خيط من حرير
الفصل السابع
بقلم سميحه رجب ♥️
بين جرح وجرح آخر وقفت هنالك فوق ضفاف قلبها، قلبها الهش الذى تمت الاطاحة به وكأنه قشة ضعيفة خفيفة لا مكان لها وسط الأحلام، تقفا على شفا حفرة البكاء ولا يمنعها سوى تلك القوة السرابية، ولكن لم تدم تلك القوة و سرعان ما انزلقت في بكاء مرير ترثو قلبها الضعيف، تلامس موضعه بأناملها فتتنهد بحرقة أسفًا على هذا القلب الذى تدميه أبسط الخدوش، وتجرحه أبسط الكلمات وأسذج التصرفات، أحيانًا يجعلها تبالغ في الخوف من المواجهات وأحيانا أخرى يدفعها نحو مواجهات غير محسوبة عواقبها، تحوى نبضاته كم هائل من الكآبة والندم الذى يجعله غير قادر علي الوثوق بأحد، حتى ثقتها بنفسه وبقرارتها اصبحت معدومة، إنه يحيا ليؤدي وظيفة روتينية ليس إلا؛ نبض لحياة ليست بحياة.
بأصابعها المرتعشة جففت دمعها الحارق وباليد الأخرى وضعت باقة الزهور على قبره، وبعد أن قرأت الفاتحة ودعت له بالرحمة والمغفرة ابتسمت بحزن لتهمس بأسى:
والآن لا حزن ولا فرح بعد اليوم، لا سعادة وتعاسة، لا قلق ولا أمان، لا مكان للحب ولا للكره، لا إفراط ولا تفريط، سأعتمد الوسطية بعد اليوم وأقضى حياتى كبقية البشر.
ثم تنهدت بحزن ورغم قرارها هذا لم تشعر بالراحة أبدا في أن تعيش حياة كهذه، تخشى أن تعيش عالقة في المنتصف، ليس بالقرار الأمثل ولكنه على الاقل هو الأنسب.
التفتت نحو الجهة المقابلة حيث يقبع قبر أبيها فتحركت قدماها خطوتين تجاهه ولكن من جديد تسمرت وثبتت مكانها ولم تمتلك من الشجاعة ما يمكنها من الوقوف أمامه، فاكتفت بقراءة الفاتحة ثم هربت قبل أن تنهار من جديد، وان انهارت هنا فلن يسعفها سوى تراب تلك القبور الباردة المألوف لمشاعرها التى أضحت رمادا.
وبعد مرور ساعة او اكثر كانت قد وصلت أخيرا أمام بدايتها الجديدة، قد عقدت العزم قبلا مرات ومرات ولكن مع كل فشل كانت تزداد إصرارا على خوض غمار تجربة أخرى، وها هى تقرأ بخفوت اسم الشركة " شركة آل مهران للسياحة الخارجية"
خطت خطواتها الأولى داخلها بعد أن استوقفها الأمن يسألونها عن ماهيتها وبمجرد أن اخبرتهم اسمها، أفسحوا لها المجال قائلين:
السيد خالد في إنتظارك بمكتب المدير بالطابق الرابع.
ابتسمت لهم بإيمائة بسيطة وتحركت لتدخل ومع كل خطوة تتأمل ما تقع عيناها عليه من تفاصيل، كل ركن في الشركة يبدو كأنه لوحة فنية فلقد جمعت بين العصرية ومظاهر الحضارة الفرعونية من نماذج لتماثيل وأثريات مصغرة ولوحات للمعابد والمناطق الفرعونية المختلفة، كانت تسير بإنبهار حتى وصلت للمصعد ولم تنتبه إلا وأحدهم يدلف داخله فأسرعت لتلحق به ولكن بابه قد أغلق، فضربته بغيظ هاتفة بحنق:
أحمق.
ولم تتوقع أن ينفتح بابه أمامها في هذه اللحظة لتجد مراد أمامها فطاعته بعيونها المتسعة وسكتت، ثم دلفت المصعد وقبل أن تضع يدها على الرقم أربعة وجدته هو يفعل ذلك فضمت يدها إليها وبقيت مكانها ساكنة، طالعها بطرف عينه وأردف:
هل سمعتك تقولين أحمق؟
ابتسمت ساخرة وردت بثقة:
لا لم أقلها.
