recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الخامس

رواية خيط من حرير 
الفصل الخامس 
بقلم سميحه رجب ♥️ 



ضوءٌ أصفر مستهلك للكهرباء في شارعٍ يكاد يختفي لكثرةِ الظلام فيه، كان يسير بغير هدى لا يدرى إلى أي وجهة يحمل خوفه وتوجسه علي صغيرته، لم يسعه بيته الكبير ولا مكتبه الواسع ولا سيارته المفضلة بل ضاقت به الاماكن اجمعها، فترجل يخطو بخطواته الثقيلة تائها لا يدرى الى أين سيحمله هذا الخوف، وكأن الله أرسل له تلك العجوز لترشده، كانت تجلس علي الرصيف رافعة يديها، ظن انها لربما تطلب القليل من المطر ولكن قطرات باردة ضربت رأسه ولحظات وكان غارقا في مياه المطر ليدرك انها كانت تمطر بالفعل، ومع كل خطوة يتقدم بها نحوها يراها ترفع كفيها لتمسح دموعها وتكمل التمتمة، حتى أصبح جوارها ولكنها لم تلفت إليه فعينيها المظلمتين قد ابيضتا من الحزن والبكاء علي وليدها. 

جلس بجانبها وأخذ يتأمل يديها الموجهتين نحو السماء وشفتاها المتحركتان بصوت أضحى أكثر وضوحا، واذنها اليسرى كأنها تنتظر همسة لتتقين من انه هو، فتحدث بإبتسامة حزينة:

بما تتمتمين يا أم نوح، أم انك أصبحت ساحرة وخرجت قبيل الفجر تلقين تعاويذك؟ 

التفتت نحوه دون أن تفزع فلقد أدركت من هو فهتفت بلهفة وهي تبحث عن كفيه لتمسكهما: 

خالد؟ هل هذا انت يا بنى؟ 

انحنى مقبلا يدها ثم أردف: 

أجل.. هذا أنا يا خالة، لماذا تجلسين هنا بهذا الوقت، ستمرضين هكذا. 

اشارت بيدها نحو بيتها المقابل لجلستهما فوجد الباب مفتوحا وصورة ابنها تظهر جلية، وقالت بلسان يرتجف بردا: 

اعتدت علي الجلوس هنا في انتظارك كل ليلة لتأت لى بالخبر اليقين، أقضي الليل أدعو ربى ليرحم وليدى وليرشدك نحو قاتله لتأخذ بثأر صديق عمرك. 


صمت ولم يجبها بل الأصدق فهو لم يدرك بما يجب أن يجيبها ليبرد نارها، فسألته بقلق:

لماذا لا ترد عليَّ، أم انك ستفعل مثلما فعل يحي وتحاول أن تقنعني بأن القانون سيأخذ مجراه. 

صمتت برهة ثم اكملت:

أفنيت عمرى عليه لكى يتعلم في أحسن المدارس، والآن بدلا من أن يكون سندى ويبرد نيران قلبي علي أخيه، أجده يقول:

هذا جهل يا أمى، نحن لسنا مكلفين بإقامة العدل هناك قضاء سيحكم بإعدام الجانى… أحمق، كيف سيعدمونه وهو هارب لا أحد يعرف مكانه، أنت لن تتخلى عن القصاص أليس كذلك يا خالد؟ 


تنهد بضيق وعبست ملامحه بعد أن تذكر مقتل صديق عمره بين يديه، وهتف زافرا بحنق:

لا تقلقي يا خالة، ثأر نوح في رقبتى أنا، وسأتيك بكفن القاتل عاجلا ولكن لأنهى مشاكلي وارتب أمور الأولاد وأجد يدًا أمينة تحافظ عليهم من بعدى. 


اومأت بالإيجاب متفهمة، ثم تسآلت بقلق:

صوتك مهموم ونبرتك مكدرة، أخبرني ما بك يا ولدى؟ هل أولادك وزوجتك بخير؟ 


أسند رأسه علي هذا الحائط القديم خلفه وبدأ يسرد لها شيئا من همومه قائلا:

لقد طلقت نورسين وتزوجت بأخرى، تخلصت من طيشها وإعوجاجها ووجدت من ستربى أولادى تربية سليمة، وكادت الأمور أن تسير علي ما يرام لولا مرض ملك. 


