خيط من حرير
الفصل السادس عشر
بقلم سميحه رجب ♥️
السماء ملبدة بالغيوم الرمادية المظلمة، والرياح العاتية تهب بشدة، مما جعل الأشجار تتأرجح بشكل مخيف، زهرة بالحديقة الخارجية تتابع حركة الأولاد ولعبهم مع عمتهم تطمئن أنهم هدأوا ولو قليلا بعدما أفزعهم والدهم بردة فعله العنيفة والغير مفهومة بالنسبة لها، تناظر هذا القصر من الخارج وهي تشعر بالضياع والقلق من نتائج اختياراتها في الحياة.
فكرت في كل قراراتها التي اتخذتها في الماضي، من اول قرارها بالزواج من كرم وصولا لطلاقها والزواج من خالد، وتتسآل بحيرة وقلق:
هل ذهب كل شيء على نحو خطأ؟
لقد اخترت بعقلى و تزوجت من طبيب وظننت بهذا اننى سأرتاح حين اتزوج من يمتهن نفس مهنتى ولكن اتضح انه مجرم بالأخير واستحالت الزيجة لكابوس بشع لم تنتهي آثاره بعد فلقد كانت النتيجة... فقدان ابنى!
وحين حدت عن فكرة العمل وتزوجت من ألتزم بيته واقضي حياتي لأجله ولأجل اولاده وفضلت الامومة عن العمل اصطدمت بشخص ربما لا أعرفه، احيانا اشعر انى اقرب من نفسه إليه وأحيانا أخرى ادرك اننى لا اعلم عنه سوى ما يريده هو!
هل زهرة الطبيبة النفسية العالمة بخفايا الأنفس البشرية تقف عاجزة امام هذه الشخصية؟
رفعت نظرها للسماء تتنفس بعمق مرددة:
يا ألله رغم غموضه ولكننى أحببته، لقد عجزت من فهمه وفهم قلبى، من جانب يحترق حسرة على خسارتي لابنى ومن ناحية اخرى يجازف للبقاء لاجل زوجى واطفالى الآخرين، أحيانا اتهم نفسي بعدم الإحساس ولا المسؤولية فكيف لهذا القلب أن يحب ويعشق وقرة عينى غائب عنى وكل الطرق التي ستوصلني إليه تتلاشى واحدة واحدة.
هل افتتاح صفحة جديدة والبدء من جديد مع خالد كان خطأ فادحا يستحق خسارتى لأنس!
خفضت نظرها ليقع على نوح الجالس بحجر عمته يراقب ملك واحمد وهما يتدارسان ويكتبان واجباتهما مردفة بحسرة:
ربما لولا نوح ما خطت يدى سطرا بهذه الصفحة ولكن منذ أول لحظة وقلبى بقلبك مربوط يا صغيرى، أرى أنس مختبئ بين جفونك وأرجو أن اجمعك به.
بدأت الأمطار تتساقط فتحركت لتدخل إلى المنزل وفور دخولها شعرت بالبرودة أكثر، فذاك المنزل رغم كثرة المتعايشين به إلا أنه فارغًا من مشاعر انسانية لا تقوم العائلة إلا بها، لا يوجد أحد يهتم لراحة وسعادة غيره، تسيطر الأنانية وحب الأنا على الجميع فكيف سيعشش الحب بين أركان بيت لأم تحمل بين ضلوعها الحقد والجحود لا غير؟
فقط صمت مزعج يغلف المكان، رغبت فى البكاء بشدة ولكن منعها كبرياؤها لئلا يبصر أحد حيرتها وضعفها خصوصا صفية، لتستهل خطواتها نحو الطابق العلوى متوجهة حيث يتواجد خالد، تمشي ببطء وهى تشعر بالضياع والقلق من مستقبلها ومستقبل صغيرها المفقود، لم يكن لديها أي فكرة عما يجب عليها فعله، وكأنها تشعر بأن كل شيء على وشك الانتهاء!
و بغرفة نومهم يجلس أرضا مسندًا ظهره على الفراش ضامًا ركبتيه الى صدره دافنًا رأسه بينهما، يبدو انه سافر مجبرًا إلى ذكرياته الموجعة، فليس هناك شيء يؤثر على الإنسان كذكريات الماضي، فقد يعيش المرء حياةً هادئة ومستقرة، ولكن حين تباغته الذكرى القاسية، يصبح كل شيء مضطرباً ومشوشاً.