حك حاجبة وتحدث بجدية:
آ فعلا، لعلمك كنت أوقف لك المصعد
طالعته وابتسمت قائلة:
شكرا
وصل المصعد إلى الطابق الرابع حيث مبنى الإدارة خرجت هي أولا وما إن فعلت حتى رددت ثانية:
أحمق، هل كتب علي رؤيتك بكل مكان؟
تفاجئ بها تتوجه نحو مكتبه، فاستوقفها قائلا:
أظن أنني سمعتك جيدا هذه المرة.
التفتت وردت:
وبعض الظن إثم، عن إذنك
لكنه استوقفها ثانية وتحدث بجدية قائلا:
إلى أين؟ هذا الطابق لا يحوى سوى مكاتب أعضاء مجلس الإدارة فقط؟
التفتت تناظره بكبرياء لترد بإستعلاء:
إلى المدير، هل عندك مانع؟ أم تريد أن آخذ إذنك، ابتعد وعقبت على كلمتها مشيرة له بيدها أن ينصرف.
اومأ برأسه يمينا ويسارا وتحرك بخطوات سبقتها يبتسم بتعال ساخرا منها، ليدلف مكتبه وحين دلف فهم أنها تعتقد أن خالد هو الذى يدير الشركة، وبالفعل فلقد تفاجئت حين وجدته يسلم علي خالد ثم جلس هو على رأس مكتبه فأشار لها خالد لتقترب قائلا: أهلا يا ياسمين يبدو انكما تقابلتما وهذا جيد.
للحظات وقفت مكانها مصدومة، الفرح الذي عاشت بإيجادها عملا محترما سيتبخر لا محالة وستعود لنقطة الصفر لا محالة، لم تنتبه لشئ سوى أن هذا الشخص الذى لا ترغب بلقياه سيكون مدير عملها، كانت متحمسة لتلك البداية ولكن يبدو أنها سترفض قريبا، فكيف ستتحمل غطرسته دون أن ترد عليه، وبالنهاية كرامتها اولا وما بعدها الطوفان.
فرفع صوته اكثر حتى انتبهت أخيرا وتقدمت لتجلس أمامه معتذرة:
اعتذر لم أنتبه لحديثك.
بدأ يتحدث موجها حديثه لمراد:
من اليوم ياسمين ستعمل هنا بالبدايه ستكون تحت عينيك تعلمها وترشدها وتساعدها علي فهم أمور الإرشاد هنا، وبعد فترة ستعينها بشكل رسمى كمرشدة سياحية تابعة لشركتنا، خلال هذه الفترة سأكون قد جهزت بقية الأوراق اللازمة.
سأله بعدم فهم:
بالنسبة لتعليمها أصول العمل فهى سهلة خلال يومين تتعلم، ولكن فعن أية أوراق تتحدث؟
وضع ملف ياسمين أمامه وأشار نحوه ثم أجاب:
ياسمين تركت الجامعة قبل أن تنهى عامها الأخير لذلك ستحتاج منك تركيزا واهتماما وأنا متأكد انها ستكون عند حسن ظنى بها من هذه الناحية.
تعصب مراد وأغلق الملف ليدفعه باهمال هاتفا:
هل جننت يا خالد ومن كل عقلك تطلب منى توظيفها دون شهادة تخرج معتمدة؟ تريد أن تعين أحدا بشركتك وبيدك تزور شهادته لأجل الضرائب فقط؟
صرخ الآخر به وعلا صوته ليقول بحزم:
لم أت اليوم لأستشيرك، جئت لإحدى شركاتى لأوظف من أريد وأمحى من أريد، أنت هنا رئيس مجلس الإدارة ولكن لا تنسى أنها بالأصل شركتى، قرارى نهائى ولا أريد نقاشا.
تبحلق بهما بصمت، صوت داخلها يخاطبها "انصرفي ياسمين لا المكان مكانك ولا الوجوه تشبهك، انصرفي بكرامتك ولا تكوني عبئا على أحد" وصوت آخر يظلها قائلا" ابقي واقبلي العمل هنا، يكفيك ركضا وتعبا واهانات، ألا يكفيك أنهم وصفوك بالمتسولة فقط لأن هندامك بسيط وطوال اليوم تركضين تحت الشمس بين الآثار" ضاعت ياسمين بين الصوتين.
