رواية خيط من حرير
الفصل الثامن
بقلم سميحه رجب ♥️
المثير لدهشة الكثيرين أن تكون فلسفتك حزينة ووجهك بشوش، أن تنزف روحك وتبتسم فى وجه من حولك بغية عدم تحميلهم فوق أثقالهم، تحب الصباح ولا تفوت سهر الليل، يتعجبون أن قلبك يغلي فى حين أن أفعالك باردة!
___________
أجابها هندام أنس عن التساؤلات التي قاومت كثيرا معرفة حقيقتها، هل هو بخير وهو بعيد عني هذا البعد؟
تجلت غيمة الشتات من ذهنها ويا ليت سماءها ما صفت ويا ليتها ما عرفت إجابة تساؤلاتها، يا لسخرية القدر فكل الذي درست وما جربت مع مرضاها النفسيين من علاج لن يرمم ولو جزءا بسيطا من وجع فقدانها، رضت أن تكون أسيرة الإنتظار لكن الإنتظار لم ينصفها فأعاد إليها أنس بقميص عليه دم، كيوسف حين كاد له إخوته، لكن أنس ليس له إخوة بل ذاك الذي كاد له كيدا بوه، وهل يقت*ل أب ضناه؟
أمسكت ذلك السكين بيد وباليد الأخرى ثيابه، يداها ترتجفان بشدة لكن رغم تلك الرعشة أبت ترك ما بيديها وشدت بقوة، وجلست أرضا، أين كل تلك الدموع التي كنت تذرفين لسبب ولغير سبب؟ أم أن جفونك أبت إنصافك؟ نظرت إلى تلك الثياب بألم، نظرة لخصت كل حياتها بلحظة وأدركت أنها هالكة في هذه اللحظة، أي ألم هذا الذي زار قلبها على حين غرة؟ نظرت للثياب ودمه، هاهو يوضع في حضنها لأول مرة بعد أن حملته وهنًا وولدته وهنًا، ها هو يضحك لأول مرة، ها هو يبكي لألم أسنانه، رددت بهمس:
لا تبكي يا حبيبي ستكبر ويزول الألم.
هاهو يأكل طعاما ليس بالطيب البتة وهاهو يرميه من فيهه فيصيبها منه فتضحك، ضحكت وهمست:
لا بأس حبيبي مع الوقت ستحبه.
هاهو يخطو اول خطوة ويقع، وحين وقع كاد قلبها يقع معه، هاهو يركض نحوها ويضمها، يا لها من فرحة لقد قال ماما لتوه، هاهي تضمد جرحه بعد أن اوقعه صديقه بالحديقة وتربت على ظهره بحب، همست بغصة:
جرح بسيط صغير، أنت رجل شجاع لأنك تحملت لسعة الدواء.
سارع خالد وأخذ الأولاد للغرفة وأمرهم ألا يخرجوا حتى يناديهم ثم ركض اليها وجلس جوارها قائلا بهلع:
ماذا هناك؟ ما هذا يا زهرة؟
نظرت إليه وابتسمت، لما ظهرت تلك الابتسامة بدل الدموع؟ لربما لان مشاعرها تداخلت في بعضها ولم تعد تفرق، تحدثت بصوت خفيض قائلة:
انظر هذا هندام أنس حين أخذوه مني آخر مرة، وهذا، أعرف هذا سكين سكين عادي صحيح يا خالد؟ ليس بشيء لا داعي للخوف، وهذا هذا دم أعرف لكن، ثم شمت القميص وأضافت:
ليس كريح أنس، خذ شمه وقلي أنه ليس لأنس خذه رجاء يا خالد فقط أخبرني أنها ليست حقيقة أو أيقظني من كابوسي هذا، حبا في الله أيقظني فلا يمكنني أن أتحمل.. هذا فوق سعتي، هو ضياء عيني لا أبصر إلا به، آه ما أقسى أيامي الخاوية منك يا أنس، آه ما أقسى أيامي الخاوية منك يا أنس.
ضاقت عليها الأرض بما رحبت وبعد صراخ وحديث وترهات رددتها سكتت، سكتت مرة واحدة فصارت نسخة من تمثال رماد حزين.