وبنبرة تنم عن ذعرها حينما سمعت بمرض الصغيرة سألته:

ملك مريضة؟ ما بها الصغيرة، ليس عضالا أليس كذلك؟ 


هز رأسه نافيا وأجابها يطمئنها:

لا ليس شيئا عضالا ولكنه مرض جلدى، أخبرتنى زهرة أنه الجديرى المائى، تركتها قائمة علي مداواتها وأرادت أن ابعد اخوتها عنها ولكنني لم أتحمل البقاء بالبيت وهي مريضة. 


ضحكت الخالة بخفة وحركت يدها حتى وصلت لخده فضربته بخفة مردفة:

أرعبتنى يا ولد، الأمر بسيط لا تقلق، كيف أصبحت خفيفا هكذا أم أن البندر قد أثر عليك ونسيت خشونة الصعيد؟ 


ابتسم مقبلا جبينها تحديدا ما بين عينيها قائلا: 

لست خفيفا بل أمام أولادى فأنا ضعيف عاجز عكس طبيعتى. 


نغزته في ذراعه قائلا:

قلت لك ألف مرة لا تقبلنى في عيونى، ثم دندنت بأغنية وليدها المفضلة: "البوسة بالعين تفرّقْ"، لتتبعها بحزن: ولقد هجرني أكثر من أٌحِبّ. 


عم الصمت لدقائق طوال لينهض خالد ممسكا بيد الخالة ليرشدها نحو بيتها، التفت حوله يبحث عن عكازها ليسألها بضيق: 

أين عكازك؟ 


تحدثت ضاحكة: 

أهاا العكاز، هل تتذكر حين أصبت أنت ونوح بالجديرى المائى معا، حينها كنت أظنكما ستعدياننى فكنت احضر لكما الطعام من بعيد علي باب الغرفة فأجدكما تتعاركنا من سيتعكز علي عكاز جدة نوح، وحين تغلب صديقك يصرخ باكيا: 

انا مريض أكثر منك ولا أستطيع الوقوف هيا أعطنى عكاز جدتي. 


ليستكمل هو الذكرى ضاحكا:

وبعدها تأتى الجدة لتضربنا بالعكاز، وانت تصرخين من بعيد اتركى الصغار فهم مرضى، ونحن نترجاك لتنقذينا فتصرخين:

والله أبغى مساعدتكما ولكن لا أقوى علي عكاز حماتى. 


وصلا الي أريكتها المجاورة للباب ليجلسها عليه فتتنهد بحزن قائلة:

رحمة الله عليهما، ذهبا وأخذا معهما ضياء الدنيا. 


أفسحت له المجال ليجلس ولكنه نظر للخارج ثم قال: 

أين ثيابك لأحضرها قبل ذهابى لكى تبدلى هذا الجلباب المبلل كي لا تمرضين. 


التفتت نحو مسند الأريكة لتسحب عكازها واشارت نحو باب غرفتها قائلة:

لا أضل ببيتى لا تخاف، اذهب لتطمئن علي صغيرتك ولا تنسى أن تطمئننى عليها وتعرفنى علي عروستك. 


تحرك نحو الباب ليرد عليها: 

بالوقت المناسب سأعرفك عليها.. 

وقبل أن يخرج عاد ليقبل عينها المظلمة، فصرخت موبخة إياه ليركض ضاحكا بعد أن ترك شبح ابتسامة يحتل شفتيها، وتحركت ببطء وبخطوات غير منتظمة نحو غرفتها ولسانها لا يكف عن الدعاء لصغيرته بالشفاء. 


عاد للبيت بعد آذان الفجر، دخل بخفة حتى لا يوقظ أحدا منهم، ولكن شعاع ضوء قادم من غرفة صغيرته لاح امام عينيه فقادته قدماه ليتوجه نحوه، وقف علي الباب يتأملها بأعين قلقة ما لبثت أن اطمئنت بعد أن وجد زهرة جوار السرير تسلم من صلاتها وترفع يديها لتشرع في الدعاء بصوت منخفض ولكنه مسموع:

" اللهم اشفي ابنتي وانثر العافية في جسدها، واسقها لذة الصحة واجعلها معافة لا ضرر فيها، اللهم اسكب في جسد ابنتي نهرا من الراحة يسري في أوردتها ربي ارح ثم هون ثم اشفي كل نفس لا يعلم بوجعها الا أنت" 


كان لدعائها بلفظ ابنتي أثر بالغ في نفسه، تلك الكلمة التى لم يسمعها منذ سنوات من والدتها نورسين، فكم من مرات مرضت الصغيرة نتيجة ضعف مناعتها ولم تجد من يرعاها، فهو أجهل ما يكون بهذه الامور ووالدتها لا تهتم من الاساس. 


