لم أكن انتوية حباً فأصبح بالحلال عشقاً
الفصل الأول
بقلم أمل محمد الكاشف
نزع الطبيب قفازيه ببطء متحدثا بوجه ملامحه لم تكن تبشر بخير قائلا بصوت أثقله الأسف:
"عظم الله أجركم بذلنا كل ما في وسعنا، ولكنها إرادة الله، فارقت والدتك الحياة"
توقفت الحياة من حولها لم تصرخ ولم تبكي ليست لأنها قوية ولكنها من الصدمة لم تستوعب معنى الكلمات التي سمعتها.
كانت تحدق في وجه امها دون تصديق، تنتظر عودتها للحياة كي تخبرها انا بخير لكنها لم تفعل.
تجمع الجيران حول الفتاة المسكينة ليهونوا عليها وطأ الخبر والصدمة، كانت شفاههم وألسنتهم تتحرك بالمواساة دون أن تسمع منهم حرفًا واحدًا، فقط كان يراودها سؤال واحدا يدور بداخلها:
"كيف سأكمل الحياة بدون أمي؟"
بإسطنبول وبالتحديد في قصر أحمد كورهان حيث وصله خبر وفاة السيدة مريم بقوة هزته وكسرته، ندم على تأجيل سفره وعدم ذهابه إليها لرؤيتها بأول الأسبوع كما كان يخطط.
بكت السيدة مليكة حزنا على هذه الأم الطيبة الحنونة، حاولت أن تهون على السيد أحمد جلده ولومه لنفسه قائلة بصوتها الباكي:
" لا تظلم نفسك لولا انشغالك بعملك لذهبت إليها دون تأخير ".
تحركت جيهان هانم سيدة القصر بخبث جالسه بجانب زوجها الحزين قائلة:
" بسلامة رأسك ارقدها الله بسلام في الجنة "
حزن أحمد على رفيقة الطفولة غاليته بحزن كبير بينما فرحت جيهان ناظره للسيدة مليكة بازدراء كعادتها ولسان حالها يقول:
" الحمدلله تخلصنا من هذه الحثالة العاقبة لهذه أيضا".
شردت جيهان متذكره حديثها مع الطبيب:
" استمر أنت بعملك وأنا سأعطيك كل ما تريده، لن يؤثر عليها عدم إعطاء الدواء بجرعات منتظمة فبكل الحالات هذا المرض نهايته معروفة و لا مفر منها، ولكنك كلما تباطأت بإعطاء الدواء كلما ساءت حالتها واقترب احتمال حصولك على مستحقاتك، الأمر معك من بعد الآن أنت من سيحدد الموعد".
وقف أحمد قائلا:
" علي أن اتجهز لألحق بالجنازة "
تفاجأت زوجته لتسأله بسرعة:
" هل ستذهب بهذا الوقت أنتظر حتى الصباح؟"
نظر إليها باستغراب متحدثا به:
" عليّ أن أكون بجانب ابنتها وايضا إن لم أكن أنا موجود فمن سيكون بجانبها، من سيأخذ عزاءها"
أخفت جيهان غيرتها داخلها بصمت وعيون تشع غضبا، بينما أكمل أحمد سيره نحو غرفته فاتحا هاتفه متحدثا مع السكرتيرة الخاصة بأعماله كي تحجز له بأقرب طائرة ذاهبة لأرزروم
وأثناء سيره في الممر الموازي لباب القصر، رأى ابنه أدهم من النوافذ الزجاجية المطلة على الحديقة الكبيرة وهو عائد من سهرته يُرقص مفتاح سيارته مدندناً بأغاني غير مسموعة بشكل واضح.
وقف والده ينظر نحوه بقوة وغضب، ابتسم ادهم فور رؤيته لأبيه الذي اعتاد على ملامحه الحاده قائلا فور فتحه لباب القصر :
" مساء الخير يا ابي ، خير ان شاء الله لماذا أنت مستيقظ بهذا الوقت ".
رن الهاتف فتحهُ أحمد مستمعا لحديث السكرتيرة:
" وجدت حجز بعد ساعة من الآن هل هو مناسب لحضرتك"
اوما رأسه مجيبا:
" نعم هذا ما أريده "
استغرب أدهم من حديث أبيه جاء ليستفسر منه منصدما بجوابه وهو يصدر له الأوامر قائلاً
" أمامك عشر دقائق على الأكثر كي تتجهز للسفر معي".
جاء ليعترض ولكن أباه لم يعطيه فرصة حين اكمل سيره نحو غرفته قائلا:
" ليس لدينا وقت لإضاعته علينا أن نلحق بالجنازة ".
زاد استغرابه متحدثا من الخلف متسائلاً
" هل جنازة ؟ من المتوفى ؟ ".
