعدا للجميع بينما منال ركضت نحو الهاتف لتعيد الاتصال بياسمين ولكنها لم ترد، فتحدثت فردوس بضيق: 

لن ترد غدا سأتصل بزهرة واطمئن منها عليها. 


وضعت الهاتف وجلست جوارها قائلة: 

اعلم انك غاضبة ولكن… 

قاطعتها: 

لست غاضبة منك أبدا، مهما حدث فأنت رفيقة دربي والخطأ لرباب وحسن ولا تزر وازرة وزر أخرى. 


اومأت تهز رأسها بالإيجاب: 

معك حق ولكنهم سيجننونى، من أين لهما بهذا الحقد؟ 


ردت عليها بحزن: 

سيدور الزمان ويتقابلون مع أخطائهم ويتعرفون عليها وسيندمون، وادعو ألا يكون الوقت قد فات، ادعى لهم بالهداية يا منال فليس أمامك حل سوى الدعاء لعل الله يستمع ويرأف بقلبك ويستجيب. 


وبعد مرور أكثر من ست ساعات متواصلة أخيرا وصلا إلى الأقصر، نظر لها خالد معتذرا: 

كان علينا السفر بالطائرة ولكن للظروف فلم ألحق لترتيب إجراءات سفرك خصوصا انك لا تملكين جوازا للسفر. 


هزت رأسها تحركه يمينا ويسارا تفك تشنجات رقبتها ثم ردت: 

لا عليك فطريق السفر ممتعا كما أننى لم أشعر بالوقت. 


صمتت قليلا ثم عادت لتسأله: 

بأي منطقة تسكنون؟ 


فأجابها: 

بالقرب من شارع كورنيش النيل، بوسط الأقصر 


تحفزت بحماس مردفة:

أي بالقرب من المتحف؟ 


أجابها مبتسما على حماسها سعيد أنها تناست حزنها قليلا: 

أجل وسآخذكم بجولة ولكن بعد أن ترتاحى من السفر و تتعرفين على الأولاد… ثم سألها: 

ما مجال دراستك؟ 


أجابته بحزن: 

لقد التحقت بكلية آداب قسم آثار ولكن لم أكمل عامى الأخير. 


تسائل متعجبا: 

لماذا؟ 


فأجابته بنبرة يكسوها الحزن: 

 بسبب مرض أبى وظروف زهرة فمشاكلها مع زوجها السابق كانت لا تنتهى بالإضافة لحسن ورباب ولم يكن أحد متوفرا لمساعدته في المحل فبقيت أنا لأساعده. 


ومضى الطريق ليصلا أخيرا لبيت شقيقتها، كان الوقت حينها قبيل الفجر، فاعتبرت ياسمين تلك اللحظة وكأنها بداية جديدة، إحساس مختلف خالجها وراحة لا توصف شعرت بها، فقرآنه حل علي نفسها فسكنت، وتواشيحه خلقت جو غريب وجميل، وقت نقي وصوت واحد اجتمعت عليه الطبيعة لتسكن روح الياسمين، وبعد لحظات اكتملت الطمأنينة وحلت السكينة الكاملة وهى تقف أمام شقيقتها التي فتحت ذراعيها فركضت ترتمي بحضنها باكية، فهذا هو المكان الوحيد الذى تتجرد فيه من الألم العالق بحنجرتها وبروحها ودماغها، تحدثت من بين شهقاتها: 

لقد سئمت من الناس وسئمت من نفسي ومن قلبي المتعب المتكئ على سراب. 


أبعدتها قليلا تمسح دموعها وتحدثت مواسية إياها: 

لا عليك ستمضى، ما حدث ليس أصعب مما مررنا به، هذه المرة ستمضى أيضا لا تقلقى. 


ردت بحسرة قائلة:

نعم ستمضي كما مضى غيرها من آلام لكن الحقيقة لا شيء يمضي غيري، لا شيء غير المزيد من التراكمات التي ترتمي فوق عافيتي وروحي، لا شيء يمضي غير ضحكتي، لا شيء يمضي غير ملامح الهدوء التي كانت بوجهي، أحس بأنني داخل عاصفة لا أدري أتلف بي أم أنا التي من كثر ما لاقيت ألف بها، ما الذي سيمضي بالتحديد أجيبيني، ألست دكتورة نفسية، هيا أجيبي. 