حركت ملك رأسها بوهن منادية بصوت ناعس:

أمى! 

لتنتفض زهرة لتصعد جوارها معانقة إياها بحنان، فتشبثت الصغيرة بحضنها وهدأت واستكانت فبدأت الأخرى ترقيها وتتفحص حرارتها حينا وتقبلها حينا، كل هذا وهى بحضنها تشعر بكل شيء، فلقد بدأت تستفيق بعد أن انخفضت حرارتها ولكنها مثلت النوم لتسرق القليل من شعور الحنان الذى حُرِمت منه. 


بينما خالد يتابع الداخل دون أن تشعر عليه سمع صوت ضعيف قادم من الغرفة المجاورة فتحرك وهو غير مصدق لما وصل لمسامعه، يتسائل:

هل هذا بكاء نوح؟ 

أجابه الصغير بنفسه حين أبصره يحرك يديه باكيا وكأنه ينادي أحدا، تحرك نحوه بعد أن أغلق الباب حتى لا تسمعه فتنهض من جوار ملك، وحمل الصغير بين يديه والدموع تنهمر من عينيه، وأخذ يقبله بلهفة مرددا:

لا أصدق لا أصدق، لقد تهيأت بالكامل لخسارتك يا روح أبيك، الحمدلله الحمدلله. 


سكن الصغير بحضن أبيه وبدأ يحرك يديه الصغيرتين نحو وجهه محركا لسانه بكلام غير مفهوم، ولكنه اجمل صوت سمعه في حياته فكان يجيبه بابتساماته وقبلاته وأحضانه، وبعد مدة عاد الصغير لنومه، فوضعه بفراشه واسرع يمسح دموعه خوفا من أن تأتى فتراه وهو يبكى، وبعدها تحرك نحو الخارج قائلا: 

كنت علي يقين أنها ستكون الحل وقد كانت، إنها تستحق الصلح يا خالد، هي ليست نورسين فحتى وان أخطأت فلها ما يغفر لها فماذا إن لم تخطئ؟ 


خرج نحو الشرفة ولكن نسمات الهواء أصابته برعشة خفيفة فقرر أن يدخل ليبدل ثيابه المبتلة، وما ان التفت حتى انبهر بما أبصرته عيناه، لأول مرة يبصرها بهذه الهيئة، شعرها الطويل المنسدل لنهاية ظهرها وملامحها الهادئة، تسير نحو المطبخ يبدو أن ستحضر شيئا لملك، عاد سريعا للشرفة وظل يراقبها ولا يعلم ما الذى يجعله يتصرف هكذا ولكنه يعترف انه انبهر بجمالها المندثر أسفل خمارها، يراقب تحركها ببجامتها الشتوية البسيطة فيشعر انها أصبحت أصغر بعشر سنوات، ترجع بعضا من خصلات شعرها خلف أذنيها وتكمل تقطيع الدجاج بالشوربة فيغمض عينيه ليحتفظ بتلك الصورة بين جفونه، وبعد مرور دقائق طالت دون أن يدرك فرق عن جفنيه ليجدها امامه، عاد خطوة للخلف متفاجئا وابتلع صدمته من رؤيتها له بهذه الحالة، سألته بتعجب:

ماذا تفعل بالشرفة بهذا الوقت؟ وما الذى بلل ثيابك بهذا الشكل؟ 


أجابها بما زاد تعجبها:

الشوربة، رائحتها ذاكية سلمت يمناك. 


نظرات دهشة اعتلت ملامحها فوضعت يديها علي جبينه لتردف: 

كما توقعت… ثم التفتت لتتحدث وهي متوجهة نحو المطبخ:

لا تنسى أن تغلق الشرفة فالجو بارد الليلة، وستجد ثياب نومك علي الفراش … استدارت فجأة لتجده يناظرها بإبتسامة بلهاء، فاكملت:

وستجد خافض الحرارة بالدرج العلوى بجانب السرير من ناحية نومى. 


وتحركت لتأخذ الطعام متوجهة نحو غرفة ملك، ليتحرك هو الأخر محدثا نفسه:

هل هذه الدكتوره زهرة؟ إنها جميلة جدا فكيف لم ألحظ شيئا من هذا الجمال من قبل؟ 

ليكمل بعد أن دخل غرفته ليتوجه مباشرة ليبحث عن خافض الحرارة ولم يجده: 

لأنك ببساطة أحمق يا خالد، لقد كانت تستهزأ ببلاهتك وانت صدقت. 