اقتربت منه امه وهي تكز على أسنانها بضيق:
" لم تتركنا براحتنا حتى بعد موتها"
غمز لامه بعينه متسائلا:
" من؟ ، ماذا حدث أنا لم أفهم شيء "
ردت عليه بضيق وتأذي:
" مريم رحلت عن دنيانا، الشكر لله لقد استجيبت دعواتي"
علم أدهم صعوبة الوضع لأهمية السيدة مريم لدى أبيه لذلك لم يعارض كالمعتاد، فحالة أبيه الغاضبة الحزينة بجانب رفض أمه السفر بحجة ارتفاع ضغطها وأنها لا تتحمل أجواء القرية، اجبروه على السفر رغماً عنه، فكانت القرية المكان الوحيد الذي يكره الذهاب إليه طوال صغره بسبب ما تقوله أمه دائما عن هذه القرية الفقيرة.
وصلا للقرية في الوقت المناسب، وقفا بالجنازة ليستقبلا الناس آخذين واجب العزاء بجانب ابنتها التي لم تظهر ملامح وجهها من كثرة بكائها وحجاب رأسها الاسود الذي كان يخبئ جبهتها.
جلسا اخيرا بعد انتهاء مراسم الجنازة ، رن هاتف ادهم مقتحما الصمت الذي ساد المنزل، رد عليه بصوت منخفض قائلا:
" لجين اهلا بكِ، نعم هذا ما حدث، نعم نعم أمي محقة لن نتأخر بالكثير عدة ساعات وسنعود لاسطنبول اخبري محسن بأن لا يلغي السباق ويتمسك بحجج فارغة خوفاً من الخسارة ".
نظر والده له نظرة قوية جعلته يغلق هاتفه بسرعة فلم يكن الوقت مناسباً لمزاحه مع الأصدقاء بهذه الطريقة .
بدأ حديثه مع ألينا ليهون عليّها حزنها و شعورها بالوحدة واليتم ، اقتربت منهم أقرب جارة لها لتجلس بجانب الفتاة المسكينة لتواسيها.
رفع ادهم نظره عن هاتفه رامقا صاحبة الرداء والوشاح الأسود والعيون الباكية بحزن وشفقه مكمل تصفحه على الهاتف.
قام كي يجلس بجانب والده بعد أن وصلت له رساله قرأها مبتسما متحدثا بصوت منخفض:
" حجزت موعد الطائرة علينا أن نخرج للطريق الان كي نلحق "
تفاجأ مما قاله ابنه متسائلا:
" ألم يكن موعدها ليلاً ؟ ".
: " لقد قمت بتقديم موعدها " .
نظر أحمد لحالة الفتاة وهو غاضب على أبنه الذي لم يعطه فرصة بالجلوس معها.
تحدث أدهم ليستأذن من أبيه قائلا :
" سأذهب للحمام اغسل وجهي و اجهز نفسي للسفر "
تحركت خلف الجارة التي أصرت أن تريه مكان الحمام بنفسها امتنانا و تقديراً لهم .
نظرت ألينا لمن كان بمثابة خال لها فلقد كبرت وهي تستمع لامها تنعته بالاخ أحمد وهو ينعتها بالاخت مريم.
بادلها أحمد النظر وهو يقول بحزن :
" اعتذر منكِ يا ابنتي علينا العودة ولكني اعدك بالعودة بعد عدة أيام لاطمئن عليكي"
مسحت ألينا ما تبقى من دموعها متحدثه بصوت منهك منخفض لا يسمع من شدة حزنه:
" سأعد لكم القهوة كي تساعدكم على تحمل عبء الطريق ".
رفض أحمد طالبا منها أن لا تتعب نفسها، احزنته حتى كادت ان تسقط الدموع من عينيه مجددا حين ردت عليه:
" لا يمكن ، اتريدها أن تحزن مني هل ستأتي إلينا دون ان تشرب قهوتنا ".
أومأ رأسه متملك دموعه التي ظهرت بعيونه محاولاً البقاء صامداً أمامها .
تمسكت ألينا بسطح حوض غسيل الاطباق فور دخولها المطبخ وهي تأخذ نفساً حاراً عميقاً ملأ عينيها بالدموع مجدداً ، دار رأسها وانخفض ضغطها بمجرد حركتها
خلعت وشاحها و وضعته جانباً للبدء بعمل القهوة و وضعها على الموقد كي لا تتأخر عليهم، و من ثم توجهت للرف الجانبي لأخراج الفناجين التي سقطت أرضاً من يديها المرتجفة.
ذُعر أدهم من الصوت خرج من الحمام متجها لمصدر الصوت ليجدها جالسة ارضاً تجمع كسرات الزجاج من الارض .
اقترب بذعر فور إصابتها بجرح نتج عن كسرات الزجاج الصغيرة.