بقي مكانه يحملق بها ما عساه يفعل؟ ضاع ولم يجد ما يقول قد يمتلك الكلمات التي تُهدئ روح طبيبة نفسية مضطربة، لكنه يفقدها جميعًا أمام أمٍ فقدت صغيرها؛ لأن هناك أحزانًا لا تُواسى، بل تُخلّف فراغًا لا يملؤه شيء. هنا أدرك أن آلام هذه المرأة لن تنتهي وأنها نعت الراحة والسعادة إلى مثواها الأخير.
مرت عليها الساعات واستحال النهار ليلا وتبدل الدفء ببرودة قارصة، ولكنها لم تبالي او بالأحرى لم تشعر فهل تقارن ببرودة قلبها الذى فاقت عتمته ظلام الليل الدامس؟
مازالت مكانها تجلس امام الباب معانقة ثيابه تكاد تدفنها بقلبها، اما ذا السكين فألقته بعيدًا فهو لا يخصها، تكاد تجزم أنه ليس عائدا لأنس كل ما يخصها ثيابه وقلبه فحسب.
جلس خالد أمامها على ركبتيه يناظرها بصمت، لا يدرى كيف يهون عليها ولا يعلم السبيل ليسرق الصبر ويهديه لها، حاول أن يقنعها بالدخول قائلا:
هيا يا زهرة ستمرضين هكذا، الجو برودته لا تحتمل.
أجابته بكلمات ثقال ومازال نظرها ينظر في الفراغ البعيد ويديها تشد على ثياب صغيرها:
لم تعد أقدامي قادرة على تحمل عبء أثقالي!
ليرد عليها بما أوقظ الهزائم الكامنة بجوف محاولاتها علي الثبات:
لم أعهدك بهذا الضعف، دوما تتجاوزين وبوقت وجيز تتخطين الصعاب و تبدأين من جديد.
ناظرته بنظرات حملت كل شعور خلفه حطام الخذلان وخيبات الهزائم، فمن جديد تلقت نتيجة فشل ترجمة ما تشعر به، لا تعلم المشكلة فيها ام فيمن حولها ولكنها فى مثل هذا البلاء لم تستطع الثبات ولا إظهار ما يعاكس حسرتها فأجابته:
هل جلست يومًا كل ما فيك يغلي وينهار لكن مظهرك الخارجي يوحي بأنك في قمة الثبات؟
أنا فعلت، منذ أن خلقت وهذه هى طريقتى فى مواجهة أى مشكلة، لأننى لا أحب الشكوى ولا ابراز معاناتى من قسوة النهوض والمحاولات في حين أنني لم أتعافى من آثار حطامى القديمة، تظن أني نسيت أمر ابنى؟
لأنني أجلس كل ليلة في الخفاء أهون على نفسي وازرع في نفسي الأمل في عودته واطمئن رجفة قلبى على حال صغيرى، لأننى ورغم أن لا دليل لدى على عودته ولكن رغم ذلك تمسكت بالأمل واليقين بالله أنه سيجبر فراقه ويعيده لحضنى ظننتنى نسيته؟
حاول أن يبرر ما قاله قائلا بنبرة ندم:
لم اقصد ولكن…
قاطعته وهى تنهض مترنحة ومازالت ثيابه بين قبضتها، وسارت بخطى ضعيفة ثقيلة، تسير نحو غرفتها بجسد ثقيل أصم، تعجزها تلك الصخرة التى تحملها على ظهرها حتى تكاد تسحقها تحتها، هربت منه ومن العالم أجمع تاركة ذلك السكين خارج البيت بجوار العتبة كأنه وحشا ضاريا ولت بالفرار بعيدا عنه عله ييأس فيمضى عنها، جلست على الفراش بهوان وبدأت تحادث ثيابه وكأنه أمامها ولكن طيف سريع متبوعا بضحكته مر جوارها فالتفتت بلهفة لتكتشف أن هذا من تصوير خيالها، فاحتضنت الثياب أكثر وأكثر ولكنها لم تغنى ولم تسمن من جوعها لعناق صغيرها، أكملت حديثها وبدأت دموعها تتساقط حتى اضحت شلالا يغرق فيه ثباتها وصمودها:
أعيش على أمل عودتك وأرفض إقامة مآتم لمعاناتي دونك، لم أستسلم لهزال جسدى الذى حرمته من الراحة فى غيابك، أخالط شبح فقدانك بحركاتى في البيت، تركت عملى وأصبحت قابعة ها هنا أغسل الأواني واكنس غرف حياتي من مأساتي، وعكفت على الممارسات البيتية وتربية وصلاح أولاده، كلها مقومات ضعيفة منى فى سبيل تخطي الأيام استعدادا لعودتك، كل محاولاتي للتعايش كانت في سبيل إخماد حريق قلبى ولا أعرف أين أنت ولا كيف حالك هل تأكل أم لا هل صحيح أم مريض؟ حاولت أن اهتم بالأطفال وأنا أرجو ربي ان كل فعلة لى هنا يهيئ لك قبالتها من يهتم بك بالمثل، ومع ذلك بكل ليلة أدفن نفسي بفراش الموت واتمادى في لوم نفسى، كان كلى يقين أنك بخير وستعود الى حضنى لا محالة، لا يهمنى أن يشعروا بمدى حزنى عليك بقدر ما أتلهف للقائك يا ضياء عيوني.