اقتربت لتجلس جواره وبيديها أحاطت كتفيه مسندة رأسها على رأسه بعد أن رفعها لينظر إليها بعينيه المحتقنتين تكاد الدماء أن تفر منهما بدلا من الدموع، ليسألها بضيق:
كيف يمكن التخلص من تلك الأوجاع والجروح؟
مهما فعلت وكلما حاولت اظن اننى نجحت فى التخطى ومع أول مواجهة أعود للخلف عشرات الخطوات، اظنني تجاوزت وبالاصل فالأحداث لا تتلاشى بالعكس فهي تتراكم ويبقى الألم والجروح النفسية تحت السطح، وعندما يحدث شيء يذكرني بالماضي، يعود الألم وتتفتح الجروح تؤرقني مجدداً، بربك دلينى لكيفية التخلص من ذاك الماضي وذكراه القاسية!
ابتسمت كعادتها وكأن الابتسامة هى سلاحها لكسر شوكة ماضيه العنيد وبصوتها الهادئ الباعث للسكينة أجابته:
لا يمكن التخلص من ذكراه بالكامل، ولكن الاصح أن تقبلها ووتعايش معها، وبالتدريج قد يصبح الألم أقل حدة و الجرح يشفى، ومن الأمور المهمة التي يمكن القيام بها، هي تحويل تلك الأوجاع والجروح إلى دروس وتجارب، في النهاية التذكر دائماً له جانبين، الجانب السلبي والجانب الإيجابي، ويجب على الإنسان اختيار الجانب الذي يساعده على التعافي والتقدم في الحياة.
هز رأسه نافيًا ما تقول ليرد بيأس:
حاولت واخفقت.
اعتدلت بجلستها ونطقت بكلمة واحدة كانت كشعلة الانطلاق بالنسبة له:
احكى.
ليستند على كتفها كما اعتاد على مدار عام وأكثر، بكل مرة يحتاج لجلسة نفسية يستند بثقل رأسه على كتفها ويحكى ويشاركها بما ينغص عليه حاضره….
" بعد حادثة السم نجوت منها وبعدها بأيام استفاق والدى من غيبوبته لينجو هو الآخر ولكن كان شخصا لا اعرفه، كنت أخال بعقلى الطفولى أنهم بدلوه داخل المستشفى بشخص آخر قاسي وصعب حتى النظر إليه، كل ما رغبت به مجرد عناق بسيط يخبرني انني لست وحدى، صحيح خسرت أمى واختى لكنه مازال موجودا ليتضح بعدها أننى خسرتهم جميعا او أن السم لم يختلط بطعامنا وحسب بل تغلغل لحياتنا وأيامنا على هيئة إنسانة كصفية، تزوجها أبى بعد أشهر من الحادثة وكأنه ينتقم من أمى بهذه الفعلة وسلم مقاليد تربيتى لزوجته … إلى هنا فأنت على دراية بالأمر …
صمت برهة يتنفس بعمق ثم أكمل:
بيوم من الأيام أثناء جلوسي خلف بيتنا القديم المتهالك وجدت طائرا يسقط بجانبى، اقتربت منه فوجدت حمامة بيضاء خارقة الجمال بريشها الناصع البياض، وعينيها السوداء اللامعة تتلألأ ببريق يشبه الماس؛ لكن على جناحيها وجسدها تظهر آثار جروح مؤلمة، أجزاء من ريشها مفقودة وبعض الجروح التي لم تلتئم بعد، فيبدو كأنها قد مرت بالكثير من التحديات والصعاب، لكن مع ذلك فإن جمالها ظل خارقًا ولا يُضاهى، حملتها بين يدي ودخلت البيت وعسكرت بغرفتى وبدأت اطعمها واداويها حتى مر شهر بأكمله، ارتبط خلاله بهذه الحمامة ولم تكن طائرى المفضل فحسب بل كانت بمثابة ملجأ ألجأ إليها افضفض لها بكل ما يؤلمنى، وفي إحدى الصباحات استيقظت صفية على صوتى وانا الاحقها بالغرفة تطير امامى وصوت ضحكاتي يختلط بصوتها الذي يصدح كالسجع وهو أكثر ما علقنى بها ففى حزنى كنت اسمعه بكاءا وفى فرحى اسمعه غناءا، وكأنها استكثرت أن تراني سعيدا فتعمدت أن تفتح النافذة حتى تخرج منه وتطير وخافت منها الحمامة و طارت للبعيد، ولكن بعد لحظات عادت مجددا بعد أن خرجت صفية من الغرفة، وحين سئمت من محاولات تسريبها استيقظت يوما لأجدها معسكرة أمام فراشي بيدها الحمامة وباليد الأخرى سكينا وبكل برود نح*رتها أمام ناظرى، ولم تتوقف او تكتفى بفعلتها بل طبختها واجبرتنى إما أن أكلها أو تطلب من أبى أن يطردنى من البيت.
