الفصل الثاني عشر
الليالي المظلمة الجزء الثالث
بقلم أمل محمد الكاشف
ليس كل راحل يغيب وينسى برحيله، فبعضهم يترك في البيوت فراغًا لا تملؤه الأيام، وفي القلوب وجعًا لا يداويه الزمن، حين يرحل عزيز على قلبك لن يرحل بجسده فقط بل يرحل بمواقفه وحبه وضحكته التي كانت تنير الدنيا بالراحة والطمأنينة في حنكة الظلام، رحل الأب الحنون والجد الذي كانت يده تمتد بالخير قبل أن يُطلب منه، رحل أورهان الذي كان حضوره يكفي لشعور من حوله بالأمان، رحل من كانت كلماته سكينة ونجاة، رحل صاحب اليد البيضاء الذي عاش عمره جابرًا للخواطر، محبًا للخير، لا يرد سائلًا، ولا يخذل محتاجًا، أغمض اورهان عينيه هذه المرة مودعًا الدنيا دون عودة ، لم تفقد العائلة ركنا من أركانها فحسب، بل فقدت السند الذي كانت تتكئ عليه وقت الشدة، والظل الذي احتمت به من قسوة وتقلب الأيام، أصبح الجميع من بعده في حالة يرثى لها لم تصدق قلوبهم وعقولهم أن فؤادهم ونور عيونهم ذهب دون عودة.
صمتت فضيلة عن الكلام حتى ظنوا أنها تمر بوعكة صحية واي وعكة أشد من فقد خليل الروح و رفيق الدرب وخاصة ان كان شخصا كاورهان خلوقا محبا للخير والشباب، مدافع عن حقوق الفتيات في امتلاك مصيرهم وحياتهم، لم يكن بالنسبة لها زوج كأي زوج، فلقد احبها في شبابه وعجزه، وضعها بمكان عال من اللحظة الأولى التي رآها بها وهم طلاب صغار.
مرت الأيام الأولى بصعوبة كبيرة على الجميع ، لم تتوقف زبيدة عن دعم العائلة هي والأهل والأصدقاء فمن يرى وجوههم يعلم قدر فقيدهم بقلوبهم.
تفاجأ يوسف بعد اسبوع من الوفاة بوصول لجنة أمنية من البنك الخاص بهم تعلمهم بوجود وديعة باسم أورهان بيه قد أودعها لديهم بشروط صارمة من أهمها لا يمكن لأحد معرفته بها إلا بعد موته ومن شدة الخصوصية حدد اسمان فقط يمكنهم الحضور وقت فتح تلك الوديعة وهم يوسف بيرقدار وفضيلة تارهون.
استغربوا قصة الوديعة لأنهم لم يسمعوا عنها من قبل، فكر يوسف بما تحتويه هذه الوديعة وخاصة استغرابه من عدم ذكر اسم سيلين معهم، وبهذا الاهتمام و الاستغراب اصطحب يوسف خالته فضيلة وهي على صمتها ليذهبا لفتح الوديعة متفاجئ بأسرار وأملاك خفيه مذكورة بالتفصيل، بجانب تقسيم الميراث على العائلة بشكل اكثر من مرضي مع الاحتفاظ بحقوق الجمعيات الخيرية والصدقات التي أوقف لها ما يجعلها دائمة من بعد رحيله.
وجد يوسف ظرف مكتوب عليه اسمه وأسفله سري للغاية، فتحه ليتفاجأ بأسرار ومفاتيح وخزانات سريه خفيه، تم تسليمهم اسطوانة مدمجة مكتوب عليها السماح للجميع رؤيتها معا.
كان الاجتماع صعب ومميت على قلوبهم المجروحه عادوا للقصر وهم أكثر سوءا وانهيارا على فقيدهم.