جلس امامها على أطراف أقدامه ممسك يدها ملقي منها تلك الكسرات قائلا:
" أنتبهي لنفسك جرحت يدك..
لم تخرج أخر حروف كلماته كاملة من فمه حين تلاقت عيونهم لأول مرة بهذا القرب، وكأن شيء غريب قد حدث، خيم الصمت على المكان لثواني معدودة قاطعه وصول الجارة وأحمد للمطبخ بعد سماعه للصوت.
سحبت الفتاة يدها سريعاً من يده و وقفت مبتعدة عن عيونه و قربه منها، أسرع احمد ليغلق الموقد أسفل القهوة قبل فورانها.
احتضنتها الجارة قائلة:
" اجلسي أنتِ وانا سأكمل"
عاد أحمد لإسطنبول دون رضا على عودته السريعة وتركه لها خلفه وحيدة دون سند بهذه الحياة.
وبمجرد وصوله لمطار اسطنبول تفاجأ بأصدقاء أدهم في انتظاره كي يأخذوه معهم لبدء سهرتهم اليومية، مما زاد هذا من غضبه على ابنه المتيم بالسهر وسباق الدراجات النارية.
نامت الفتاة المسكينة في منزلها الصغير البسيط ليلتها الأولى دون روح، احتضنت صورتها داخلها مغمضه عينيها التي لازالت ينذرف الدمع منها حتى بعد نومها.
لم تنتهي الليلة بهذا الحد فكالمعتاد كان السيد أحمد على موعد مع مأمور القسم بعد الحادث الذي قام به ابنه بدراجته النارية بجانب مشاجرته مع الطرف الآخر دون شعوره بالذنب.
مع الاسف لم يعد هذا الرجل يتحمل أي ضغوط كالسابق ربما هذا لكبر سنه او لان ابنه اثقل عليه بمشاكله التي لا تنتهي .
عاد للقصر بجانب ابنه دون أن يغضب عليه أو يوبخه بالكلام الحاد، كان وجهه شاحب متعب ، اعتقد الجميع ان هذا من حزنه على مريم ولكن الأمر أكبر من ذلك.
فلقد ظهرت نتائج التحاليل الخاصة به على غير المتوقع حين اكتشف أنه يعاني من مرض خطير ولم يتبقى لديه غير أيام معدودة فقط بهذه الدنيا.
تلقى النتائج باليوم الذي ودع مريم به قائلا:
" من الواضح أن القلب ابى أن يعيش من بعدك".
اصبح الحزن أضعاف مضاعفة بداخله، فكر بابنه وكيفية تركه لاصدقائه وعالمه الليلي من بعده.
خطر على ذهنه فكرة ابتسم اخيرا وجهه قائلا لنفسه:
" ان لم استطع فعلها انا فلتكن من حظ ابني"
حزن على فراق مريم قائلا :
" يا ليتني أخبرتك بما حدث ، يا ليتني طلبت منك انتظاري، ذهبتي وتزوجتي بسرعة وكأن فراقنا كان دينا علينا سددناه بشهر واحد"
انتظر يومين ذهب بهم لعدة أطباء أكدوا خطورة وضعه الصحي ، وهنا عزم على تنفيذ ما فكر به، ليحافظ على امانة مريم وما تبقى منها في هذه الحياة بالإضافة إلى اطمئنانه على ابنه في نفس الوقت.
انتظر مرور شهرين على وفاة مريم ليذهب بعدها إلى اورزروم مرة أخرى طالبا من الفتاة المسكينة طلبه الاخير بهذه الحياة، اهتز قلبها حزناً وهي ترى دموع وحزن خالها أحمد وهو يترجاها أن تقبل بما سيطلبه منها.
في هذا الوقت ان طلب منها روحها لأعطتها له دون تردد، ولكن طلبه كان أصعب بكثير مما ظنته.
كيف تتزوج من شخص لا تعرفه وبهذه الطريقة، وخاصة بعد حديثه عن ابنه و حياته المستهترة وغضبه السريع بجانب طيشه الذي اخافها كثيراً، بل و احاديث امها السابقة عن السوء والكره الذي تحمله زوجة أحمد لهما
كانت تستمع لامها وصديقتها ملكية وهما يتحدثان عن قسوة قلب السيدة جيهان وافسادها لابنها وعصيانها الدائم لما يقوله زوجها .
كل هذا جعل الفتاة ترفض طالبه من السيد أحمد أن يعفيها من هذا الارتباط على أن تقف بجانبه طوال فترة العلاج حتى يتحسن.