مسحت دمعها ونهضت نحو الحمام لتتوضأ وتلجأ لربها رب المعجزات، ها هى تنظف نزف جرحها بماء الوضوء فهل تراها تُخذَلُ أو يرد لها رجاء؟
وما ان رفعت يديها وشرعت في الصلاة حتى انفجرت بالبكاء لم تستطع التحكم بنفسها، كلما لهجت بذكر الله فاض دمعها رجاءا، وزاد أكثر وأكثر كلما سجدت، تحاول استجماع ما ستدعو به ولكن لسانها لم يلهج سوى ب:
ابنى ياألله … ابنى ياألله.
وبعد أن سلمت رفعت يديها وشرعت في الدعاء والتوسل لله:
اللهم انك أحن عليه منى والأرحم بى، أعده إلى فإنى دونه فناءا ودون عونك عدم، أعلم أنني أخطأت حين تيقنت ان خالد سيعيده غفلت أنك الوحيد القادر على تضميد جرحى واعادة ابنى لحضنى، فيارب اغفر لى واعفو عنى وارحم قلبي المتعب…
أجل لقد ارتكبت نفس خطأ يوسف حين ظن أن التوسط لدى الملك سيخرجه من السجن ليمكث بعدها سنينا، ولأن بنو آدم لا يتعظون وتأسرهم الأحزان لدرجة أنهم يتناسون ويقعون بنفس أخطاء من سبقوهم نست زهرة وأخطأت، ليمر عليها قطار فقده المؤلم لتكتشف أن غفلتها لم تنزلها من القطار بل أنزلتها تحته، فيتلبثها الخوف والهلع أن تمكث سنينًا يوسفية في إنتظار صغيرها.
أما خالد فبقدر حسرتها وحزنها اعتراه الغضب، فقد القدرة على التفكير في كيفية التصرف، رؤيتها بهذه الحالة حطم شيئا عميقا بداخله، شئ لا يدرك ماهيته ولكنه يشعر بوجع كامن لو أبصر كرم فى هذه اللحظة لأحرقه، ولكنه توعد هاتفا من بين أسنانه:
أخذت ابنها والذي هو ضياء عينيها، إذا فلتترحم على أيامك المعدودة للاستمتاع بحياتك أيها الحقير، فقريبا لن تبصر فيها نعيمًا.
رفع هاتفه ليتصل بأحدهم وبمجرد أن أجاب حتى صرخ به:
ألم أكلفك بالبحث عن كرم الأسيوطي؟ وأمرتك بإحضار ابنه؟
ليجيب الآخر:
لقد بحثت عنه بكل الأماكن التى تخصه وتواصلت مع رجالنا ليبحثو عن اسمه فى قوائم السفر الأخيرة ولكن يبدو أنه سافر بأوراق مزورة.