شعرت حينها بالحزن والصدمة والغضب، اعترانى شعور بعدم الأمان والخوف من أن يحدث لى شيء مماثل، كيف لطفل لم يتجاوز الصبا ان يتحمل ان والدته عزمت على قتلهم وذهبت شقيقته ضحية بالفعل، وزوجة أبيه سعت لتدمير البراءة بقلبه، حطمت روحى بأفعالها ومعاملاتها القاسية فلم يكن عهدى بقسوتها ذب*حها للحمامة فقط بل زاد الأمر لضربى بسبب وبدون سبب وتفترى علي باتهامات باطلة أمام ابى، حتى وصل الأمر لتخبره اننى سرقت من ذهبها.
وكانت النتيجة ان صدقها وكان العقاب من وجهة نظرها أن يعلقنى بالسقف وقد كان ، تحول أبى بعد حادثة أمى إلى مسخ وشخص غير سوى أصبح يكرهنى بفضلها حتى أنه طردنى ذات يوم، ذاك اليوم الذي تغيرت فيه وبدأت فى طريقي لرسم شخصية جديدة لخالد وهي ما أنا عليه الآن، حرموني أن أكمل تعليمى وبدلا من الذهاب للمدرسة مثل بقية الأطفال وجدت نفسي بالشارع، لولا أن ظهر مراد من العدم لكنت مت جوعا وعطشا.
لم أعد إلا بعد سنوات كبرت فيها وعلمتنى الحياة بقدر يكفي لأصبح الشخص الذى ترهبه وتخشى بطشه، صفية التي لم يقدر عليها أحد لا تخاف سواى ولكن المؤلم أنني لم أتجاوز بعد… ومازالت على دراية بنقاط ضعفى وتتعمد إظهارها لتعرينى أمامكم وأمام نفسي.
المشكله انهم عائلتي فلا أستطيع أن أبتعد ولا أتمكن من الاقتراب فهناك جروح اصيلة تحول بينى وبينهم، أشعر كأنى فى المنتصف المميت لا أستطيع أن أتجاوز او انسى…
وبقبلة حانية على رأسه وابتسامة رقيقة حين اعتدلت لتجلس أمامه وكأن السكن والدفء أصبح أسيرا بين يديه، طريقتها التى اعتمدتها للتخفيف عنه فى كل مرة تبهره، تجلس صامتة تحنو عليه بكفيها هو يفضفض بما يثقل قلبه وهى تستمع وتجيد الاستماع وكأنها رزقت نصيبا من الخفة التي تهون بها أحماله وتحاوطه بالهدوء فى الإقامة وفى السفر، شريفة اصيلة جميلة القلب والنظر.
____________
بهذا الوقت تجلس ياسمين باحدى المطاعم تقلب فى هاتفها تطالع صور والدها وخالتها منال وتراسل زهرة لتطمئن عليها ثم تعود لتتأمل في الذكريات التي تربطها بالعامين الماضيين، تتذكر كيف كانت حياتها مليئة بالأمل والتفاؤل وكانت تستعد لمواجهة تحديات جديدة، ومع ذلك، فإن حالها الآن مختلفة تماماً. فقد تعرضت للعديد من التحديات والصعوبات وأصبحت تشعر بالحيرة والقلق، وتساءلت إذا ما كانت قراراتها السابقة كانت صائبة أم خاطئة، رغم أنها متأكد من خطئها ولكن بدأت تقارن حال نفسها الحالية بحالها قبل عامين، وتساءلت إن كانت تقدمت بالفعل في حياتها أم لا، تشعر بالقلق والحيرة والريبة من مستقبلها المجهول، فهي لا تعرف ما الذي يمكن أن تفعله لتحسين حالها فبالنسبة لها ما انكسر يستحيل إصلاحه فمن يعيد إليها أبيها من قبره ومن يعود إليها هدوءها وحبها للحياة ومنظورها للأشياء وأن كل شيء فيه خير، اكتشفت بعد الذي حدث أنها كانت ساذجة لأن الحياة ليست بتلك اللذة التي تخيلت.
قاطعت أفكارها ليلى حين وضعت يدها على كتفها ترسم ابتسامتها المبهجة على شفتيها ثم جلست قبالها وقالت:
ما يشغل بال الياسمين؟ منذ لحظات وأنا أراقبك وأنت شاردة.
ابتسمت الأخرى وردت:
قولي مرحبا قبل أن تستلميني.
ليلى ضاحكة:
مرحبا، هل طلبت الأكل؟
ردت ياسمين وهي تنظر للقائمة:
ليس بعد لا أعرف ما تفضلين لذا انتظرتك، لكن لنتفق صحيح سادفع لكن تذكري أنني أعمل بمرتب بسيط عند أخيك وكل هذا اللقاء كي تقدمي لنا واسطة عند أخيك لرفع الراتب.
ضحكت ليلى مقهقهة وردت:
من عيوني يا عيوني.