نهض خالد ليومئ لياسمين قبل أن يذهب ولكنها أسرعت تستوقفه قائلة:
انا لا اريد ان أتسبب بمشاكل، إسمح لى أن أذهب وسأجد عملى بمكان آخر، شكرا لك على كل شيء لكن أحس أنني لست مرتاحة هنا.
ناظرها قليلا بنظرات غير مفهومة بالنسبة لها ثم اطلع نحو مراد الذى ينظر للفراغ بعيدا عنه فأشار لها:
سيعلمك كل شئ وخلال اسبوع سأحضر أوراقك وملفك المهنى.
وتحرك ليخرج متوجها نحو شركته الخاصة بالاستيراد والتصدير..
نظرت هي لمراد من بعيد فطالعها هو بعبوس ثم لف وجهه الناحية الأخرى متأففا وردد بهمس:
كيف سأتحملها لا أدري، بمن ورطتني يا خالد.
تنفست بضيق وهمست:
صبرا جميلا والله المستعان فقط لأجل خالد وزهرة تحمليه ياسمين مع أنني أود ضربه كي أريه حجمه، أحمق ومغرور.
أنهى خالد أعماله المتراكمة وقضى يومين بين الملفات والاجتماعات ومراجعة ما تم من أعمال في غيابه، يومين ولم يجد للراحة سبيل، يعمل ليل نهار دون كلل او ملل يتصل كل حين بزهرة يطمئن علي الأولاد ويغلق سريعا ليعود أما لاجتماع مهم او ينهى أوراق صفقة أهم، وهكذا بنفس هذه الوتيرة مضى اليومين حتى قرر أخيرا أن يعود ليطمئن علي صغاره.
قبل أن يذهب قرر أن يطمئن أولا علي سير العمل بين ياسمين ومراد خصوصا ان ملفها قد جهز، كان يسير بإنهاك يكاد لا يبصر أمامه من فرط الإرهاق، ولكن صوتا قادما من كتب مراد جعله يستفيق، هذا صوت صديقه والآخر صوت ياسمين فتوقع أن شجارا قائما فأسرع ليدلف محاولا إبعادهما عن بعضهما، ولكن أبى كلا منهما أن يصمت ولكن مراد بالغ في إهانتها قائلا:
ليس مكانك بهذه الشركة وسط السائحين بل كان علينا تعينك في شركة الحراسة فأنت أشبه بالرجال من كونك أنثى رقيقة، أو لو تعودين للعمل هناك أين لاقيتك اول مرة فشغل المتسولين يليق بك أكثر، أنت لست أهلا للشركات والمكاتب
صرخت به قائلة:
من تظن نفسك؟ لا متسول هنا غيرك أيها المغرور الأحمق، حتى الشركة ليست لك أنت موظف مثلي مثلك، كيف ابتليت بك؟ ماذا فعلت كي ألقاك أمامي في كل مكان؟ لا بأس أعرف كيف أوقفك عند حدك يا نكرة.
"رجال ومتسولين؟ إذا علي نفسها جنت براقش"
هتف بها خالد وهو يفسح لها المجال ومن فرط غضبها التقطت تمثال من أعلى مكتبه وبدون إدراك وجدت نفسها تضر*به به، ولم تستفق من نوبة غضبها إلا حينما رأت الدم*اء تسيل من رأسه.
كاد قلبها يتوقف للحظة من الخوف، جحظت عيونها وتسارعت نبضات قلبها فنظرت لخالد بهلع وتحدث بصوت مرتجف:
هل، هل مات؟
رد بخوف مصطنع:
يبدو كذلك.
تحرك بثبات للخارج لينادى علي سكرتيرة المكتب لتحضر عدة الاسعافات، والأخرى تقف أمام مراد الذى يلقيها باللعن والسباب بينما هى مهتمة اكثر بهذا التمثال الذى بيدها وكيف وصل إلى هنا؟
تقدم خالد نحوهم وجلس امام صديقه وبدأ يضمد له جرحه ويشد بقوة والآخر يصرخ تحت يديه:
علي مهلك يا خالد والا اترك لك الشركة ولن تعرف لى طريقا.
بدأ يلف الضماد حول رأسه قائلا:
على رسلك يا أمى على رسلك، أينما ذهبت فأنت تلعب على أرضى.
انتفض الآخر ليكمل لنفسه مردفا بسخرية:
هذه جزائى لأننى اهتم بك تشبهنى بالام، حسنا يا سيد خالد فلتنسى صديقك بعد اليوم.