اغمض عينيه قابضا على كفه بقوة ليصرخ به:
لا يهمنى، أنت تتقاضى منى أجورا لم تكن تحلم بها يوما، لذا انت مجبور أمامى بتنفيذ كل ما أمرك به، تتحرك الآن وبعد ساعة لا أكثر تخبرنى إلى أى بلد سافرت نورسين مهران.
تردد الآخر في الرد ليقاطع خالد تفكيره قائلا بحزم:
لا تفكر بشئ لا يخصك، ساعة واحدة وتجمع معلومات عن مكانها وعنوانها بالتفصيل.
وأغلق دون انتظار ردًا منه، ليضرب الكرسي المجاور له بقوة، يريد أن يخرج جل غضبه ومقته على كرم وعلى نفسه بشئ ولكن لن يسعه.
التفت للخلف ليجد أحمد يقف يراقبه من بعيد، تبادلا نظرات تيه وقلق بسبب سكونها خلف ذاك الباب تصارع وحدها، بعد أن محت بيدها آلامهم يقفون الآن عاجزين عن مد يد العون لها، جلس أرضا مسندًا ظهره على سور الشرفة ليتحرك الصبى ليجلس جواره قائلا:
لا تغضب على زهرة لأنها جاءت لنا فكل الأطفال أمهاتهم تأتي لتأخذهم ما عدا نحن.
مد ذراعه ليجذبه لحضنه مقبلا شعره بحنان هاتفا:
لن أغضب ولن اضايقها لا تقلق و سأدعها تأخذكما من المدرسة متى شاءت.
صمت برهة ولكن الصبى لم يصمت بل تحدث بما يقلقه بصوته الطفولي الحزين:
هل ستتركنا لأن ابنها مات؟
أبعده وقد عادت نظرات القلق لتسيطر عليه هو الآخر فسأله:
وكيف علمت أنه مات؟
ليجيبه بتأثر:
ذاك الصندوق به دماء وثياب مثل ثيابى وهى كانت تبكي وتقول ابنى، كانت تشبه ملك حينما تركتنا تلك أول مرة، فهمت أنه لن يعود لها مثلما ذهبت تلك ولن تعود.
تنهد بضيق ولكن رغم ثقل ما يشعر به ولكنه ابتسم له ليطمئنه:
زهرة لن تتركنا فهى أصبحت موضع أمكم، تحبكم وتخاف عليكم وابنها سيعود… سيعود …
ثم اكمل بصوت خفيض لا يصل لمسامع الصبى: إما أنس او جثتك يا كرم، لقد ثقل ميزانك وحسابك سيكون عسيرا.
رفع نظره متسائلا:
ماذا تقول يا بابا؟
نهض ليمسك بيده متوجها نحو غرفة ملك قائلا:
أقول لنطمئن على اخوتك.
دلف الغرفة ليجد ملك تقف جوار نوح النائم بفراشها تناظره بترقب، وما ان لمحت والدها اعتدلت تناظره بحزن:
أين زهرة؟ هل هي مريضة؟
تقدم نحوها لينحنى قبالتها قائلا:
لا انها بخير ولكن ستنام لترتاح وغدا سيتصلح كل شيء.
اقتربت لتسند رأسها بحضنه فطالعها مبتسما ثم حملها ليجلس بجوار الصغير ضاما اياها بقوة، فسبحان الذي سخر له هذا الحضن الذى يمده بالقوة الكافية للإطاحة بكل ما يعوق حياتهم، تلك الصغيرة هى أمله ومنبع الخير الباقى له مؤنسته في الحياة بلمسة منها يلتئم جرحه، سواء هى او احمد او نوح لولاهم لكان قد هلك لا محالة وذهب ضحية شيطانه، فسبحان من جعل طمأنينته في ثلاثتهم.
في مكان ما في قلبه هناك ركن منزو عن كل المشاعر ينزف مذ كان طفلا، حاول أن يتناسى لكنه شيء فشيء يتلاشى لولا ضحكات أطفاله لما كان عاد للفرح يوما.