التفت نحو الفراش ليجد ثياب نومه فأمسكهم بيديه قائلا: 

لأول مرة يشعر الواحد أنه متزوج ويوجد من يهتم لأمره. 


مرت عدة أسابيع كانت هادئة فيما بينهما صعبة علي الصغيرة التى كانت تقضى اليوم بطوله باكية كلما أبصرت الحبوب التى تملأ وجهها وجسدها، ولكن زهرة لم تكف عن بثها من فيض حنانها واهتمامها ما أنساها حالها، فكانت تنتهز الفرصة لترتمى بحضنها باكية وكأن البكاء كان وسيلتها للظفر بالاهتمام، ولكن مع مرور الوقت بدأت تستوعب انها غير مجبرة علي ذلك فزهرة لا تنتظر فرصه لتحنو عليها. 


وفي إحدى الليالى دلفت للغرفة حاملة نوح بين يديها قائلة: 

لقد اشتاق حبيبى لأخته. 


صرخت الصغيرة بذعر:

لا تحضريه ستنتقل إليه العدوى. 


ابتسمت الأخرى وأقبلت قائلة مطمئنة اياها:

لقد شفيت تماما حمدا لله. 


ردت عليها بحزن:

وهذه الحبوب بوجهي؟ 


وضعت الصغير واقتربت لتعانقها بحب مقبلة شعرها المجعد: 

هذه مجرد علامات خلفتها الحبوب، ولكن مع الوقت ستزول وسأجلب لك كريما سيمحوها تماما. 


بادلتها العناق دافنة وجهها بين ذراعيها وبقيت فترة متشبثة بها وشرعت في البكاء مما أقلق زهرة، فأبعدتها تتفحصها متسائلة: 

لماذا تبكين؟ هل يؤلمك شئ؟ 


اومأت بالنفي لتمسح دموعها بظهر يديها الصغيرتين معتذرة: 

أنا آسفة لأننى كذبت علي أبى وقلت أنك ضربتينى ولكنني خفت أن تآخذى مكان والدتى، لقد فهمت أنها لن تعود مجددا. 


شعرت بغصة شدت علي قلبها فكيف لتلك الصغيرة أن تتقبل وتوقن شيئا كهذا، ما الذنب الذى ارتكبته لكى ترتمى فى أحضان غريبة عنها تبحث عن شئ من حنان الأمهات؟ وأخذت تسأل نفسها:

هل ستتمكين يا زهرة من تعويض مكان الأم في حياتهم؟ 


قاطع سؤالها دخول خالد قائلا بنبرة متحمسة مرحة: 

صباح الخير يا ملاكى. 


أسرعت لتركض نحو أبيها الذى استقبلها بأحضانه مقبلا إياها بقوة قبلات غير معدودة ليروى روحه إشتياقا لحبيبة أبيها، فهو وإن آلمته فجوة الغربة التي احتلت قلبه يعود راكضا بذراعيه المفتوحتين نحو أطفاله، إنه لا يعوضهم الفقد بل هو من يرمم بعناقهم الدافئ حطامه ويجمع شتاته في لحظات قصيرة بعناق واحد، ضمها فنجى من يوم متعب آخر وهاهو من دفئ يديها التي تربت على ظهره يلتئم.




تحرك بصغيرته ومازال يقبل خديها مدغدغا إياها بخفة فتقفز بين يديه وصوت ضحكاتها يرتفع مما يشعره بالأمان، فتتعجب زهرة من حاله الذى يبدو كأنه مملوك بخيوط بين أصابع صغيرته، فيجيب هو ويستند علي تلك الضحكات:

واخيرا شفيت حبيبة قلبى لأمكث في ضحكاتها الجميلة على راحتى. 


ثم وضعها ليقترب من صغيره الذى يحاول جذب انتباهه بحركة يديه وابتسامته الموجهة نحوه، فانحنى مقبلا إياه بقبلات متفرقة على خديه وانفه الصغير وعينيه الواسعتين، ليرفع شعره الكثيف عن عينيه مقبلا إياهما ليتبعها الصغير بضحكة ذات صوت هادئ متفاعلا معه، فأبصر زهرة بطرف عينيه ليقول داخله:

كيف استطاعت مداواته بهذه السرعة؟ لقد كانت حالته ميؤس منها. 