نهض خالد مشيرا لياسمين:
كنت احتاج ان اضر*ب رأسه العنيد بضربة كهذه ولكنك قمت بالواجب، سأذهب الآن وأعود ربما بعد أسابيع ولن أوصيك عليه.
تحدثت ضاحكة:
على ما يبدو صديقك جمجمته سميكة تمثال كهذا يق*تل
طالعها بغضب وصرخ:
وتستهزئين ما هذه اليد الثقيلة؟ لقد فتحت رأسي، لم أخطئ حين شبهتك بالرجال فيدك دليل.
تحدثت بسخرية تقلده:
فتحت رأسي، لم أخطئ حين شبهتك بالرجال، يدي ثقيلة لتقوم بالواجب مع أمثالك، أصلا أنا مستغربة أن لديك دم أحمر مثل البشر.
زادت من غضبه أكثر ورغم الألم عقد حواجبه وبرزت عروقه أكثر وشد على قبضته بقوة ورد:
أذهبي عني وجهك بالأخص عيونك ويدك.
طالعهما خالد بضيق وضرب جبينه بكف يده قائلا:
لا حول ولا قوة إلا بالله، شكرا يا الله لأنك بعثت لي هاذين لأتوب وأستغفر كل حين، ثم التفت إليه مبتسما بسخرية فبادله الآخر بأخرى مماثلة، ولكن ياسمين وجدت المهرب المثالي فركضت خلف خالد لتغيب عن نظر مراد حتى يهدأ فالواضح انه سيقت*لها اذا أبصرها خلال اليوم، فقررت ان تبقى مع السكرتيرة تسألها عن بعض الامور الخاصة بالعمل لتتجنبه قدر ما استطاعت.
وبعد حوالى ثلاث ساعات وقد اقتربت الشمس علي المغيب، كان يهبط من طيارته الخاصة محملا بالتعب مصطحبا للارهاق خليلا له، سار بخطوات تبدو محددة رشيدة ولكنها في الاصل بطيئة تحمل في أعماقها جُلَّ الضعف والهوان، ألقى بنظره ناحية الشرق يتمنى لو عاد الزمن وذهب هنالك محمولا بين يدى أمه لتتلقفه يد جدته تلاعبه بما جلبه والده من ألعاب تشاركه تفاصيل طفولته، ولكن حتى تلك الألعاب وأصبح يمقتها رغم شغفه الشديد بها، يشعر بتناقضات غريبة تكاد تصيبه بالجنون كلما ضربت تلك الذكرى القاتلة لخلجات عقله، يتذكر بحذر شديد وكأنه وان تعمق في الذكرى ستطأ أقدامه حقل ألغام قد يودى به للهلاك، ارتدى نظارته ثم استقل سيارته متجها للبيت حيث تقبع سكينته.
وصل ليجد زهرة تفترش الأرض تطعم نوح وملك وحولهم أطباق من الفواكه للحظة ابتهج داخله؛ ولكن رؤية احمد جالسًا وحيدًا حاملا لطبقه يطعم نفسه ويرفض أن تطعمه بيدها مثلما تفعل مع إخوته تنغص عليه تلك البهجة، لوهلة رأى نفسه محله منذ سنوات كان يجلس نفس الجلسة يراقب إخوته وسط والدتهم تطعمهم وتهتم لأمرهم وهو يراقب بصمت دون تذمر ولكن الفرق بينه وبين احمد أنه محظوظ اكثر منه فعلى الاقل زهرة لا تمل من رعايته وهو الرافض المعرض عن الحياة علي عكس إخوته.
انتبهت زهرة لقدومه فنهضت لتقترب منه مرحبة به، لتتبعها ملك التى تعلقت برقبته معانقة إياه بقوة، فبادلها العناق دافنًا وجهه بين ذراعيها القصيرتين وظل على حاله مدة مما بث القلق بنفس زهرة التى تقف علي مقربة تراقب طريقة ضمه للصغيرة وتقبيله لها بشوق ولكنه لا يبدو اشتياق بل التجاءًا.
اقتربت لتسأله بقلق:
هل أنت بخير؟
اومأ بالنفى وألقى ببصره علي أحمد ثم تنهد بضيق مردفًا:
أريد أن أنام فلقد أنهكت طوال الأيام الفارطة.