ومضى الوقت ومازال كل على حاله، رفض الأطفال تناول شئ دونها، ترجاهم ونادرا ما يترجى خالد أحدا لكنهم رفضوا ثلاثتهم لا يريدون إلاهي أمامهم تحضر لهم الطعام وتشكله وجوها أو أشكال هندسة تسعدهم بها، الكل استسلم لفكرة أنها لا تريد لكنه حاول معها كثيرا ولكنها لم تجيب بشيء، ما بال الصمت حل على ثرثارته كما يصف أحيانا يمازحها؟ صمتها موحش، ليتها تعود للثرثرة دون توقف ولا أن تصير جمادا هكذا، تركها حتى نام الصغار فلقد تعبوا من فرط الانتظار.
صدح هاتفه برنين هذا الرجل الذى كلفه بالبحث عن عنوان نورسين، فتحرك خارجا ليخبره الرجل بالتالى:
سيدى انها باليونان سأرسل لك العنوان وتفاصيل عيشها هناك برسالة، ولكن يبدو أن كرم يعيش بالقرب منها او ربما يكن شخصا يشبهه.
لم يتعجب بل سأله مباشرة:
انه هو وليس شبيها، كلف رجالك هناك بمراقبتهم وكلف شخصا موثوقا بالبحث عن ابنه على الأقل فلتعرف مكانه حتى أسافر بنفسي.
قاطعه الآخر:
ولكن صفقة كندا والعقد الذى سيتم توقيعه غدا، كيف ستسافر؟
بملامح جامدة أجاب:
لا تتدخل فيما لا يعنيك، فلتكن العيون عليهما وتخبرنى بأصغر تفصيلة تخصهم.
بعد أن أنهى مكالمته وحجز تذكرة سفره للغد، تحرك نحوها ودلف الغرفة بهدوء ظنًا منه أنها نائمة ولكن وجدها بنفس الثياب ومازالت بموضعها تصلى وتدعو ربها، تحرك ليجلس خلفها منتظرا إياها لتنتهى ولكنها لم تنتبه لوجوده وما إن انتهت حتى شرعت بركعتين أخرتين، وهكذا حتى تعب من الإنتظار فأصدر صوتا علها تنتبه، وبالفعل انتبهت له قبل أن تبدأ من جديد فاستدارت له ناظرة باستفهام فنهض ليجلس أمامها قائلا بأسف:
لم أخلف وعدى ولم أتخلى عن أنس، ربما اكون قد انشغلت قليلا ولكنني لم أنساه، ولأطمئنك فلقد علمت مكان كرم و سأسافر بنفسى لأبحث عن أنس..
لتقاطعه متلهفة:
لن تذهب دونى.
قرر ان يغير الموضوع بسرعة ليتهرب من اى شجار وهى بهذه الحالة، فنظر لثياب ابنها قائلا:
هذه الدماء..
قاطعته قائلة بيقين:
ليست لابنى.
أومأ بالإيجاب مردفًا:
ليست له، هذه ليست دماء بشر من الأساس ثم إن كرم خارج مصر والدماء الموجودة على السكينة بموضع النحر وليست متجلطة فعلى الغالب الصندوق تم إرساله من الأقصر بمكان قريب لذا فلتطمئني وثقي بى.
نظرت جوارها حيث تتواجد ثيابه التي أرسلوها لها وأغمضت عينيها بقوة من فرط ارهاقها ثم قالت:
انا اثق بك ولكن ما حدث أيقظني من غفلتي وأدركت أن ثقتى بالله يجب أن تكون أكبر، ليسًا ذمًا بك ولكن أنت بشر مهما وصلت قوتك.
صمت ولم يرد لتتحرك لتنهض من موضعها متجهة للخارج فاستوقفها قائلا:
لقد ناموا جميعهم ووعدتهم أنك في الغد ستكونين بخير.
التفتت نحو الفراش لتتمدد عليه محتضنة ثوبه تعانقه تارة وتشمه تارة أخرى، لقد انهار ثباتها الذي زيفته منذ أن فارقها، لم يعد بمقدورها التحمل أكثر، جلس جوارها قائلا:
على الاقل بدلي ثيابك وبعدها فلتنامي.