بكت سيلين على اهتمام ابيها وخوفه عليهم حتى بعد مماته استأذن يوسف منهم ليستريح بغرفته قبل أن يجتمعوا لفتح الاسطوانة التي لفتت انتباه الأبناء وأرادوا بشدة معرفة ما بها، صعد مغلقا عليه بابه بالمفتاح جالسا خلفه وهو يستمع لصوته وكأنه هو من يقرأ عليه الأسرار ويؤمنه على العائلة ويضع كل شيء بزمام قبضته كمسؤول أول وأخير عنهم من بعده فلا يحق لأحد أخذ ماله او التحكم به الا بعد موافقة وتوقيع يوسف بهذا.
لم يكن هذا الانهيار الأخير فبعد مرور يوم ونصف على هذا الحدث جمعت سيلين عائلتها لمشاهدة الاسطوانة المدمجة، تردد الجميع تخوفا من انهيارهم وعدم تحملهم على عكس رغبة الأبناء في البداية.
وبوجوه مقتضبة و أيادي مرتعشة وعيون دامعه جلسا بجانب بعضهما واضعين فضيلة في المنتصف بترقب وخوف على صحتها ، رغبوا في عدم حضورها ولكنها أصرت على ذلك.
بدأ الفيديو بصوت أورهان الحزين قائلا:
" مرحبا كيف حالكم يا اولاد أعلم أنكم حزينون الآن وربما تبكون، ولكنها سنة الحياة سأذهب انا اليوم وانتم ستلحقون بي واحد تلو الاخر كلا بأجلٍ مكتوب، لن يعيش أحدا عمرا إضافيا على عمره ان انقضى أجله سيودع دنياه أيا كان مرغما أو مطيعا لأمر الله، وأنا الحمدلله راضي بارادة الله وأمره..
صمت اورهان مبتلع ريقه المتحجر بالدموع الساكنة في عينيه مكمل حديثة :
"ترددت كثيرا قبل تسجيل وصيتي صوتيا، ولكني اردت ان يستمر صوتي وحبي لكم حتى بعد مماتي ، حبيبتي ورفيقة قلبي وعمري أعلم ما وصلتي له من حال الأن تعلمين ان كان الامر بيدي ما كنت ذهبت كي لا تحزني وتدمعي دمعه واحده من عينك عليّ، يبرد قلبي كلما تذكرت عائلتنا المحبه واحفادي الذين تجلسين وسطهم الان لا تقلقي ستجديهم دائما بجانبك لن يتركوا يدك حتى نلتقي في جنة الخلد إن شاء الله تعالى"
صمت من جديد محاولا امتلاك نفسه رافضا البكاء قائلا بصوت حنون:
" ابني يوسف أوصيك على ابنتي وزوجتي واحفادي وكل ما املك امانه بعنقك انا اثق بك، نعم كدت ان انسى إياك ثم إياك أن تضغط على حفيدي الأوسط والا ستجدني أمامك بأحلامك، لا احد يحزن مني جميعكم بنفس المحبة ولكني كنت وسابقى دفاعه الأول أمام ابيه، وإن حدث عكس ذلك أعلم أنني سأكون غير راضي عنك، لا اعرف لماذا تستعجل بكبره وتحمله المسؤولية سيتحملها سيتحملها لا مفر أعطيته فرصته واصبر عليه لتفرح به و باخوته" .
ارتفع صوت قهقهات البكاء من قبل العائلة وهم يسمعونه يوصي على نعمان و اميرته لي لي ويوصيها أن تتذكره يوم زفافها هي واخواتها، فأكثر ما كان يتمناه هو أن يحضر زفافهم ويرى أحفاده منهم.
كان فيديو حزين على قلوبهم وعيونهم التي لم تكف عن البكاء طول سماعهم له حتى وصل للنهاية وهو يودعهم ويوصيهم على بعضهم مرة أخرى، واستمرارهم بحياتهم بحب وتراضي وعمل الخير والبساطة بكل شيء وأشياء كثيرة مثل الصدقات وبعض الأقرباء.
تفرقا بعد وقت طويل قضوه جنبا إلى جنب يبكون ويوصون بعضهم على عمل ما جاء بالفيديو كي ينام فقيدهم براحة وسلام في مرقده مثواه الأخير.