ظل وسطهم لدقائق يلاعب صغاره ويستمد طاقته من عبق ضحكاتهم، قبل أن ينهض مقررا التوجه نحو عمله، ليتفاجئ بها تأتى خلفه فوقف متسائلا:

هل تحتاجين لشئ؟ 


اومأت بالنفي مردفة:

أصطحبك للباب لأودعك. 


ابتسم ليبتهج داخله قائلا:

جميل فلتفعليها دوما إذا. 


أجابته بإيمائة بسيطة لتدعو له:

ليوفقك الله ويكن عونا لك بدربك. 


اقترب علي غفلة منها ليقبل بين عينيها ثم اردف ضاحكا:

لتكن هنا لا في العين، ثم اخذ يدندن:

بلاش تبوسني في عينيا، دى البوسة في العين تفرق. 


وخرج مسرعا هاربا من عينيها المندهشتين من تصرفه المفاجئ، لا يعرف ما سبب ما فعله ولكنه كان يرغب بذلك وبشدة، انقاد لرغبة خفية دفعته لهذا القرب ولكنه برر ذلك لنفسه بأنه سعيد لأن حالة صغاره تتحسن علي يديها. 


ظلت واقفة محلها مصدومة ولكنها لم تكن متأثرة بل أقنعت نفسها بنفس مبرره وانه سعيد لتحسن صغاره ليس إلا. 


على الجانب الآخر ببيت فردوس، صوت طرقات متواصلة علي الباب جعلت منال تسرع نحوه قبل أن تستيقظ الاخرى، فلقد أدركت أنها ابنتها رباب، فتحت لها لترتمى ابنتها بأحضانها قائلة بنبرة صوتها العالية:

اشتقت اليك يا أمى، كيف حالك وحال صحتك؟


ابعدتها والدتها لتتحرك لتجلس قائلة:

وأخيرا تذكرت أن لك أم لتسألى عليها، كنت اموت يوم زفافك ولم تتصلى حتى لتطمأنى علي. 


أسرعت لتجلس جوارها مقبلة إياها قائلة بمكر وبصوت عال: 

ماذا افعل، فأدهم أغلق هواتفنا واتفقنا ألا نحادث أحدا قبل أن ينتهى شهر العسل. 


أسكتتها بعد أن فهمت مكرها قائلة:

ياسمين ليست هنا لا تتعبي نفسك، ويجب أن تعلمى أننى لست راضية عن هذه الزيجة حتى اليوم، ولكن على كلٍ فليسعدك ربى، ماذا سأتمنى غير ذلك فليهديك. 


استغلت عدم وجود أحد فقررت أن تبث سمها لتقنع والدتها بما خططت له، فبدأت تفكر محاولة ترتيب ما تريد، لتقاطعها والدتها:

ماذا تريدين يا رباب تحدثى مباشرة، فلا داعى لرسم قناع الكسوف هذا، أنت ابنتي وانا خير من يعرفك لا تنحرجين. 


احنت شفتيها قائلة بتذمر:

فليسامحك ربى يا أمى، والله لولا الحاجة ما طلبت هذا الطلب، ولكن أدهم كما تعرفين تشاجر مع والده ومنعه من العمل معه بشركته، وانت خير من يعلم أننا بدأنا حياتنا منذ شهر وبحاجة للعمل والاموال. 


صمتت لتتابع ملامح والدتها وهى ترد عليها بنظرات شك:

كلها يومين وتستلم ياسمين أموال المحل من الحاج عبد الله وتعطى كلا منكم نصيبه في إرثه من المحل.


قاطعتها محاولة استعطافها:

الأموال سأضعها بالبنك وأحفظها لأولادى بالمستقبل، ولست انا من سيصرف علي البيت فهذه وظيفة أدهم. 


زفرت الأخرى بحنق وأردفت بضيق:

يعني اختصارا للكلام، ماذا تريدين يا رباب؟


ابتسمت داخلها بمكر ولكن صدرت لوالدتها وجه المسكنة والحاجة والحياء قائلة:

تتحدثى مع ياسمين وتقنعيها أن تتوسط عند الحاج عبد الله ليوظف أدهم معهم بالمحل، واكيد لن يرفض فهو صديق والدى المرحوم وكما يساعد ياسمين سيساعد زوجى، أليس كذلك؟ 


كانت سترفض ولكن مع إصرار رباب وإلحاحها علي طلبها، صدقت فعلاً أن ابنتها بحاجة للمال ولا سبيل لذلك سوى عمل زوجها، ولكن ما شق عليها هو أن تطلب طلبا كهذا من ياسمين التى تحارب ليل نهار لترعاها وتقضى حوائجها وتجلب أدويتها، هذه ابنتها والأخرى كذلك لا فرق بينهما ولكن يصعب عليها أن تضع ياسمين بوضع صعب كهذا. 