حركت رأسها بتفهم ولكنها قالت:
الغداء جاهز فلتأكل أولا وبعدها تنم علي راحتك.
انحنى لينزل صغيرته أرضا، وسلمها ملف أوراق مردفا:
هذا بخصوص مدارس الاولاد من الغد سيبدأ العام الجديد سيلتحق احمد بالصف الثانى وملك للروضة بنفس المدرسة.
وتحرك نحو الغرفة مضيفا:
سأنام حتى الغد لا أريد إزعاجا.
ركضت الصغيرة نحو إخوتها بينما بقيت واقفة تتابعه بقلق حتى دلف الغرفة وأغلق بابها خلفه، تنهدت بحزن هامسة:
حالتك هذه أعرفها جيدًا، يبدو أن الوقت قد حان لإستكمال معالجتك.
قبيل منتصف الليل دخلت بغية النوم، ولكن شعرت أن ثمة شئ ما يعيق نومه، يتقلب يمينا ويسارا يغمض عينيه ويفتحهما دون وعى او إدراك، تقترب متطلعة اليه فتجده كأنه في عالم آخر،فتحركت لتجلس جواره بموضع نومه وهتفت بخفوت:
خالد..خالد!
فاستيقظ علي الفور وكأن وحشًا ضاريًا كان يطارده ويبحث عمن ينجيه منه، وكأنه كان بين البرزخين يبحث عن مكمن لروحه وها هى التقفتها لتعيده للحياة من جديد، وكأنها أمسكت بيديه لتنتشله من درب الضباب لتجعله يصافح جنائن الدهشة المورقة، ظل يناظرها مطولا يحادث نفسه بأحاديث كثيرة مختلفة، يتسائل عن ماهية وجودها ولماذا لم يرسلها الله إليه منذ البداية، ما ضير لو كان هؤلاء الثلاثة أبنائها، يتابع قسماتها بعينيه الثابتة مكملا حديثه مع نفسه:
كيف لغريبة عابرة أن تحتل موضع الأهل والأصدقاء والوطن؟
طال صمته حتى بث الرعب بأوصالها كانت نظرته سوداء مخيفة غير معتادة وكأنه شخص آخر لا تعرفه، حينما شعر بخوفها انتبه لنفسه فنهض ليجلس قائلا بعد تنهيدة مريرة:
أرق الليل من جديد الذي يغرى بذكريات تهزم أي محاولة منى للنجاة.
ابتسمت وأومأت بتفهم قائلة بعد تفكير لحظى:
ما رأيك أن نستخرج معنى جديدا لهذه المحاولات المتعبة، وتفكر في تداعيات حول معنى المحاولة، بصفتك مالكًا و ممارسًا لتلك المحاولات المؤرقة، وبصفتى طبيبتك لا زوجتك وبما أننى أحب الكلام وأعشق ذلك الباع من المحاولات المرهقة ولكنني أجد في هذا الليل رغبةً في الحكاية عنها.
تسائل متعجبا:
هل تريدين إستكمال جلسات العلاج هنا؟
جلست متربعة أمامه لتبدأ مباشرة دون الانتظار لموافقته وبدأت متحدثة:
هذه المرة الرأى الأوحد ليس لك فعلاوة على كوننا مريض وطبيبته فنحن زوج وزوجة وبعد هذه الجلسة ستتفهم جيدا تلك الحلقة المفقودة التى تجعل الفرق بين العلاقتين معدوما، وسأنتظر أن تخبرنى بذلك بنفسك ولكن أولا لنبدأ بالسؤال الذى رفضت الإجابة عنه بأول جلسة في العيادة، تهربت منه وانا احترمت خصوصيتك أما الآن فلا خصوصية بين الأزواج، كما أن العلاج يبدأ تحديدا من هذا السؤال، لذلك يا سيد خالد فلتخبرنى عن طفولتك، ولن أقاطعك حتى تتخلص من غمار أقسي ذكرى طفولية مازالت محتلة كيانك.