رفض أحمد متمسك بطلبه الذي كرره بدموع عينيه وصوته الحزين قائلا :
" أريد أن أموت وقلبي مطمئن عليكم، سيصبح القصر مستقرك الجديد بجانب السيدة مليكة، انا اعلم انها لم ولن تقصر باحتوائك وتقديم يد المساعدة دائما لكِ، بجانب اطمئناني عليه هو و اخته التي لا يوجد لها سند غيره بهذه الحياة، هو من سيحمي شركتنا و يحمل اسم العائلة من بعدي، لا أريد أن يتشتت أبنائي من بعدي، أريدك أن تأتي و تصبحي زوجة له كي تقفي بجانبه تضيئين له حياته وترشديه بحكمتكِ وقلبك الكبير وعقلكِ الرشيد، فأنا أعلم جيداً انكِ ورثتي من أمكِ حنانها ورحمتها وطيبتها وعقلها الرشيد، ولهذا أردت أن تكوني علاج وصلاح له ، اريد ان تكوني الطريق المنير لابني وابنتي سيدرا من بعدي".
ومن هنا بدأت حكايتها الغريبة التي بدأت بوعد و قسم أمام الله أن تلبي وتحقق مراد من وضعته بمثابة خالها لسنوات.
وقفت سيارة أحمد كورهان امام بوابة القصر الداخلية، اسرع سنان ليفتح له باب السيارة الخلفي، نزل بشموخ وهو ينظر نحو الفتاة الشابة ذات الملابس البسيطة والوجه الذي يعتليه ملامح الحزن و القلق .
تغيرت ملامح جيهان هانم بمجرد رؤيتها لتلك الشابة وهي تدخل عليها المنزل بجانب زوجها.
تعرفت عليها لشدة الشبه بينها وبين أمها مريم وكأن هي من دخلت عليهم وليست ابنتها.
تقدم أدهم ليدخل من باب النافذة وهو يغلق هاتفه قائلا للمتصل:
" شكراً لك أراك لاحقاً إلى اللقاء ".
تحرك مقترباً من والده رافعاً يده ليرتشف رشفة صغيرة من فنجان قهوته وهو يراقب وضع الفتاة والتوتر الواضح على وجه أمه أمام ضيوفها.
ابتسم احمد لضيوف زوجته مرحبا بهم جميعاً ناظرا بعدها نحو ألينا ليعرفهم عليها قائلا:
" اعرفكم على زوجة ابني المستقبلية ألينا كورهان ".
( الحاج أحمد داخل دخله قوية من أول حلقه قصف الام وابنها والضيوف والشابة والمتابعين جميعاً براحة يا حج علينا احنا لسه بنقول بسم الله).
ابعد ادهم فنجان القهوة بعدما سقطت قطرات منها على قميصه نتيجة صدمته مما قاله أبوه حتى انه توقع للحظة وجود أبن اخر من صلب أبيه غيره.
لم تكن حالة جيهان اقل من ابنها ، الجميع ينظر لبعضه البعض باعين متسعة من الصدمة فهل يعقل خبر كهذا يقذف بالوسط دون أي مقدمات.
غضبت لجين صديقة أدهم المقربة وابنة سهيلة صديقة امه بنفس الوقت، همت لتعقب بعصبية عن ما سمعته لولا حركة امها سهيلة السريعة حين امسكت يدها وهي تحذرها بعيونها.
اسرعت بالاستئذان مصطحبة ابنتها قبل أن تهيج وتخرج عن السيطرة.
نجحت بالتحكم في ابنتها على عكس أدهم الذي لم يستطع أحد منهم تهدئة، تحول الى ثور هائج غاضب يصرخ رافضا للزواج و خاصه من هذه الفتاة البسيطة التي لا يعرفها.
كانت الصدمة أشد قوة على قلب ألينا التي لا يعلم احد بحالها سوى الله، فبجانب جرحها الذي لم يبرد جاء هذا الابتلاء ليقضي عليها بشكل كامل.
تحدث احمد بغضب وقوة مؤكدا على قراره الذي اتخذه موجها حديثه لابنه قائلا:
" هيأ نفسك على هذا سيتم عقد الزواج بأقرب وقت ، وسيكون بدون مراسم زفاف لأجل احترام حزننا على أختي مريم" ..
همت جيهان لتقف بوجه زوجها ترفض ما يقول بغضب لولا أنه اصمتها بنظرته القوية ، تحرك بعدها خطوات تقرب بها من السيدة مليكة المسؤولة عن ابنائه اولا ومن ثم إدارة القصر لما لها من قدر كبير لديه قائلا:
" من فضلك رافقي عروستنا إلى غرفة الضيوف لتستريح من عناء السفر"
قالها ناظرا لالينا بعدها موجه باقي حديثه لها:
" هيا يا ابنتي اذهبي مع اختك مليكة لترتاحي".
نظرت بعيون دامعة حزينة نحو أدهم و أمه التي رمقتها بإزدراء و ضيق ذاهبة بعدها خلف مليكة.
تحدثت جيهان فور ذهابها قائلة لزوجها :
" هل انت مدرك لما قلته قبل قليل؟، كيف لهذه الفتاة أن تكون زوجة ابني؟، وايضا هل زواج ابني صفقة بالشركة تأخذ بها قرار فردي ".