وفي المساء كانت تحادث ياسمين محاولة إقناعها بأنها لم تكن ترغب في أن يكون بالقرب منها، ولكن حدث ما حدث وتزوجته أختها، أرادت أن تبرر لها بأن أدهم لم يكن نصيبها من البداية ووالدهما رفضه في الماضى، وهم الآن بالحاضر بأوضاع وأحوال مختلفة، ولكن ياسمين لم تستمع لمثل تلك المبررات بل قابلت طلبها قائلة: 

فليكن ما تريدين يا خالتى، غدا سأتحدث مع عمى عبد الله وان وافق سأخبرك لتخبريها هي وزوجها. 


وانسحبت من أمامها لتدخل لتحضر العشاء والاخرى تراقبها من بعيد تخشى أن تكون أحزنتها، ولكن ياسمين لم تبدى شيئا من الحزن ولم تشعر والدتها بأن منال طلبت منها شيئا بخصوص رباب، وانقضى الليل وآوى الجميع لفراشه عداها، فلقد تحولت وسادتها الي جمر يلهب عقلها تحاول أن تغمض عينيها بقوة علها تنام وتنسى تلك الذكريات التى تهافتت عليها، وأخذت تحادث نفسها بحيرة:

لقد احترت وانا احاول تحديد الأكثر مشقة، هل الاصعب هو أن أُعِد الأيام المتبقية لذكرى خلدتُها في خلايا دماغي أم الأصعب أن أتناساها؟ 

هل الأصعب هو الاقبال بالحياة على جهاز التنفس أم أتناسى حتى يغمرنى التراب في ليلةٍ لا قمر فيها. 


سنوات وأنا أراقب التواريخ سواءً كان في عدد الأشهر الأياموالساعات وحتى الدقائق والثواني، اعتدتُ على ذلك حتى أصبحت أيامى كلها بائسة، فما منع أن يعمل معى، لم تعد تفرق من الاساس، لا هو يصح ليكون حبيبا ولا رباب تستحق أن تكون أختًا لذا سأعتبرهما غريبين محتاجين ولأعطف عليهما فهذا ما يليق بهما. 


وكم كان لقائها به بعد مرور هذه السنوات المريرة مجرد من الإنسانية والرحمة كما كان هجرانه قاسياً، كانت تتصنع عدم الاهتمام لأمره ولكن كاد التراب أن يشفق عليها ويعانقها، فكم كانت رؤيته جارحة لقلبها وعينيها التى تعففت عن النظر لأمثاله. 


وقف الحاج عبد الله أمامهم ليسلم لياسمين حقيبة أموال قائلا:

هذا باقى ما اتفقنا عليه لأجل المحل، ولا تقلقي لافتة المحل لن تتغير وسيظل اسم العراقى يشرفها دوما. 


ابتسمت بامتنان ومدت يدها تأخذ الحقيبة ثم نظرت نحو أدهم قائلة: 

لن أوصيك علي زوج رباب يا عمى، سأكتفى انا ببيع البضاعة بالمناطق السياحية، وهو يستلم عملى هنا. 


ناظره الحاج بعدم ارتياح ثم قال:

حسنا المكان مكانه ولكن فلتخبريه أننى لا أتهاون بالعمل، ولا مكان هنا سوا لمن يرغب أن يتحمل المسؤولية لا الاتكاليين، وانت يا ياسمين فلتهتمى لأمرك ويكفيكي عناءا، رباب تزوجت وحسن سيزوج نفسه، وأنت قدمت لهم واجبك نحوهم ويزيد. 


قبل أن ترد تحدث أدهم بضيق: 

ولكنني لست إتكاليا عليها فلا دخل لى بما قدمته لأختها. 


ابتسم الحاج وجلس علي مكتبه قائلا:

وهل ذكرت اسمك بحديثي؟ أم انك منقوش علي رأسك؟ 

وأتبع حديثه بأمر:

اذهب للشباب لتتعلم منهم فستبقي يومين تحت مراقبتى قبل أن أقرر بقائك معنا سيستمر أم لا. 


تحرك أدهم يجر خيبته واحراجه امامها بينما ابتسمت بتشفى لتنظر لعمها هامسة:

عثمان العراقي يرسل لك السلام. 