ذهب يوسف لينام بجوار ابنه نعمان كي لا يتركه بيوم كهذا، كما ذهبت لي لي للنوم بجانب أمها بعد أن رفضت فضيلة بهذا اليوم أن ينام أحدا بجانبها طالبة منهم أن يتركوها بمفردها.
خرج تولاي ليجلس بالخارج هربا من الوسط كي يبكي دون ان يتأثر بهِ احد، خرجت زبيدة خلفه تترقب حالته بعيون باكيه فكان حالهم يبكي الحجر وليس هي فقط
جلست بجانبه كي تواسيه وتهدأ منه لتكون أول كلماته القاهره:
" يا ليتني مت أنا بدلا عنه، يا ليته اخذني معه ولم يتركني خلفه ".
بكت زبيدة على بكائه توقعت ان تخفف عنه إذ بها تزيد بكائه بكاء .
مرت ليالي أخرى عصيبة موجعة ومعصرة للقلوب ، كانوا يعتقدون أن ما مروا به هو أكبر أحزانهم وابتلائهم ليستيقظوا صباح يوم جديد على خسارتهم لجدتهم فضيلة بعد أن ابى قلبها العيش دون روحها لتكن ضربتهم الساحقة هذه المرة.
مع الاسف كان على العائلة توديع روح اخرى من قواعد وعمدان العائلة ليصبح بعدها الوضع أكثر ثقلا على العائلة التي انهارت من جديد.
حرفيا كادت قلوبهم أن تقف حزنا على فقيدَيْها، مرت أيام عصيبة عليهم اضطر تولاي لمساعدة والده والانخراط بالعمل دون الطلب منه أو الاعتراض فأمام هذه الظروف لم يجد سوا ضرورة وقوفه بظهر أبيه كي يسانده بأوقاته العصيبة.
مضى شهرين ثقيلين بثقل حزنهم الكبير كانت زبيدة تهتم بتولاي بجميع من في القصر، اقتربت منهم بحب واشفاق على حالتهم الحزينة ، تحاول ان تعيد البسمة على وجوههم من جديد ولكنها كانت تفشل كلما تذكروا شيء أعاد لأذهانهم ذكرى فقدان اغلى ناس قلوبهم.
مع الاسف مرض اورهان ووفاته اثر على علاقة زبيدة وتولاي فلم يعد هناك خصوصية تفعل معه ما تفعله مع الجميع وباخر اليوم تنام وحدها في غرفة الضيافة بناء على طلب والدهم الذي لم يقتنع بزواجهم وعيشهم حياة كاملة معا.
أصيبت علاقتهم بفتور كبير أصبح وكأنه يهتم بأخته وهي كذلك كلما اقتربت واهتمت تشعره وكأنها ترد له المعروف الذي قام به معها.
حاول تولاي استرجاع الذكريات طالبا منها أن يذهبا للفندق الذي جمعهم قبل وفاة اورهان وكان شاهدا للمرة الثانية على حبهم.
رفضت زبيدة قائلة له:
" أن علم والدك هذه المرة …
قاطعها قائلا :
انتي زوجتي على سنة الله ورسوله، لا يحق لأحد تفريقنا، ام اخذتيها حجه كلما اقتربت منك تقولين نحافظ على وعدنا لابي ، اباك محق، هل لهذه الدرجة أصبحت غير مرغوب به لدى زوجتي، ألم تشتاقي للنوم بحضني ، ألم تشتاقي لسرقة بعض الوقت لنتبادل الأحاديث الجميلة ونحن ننظر للسماء بجانب ساحة الملعب الكبير".
صدمته بقولها :
" انا لا اريد هذا لا زلت غير مهيئه لبدأ حياة زوجية مكتملة ، والدك محق لا اريد احزان أحد منهم، الجميع يبادلني الاحترام والمحبة بل والحرص على راحتي لا اريد أن اخسر الدفئ العائلي الذي شعرت به بعد كل هذه السنوات العصيبة"
رد عليها قائلا " ومن قال لك انك ستخسرين كل ذلك، بالعكس تماما حتى دعينا نعود لقرارنا السابق ، اعتقد جاء الوقت للانتقال والعيش بمفردنا حياة كاملة مستقلة، نبادلهم الزيارات بمحبة ثم نعود لنكون سويا معا نبني مستقبلنا وعائلتنا المستقلة".