رد بنفس قوته :
" قراري نهائي لا رجعة به ".
لم يعجب ادهم بما قاله أبيه عاد ليغضب ويصرخ رافضا ما قيل منصدما بسرعة حديث أبيه له :
" ليس لديك خيار اخر، ان كنت تريد العيش بهذا القصر و بهذه الحياة المنعمة سيارات و دراجات نارية و حسابات خاصة عليك الخضوع لقراري وإلا …
ردت جيهان قاطعة حديث زوجها بغضب:
" وإلا ماذا؟ "
رد ادهم ليكرر ما قالته أمه
" وإلا ماذا يا أبي، وإلا ماذا؟"
اكمل أحمد قائلا
" وإلا ستُحرم من كل هذا النعيم ".
تركهم وذهب بثبات لغرفة مكتبه، ثار ادهم غاضبا رافضا تاركا القصر هاربا منهم رغم خوف امه عليه و محاولتها لإيقافه ومنعه من الخروج بهذه الحالة.
بكت ألينا وهي تحترق بمشاعر الفقد والوحدة وألم ما هي به ، وخاصة بعد رؤية صراخه وغضبه على أبيه مما زاد من خوفها فكيف لها أن تتزوج من شخص كهذا لا تعرفه ولا يريدها في حياته .
مر أسبوع كامل على وجود ألينا بغرفة الضيافة بالقصر لا تخرج منها سوى للحمام وتعود من جديد حتى الطعام كانت تتناوله وحدها بالغرفة.
فعندما اضطر السيد احمد كورهان للسفر من أجل العمل لم تجد ألينا من يرحب بوجودها بالقصر، لهذا اختارت البقاء بغرفتها التي خصصت لضيافتها للبعد عن أي مشاكل لا طاقة لها بها.
استيقظت بالصباح كعادتها، تناولت فطورها بهدوء وصمت أتتها مليكة للغرفة بوجهها البشوش قائلة:
" هل تريدين مني ان احضر لكِ شيئاً قبل خروجي" .
ردت ألينا بخوف وقلق:
" هل ستتأخرين؟"
اشفقت مليكة على حالتها فهي تعلم مدى تعلقها بها ، اجابتها كي تطمئنها :
" لا لن اتأخر، سأذهب مع سنان بالسيارة لنحضر بعض النواقص و نعود على الفور".
فكرت مليكة قليلاً قائلة:
" ما رأيك بأن تأتي معنا، أنتِ من وقت مجيئكِ لم تخرجي من القصر ولا حتى من الغرفة ، تعالي معنا منها فرصة تتعرفين على اسطنبول".
رفضت الخروج شاكره لحسن اهتمامها بها ، تركتها مليكة قائلة:
" لن اغصب عليكِ ، تستطيعين التجول بالقصر على راحتكِ جيهان هانم خرجت قبل قليل ولن تعود إلا بوقت متأخر، كما ان ادهم لم يعد للقصر ليلة أمس أخبرني أحمد بيه أنه سينام بمنزل صديقه ظافر "
اومات ألينا رأسها بهدوء :
" حسنا ساتجول في الحديقة أن احتجت لذلك"
خرجت مليكة من الغرفة حزينة على حالتها مغلقة الباب واقفه خلفه لثواني معدودة حتى ظهر سنان بعدها بجانب باب القصر.
اقتربت منه ليخرجا سوياً دون صوت منها .
تحدث سنان متسائل بشفقه:
" هل هي بخير؟ ".
: " وأي خير بعد الأخت مريم".
انتهزت نيجار فرصة فراغ القصر من أهله لتحضير فنجان قهوة برغوة كثيفة تشربه وهي جالسة بالصالون براحتها كسيدتها التي تغار منها وتتمنى أن تصبح مثلها يوماً ما.
من يرى جلستها وهي تشرب قهوتها يعتقد أنها جيهان هانم بكل ما يحمل الاسم من كبرياء و تعالي.
كما استغلت ألينا الفرصة المناسبة لتخرج من غرفتها لا لأجل التجول بالقصر بل لأجل الوقوف في شرفة القصر الكبيرة المطلة على الحديقة الخلفية لاستنشاق الهواء فهي غير معتادة على البقاء حبيسه بين اربع جدران.
خرجت من باب النافذة الكبيرة التي بغرفتها بدلا من خروجها من الباب مرورا بالصالون، كانت النافذة مطلة على مسبح كبير، اقتربت لتقف على سفحهُ وهي تشاهد جمال المكان وخاصة ان هناك درج صغير يصل لحديقة كبيرة جانبية مليئة بالأشجار والورود الجميلة التي اشعرتها وكأنها بالقرية.