فرد عليها هامسا مثلها:

هيا الي عملك يا شقية. 


توجهت نحو بيت خالتها منال الذى أصبح فارغا لحسن يفعل ما يحلو له دون أن يسأله احد عن التزاماته، وجدته نائما علي الاريكة وحوله المكان مليئ بالقذارات وزجاجات مليئة بمشروبات محرمة، ووجدت بعض السيجارات ملفوفات بشكل غريب علي الطاولة، فتحركت لتضع ظرفا به نصيبه من المحل فاستيقظ علي حركتها صارخا:

يا ياسمين لا تحدثي جلبة أريد أن أنام. 


نظرت له باشمئزاز لتبثق عليه قائلة بتهكم:

نظف قاذوراتك وطهر هذه الوساخات فآذان العصر قد شرع. 


ثم خرجت حاملة غضبها ونقمها علي هذا المدعو بأخيها، لا تعرف أتحزن علي حاله وضياعه وتدعو له بالهداية أم تسلم أمره لله وتتركه كأنه غريب. 


وكأن هذا الغضب لم يكفيها لتلتقى بمن زاد غضبها اضعافا حينما اصطدمت به أثناء المرور امام المحل، لتصرخ به: 

هل انا موعودة بك ولا علم لى؟ 


ناظرها بنظرات ساخرة وضرب كفا بكف قائلا بتهكم: 

هل تتبعين الوفود الخاصة بى؟ 

أم انك ذهبت للاهرامات فلم تجدينا فحدثتى نفسك أنك ستجدين الوفد بالمعز، قولى الصراحة لو تريدين حسنة فلأعطك بدلا من أن تشحذيها من الأجانب. 


التفتت يمنة ويسرة لتجد نموذجا لتمثالا صغيرا بالقرب منها فالتقتته وكانت ستضربه به لولا أن الحاج عبد الله أسرع ليفض الشجار ممسكا بما بيدها قائلا:

لا تؤاخذنى يا سيد مراد، فمن لا يعرفك يجهلك. 


ثم همس لها:

هذا أحد أهم زبائننا يا غبية، يبدو أن حسن قام بواجبه كالعادة فلا تخرجي غضبك علي الزبائن. 


أبعدت يدها بالتمثال فجذبه مراد من يدها مبتسما بسخرية: 

لا يؤلم لعلمك. 


أشارت له باصبعها محذرة إياه:

لا تظهر أمامي مرة أخرى، لا يهمنى أن تكون زبوننا فلتذهب للجحيم الرزاق هو الله، ويستحسن ألا ترينى وجهك مرة أخرى أيها المتغطرس الغليظ. 


والتفتت للداخل فأخذت حقيبة بضاعتها واسرعت لتفر من الحى بأكمله ساعية علي رزقها، وبمنتصف النهار ارسلت نصيب كلا من رباب لبيتها ونصيب زهرة أعطته لوالدتهما، أعطت كلا نصيبه وبقيت هي تسعى علي رزقها لا تعلم لماذا تحارب وحدها وحدة روحها الأخيرة. 


وفي وسط حيرتها ووحدتها تذكرتها مؤنستها فأجابت علي هاتفها بلهفة: 

زهرة! لماذا تركتنى وذهبت؟ أريد أن أبكى ولم أجد من يفهمني ويحتوينى مثلك. 


ذعرت الأخرى وبدأت أختها تحكى لها ما أهمها فلم تتحمل وهى تستمع أن زوجة أبيهم طلبت منها طلبا كهذا، ودون مقدمات أغلقت مع ياسمين لتتصل بمنال، وما ان أجابت عليها حتى تحدثت بتهكم: 

كيف سمحت بحدوث شيئا كهذا؟ تقولين أننا كأبنائك كيف لى أن أصدق بعد أن جنيت علي ياسمين مثلما فعلت رباب. 


حاولت منال أن تدافع عن نفسها فأتاها الرد من زهرة قامعا أى كلمة منها:

كل ما أطلبه أن يكفيكم كذبا، فنحن لسنا أبنائك، بتصرفاتك هذا لم تفرقين لا عن حسن ولا رباب. 


وأغلقت دون أن تترك مجالا للحديث ثم اتصلت بأختها وبدأت تواسيها قائلة: 

لا تنسي انك قوية اياك أن يرى ضعفك يا ياسمين، نحن بنات عثمان العراقي نبكى داخل البيت ولكن أمام الناس لا تهتز لنا شعرة، دعيهم يضربون كفا بكف ولا يلمسون نقطة ضعفك فلو أبصروها لدمروك بها. 