:" انا غير مهيئة لذلك"
اعترض تولاي قائلا بضيق:" ماذا تقولين؟!، ولكننا قمنا بها من قبل اتتذكرين اول مره تركتي نفسك بين يدي ، والثانيه حين سلبتي عقلي وروحي بالفندق، اتتذكرين ….
وضعت يدها على فمه وهي تقول بخجل:
" رجاءا لا ليس الآن لنؤجلها لوقت لاحق علي ان أدرس وانهي جامعتي كما قال أبيك ".
ابتسم وهو يقبل يدها قائلا:
" لندرس سويا انا ساساعدك ، الم اساعدك بشكل جيد في آخر مرة ".
هربت منه وهي تقول:
" لا اريد مساعدتك وخاصه بآخر مره، ألم تتذكر نظرات والدك لنا حين رأنا متقاربين".
حزن منها :
" اباك اباك ما بكِ هل ستحرميني من قربك لأجل أبي".
اصرت زبيدة على موقفها وهذا ما قاده للخروج من الغرفة بحزن جعلها تندم على معارضته .
ذهب تولاي وشكى أبيه لأمه ليضحك وجه سيلين قائلة:
" ومن يستطيع معرفة والدك دون سماع كلامه وكأن به سحر خاص يجذبك وينسيك نفسك أمامه ".
ضحك تولاي بكلماته:
" تمر السنوات وأنتِ كما أنتِ، أمي اريد مساعدتك، انا جاد بقراري اريد ان اعيش في منزل مستقل مع زوجتي".
ردت امه بضحك:
" زوجتي زوجتي وكأنك الوحيد الذى تزوج ".
لم يقتنع بتبرير امه لقرار أبيه وموقف زوجته مما يقال، اضطر إلى التراجع عن الضغط على زبيدة في أن يعيشا حياة مستقرة كأي عروسين.
وهذا ما جعله مضطربا غير سعيد، مما زاد من حالة الفتور والتوتر بينهما، شعرت زبيدة بتغيره وعدم تدليله لها او طلب منها ما يخجلها كعادته كلما انفرد بها.
مر أربعون يوم آخرون بهذه الحاله سافر خلالها تولاي ثلاث مرات كل مرة يبقى لعشرة أيام يبتعد عن القصر، ثم يعود من جديد ليحضر نفسه للسفر الذي يليه، حتى تجمعت العائلة بعد عودته من ثالث سفر له على مائدة الطعام وهم يستمعون لحديث يوسف الذي قال:
" جائني دكتور نادر اليوم بالشركة"
خجلت لى لى من والدها الذى علق نظره عليها وهو يكمل :
" طلب مني ان يكمل حياته مع دكتورتنا لى لى هانم على سنة الله ورسوله ".
ابتسمت سيلين وهي تنظر لابنتها مستمعه لزوجها وهو يقول:
" طبعا جميعنا كان يعلم أمر طلبه هذا حين عرضه على ابنتنا و ردها عليه ان يذهب لأبيها ويطلبها منه".
رد تولاي على أبيه:
" وهل أجاب والدها ؟".
ضحك يوسف قائلا:
" التباطئ في هذه الامور مطلوب، دعوته ليأتي لزيارتنا ونتعرف عليه وعلى اهله ، فلقد دعوتهم معه لمجلس ونتعارف ومن ثم نعطيه جوابنا ".
فرح الجميع وخاصه ان دكتور نادر شخص ناجح ومميز كثيرا بعمله، هو دكتور معروف ومجتهد يحب عمله ودراسته بجانب أنه يعمل في المانيا وهذا ما جعله يقترب من لي لي أثناء مرض جدها حين سهل عليها الاوراق والاتصال بالدكاترة هناك وتوصية صديقه الطبيب بالاهتمام بهم في المستشفى التي نقلوا إليها.