طلبتا الطعام وبقيتا تنتظران قدومه، لحظات مرت كل منهما تنتظر الأخرى علها تفتح حديثا، تنهدت ليلى براحة وقالت:
ها أخبريني ما أخبار العمل مع مديرك؟ كل يوم يتأخر بالقدوم يبدو أن العمل هذه الأيام مكثف.
ابتسمت ياسمين وقالت:
لا العمل كما جرت العادة لكن مدير العمل هو الذي على غير طبيعته.
طالعتها ليلى مستفهمة فاعتدلت ياسمين وأضافت:
مراد قلق عليك يا ليلى، نادرا ما كنت أراه هكذا، طوال الوقت يفكر وتائه، طوال الوقت متوتر وعصبي، سألته لأكثر من مرة مابك وكل مرة يقول لا شيء.
سكتت ليلى برهة ثم ردت بحزن:
لربما حقا لا شيء و أنت تتوهمين.
ردت ياسمين:
لا يكف عن النظر لصورتك كل حين، مراد وتعرفينه يحمل نفسه مسؤولية الآخرين ويقلق لشأنهم أكثر من اللازم، ذاك جزاء الشهامة والمسؤولية، حقا أمثاله أصبحوا نادري الوجود، مع أنه لا يطاق أيضا هذه لا تنسيها.
ضحكت ليلى على حديثها الأخير وردت:
هل تمدحينه أو تذمينه؟ حددي موقفك ياسمين.
ردت الأخرى بجدية:
أقول الحق فقط، فيه كل خصال الرجولة الحميدة لكنه مستفز ولا يطاق ودماغه كالحذاء القديم، العفو منك مع احترامنا لأخيك طبعا.
كتمت ليلى ضحكاتها و حمحمت ثم قالت:
معك حق، في زمننا هذا أمثال مراد يؤذون بشهامتهم وطيبتهم وتحملهم للمسؤولية أكثر من الآخرين وأعرف أنه يقلق لأجلي أكثر من اللازم، أصلا هو من رباني، أبي لم يتحمل مسؤوليتنا يوما وأمي لم تكن بتلك الشجاعة لتحمينا من أذاه وقسوته، لذلك انتقلت أنا ومراد للعيش لوحدنا وبعده عن أبي خلق فجوة كبيرة بينهما.
أمسكت ياسمين يدها وضمتها بحب مردفة بصوت خفيض:
وأنت تريدين سد تلك الفجوة.
مسحت ليلى تلك الدمعة التي فرت من عينها وأردفت بضيق:
كل الذي أتمناه أن نعيش كعائلة، أن نجتمع يا أختي ولو حتى بالأعياد وشهر رمضان لا أكثر، أقدر موقفه لكن من حقه أن يألف جو العائلة، كثير عليه كل تلك السنين التي عاشها وحيدا، وحين فتحت السيرة امتعض.
تحدثت ياسمين حينها قائلة:
قلبه لين، سيعاندك يوما ثم يوافق لا تقلقي، وأيضا إن احتجت لأن تتحدثي مع أحد أنا هنا بجانبك دائما.
ابتسمت ليلى بمكر وقالت:
يبدو أن أحدهم يعرف مراد حتى أكثر مني.
اعتدلت ياسمين ونظرت يمنة ويسرة تهرب من نظراتها ثم رددت بتوتر:
إن جئنا للحق هو أخف وطأة من صهري لكن أعود وأكرر لا يطاق.
نظرت ليلى جانبا وقالت:
ها قد أتى الأكل، لنأكل أولا فأنا أشعر بالجوع ثم نتحدث بموضوع لا يطاق هذا من أي ناحية.
مضى الوقت وحل المساء…
يقف خالد أمام مخزنه السرى الصغير للآثار، وهو ينظر إلى النافذة المزدحمة بالقطع الأثرية المختلفة، يشعر بالحماس والتوتر في آن واحد فكأنه شخصية آلية بضغطة زر يتحول من خالد الضعيف الذى كان غارقا بأحزانه فى الصباح إلى خالد تاجر الاثار الذى يخشاه كبار التجار بالعالم، ابتسم بفخر حين تذكر أنه تعاقد مع رشيد شريك كرم على صفقة جديدة لشراء قطعة نادرة جدًا من تاريخ الإمبراطورية الرومانية.
فتح يحيى الباب ودخل ليجده في انتظاره تحدثوا لبضع دقائق عن التفاصيل الأخيرة للصفقة، ثم انتابهما شعور بالإثارة والدهشة عند رؤية القطعة التي كانوا سيشترونها ليهتف خالد بانبهار:
إنها قطعة فريدة من نوعها، مصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة، وكان يُعتَقَد أنها كانت تستخدم في مراسم دينية خاصة، خذها واذهب لتسليمها لرشيد واخبره اني انتظر زيارة منه قريبا.