لم تجبه بل ظلت على حالها هى ونيران وجعها بعالم آخر لا تسمع سوى صوت انكسار قلبها، خائرة القوى وكأنها نجت من دهس حافلة مسرعة، شعورها شديد المرارة لا يوصف ولا يشعر به سوى من ذاق فقد الإبن، كل شئ مقابل هذا الفقد هين، كل فقد عدا هذا الفقد يسهل تناسيه، فكيف لأم أن تتعايش مع فقدان من بقي معانقا داخلها تسعة أشهر وحملته بحضنها خمسة أعوام وسيبقى معتليًا عرش قلبها طيلة حياتها.
كان يطالعها بنظرات حزينة مشفقا على حالها غاضبا من نفسه و حاقدا على كرم ولكن بنفس الوقت أكثر ما يحرقه رؤيتها بهذه الحالة، هاتين العينين كانتا النبراس الذى أضاء له نفقه المظلم وأخذ بيده قبل أن يغرق ضحية مرضه، يمقت هذا الفزع الذى خاض عالمها الهادئ، يتوعد لمن أدمعها وهز تحليق الطيور بدنياها وأعادها للظلام ممزقًا جناحي عصفورها ولكن لم ولن تنقطع سبل عودته لحضنها ما دام خالد مهران على قيد الحياة.
هذا كان وعده لنفسه ووعده لعينيها، قبل أن ينهض ليدخل الحمام، شلح سترته ينفض عنه غبار الغضب فإذا به يتجمع ويستحيل شررًا يكاد يقلع عينيه، فتحت صنبور الماء البارد، وهتف من بين أسنانه بتوعد:
استعدا لتغسلا غسل الموت بأرواحكما، لن أرحمكما ستتمنيان دفن أنفسكما تحت جلدكما كى تنجيا منى، ولن يحدث.
خرج إلى الشرفة ليشعل سيجارته ينفث غضبه من بين دخانها ليعاود الوعيد مجددا:
كان عليك أن تتوخى الحذر يا ابنة العم قبل أن تقررى اللعب مع من يحمل على الدوام لقب ابن الموت.
_______
خيم شبح الأحلام على عالمها الصغير المحدود بقلبها ولمعة عينى أنس، سلمت نفسها للنوم فما دام ليس موجودا وهى عاجزة عن خوض البحار والقفار بحثًا عنه إذا فليكن اللقاء مكانه الأحلام، كانت هناك حيثما لا تدرى ماهية الزمان ولا المكان، قابعة بأحد أركان القطار حزينة تتلفت بتيه بحثًا عن صغيرها وتنادي بأعلى صوتها: يا أنس، أين أنت يا حبيبي، لقد أهلكنى الإنتظار يا ضياء عيوني.
ليظهر أمامها شاب طويل أسمر ملامحه مجهولة بالنسبة لها ولكن عيناه مألوفة، هذه عيناه وهذه نظرته وهذا شعره المجعد، انحنى نحوها ليقبل جبينها ثم ابتسم قائلا:
يريدنى قطار الحياة برحلة سرية، وما بيدى سوى تلبية طلبه فإن رفضت وعارضت سيدهسنى أسفل عجلاته، قُدر لنا يا أمى أن نستقل قطارين متعاكسين ربما نلتقى بمنتصف الطريق عند تقاطع معين على قضيبين متوازيين ولكن إن توقف قطار أحدنا ستحترق المدينة وتتحطم المحطة، لذا فسأكون كبش الفداء لأجل من يستقلون قطارك.
أجابته بدموعها وهزت رأسها رافضة لما يقول:
فلتحترق المدينة ويفنى العالم لا مشكلة ولكن فراقك معضلة لا حل لها.
ابتسم يطمنها وهز رأسه هامسا جوار أذنها:
أما أيوب فلقد صبر ثمانية عشر عاما، وصبر يوسف ثلاثة عشر عاما في حين أن يعقوب صبره طال قليلا لأربعة عشر عاما، وكان لموسى النصيب الأكبر فصبر أربعون عاما، اصبري فقط يا أمى... اصبري وابدأي في العد كم عاما سيستغرق قطارك حتى يصل لمحطتى...
حركات خفيفة من كف صغير لامست وجهها متبوعة ببكاء خفيض وكأنه يترجاها للنهوض:
أمي أمي.
نهضت باحثة عن مصدر الصوت صارخة:
أنس تعال أنا هنا يا ماما.