ذهبت إليها وهي تتأمل الاشجار و الهدوء الجميل بجانب اشعة الشمس الدافئة اغمضت اعينها تاركه الطبيعة تصلح ما تشعر به.
نهض ادهم من الفراش بعد ان تأخره بنومه في هذا اليوم، تبين أنه عاد للقصر بعد شروق الشمس فهو كعادته يقول سأنام بالخارج و لا يستطيع فعلها ليجد نفسه عائداً لمنزله هارباً لغرفته و فراشه ليستطيع النوم.
تحرك ليدخل الحمام كي يتحمم ويقاوم كسله ونعاسه، و كالمعتاد لم يستغرق حمامه دقائق معدودة حتى خرج منه و ارتدى ملابسه على دندنه جميلة تخرج من فمه .
لفت انتباهه وجود الفتاة القروية بجانب المسبح اقترب من النافذة الكبيرة وبدأ اختلاس النظر من وراء الستار ، سحره جمالها الطبيعي ووقوفها الهادئ وهي شاردة وكأنها لوحة فنية مشرقة
من يراها وهي مغمضة الأعين رافعة رأسها للأعلى يعتقد أن وجهها هو من ينشر أشعة الشمس بالمكان و ليس العكس .
خرج من باب نافذة غرفته المطل هو أيضا على الحديقة الخلفية كباقي الغرف بالقصر، ذاهبا تجاهها مقترباً منها شيئاً فشيء وهو يتأملها و يدقق النظر بملامحها الحزينة بجانب شموخها وقوتها.
لم تشعر بوجوده بجانبها ظلت رافعه رأسها للأعلى شاردة بعالمها واحلامها وذكرياتها .
تحرك بمكانه وهو يصدر صوت بسيط يخرج من فمه ليشعرها بوجوده، نجح أدهم بلفت انتباهها له التفتت نحوه بخجل كبير.
همت لتعود لغرفتها ولكنها توقفت عندما طلب منها أن تبقى قائلا:
" هل يمكننا أن نجلس هنا قليلا، اعتقد اننا بحاجة للتحدث " .
ترددت بالقبول ولكنه لم يعطيها فرصة للرفض تحرك وجلس على مقاعد الطاولة الخشبية مشيراً لها أن تأتي هي أيضا.
بدأ حديثه فور جلوسها :
" كيف حالك الان هل تحسنتي ؟ ، ماذا أقول أنا؟ اعتذر ما كان علي ان اسأل هذا السؤال، فكيف ستتحسنين وانتِ بهذه الحالة بجانب ضغط ابي عليكِ كي تستمري بالموافقة على الزواج"
لم يتلقى أي ردة فعل ولو صغيرة منها، ليتحدث مرة أخرى قائلا:
" أعلم ان الامر ليس بسهل عليكِ انتِ ايضا، فكيف لنا ان نتزوج بهذه الطريقة هل عدنا للقرون الأولى أم ماذا ".
خفضت نظرها وهي تبتلع ريقها بألم وضيق لا يعلمه إلا الله، اكمل ادهم حديثه قائلا :
" ولكن لا عليكِ ان اتفقنا الان يمكننا أن نعيد أبي عن قراره، كلانا يعلم انه يريد إتمام الزواج لأجل حمايتكِ بعد وفاة الأخت مريم و لكنه يستطيع فعل هذا بعيداً عن الزواج، انا لا امانع وجودكِ معنا بالقصر كأخت لنا بكل الاحترام والتقدير ولكن كزوجه اعتذر كثيراً فانا شخص لا يتحمل فكرة الزواج بهذا الشكل وايضا بينما انا لا ارغب بالزواج كفكرة بالوقت الحالي كيف يمكنني الموافقة عليه بهذا الوضع وايضا من شخص لا اعرفه ".
احمر وجهها ليظهر ضيقها وحزنها، وهذا ما جعله يعتذر منها قائلا:
" هل كلامي ثقيل لهذه الدرجة، اعتذر منكِ ولكني لا استطيع الزواج من شخص لا اعرفه، نحن مختلفين تماما انظري إلينا وستفهمين ما اقوله نحن مختلفين جدا ".
غضب ادهم من صمتها قائلا بصوت عالي:
" لماذا لا تجيبيني لماذا أنتِ صامته ، اقول لكِ انظري إلينا نحن مختلفان تماماً"
لم يجد منها اي استجابة ليغضب اكثر متحدثا بنبرة أعلى مستخدما الطرق بيده على الطاولة طريقا للتنفيث عن غضبه قائلا:
" اجيبيني ، انظري الي واجيبيني ''
انتفضت وهُزت من صوت اصطدام يده وعلو صوته ، نظرت له بعينيها التي تساقطت منها الدموع الغزيرة دون رد منها.
واخيرا خرج صوتها وهي تجيب عليه:
" لا يمكنني رد خالي أحمد، فاجأني كما فعل معكم، لا يمكنني صده ورفض طلبه الأخير..