اومأ يحيى بالايجاب وبدأ يرتبها فى الصندوق ثم قال مبتسما مشيرا لصندوق اخر يحوى قطعة اثرية اخرى:
ولكن هذه تشعرنى بفخر وسعادة ولا أصدق أننا نجحنا فى شراء تلك القطعة النادرة التي ستكون بداية ضربتنا لكرم وللعصابة بأكملها.
اقترب خالد من الصندوق ليفتحه ونظر للقطعة بنظرة فخر واعجاب قائلا:
قبل أن تذهب ابعدها عن هنا وضفها إلى باقى مجموعاتنا الثمينة واحذر أن يسمع رشيد بها، سنعطيه المتبقي منا ويجعله يعتقد أننا نعطيه الكثير حتى نوقع بينه وبين كرم وبهذا نكون ضربنا احدى جهات قوته وبعدها نتجه للجهات الأخرى واحدة واحدة حتى يصبح عاريا دون قوة تحميه.
ليبتسم يحيى وهو يغلق الصندوق الذى جهزه لرشيد وتحرك ليجلس على كرسي بالخلف هاتفا:
لا يستهان بك يااخى، أتمنى لو اكتسب بعضا من حنكتك وذكائك وانت تتعامل مع الموضوع بحذر وحسم، وبنفس الوقت تضع مصلحتنا وانتقامنا في عين الاعتبار، ولكن اخبرنى كيف لم تشعر زوجتك بشئ حتى الآن؟ ألم تتزوجها للانتقام من كرم وهى على دراية بأعماله؟
ليلتفت نحوه وقد استحال الشغف بعينيه لغضب آثار أوجاس يحيى الذى فهم انه لامس نقطة الخطر بعقر حياة صديقه الذى اقترب منه قائلا:
لا علاقة لزهرة بمشاكلي مع كرم، لقد تزوجت من زهرة لرغبتى بها زوجة وشريكة حياة، لقد مال إليها قلبى قبل طلاقها ولكنني منعت نفسي من الحديث معها بالموضوع حتى لا اجرح عفتها، أردت كثيرا أن أعبر لها عن إعجابي ولكن كونها متزوجة وكونها زهرة بالأخص هذا ما جعلني امتنع حتى تطلقت.
ابتسم الاخر مردفا:
وانا اقول كيف استطاعت تغيير خالد بهذه السرعة!
جلس جواره وعينيه تلمع بشرر قائلا:
تغيرت ولكن لم احيد عن انتقامنا، وجود زهرة ومراد جعلني ازداد اصرارا فان اصابنى ضرر او قت*لونى سأكون مطمئنا على صغارى بأمانة زهرة ومراد.
صمت برهة ثم أضاف:
لماذا لا تذهب لوالدتك؟ تعتقد انك تعففت عن الأخذ بثأر أخيك نوح.
رجع يحيى بظهره للخلف مجيبا:
لن أعود الا وعلى كفى د*ماء من قت*لوا اخى.
لم يصر عليه بل وأيده فيما قرره، بالأخير قرارهما وطريقهما واحد وابتعاد يحيى عن والدته سيجعلهم يصدقون أنهم لا يسعون للثأر كما يخططان.
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلاً، والشوارع خالية تماماً باستثناء صوت خطواته الثقيلة التي ترددت في كل زاوية، كانت الأفكار تدور في رأسه بسرعة، والقلق ينخر في قلبه بلا هوادة، لم يكن يدري ماذا سيفعل، فلقد اصبحت حياته مليئة بالخطأ والضلال، والمتعاكسات بدأ يتعب من حياته المليئة بالمتضادات لا يعرف من هو؟ هل هو خالد المسكين المظلوم فى حياته وطفولته، أم خالد القوى الذى لا يقدر عليه أحد؟
يمشي دون هدف محدد، وكل ما يجول في رأسه هو التفكير في نتائج اختياراته وقراراته وطرقه المجهولة الهوية، لا يعرف إلى أين سيذهب فقط يحاول الهروب من نفسه ومشاعر الضغط التي يحملها.
فجأة، شعر بحرارة شديدة تغزو جسده، وصوت صافرات إنذار يزعج آذانه. نظر حوله ليجد نفسه أمام هذا البيت الذى تقوده قدماه إليه كلما احتار وتاه فى دروبه، لم يكن لديه خطط للمجئ إليها ولكنها كانت تنتظره وكأنها تدعوه إليها بجلوسها أمام البيت تبكي ابنها، ترددت لحظة، ولكن القلق والضياع دفعانه للجلوس جوارها قائلا:
ايامى طويلة ومزدحمة بالأفكار يا أم نوح.