حاولت زبيدة التحدث مع تولاي ومعرفة سبب تغيره معها ولكنه لم يجيبها بشكل صريح كان يقول انه بخير ولا شيء وانتبهي لدراستك.
اقترب موعد الخطبه بقصر الفولاذ اختارت لى لى فستانا باللون الاخضر الملكي، بينما اختارت سيلين فستان بلون اسود بسيط يليق بعمرها، دخل تولاي عليهم غرفة الملابس منبهرا باختيارتهم طلبت أمه منه أن يختار لزبيدة فستانا أنيقا يكون ملفت للأنظار يليق بأول ظهور لها وسط العائلة ، فرح تولاي من اهتمام أمه قائلا:
" انتظري دقائق ساتي بها واعود كي تختار بنفسها"
نظرت سيلين لابنتها بإعجاب كبير :
" كم اصبحتي جميلة "
ردت لي لي قائلة:
" أعلم أنه منفوخ ومطرز زيادة عن المطلوب لحفل عائلي داخل القصر ولكني تمنيت دائما أن يكون كفستان سندريلا وهي ترقص مع أميرها"
ابتسمت سيلين بردها:
" انتي هكذا دائما تحبين المنفوخ الطويل كالاميرات"
دخلت بهذه اللحظة زبيدة متقدمة خطوات عن تولاي ناظرة للفساتين بصمت كبير.
تحدثت سيلين بوجه فرح:
" هيا اقتربي لتختاري انت أيضا"
ظلت صامته تنظر للفساتين دون ردة فعل، اختار تولاي وأمه فستان رائع باللون الاحمر، رفضت زبيدة قائلة : " اشعر بالخجل إن ارتديته فأنا غير معتادة على تلك الملابس والظهور بها أمام الجميع، أخبرت تولاي بالأمس بهذا وهو لم يمانع "
ردت سيلين قائلة:
" انا من سيمانع أنتِ كنة بيريقدار وعليكِ أن تكوني بقدر المناسبة والمكان الذي أنتِ به، وإن كان على الاعتياد جميعنا لم ننزل من بطون امهاتنا بفساتين سهره "
سحبتها من يدها واوقفتها أمام رف كبير مليئ بالفساتين المختلفة طالبه منها اختيار واحد منهم.
مدت سيلين يدها من جديد لتختار فستان باللون الوردي قائلة:
" انه يناسبك ولكن عليكِ ان تنتبهي للمقاس، لو اعجبك يمكننا استدعاء المسؤولة عن خياطة وتفصيل ملابسنا كي تظبط المقاس ليناسبك".
نظرت زبيدة لكثرة الفساتين الرائعة بانبهار متسائلة:
" هل هي خاصه بكم "
ضحكت سيلين مجيبه عليها:
" جميعهم يأتون هدايا خاصة من شركات الموضة وعروض الأزياء وما شابه، نجمعهم بمكان واحد يستخدمهم الجميع وقت الحاجة ستجدين جميع الأعمار والأنواع الرجالي والنسائي والشبابي جميعهم حولك، طبعا فستان العروس حالة خاصة تم طلبه بناء على أحلامها "
اومأت رأسها وهي تنظر جهة لي لي المشغوله باختيار الكعب العالي بالجهة المقابلة لهم.
نظرت سيلين للادراج التي بالجهة اليمنى مكملة:
" يمكنك استخدام المجوهرات التي بداخلها وليكن الطقم الذي بعلبه سوداء بأول درج ولكِ حرية الرأي طبعا ".
فرح تولاي مقتربا من أذنها ليهمس لها:
" وانا مع اختيار أمي ثقي بنا ستكونين أجمل أميرة بالقصر" .
تحركت سيلين قائلة لتولاي :
" تأخرنا على ابيك هيا لنذهب إليه كي نتفق على باقي تحضيرات الخطبة لم يتبقى إلا يوم واحد أمامنا، ونتركها على راحتها كي تختار ما يعجبها".
ابتسمت لي لي وهي تنظر لوجه أخيها المتذمر بخروجه من الغرفة، ثم أسرعت لتخرج قبل الجميع رافعه فستانها قائلة بفرح:
" اعتقد انني سانام به الليلة".