اومأت برأسها متفهمة ما تقول ثم سألتها: 

ألهذا السبب تزوجتى قبل إيجاد أنس؟ 


ردت عليها بالايجاب:

أجل، فصحيح انا هنا أتمزق واحترق شوقا لإبنى ولكن حين رأى حسن ورباب أننى استكملت عملى منذ اليوم التالى وحين سيعلمون أننى تزوجت وبدأت حياة جديدة سيصعقون. 


تنهدت بضيق مردفة: 

ولكنهم إخوتنا لا أريد محاربتهم.


لتعارضها بتقرير: 

لم أقل حاربيهم ولكن فلتعلمى انهم لا يحبوننا وان استلماكِ فريسة لن يشفعا لأنك اختهم، فلا تضعفى حتى تتقى شرهم. 


وطال الحديث علي هذا المنوال حتى هدأت ياسمين وتحركت لتكمل عملها وتبيع بضاعتها قبل حلول الليل. 


أنهت زهرة حديثها مع اختها ولم تنتبه لمن يقف بعيدا وقد استمع لحديثها فقرر أن يجد حلاً لها ولأختها عله يدخل السرور لقلبها كما أسعدته وساعدته لتحسن صحة أولاده النفسية. 


وبليلة حزينة لا تختلف كثيراً عن ليلتها الماضية، تجمعت مع فوضاويتها وعشوائيتها الداخلية، وتمكن منها الاشتياق لشخصيتها القديمة، تلك الشخصية التى كانت تملك الكثير من الأصدقاء ولديها قدرة هائلة للاستماع إِلى البشر، يحبّها الجميع. لم تكن تكف عن بث السعادة لجميع من حولها. 

وقفت بالشرفة وبدأت تسامر قمر تلك الليلة قائلة: 

شخصيتي القديمة كانت أجمل ولكنها كانت أيضا مخطئة، أتدرى لماذا؟ 

ليأتيها صوت والدتها من خلفها قائلة: 

لأنها اقتربت من البشر كثيراً، نصحتك مرارا ولم تعى مبدأ أن يأذيك إنسان آخر حتى ولو كان إخوتك، ظللتِ تقتربين من الجميع واتسعت دائرة معارِفك وأصدقائك وأصبح لَديّك يقين أنهم أصدقاء حقيقيّين وسيظلّون للأبد ولكن..، 


قاطعتها ياسمين بنبرة حسرة:

عندما حدثت مشكلة واحدة لى وجدتهم راحلون، وتركونى وحدى أنازع وحدة روحى، الآن أَصبحت أَشتَهى أنا الرّحيل، الرّحيل عن كل شخص أَشعُر أنّه تعلّق بِى لِحد سخيف، أو أنّه أحبَّنى.! حتي لا أضره وأجلب له الأذى. 


اقتربت لتضم ابنتها لصدرها لتحنو عليها متسائلة:

ألن تخبريني بما أصابك قبل وفاة والدك؟ إلى متى ستخفين عنى مشاكلك وما أهمك يا صغيرتي؟ 


وقبل أن تكمل او تنطق ياسمين بكلمة قاطعهما صوت طرقات متواصلة علي الباب، فأسرعت لتفتح بقلق فمن سيأتي بمثل هذا الوقت، لتجحظ عيناها بصدمة حين وجدت الشرطة أمامها ليسألها الضابط: 

هل أنت ياسمين العراقى؟ 


فأجابت بلسان مثقل قلقا ظنا منها أن حسن قد افتعل مشكلة، ولكنه قال: 

مطلوب القبض عليك بتهمة سرقة مخازن الحاج عبد الله موافى. 


وكأن قوانين الدنيا أجمعها قد تحالفت ضدها وأبت أن يسير قطارها بين القضيبين حتى يصل المحطة بسلام، يبدو أن القطار توقف مجددا ولكن هل سيكون الحادث هذه المرة أسوأ مما سبق؟ 

حتى وان كان.. فيبدو أنها اكتسبت مناعة ضد الكوارث واصبحت تستقبل المصائب دون خشية من تبعاتها، لأن الأمر ببساطة أصبح لا يفرق معها. 



 إلي هنا إنتهي فصل اليوم آمل أن ينل إعجابكم ومنتظرة تفاعلك 

google-playkhamsatmostaqltradent