مدت أم نوح يدها المرتعشة لتمسك بيديه هاتفة:
لن تشعر بالسلام حتى عند وصولك الى المحطة الأخيرة، هذا الطريق يأخذ ولا يعطى فلقد اخذ نوح وهاهو يأخذك انت الاخر ومشاعر القلق والضياع تسيطر عليك، يجب أن تفهم أن اختياراتك هي جزء من حياتك، ولا يمكن تغييرها، لذا قرارك بالثأر لنوح يجب أن تستقبل المستقبل وثأرك سلاحك وتخرج من هذه المعركة منتصرا لد*ماء صديقك وتعود سالما لأبنائك.
أومأ برأسه مقتنعا بما تقول وأردف بضيق وأسى:
ولكننى أخشى على زوجتى، هكذا سأكون قد ظلمتها فلقد فقدت أثر صغيرها وفشلت فى الوصول إليه..
قاطعته:
لأنك مشتت يجب أن ترتب أهدافك ومساعيك، فلتنتقم لنوح وتغلق هذه الصفحة وبعدها تبحث عن الصغير وتعيده لحضن أمه ثم تتفرغ لصفية وابنها، فالعقارب حولك كثيرين ويجب أن تتريث وتخطو بعقلانية نحو أهدافك، لماذا تعتقد انهم سيقت*لوك؟
حركت كفها لتلامس خده بحنان مضيفة:
لن يكونوا السبب فى حرمانى من الثلاثة، الأول نوح ثم يحيى لم يتبقي لى سواك من ذكرى الغالي، ثم ان حبك لزوجتك واضح فلماذا تفكر فى حرمانها منك؟ فلتفكر بهدوء ولن يساعدك على هذا سوى حضن زوجتك وأولادك.
تنفس بعمق مقبلا يدها ثم اعتدل قائلا:
أريدك معنا بالقصر الكبير لفترة، لتكوني عونا لزهرة ضد صفية.
تسائلت بضيق:
هل تعرضت لها؟
هز رأسه نافيا ثم اجاب:
لا تخبرنى ولكن أشعر بعدم ارتياحها وتجنبها لها، أعلم انه صعب عليك ولكنها اول مرة اقصدك طالبا شئ.
وافقت على الذهاب معه فى اليوم التالى، فهى بدأت تشعر بالعجز هنا وحدها، وبدأت تمل من البقاء وحيدة وتدرك جيدا أن وجودها سيضايق صفية وربما تلفت نظرها إليها وتنصرف عن أذى زهرة.
نهض بعد أن ودعها ووعدها أن يأتى فى الصباح ليصطحبها معه للبيت بعد أن تودع بيتها كما تريد، اقترب من القصر ليجدها تنتظره بجانب الباب الكبير..
أسرع نحوها يسألها بذعر:
هل نوح مريض؟ أم ملك؟ هل احمد بخير؟ لماذا تقفين هكذا اخبرينى؟
ابتسمت نافية ظنونه ثم قالت:
الجميع بخير عداك انت.
تنفس بعمق بعد أن فهم أنها هنا تنتظره، فأردف:
انا بخير.
أمسكت يده وأشارت إليه للمسير فتحركا سويا لتقول:
أعلم أنك لست بخير، ومع ذلك أحبك كما أنت؛ بكل ما تُظهره وما تُخفيه، حتى الأوجاع التي تدفنها في أعماق قلبك. لستَ بحاجة إلى التظاهر بالقوة أو ادعاء أنك بخير كي أختارك. لن أعدك بأن أُزيل ألمك، لكن أعدك ألا تواجهه وحدك؛ سأكون يدًا تحمل النور، ويدًا لا تترك يدك مهما اشتد الظلام.
ابتسم دون أن يلتفت إليها بل شد على كفها المعانق كفه قائلا:
احيانا اشعر اني اظلمك معي، حملتك مسؤوليتي ومسؤولية أبنائى وعجزت عن إيجاد ابنك…
قاطعته بيقين:
ابنى لقد استودعته عند ربى وما عند الله لن يضيع، سبحانه هو الحكيم العليم ورغم شوقى وحسرة قلبى على بعده ولكن كلي يقين ان بعده إنما لحكمة بالغة كما سيكون لقائنا لحكمة ان شاء الله، لقد التقى يعقوب بيوسف بعد عقود ولكن بالنهاية قرت عينيه بلقاء صغيره، يعنى مهما ضاقت واستحكمت حلقاتها ستفرج، ربما قلبى يدمى وانا اقول هذا الكلام ولكنه والله ليس قلة حيلة بل يقين لقد صدقت الله وسيصدقنى.
زفر بحنق وكأنه يخرج من صدره نارا كالشرر مردفا:
ليتنى مثلك..