وبالفعل أجابتها: 

الحياة مليئة بالخسارات، ربما الدنيا تحمل الكثير مِن المفاجآت السيئة، لكن الأكيد أنك الصفقة الرابحة، والكتف الدائم، والحُضن الدافئ، والقلب العامر بالحُب بوسع الكون، كل هذه مقومات ستمكنك من الصمود، 

مهما ظننتِ أنها لن تمضي، ستمضى حتى لو كانت الضريبة هى مرور شاحنة على قلبك، آلة الزمن معتمدة بالأساس علي المضى فالوقت مهمت اشتد يمضى والطريق مهما طال سينتهى، سيظل عقلُكِ يصارع ويضرب نفسه في جدران رأسك، وستعصف بكِ الريح الي أماكن لا تنتمى لها ولكنها ستمضى…. 


هزت رأسها بالنفي مقاطعة إياهما: 

ولكنني أشعر أن قلبى ممزقا والحياة لا تسعنى، فكل الفوضى داخلى لا تسعها الحياة، أريد أن اهرب واصرخ فقلبى وكأنه بين جمرتين من نار. 


ابتسمت الأخرى لترد:

مهما بكيْتِ وشكيتِ فإنها ستمضي وستلتقين بجزاء صبرك بإذن الله، لا بأس على قلبك،صبرًا جميلًا وستمضي بإذن الله 


قاطعها رؤية خالد فوجهت سؤالها له: 

هل أحضر لك العشاء؟ 


أومأ بالنفي قائلا: 

لا سأطمئن علي الأولاد وأنام وانتما قضيا الليلة معا لتزيلا الشوق ولو قليلا، فسآخذ ياسمين معى اثناء رجوعى لأنها ستعمل بشركة السياحة الخاصة بنا بالقاهرة. 


وتحرك نحو غرفة نوح ولكنها لحقته قبل أن يدلف تستوقفه منادية: 

خالد! 


وقف ليلتفت إليها يناظرها بتساؤل فتحدثت: 

شكرا على إنقاذك لأختى وإحضارها هنا وعملها و.. 


قاطعها بجدية: 

لا داعي للشكر فهذا واجبى وياسمين كأختى وبالنسبة للقضية فلا تهتمى بأمرها فالمحامى سيتحدث مع ابن الحاج عبد الله وسيتنازلوا عن البلاغ مقابل تعويض مادى. 


زفرت بحيرة: 

ومن أين للمسكينة بالمال فكل ميراثها ذهب لزواج أختنا رباب، انظر.. سأتكلف انا بالأمر ولا تخبرها بالمبلغ لأنه حتما سيكون كبيرا. 


ضيق عينه وهو يستمع لها حتى انتهت وبحركة غير متوقعة جذب خصلات من شعرها وضربها بوجهها قائلا: 

عيب أن تقولين كلام كهذا لزوجك، عيب جدا يا دكتورة زهرة. 


ابتسمت بخجل وأسرعت لترجع خصلاتها خلف أذنها، وكان لرؤية ابتسامتها كغيمةٍ ماطرة تنذرُ بالغوثِ بعدَ السنينِ العِجاف، فكانَ في عينيها من سوادِ الغيمِ ما يكفي لغسلِ روحه من أكدارها. 


هربت منه لتذهب لأختها التي جلست وأخذت تحكى لها ما حدث منذ أن عمل أدهم معهم بالمحل مرورا بالأيام التي قضتها بالحبس وصولا إلى طردها من المُعز، لتضرب الدماء بعقلها وجن جنونها حين سمعت ما لاقته أختها وأرادت أن تذهب لتقلب الحى على من فيه لولا أن منعتها ياسمين قائلة: 

لن تذهبى لهناك ولن أذهب هناك مجددا، هذا الحى كان صفحة وسنغلقها، والأمر منتهى أعلم أنك لا تتحملين إهانتى ولكن لا أريد أن يفتح الموضوع مجددا، سأعمل بنصيحتك واهجرهم هجرا جميلا، اقتنعت أن القرب لا ينفع مع أمثالهم، والهجر الجميل هو الأمثل، سأهجرهم دون غل ودون أذى أو خصام، لكن سأبتعد وأوفر طاقتى لنفسى 

صمتت برهة والاخرى تتابعها تنتظر أن تكمل ولكنها اكملت بضيق: 

أريد أن أصلي وأنام. 