ناظرها بريبة وقلق فابتسمت لتطمئنه قبل أن يبدأ الحديث وهو يتلمس طيف ما يتذكره أمامه وكأنه حدث بالامس، يبصرها أمامه وهى تنازع بسبب مرضها ولا يشعر بها أحد، اغمض عينيه بقوة وبدأ يتحدث:
وانا بعمر احمد تقريبا كانت حياتى تقليدية بسيطة، أعيش مع أمى وأختى ببيت بسيط ووالدى مغترب، سافر لأجل لقمة العيش كما يبرر دوما، في البداية الوضع كان مشابها لوضع كثير من العائلات المصرية متوسطة الحال، ولكن وضع والدتى كان يتطلب بقائه وسطنا لرعايتنا.
صمت برهة يتنفس بعمق يتطلع لعينيها فيجدها تستمع له بتمعن فأكمل بنظرات مختلطة من الحقد والشفقة:
كانت لديها اضطرابات مرتبطة بالقلق، دوما تخيفنا بأفكار ومخاوف غير منطقية تجبرنا رغم صغرنا للوقوع جراء تصرفات قهرية وتكرارية محورها الاساسي هو السيطرة.
فكرت لوهلة ثم قالت:
هل كانت مريضة وسواس قهرى؟
اومأ بالإيجاب علي سؤالها فقالت بحزن ولكن لم توضحه أمامه بل كانت النظرات الطاغية عليها هى نظرات وملامح المساندة والدعم فتحدثت هى:
كانت ترى في السيطرة وسيلة للتخفيف من مخاوفها؟
أجاب بنبرة قاسية بعض الشئ وكأنه يلوم أحدا على ذاك الوضع المذرى الذى عاشت فيه والدته:
أفكارها كانت متكررة تكاد تكون ثابتة مستمرة غير مرغوب فيها، كلما تذكرت طريقة تفكيرها أشعر بالضيق، وأكثر ما ينغص على الذكرى اننى كنت الشاهد علي محاولاتها للتخلص منها او تجاهلها ولكنها لم تقدر دوما تقابل المحاولة بسلوك يعاكسها.
سألته بترقب للإجابة وكأنها تنتظر إجابة بعينها:
هل كانت تخاف من التلوث مثلا او من الاوبئة؟
اومأ مجيبا بما تنتظره:
تخاف من التلوث وتعكف دوما علي غسل يديها، ليس هذا وحسب بل تجبرنا علي ذلك لدرجة تزيد عن حدها، دوما ثلاجتها مقتظة بالأدوية، والأصعب انها كانت لديها شكوكا في مواجهة الصعوبات وتحمل أعمالا اضافية لان لديها شك في جميع من حولها وتعتقد أنه وان تركت عملا فلن يقوم به أحد غيرها، فتقضى الساعات تنهك نفسها لتنظم كل شئ بدقة تتابع ترتيب الألوان ترتب الأشياء الصغير ثم الكبير وفي المطبخ تقضى ساعات ترتب مثلا الأكواب حسب حجمها او تناسقها او ألوانها، لديها أفكار عدوانية حول فقدان السيطرة لا تريد أن تخسر السيطرة علي نفسها وعلي الآخرين.
صمت لدقائق يستجمع بقية معاناته مع مرض والدته ولكنه شعر بثقل جاثم علي صدره فتنهض بضيق ثم سألها هذا السؤال الذى يبحث عن إجابة له منذ سنوات:
ما سبب الإصابة بمرض كهذا؟
ردت عليه مجيبة إياه:
فى للعموم فالمرض النفسي سببه الرئيسي خلل في كيمياء المخ، وهذا الخلل يحدث في الغالب بسبب أسباب وراثية، ونسبة المصابين به ليست قليلة فحوالى ثمانية بالمئة من سكان العالم مصابون بهذا الاضطراب، ومعظم الحالات يكون السبب مرتبط بالطفولة، حينما تعلم الام طفلها النظافة، الأمر مرتبط بطريقتها في تعليمه كيفية التعامل مع جسده والتعامل مع نفسه، معظم اللذين يعانون من هذا المرض كانت أمهاتهم قاسيات عنيفات فى تعاملهم مع صغارهم، حيث تمحور ذاته حول تصرفات بعينها، ان لم يفعلها يكن إنسانا يفر منه الجميع وتحطمه بكلامها، وبمرور الوقت يُخلَقُ داخله الخوف ومن ثم القلق، وحين يكبر يفشل في السيطرة علي هذا القلق، ويحاول فرضه علي من حوله وهنا يأتى أصعب ما في هذا المرض وهو أن من حوله لا يافهموه ولا يتقبلوه فقلقه يدفعه للرغبة في الزيادة من التصرفات تجاه كل شئ.