صمتت دون أن تسطيع اكمال حديثها حين طغى بكائها على صوتها، وقفت هاربه منه ذاهبه لغرفتها، أسرع خلفها ليكمل موجة غضبه عليها قائلا :
" كيف لا يمكنك رفض طلبه ، كان عليك اختيار سبب مقنع أكثر من ذلك، أم انكِ توافقين أبي على قراره وتمثلين علينا حزنك ورفضك، هل توافقين على هذا الزواج ؟ هل تقبلين الزواج بهذا الشكل؟".
اسرع بخطواته حتى وقف أمامها ليعرقل سيرها قائلا :
" اجيبيني.. لن اسمح لكِ بدخول الغرفة قبل ان تجيبيني "
:" لا يمكنني معارضته "
زاد بكاءها حين حدثها بنبرة استهزاء
:" هل ستتزوجين من رجل لا تعرفيه لأجل عدم معارضة أبي!".
شعرت بالاهانة ، تخطته لتدخل غرفتها بعد ان تنحى قليلاً جانباً أمام بكاءها ، اغلقت باب النافذة ومن ثم الستار سريعاً وهي تلجأ هاربه للفراش الذي أصبح حضنها الوحيد بهذه الحياة.
عاد احمد بعد غياب ما يقرب من خمسة عشر يوماً سعيدا بنجاح أعماله بالخارج، هذا ما أخبر عائلته وأظهره لهم ولكن الحقيقة أنه كان يخضع لفحوصات و اشعه و تحاليل كثيرة لأجل مرضه.
ورغم محاولة أدهم وأمه إفشال هذه الزيجة إلا أن إصرار أحمد ارغمهم على الموافقة الإجبارية
و بعد عدة ايام و بصالون القصر تجمعت العائلة لعقد زواج أدهم و ألينا .
لا يوجد الكثير من الضيوف فقط عائلة أحمد كورهان وأخاه كمال كورهان واخته آيات ، بجانب السيدة سهيلة هانم صديقة العائلة و ابنتها لجين التي كانت تقف مكلومة كاظمة غيظها تتمنى حدوث اي كارثة تؤجل وتلغي هذا الزواج للفوز هي بفارس احلامها ادهم كورهان.
اقترب ظافر صديق العريس ليهدأ منه دون فائدة فمن يرى ادهم يشعر أنه سيمضي بعد قليل على قرار وفاته وليس زواجه.
وصلت العروس بصحبة السيدة مليكة الحنونة ، لم تتوقع جيهان خروج ألينا بهذا الجمال بإطلالتها البهية بالأبيض فبرغم انها اختارت لها فستان بسيط لا زينه به ولا روح بحجة حزنها على أمها إلا أنها شعرت بالندم فبساطة الفستان جعلها اميرة حقيقية حين ابرز و اظهر جمال من ارتدته.
من جديد سُحر أدهم بهذا الوجه البريء الهادئ الطبيعي بدون مساحيق كثيرة أو تدخلات بشرية.
اقترب منه عمه كمال كي يحثه على الذهاب بجانب العروس و اصطحابها لطاولة عقد الزواج، زاد ضيقه حين تذكر قرب إمضاءه على عقد كهذا ولكنه لم يجد أمامه سوى الخضوع وفعل ما يريدون .
اقترب منها دون ان يلمسها مشيرا لها بعينه كي تتحرك بجانبه نحو الطاولة، وبهذا الصمت وهذا البرود تحركا سوياً ليجلسا على الطاولة لتبدأ مراسم الزواج.
سأل مأمور الزواج ألينا بولات هل تقبلين بالزواج من أدهم كورهان أم لا .
نظرت عيونها الحزينة نحو جيهان هانم لتتذكر حديثها الأخير معها
:" فكري جيدا انا لا أقبلك زوجة لابني ، عليكِ الفرض على طاولة النكاح أمام مأمور الزواج، ولكن أن استمريت بالصمت والقبول سأجعل هذا القصر قبرا لكِ"
ابتلعت ألينا ريقها وهي تنظر لخالها أحمد متذكره وضعه الصحي و طلبه الأخير منها،
فرح ادهم بحالتها متوقعاً معارضتها وعدم قبولها للزواج فمن يرى عيونها وحالتها المحتقنة لا يمكن ان يتوقع أن ترد " بنعم" كما قالت.
صفق الجميع بترقب وقلق، ليسأل المأمور ادهم نفس السؤال ولكن بصيغة أخرى:
" أدهم كورهان لقد وافقت عروستك بالزواج منك فهل أنت أيضا تقبل بهذا "
نظر أدهم لعمه كمال الذي ثبتهُ بنظراته القوية متذكرا آخر حديث بينهما حينما قال له:
" بني لا يمكنك معارضة ابيك انت تعلم هذا جيدا وايضا ثق تماماً ان كانت شخص اخر غير هذه الفتاه كنت أنا من سيقف امام اخي والدنيا كلها لمنع هذا الزواج، ولكن ثق بي الفتاة ليست سيئة بالقدر الذي تظنه " .