نهضت الأخرى لتمسك يدها موجهة إياها نحو غرفة خصصتها لها وأخبرتها أن تصلي وتنام ولن تزعجها حتى ترتاح، ثم تحركت نحو غرفتها لتجد خالد يغط بنوم عميق فلم ترغب في ازعاجه فيبدو التعب جليا عليه فذهبت إلى حبيبها الصغير لتأخذه بحضنها وتنام رغم ضيقها وحزنها ولكنه قاد عينيها للنوم فلقد هلكت طوال اليوم من رعاية الأطفال والسهر، حتى استيقظت بعد ساعتين على حركات ملك على وجهها، فتحت عينيها بإرهاق لتقترب الصغيرة منها قائلة: 

استيقظى يا زهرة فهناك أحد بالغرفة المجاورة، رأيت غريبة تخرج من الحمام ودخلت الغرفة. 


ابتسمت وتحركت لتشير إليها لتنام جوارها فضمتها بقوة مقبلة شعرها قائلة: 

هذه أختي لا تقلقي، جاءت لتقضي معنا يومين. 


تنهدت الفتاة باطمئنان و بادلتها العناق هاتفه: 

حين رأيتها خفت لأننى لا أعرفها. 


همست زهرة: لا تخافى ستحبينها فهي لطيفة مثلك ولكن لنخفض صوتنا حتى لا يستيقظ نوح.


وأغمضت عينيها لتعود للنوم ولكن الصغيرة لم تسكت ففتحت عينيها قائلة بعد تفكير: 

بما انك شبعت من النوم فإلى المطبخ إذا لكى نحضر الإفطار سويا. 


وحملتها وتحركت نحو المطبخ بعد أن غسلت وجهها واستفاقت وبدأتا معا فى تجهيز الفطور وبدأت تعد مفضلات الجميع بداية من خالد والأولاد واهتمت بما تحبه أختها، وبدأت ملك في نقل الأطباق على الطاولة، وأثناء عودتها اصطدمت بأبيها الذي حملها مقبلا كفيها قائلة: 

تسلم اليدين، مؤكدا سيكون ألذ إفطارا تناولته. 


ضحكت مقبلة خدى أبيها قائلة: 

ولكن زهرة حضرته انا انقل الأطباق فقط، وهيا يا سيد بابا لنساعدها. 


تحرك نحو زهرة هاتفا: 

صباح الخير، ما هذه الرائحة الذاكية؟ 


ابتسمت لتجيبه وهي تشير نحو أحد الأطباق: 

الكاهي، نوع من الخبز المشويّ المعجون بالسمنة والمحلى والمنقوع بالزيت، انه احد اطباق الفطور العراقي الذي تفضله ياسمين. 


تناول قطعة منه ليشاركها مع ملك التى صرخت بمرح: لذيذ جدا. 


ولكنه تعجب فسألها: 

ولكن لما الفطور العراقي بالتحديد؟ 


بدأت تقطع السلطة وهى تتحدث: 

أمى بالأصل عراقية ومعظم طفولتنا قضيناها بالعراق لذا فإسم والدي عثمان العراقي مجرد لقب لأنه قضى شبابه يعمل هناك. 


في هذه الاثناء استيقظت ياسمين التى انضمت لهم لتعاونهم بعد أن قبلت شقيقتها قبلة طويلة علي خدها وكأنها التقت بها للتو مما أجج الغيرة بنفس الصغيرة فناظرت ياسمين بضيق، ولكن زهرة بدأت تعرفهما على بعض قائلة: 

هذه ملك مدللة البيت هنا، وهذه ياسمين شقيقتى. 


اقتربت منها مقبلة خدها لتمد يدها قائلة: 

مرحبا يا جميلة لقد حكت لى زهرة عنك كثيرا. 