اغرورقت عينيه بدموع كادت تفجرهما ولكنه أبى أن يحرر عبرات قد تنقذ روحه من الانزلاق خلف أطياف الماضى، ولكنه لا يفهم ما بداخله ليعبر عنه بالطريقة المناسبة، أهو حزن فيبكى؟ أم حقد فيكره؟ أم خوف فيبحث عما يطمئنه؟
ورغم حيرته استكمل الحديث وكأنه كان ينتظر الفرصة المناسبة عله يتخلص من شئ ولو قليل من معاناة السنين المهلكة التى تراكمت داخله حتى أوشك علي الانفجار:
لهذا السبب طلقت نورسين، لم تكن مثل أمى ولكن تسببت للأولاد فيما تسببت به والدتى، لم أرد لهم أن يضيعوا شبابهم بحثا عن معالج نفسي لينقذهم من انتح*ار محتم، لم أرغب أن أرى ثلاثتهم مثل احمد لا يستمتع بأى شئ، أعلم أنه سيصبح افضل مع الوقت لانه مازال طفلا لم يستغرق المرض سنينًا ليتوغل داخله، لا أريده أن يصبح كجدته يخاف حتى من التنزه او السفر او التعامل مع البشر، لا أريده أن يصبح مثلى شخصية جامدة أبحث عن الكمال…
قاطعته مسرعة:
ولكنك فهمت أن لا سبيل لبشر أن يبلغ الكمال، أليس كذلك؟
ليرد بأسف:
أنا فهمت لاننى وجدت طريقا للعلاج ولكن والدتى لم تفهم، كان الجميع يهاجمونها بعضهم يقولون أنها مجنونة والبعض الآخر يشيعون أن جنًا عاشقًا تلبسها وهو السبب في معاناتها والبعض الآخر وهؤلاء ان أبصرت احدًا منه لقتل*ته فقد كانوا يعاتبونها علي مرضها ويتهمونها بالتمثيل وكلما قالت " أريد الذهاب لطبيب نفسى" يسخرون منها ويلقونها باتهامات بشعة حتى تطور بها الأمر وأصبحت تنكر العالم من حياتها وأصبح هدفها الوحيد هو النجاة من هذا العالم الذى تعتقد أنه يحاربها، تخطط لكل شئ قبل أشهر وتحمل أبسط الأشياء كأنها هم كبير ما دامت ستدفعها تلك الاشياء للتعامل مع احد، لم تكن تسمح لنا بالخروج ولا اللعب خوفا من العالم المحيط فلا تبصر سوى الجانب المظلم من العالم وانه مليئ بالامراض والاوبئة وسنموتون لا محالة، فلم تجد الحل سوى الهرب من الموت إلى الموت، وبمثل هذا اليوم قررت ان تضع حدًا لكل هذا العناء وبكل سلاسة وضعت لنا السم بالطعام، نجوت أنا وراحت أختى جراء مجتمع جاهل ينظر للمريض النفسي على أنه مجنون.
تنهدت بحزن هاتفة:
اقسم أن لا مجنون على وجه البسيطة سوى من يستنكر حقيقة وخطورة المرض النفسى
اخذ نفسًا عميقًا طال الأمد وهو يتمنى تلك اللحظة التى سيتخلص فيها من ثقل هذا الحمل، شعر أنها منحته الفرصة ليحيا حياة أطول، فلو قضى هذه الليلة بهذا الهم الجاثم فوق ظهره لفارق الحياة لا محالة، ولكن كأنما الله أرسلها له رحمة لروحه التى أهلكتها التراكمات النفسية.
اعتدلت جواره فانحنى ليستند برأسه علي كتفها، واخيرا وجد الانسانة التى يمكنها سد حاجته إلى الأنس، استطاعت أن تخلصه من هم يأسر روحه واستعاضت محله بروحها التى ألفتها روحه، يسند رأسه بثقلها علي كتفها الصادق، كان يظن النقص ركبًا اساسيا في البشرية ولكنها نفت ذلك الاعتقاد حين ملأت ذلك التقصان بتلبية احتياجه وإراحته بعد طريقٍ مُجهِد، فأخيرا فهم أن جمال العلاقات يكمن في جمال الرحلة والرفقة، فلا خير في رحلة فردية ولا علاقة دون رفيق.