لتقاطعه: الطيور على أشكالها تقع لا تنسى…
ليكمل نافيا قولها:
لا لستُ مثلك، بل أنا احتمالٌ أُلغِي قبل أن يُولد، وفكرةٌ شُطبت من المسودة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أبدأ، ثم لم أبدأ؛ تهيأتُ للحياة لكنها مضت من دوني، فبقيتُ خلف الستار أشاهدها تُصفّق لغيري.
تعلقت بذراعه واكملا المسير وهي تطالع القمر قائلة:
انظر الى القمر كيف يتحرك السحاب ليقف أمامه يحجب نوره لوهلة قد تطول او تقصر ولكن الثابت أنها تتحرك وتزول ليشع ضيائه من جديد، هكذا هى الحياة يا حبيبي مهما مرت غيومها وحجبت عنا الفرح فحتما ستنجلي تلك الغيمة، فقوانين الطبيعة لا تتغير وقلوبنا واحزانها هى شئ من هذه الطبيعة خلق منا إلينا.
وعلى خطى قمر تلك الليلة سارا بخطوات هادئة وهمسات خفية، يستمعان إلى صوت الشجر المتناغم مع الريح الخفيفة التى تلاعبه، ينظران إلى السماء الملبدة بالغيوم، ويشعران بالبرودة التي تضربهما لكنهما لا يهتمان بالبرد بسبب الدفء الذي يشعرون به من حضور بعضهما البعض هذا الدفء الذى كسا حياتهما الزوجية، وصلا إلى نهاية الطريق حيث جلسا على مقعد خشبي قديم ليضم كتفها ثم رفع رأسه ليرى القمر المكتمل في سماء شديدة البرودة يكسوها الغيم كغالب أيامهم، ليمر الوقت وهما على هذا الحال يستمتعان بالصمت المطبق والأجواء المثالية للراحة والسكينة والحب.
وفي أولى ساعات الصباح…
بعد أن استيقظت ياسمين على صوت الأذان ونهضت لتصلى وجلست قليلا تؤنس أمها فلقد اصبحت تجلس معظم الوقت وحدها بعد أن عادت أختها لبلادها خالية الوفاض، حاولت وأتتها من كل الطرق لكن ياسمين قابلتها بالرفض لا تزال فردوس تحاول الإستيعاب أنها فقدت منال تلك التى من لم تفكر بتركها يوما، لكن الموت حق وان حق الحق ما عاد للإنسان استطاعة على رده.
تحدثت فردوس برجاء قائلة:
يعني ماذا لو أجبتها بأنك ستفكرين وتردين لها جوابا بعد فترة بدل الرفض المطلق؟ إلى متى ستعاندين يا ابنتي؟ أما آن الأوان لتؤسسي عائلة؟ أما آن الأوان لأفرح بك؟
سكتت برهة تطالع أمها ثم ابتسمت وردت:
ولو فكرت سنة لن أغير رأيي أمي، أنا لا أريد أن أتزوج كم مرة سنعيد هذا الحديث أمي.
ردت أمها بضيق:
وتبقين على هذا الوضع؟ ما بك ياسمين؟ وضعك هذا لا يعجبني.
عبست برهة لكن سرعان ما عادت للابتسام وأجابت امها قائلة:
ما به وضعي أمي؟ أنا في منتهى السعادة، لا تصدقي ابن اختك ذاك فكل الرجال تبدأ هكذا بالنحنحة ثم بعد شهر من الزواج يبدأ موشح الرجل المصري أنت امرأة نكدية، رجاءا يا أمي اتركينا من هذا الموضوع ونتحدث بغيره أنا لم أصدق أن أختك التي هذ خالتي وابنها ثقيل الدم قد عادا لبيتهما وأنت كل دقيقة تذكرينني بهما.
طالعتها غاضبة وقالت:
اخرجي من أمامي يا ياسمين هيا.
ضحكت الأخرى وقامت من مكانها مضيفة:
حسنا حسنا فقط لا تغضبي يا سيدة فردوس، أصلا كنت ذاهبة منذ زمن أريد تنظيف المطبخ قبل أن أعد الفطور، وأخيرا سنرتاح من طبخ المحاشي قليلا، لكن قلت لأسليك.
أشارت أمها لها بأن تنصرف دون أن تنطق بحرف فخرجت ياسمين ضاحكة و تركتها في سريرها متمددة وانسحبت إلى المطبخ، تظن أنها ان هربت من تساؤلات أمها ستهرب من اجتياح المشاعر الذي أصاب قلبها، مع مرور الزمن ونتاج كل الذي عاشته تحول حزنها لصمت وصمتها لوحدة ساشعة لا تحتويها إلا هي، لكن على غير عادتها صارت ثرثارة، لكن لا يحلو لها الحديث وترهة الكلام إلا معه.