فزع الصغير من صرختها فارتفع صوت بكائه ملقيا نفسه عليها ليعيد النداء:
أمي.
استوعبت أن مقابلة أنس كانت حلمًا أما هنا في قطارها نوح يقبع جوارها ويناديها بما اشتاقت له مسامعها، لم تتمالك نفسها حينما كرر النداء مرة أخرى فهذه اول كلمة ينطقها بحياته، ضمته بقوة لتشاركه البكاء وعينيها تناجى ربها أن تكون هذه علامات خير، فماذا عليها أن تفعل سوى أن تتعلق بقشة على أمل اللقاء، صعب عليها أن تستوعب موته فلو حدث فعلا لكانت شعرت بانخلاع جلدها قبل هروبه للسماء، لشعرت بنفسها كنصف جسد نصف حلم نصف وطن، قلبها متأكد ان حبيبه مازال نابضا بمكان ما على وجه البسيطة.
تحركت حاملة إياها ولسانها يلهج بالدعاء ألا يخيب إحساسها وان يكون هذا الحلم إشارة منه، دلفت المطبخ وبدأت تجهز للصغير رضعته فيبدو أنه جائع، بدأت تهزه ليهدأ وبعدها أطعمته ووضعته وسط ألعابه، وبدأت تبحث عن البقية لتجد ورقة يبدو أن خالد ألصقها بالثلاجة مدون فيها:
"لقد نيمت نوح جوارك، وأخذت الأولاد بطريقى إلى المدرسة وسأتوجه للمطار بعدها، إذا وجدت هاتفى مغلقا فمعناه أنني بالطائرة لا تقلقى و انتظرى خبرًا منى"
تحركت نحو هاتفها مسرعة لتتصل به فوجدت هاتفه مغلقًا، تنفست بقوة فكيف ستتحمل وتجلس هنا عاجزة بإنتظار خبر، وهى لا تعرف حتى إلى أين سيذهب؟
رغم غضبها من تصرفاته ولكنها حاولت أن تهدئ من نفسها وتتريث عله يصدق ويعيد إليها صغيرها.
كان نوح يلعب وسط الألعاب وينادى عليها مشيرا بكفه الصغير:
أم…مى، أم…مى
تحركت لتجلس جواره لتنحني مقبلة إياه قائلة:
كلما نظرت إليك أتذكره حين كان بعمرك، يظل يبكي حتى استيقظ وإذا لعب يريدنى جواره، لم يكن يتناول شيئا من يد أحد غيرى، وحين كان يعود أباه سكيرا يركض نحوى قائلا بصوته الخائف:
هيا لننام قبل أن يغضب.
لتمتلئ عيناها بنظرات القهر وفرت الدموع من عينيها واكملت:
كان سبب خوفه وتوجسه الدائم، ماذا أخبره عني يا ترى؟ هل أصبح صغيرى يكرهنى الآن أم نسينى من الأساس؟
على الجانب الآخر من حوض البحر المتوسط، وفى تلك الدولة التى تربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا التي تعتبر مهدا للديمقراطية والفلسفة والحضارة الغربية، بإحدى العمارات بمدينة أثينا دلف كرم معانقًا نورسين، سكيران يترنحان تحت تأثير المشروبات الكحولية، لا يشعران بشيء مما يدور حولهما، مال قليلا ليضئ الأنوار لتصرخ نورسين فزعة، واستقام كرم رغم أنه يكاد يفقد الوعى من فرط ما تناوله من مشروبات طوال الليل حين أبصروه واقفًا أمام فراشهما القذر…
ابتلعت ريقها هاتفة بعدم استيعاب: خالد!
وهمس كرم بنبرة مهزوزة: ابن الموت!
ليجيب عليهما بابتسامة ساخرة فى باطنها قراره بالثأر لشرفه والإنتقام لزوجته، ليتبع تلك الابتسامة بطلق*تين نار*يتين من مسدسه الذي كتم صوته مسبقًا حتى لا يشعر أحد من الجيران بشئ.
إلي هنا إنتهي فصل اليوم آمل أن ينل إعجابكم ومنتظرة تفاعلكم وتعليقاتكم الجميلة على الفصل وبقية روايات المدونة.