همس بخفوت وقد بدأ يستسلم للنوم:
كيف تمكنت من إزالة أسمك خيط في القناع؟ جعلتينى أكشف المستور أمامك دون قلق، ليست هذه المشكلة، بل المشكلة تكمن في أننى رضيت وارتحت بانكشاف المستور؟
ليستسلم بعدها للنوم تاركًا إياها تفكر، تشعر أنها وضعت بين نارين فأمره غريب، كيف يمكن لإنسان أن يتحدث عن ماض كهذا بجمود، يخبرها أن والدته وضعت لهم السم فى الطعام ثم يخلد للنوم، لقد ظنت أنه شُفى تماما ولكن الليلة أدركت أنه بدأ في الرحلة للتو، كل ما مضى في سبيل العلاج لا أهمية له أمام القادم، لا تعلم هل ستتمكن من إصلاح المكسور داخله أم أن مصيره سيكون مثل والدته، هل للأمراض النفسية من نهاية أم أنها متفشية بمجتمعها الصغير، كيف ستتمكن من تأهيلهم ومداواتهم ليواجهو مجتمعا جاهلا بدلا من احتواء المريض يصفه بالجنون.
مضت تلك الليلة وأتى الصباح حاملا معه يوم جديد عليها مبهج علي ملك ولكن على احمد فلا يعنى له شيئا، جهزت لهم كل ما يلزم من دفاتر وأقلام ورتبت حقائبهما ووضعت لهم كل ما سيلزمهم، كانت متوترة وكأنهم أبنائها وهذا يومهم الدراسى الاول، تركض من هنا لهناك خلف قلب الأم الذى يسعى لراحة صغارها، ودعت كلا منهما بقبلة فبادلتها ملك بقبلة مماثلة ثم ركضت نحو السيارة أما احمد فرغم فرحته بهذه القبلة ولكنه ركض هربا نحو السائق الذى ينتظرهم، وظل طوال الطريق يده لم تبتعد عن خده وكأنه يخشى ان أبعدها يختفى أثرها.
وكيوم دراسى طبيعى مر على ملك ولكن لم يكن كذلك في نهايته، وهما يجلسان بانتظار السائق أما باقى الاطفال كل ينتظر اما والده او والدته، تعلق عيناه مع زميل له خرج يده بيد والدته يحكى لها بحماس عن كل ما فعله خلال اليوم، فتفرح والدته لفرحه فتنحنى لتضمه بحنان افتقداه من والدتهما الحقيقية، فهتفت ملك بنبرتها الطفولية:
زهرة تحبنا لماذا لا نطلب منها تأت لتأخذنا.
ناظرها بصمت ولم يردف بشئ، فأكملت بصوت باكى:
لماذا لا تحادثنى ألم تعد تحب ملوكتك؟
التفت إليها ليضمها قائلا:
لا أحب غيرك أساسا ولكنني لست سعيد، وأشعر أن زهرة ستتركنا كما فعلت الأخرى.
تحفزت لتخبره بما وعدتها به أمس:
ولكنها وعدتني أنها لن تتركنا أبدا، وستبقى حتى نكبر، حتى جرب واطلب منها ان تحضنك مثلما فعلت، فلم أعد أرى أى شئ مخيف أبدا منذ أن عانقتنى انها ساحرة.
اومأ برأسه ناحيتها اكثر ثم ابتسم ليضمها إليه وبقيا على هذا الحال لمدة من الوقت، وكلما مضى الوقت شاهد أمهات اكثر فيزداد ضيقه اكثر، ورغم صغر عمره ولكنه يفكر بأشياء تفوق عمره بأعمار.
وصل السائق أخيرا ليستقلهم نحو المنزل، وما ان وصلا حتى ركض احمد نحو غرفته دون الحديث مع احد، أما ملك فتحركت مع زهرة نحو المطبخ لترفعها الأخرى حتى أصبحت في مستواها ثم تحدثت برجاء:
ممكن أن تعانقى احمد لأنه حزين؟
عانقت وجهها بين كفيها وقبلت جبينها ثم سألتها:
هل أغضبه أحد بالمدرسة؟
هزت رأسها بالنفي ثم أخذت تخبرها بما يخيفه ويحزنه، فأدركت أن الحل لبداية علاج احمد هى الشعور بالاهتمام ولكن البداية يجب أن تكون من ظهور والدته أمامه يدها ب