طرق الباب طرقا خفيفا غير مألوف، توقفت عن التنظيف ونظرت للساعة ثم رددت بهمس شفاه:
خير يارب من سيأتى الآن، الشمس لم تشرق بعد!
وضعت اسفنجة التنظيف جانبا وازالت القفازات ثم تحركت نحو الباب بهدوء لكن الطرق ارتفع أكثر فخفق قلبها خوفا وهرولت لتفتحه وما إن فعلت حتى اندفع إلى الداخل حتى كاد يقع، نظرت إليه دهشة وقالت:
أدهم! ماذا تفعل هنا؟ رباب ليست هنا؟ وما هذه الحالة التي أنت بها؟ رائحتك مقرفة، هل أنت سكران.
ابتسم واقترب منها مترنحا وقال:
ألا تزالين تتذكرين رائحتي؟
أبعدته بإصبعها وقالت غاضبة:
هل أنت أحمق؟ هيا أخرج من هنا واذهب لزوجتك كي تحتوي جنونك وسخافتك هيا، أخبرتك أنها ليست هنا، مقرف
رد مقتربا منها مرة أخرى:
لماذا يا ياسمينتي؟ لم تطردينني؟ لم لا تريدين حتى النظر إلى؟ انظري جئتك بضعفي وقلة حيلتي ولا أفكر في أذيتك، ألا أستحق فرصة؟ سامحيني حبيبتي، سامحيني ولنفتح صفحة جديدة ولننسى الماضي، لا أستطيع نسيانك
طالعته مندهشة ومن صدمة ما قال ضحكت مقهقهة وردت:
صدقا انت مجنون ولا يؤخذ عليك، الصفحة التي تحترق أنت وهيا معا يارب، هل ستخرج أم أخرجك بطريقة لا تعجبك؟ هيا انصرف.
نادتها فردوس من الداخل قائلة:
من هناك ياسمين؟
ردت قائلة:
لا شيء أمي أبناء الجيران المشاغبين كالعادة يستيقظون بهذا الوقت قبل المدرسة لا تقلقي سأربيهم.
لم يكن يسمعها فسكره أفقده كل حواسه، بالكاد يقف والعرق يتصبب منه بينما هي لا تزال تتحاشا النظر إليه ولمنظره المقرف، وعلى حين غرة اندفع نحوها فعادت للخلف سريعا وصرخت:
ابتعد لكنه ما ابتعد بل اقترب أكثر وأمسك بها وقال:
اشتقت إليك ياسمين اشتقت كثيرا.
غص قلب فردوس حين سمعت صراخ ابنتها فنادتها:
ابنتي ماذا هناك؟ لكنها لم ترد لم تكن تردد إلا الصراخ فهلعت أمها وأخذت تنادي:
ياسمين هل انت بخير؟ من هناك.
وفي قمة حاجة ابنتها لها، عجزت…..
دفعته عنها وصرخت:
ابتعد عني اللعنة عليك ماذا تفعل هل جننت؟
لم يكترث لصراخها فاندفع نحوها ثانية وامسكها مرددا:
قبل أن نعود كما كنا لن أذهب ياسمين، لم أعد أستطيع العيش دونك، أنا أحترق.
عجزت عن صده لكنها لا تزال تحاول، أما فردوس فلم تستطع لانقاذ طفلتها من الخطر الذي عرفت ماهيته سبيلا، خانها جسدها للمرة الألف لكنها لا تزال تحاول، تحركت بصعوبة تناديها بخوف:
ياسمين ابنتي، ياسمين يا قلب أمك أجيبيني ابنتي، لكن ما إن تقلبت جانبا حتى سقطت أرضا، تألمت من كل شبر في جسدها فصرخت، لم يسمعها أحد فياسمين لا تزال تستصرخ تطلب النجدة عل أحدا يأتي ويفكرها من قبضة أدهم السكير، ارهقت روحها وهاهي بين قبضته تعيش آخر الفصول قبل أن تتساقط، أما فردوس فلا تزال تنادي حتى كاد صوتها يختنق، رفعت يدها وارتكزت على الحائط تستنجد بأصابعها المرتجفة أن تنصفها وتقاومه، تمكن منها فأدركت أنها رغم كل القوة التي كانت تظهر وتصطنع ضعيفة أمام عاصفة الماضي إن شاءت أن تعود، وأنها بكل ما أوتيت من صلابة هشة…
ابتسم بخبث فقد ظفر بها أخيرا بعد سنين طوال ثم انقض عليها كالذي تضور جوعا لسبعين سنة وأتته الفرصة ليأكل...
نزلت دمعة من عيونها المتسعة فسبقت الألم خطوة وانطفأت…
إلى هنا انتهى فصل اليوم، آمل أن ينل إعجابكم