نظرت جيهان لابنها وهي تترجاه من داخلها ان يستمع لما قالته وحرضته عليه قبل ساعة من بدء موعد الزفاف.
طال صمت ادهم ليعيد المأمور عليه السؤال، تحرك احمد كورهان بمكانه مترقباً اجابة ابنه الذي نظر له وأجاب بضيق " نعم أوافق " .
لم تتحمل لجين موافقة حبيبها على الزواج هربت من المكان الى الخارج لتقف بجانب المسبح كي تستطيع التنفس، خرجت امها خلفها مسرعة من قلقها عليها.
صفق ظافر وعمته اويا كورهان وهما يقولان :
" قبله قبله قبله"
اتسعت اعين ألينا خوفاً بهذه اللحظة، وجد أدهم الفرصة ليقتص منها، امسك يدها المرتجفة و اوقفها بجانبه ليقترب منها بهدوء أماتها وأحياها به وهو يرفع يده ليحاوط وجهها مقتربا من شفتيها كي يقبلها.
أغلقت عينيها سريعاً وهي تشد من قبضة يدها، زادت ضربات قلبها السريعة التي تشير انها ستسقط مغشياً عليها بعد قليل، و بضحكة خبيثة لم تظهر سوى بعيونه رفع رأسه و قبلها من جبهتها قبله سريعة.
علت صفقات الجميع وهم يباركون هذا الزواج.
إلا جيهان التي تحججت بالخروج للشرفة لرؤية سهيلة هانم.
لم تطل مراسم الزواج كثيرا فالجميع استأذن وذهب ليترك الزوجين براحتهم.
تفاجأت جيهان بقرار زوجها بترك العروسين في القصر وحدهم لمدة أسبوع، ليس هذا وحسب بل اعطى نيجار و مليكة وسنان اجازة بهذا الاسبوع الخاص.
فرغ القصر على العروسين تحركت ألينا بخوف بعد ان ودعت الجميع لتدخل غرفة الضيوف التي اعتادت على التخفي بها.
وقف أمامها بأعينه الغامزة ووجه الذي يعلوه ضحكات خبيثه قائلا :
" إلى أين أيتُها العروس؟"
نظرت له بعيون خائفة وجسد يرتجف دون رد، أومأ هو رأسه قائلا :
" تمام اعلم انه لا يوجد رد مقنع على أسئلتي ولكني لا انتظر الرد و خاصة بهذه الليلة "
امسك يدها متحركاً بها بشموخ وانتصار وقوه ووجه أشبه بالذئب الذي امسك بفريسته متجها نحو غرفته الخاصة.
فتح باب الغرفة مشيرا إليها كي تدخلها ، ابتلعت ريقها و وزاد ارتجافها وهي تنظر داخل الغرفة، ليبتسم رافعا يده نحوها قائلا:
" اعطني يدك و لا تخافي "
زاد ارتجافها حتى اصبح ملموساً وظاهراً عليها لتتغير ملامح وجهه وهو ينظر لها ولأول مرة بنظرات شفقه ورحمه قائلا :
" اعطني يدك ولا تخافي"
رفعت يدها المرتجفة الباردة و وضعتها بيده ليغلق عليها ويشد من قبضته، بدأ بخطوات ثابتة قوية يدخل الغرفة وهي معه مغلقاً بابها عليهم لتبدأ أولى لحظات بحياتهم الزوجية.
دخلت مبتعدة عنه دون وجه كان كل ما يجول بذهنها الابتعاد عنه كي تهدئ من تسارع نبضات قلبها وارتجاف جسدها، بدأ السير نحوها خطوة تلو الخطوة بقوة وثابت وعيون لم تسقط من عليها كانت تشعر بثقل نظراته يسبق اقترابه تسارعت أنفاسها بلا رحمة، تعلم أنه لن يتركها الليلة انتصارا لكرامته في تجاهلها له وعدم الرد عليه باخر أيام، شعرت برأسه تميل عليها تقترب من وجهها ليزداد ارتجاف جسدها وتسارع نبضات قلبها مغمضة عينيها تردد في أعماقها وكأنها تتمسك بطوق نجاة:
" ساعدني يا الله "
انتهت أحداث الفصل الأول
طبعا البداية لم تكشف سوى القليل لذلك إذا نال الفصل أعجبكم، فلا تبخلوا عليّ بكلمة "كملي" في التعليقات بجانب توقعاتكم للأحداث القادمة.
في انتظاركم بكل حماس وشوق.
إلى اللقاء
يتبع……