تحفزت لتسألها بفضول: 

ماذا قالت؟ 


ضحك الجميع ولا سيما خالد الذى تحرك ليوقظ احمد، وبدأت ياسمين تتحدث مع ملك قائلة: 

قالت انك جميلة ولطيفة وتحبين إخوتك وأبيك. 


انتهت زهرة من إعداد الطعام واجتمع الجميع حول الطاولة وأتى احمد الذى لم يحادث أحد، مما أغضب خالد ولكنها ناظرته ليهدأ هامسة له: 

سيعتاد مع الوقت كما اعتادت ملك ولكن لا تضغط عليه اتركه على راحته واطمئن. 


حاولت ياسمين أن تحادثه ولكنه لم يجب لا عليها ولا على أحد فأشارت لها أختها أن تصمت فتركته على راحته، وبعد الإفطار أخذهم خالد لنزهة إلى متحف الأقصر مما أسعد الجميع عدا أحمد الذى لم يبد تأثرا، 

لم يهتم لأمر أحد أو بالأحرى لم يعط ردات فعل تجاه شئ يتحرك بلا شغف أو إرادة. 


 في المتحف الكل منسجم سعيد بما يطالع من آثار، ليست آثار أجداده فقط بل تمثل حضارة لكل البشرية فهي من أقدمها، اقترب خالد من أحد اللوحات وتحدث قائلا:

كما يعرف الأغلبية يعد متحف الأقصر أحد الشواهد على تاريخ مصر العظيم فقد تم افتتاحه عام ألف وتسعمائة وخمس وسبعون، ليضم حتى الآن ما يقارب من أربعمائة قطعة أثرية.

طالعه الكل يستمع عدى أحمد الذي يتأفف كل حين لا يرغب في مشاركتهم اي شئ، ولا يفهمه سوى زهرة التى قررت الى تأجيل التحدث معه حتى يبوح بشئ ولو بسيط عما بداخله، واصل خالد الحديث مشيرا لتلك اللوحة قائلا:

مثال عن بعض التحف العريقة لوحة الكرنك وإليكم هناك تمثال الألباستر للإله سبك أما ذاك التمثال فهو للملك إخناتون


غاصت ياسمين بين جمال الآثار وكأنها تطالع شغفها القديم، تذكر ما درسته عنها بالجامعة تربط بين كلام الكتب وبين التمثال أو اللوحة الملموسة بيدها، لتقترب من زهرة تريد أن تريها شيئا ولكن فجأة وجدت ملك حائلا بينهما، فانحنت لها تسألها:

هل تريدين شيئا حبيبتي؟ 


فأجابتها قائلة: 

أخاف أن أتوه فلتبقى جواري. 


ضحكت زهرة واقتربت من خالد لتعطيه نوح لتشير بعينيها: 

يبدو أنها تغار من ياسمين لأهتم بها قليلا وانت انتبه علي أحمد ونوح. 


وسلمته الصغير واسرعت لتمسك بيدها الصغيرة واكملت ياسمين حديثها، حتى انتهت جولتهم ومازالت متمسكة بيدها تأبى أن تتركها إلا حينما بكى نوح فاضطرت لحمله، كانت نزهة بسيطة لم تتجاوز الساعتين ولكنها مهمة لأجل الجميع، فالجو العائلى الذى خلقته زهرة برفقة الأطفال جعل خالد يرتاح ويستكين فاندماج الصغار وحيويتهم وتحركهم أمامه هكذا يستمتعون بمشاعرهم الطفولية كان يكفيه ليزداد ندما على ما أضاعه من سنوات صحبة زوجته السابقة، أما ياسمين فلقد نسيت أيامها الصعبة التى مضت لقد كانت هذه الصحبة بمثابة فاصل قصير بين حياة سبقت وأخرى قادمة، ولكن أحمد مازال يطالعهم بريبة يخشى الاقتراب يطالعهم بنفس شاخت وهرمت قبل أوانها ينتظر وهما ذهب دون رجعة. 


اقتربت ملك منه تتعلق بذراعه هامسة: 

هل نطلب مثلجات من أبى؟ 


ابتسم إليها وكيف لا يبتسم وهى الوحيدة التى يحبها فوحدها 

google-playkhamsatmostaqltradent