غرقت بصمتها أكثر فور بقائها وحدها، تنظر للفساتين والعالم الجديد الذي انتمت له وهي تتذكر ذهابها مع تولاي لمكتب العدل كي يتزوجا من أجل حمايتها.
تذكرت سقوطها المدوي بين يديه في أول أيام بعد خسارتها لابنها، كم كان حنون وطيب القلب معها يخشى عليها من الالم والوجع.
دمعت عيونها وهي تتذكر دعاء امها وتمنيها ان تراها عروس، كما تذكرت ابيها وهو يحلم بعريس ابنته الذي عليه ان يُقدم الكثير من القرابين للفوز بها .
ارتدت عدة فساتين دون رضا ، نظرت للأحمر و والوردي قائلة:
" لنتركهم ليوم خاص بنا ، لا يمكن ارتدائهم وكأني انا العروس".
صمتت بحزن قائلة :
" وهل يحق لي أن أكون عروس كأي عروس"
انشغل الجميع بالتحضيرات، سألها تولاي عن اختيارها للفستان دون أن تجيبه حين ناداه أباه لامر هام.
ليبدأ يوم الخطبة وسط حماس وفرحة كبيرة ، تذكرت لي لي امها هوليا وخاصة حين وقفت أمام المرآة تنظر للشبه الكبير الذي جمعها بامها فهي كلما تقدمت بالعمر زاد الشبه بينهما.
كان جمع سعيد رغم اقتصار المناسبة على الأهل فقط، انصدم تولاي من حالة فستان زبيدة عند خروجها من غرفتها ، طال نظره عليها كما ذهب حماس انتظاره وترقب رؤيته لها بعد خيبة الأمل التي أصيب بها.
لم يعجبه تبديلها لما اختاروه لها ظن انها تعانده وترفض أي شيء من جهته كالمعتاد عليه بالاونه الاخيرة، ابتسم ابتسامه منقوصة تاركها بعدها مقتربا من الضيوف بجانب أبيه ليرحب بهم فور وصولهم ويصطحبهم للداخل.
بدأت لي لي اولى خطواتها وهي تنزل من أعلى الدرج بفستانها الرائع ، تسارعت ضربات قلبها من الحماس والتوتر والفرحة التي استمدتها من عيون الحاضرين التي تعلقت عليها بانبهار.
أبدى نادر إعجابه بعروسته بمجرد اقترابها منهم ، كما تغزل والد العريس بعروستهم الجميلة مؤكدة زوجته على حسن اختيار ابنهم لعروسته.
وفور جلوسهم وتبادل السلام والترحيب تحدث والد نادر طالبا لي لي عروسا لابنه على سنة الله ورسوله ضحك يوسف قائلا بفرحة كبيرة:
" فليكن خيرا أن شاء الله، ونحن من جهتنا وافقنا على طلبكم واعطيناكم ابنتنا فلن نجد رجالا أفضل منه ماشاء الله "
وقف العروسين كي تبدأ مراسم تلبيس الخواتم، وبوسط انشغال الجميع بالتصوير والفرح رمق يوسف بنظره جهة زبيدة الصامته الملامح باستغراب، راقب نظراتها على العروسين وعلى زوجها الذي لم يهتم بها فعليا في تلك اللحظات المهمة منشغلا بالتصوير والتصفيق.
لم تكن المرة الأولى التي لاحظ يوسف الفتور الذي طرأ على علاقتهما من عدة شهور ولكنه لم يتوقع وصولهم لهذه المرحلة.
انشغل الجميع بأجواء الخطوبه كما انشغل تولاي باخت العريس التي كانت تتقرب منه وتتحدث معه بروحها المرحه وهذا ما جعل زبيدة تختنق بغيرتها ذاهبه إلى المطبخ بعيونها الدامعه بحجة شرب الماء أسرع الخدم بتلبية حاجاتها فور طلبها منهم.
أتى من خلفها تولاي قائلا لأحد العاملين:
" أسقطت أخت العريس العصير على فستانها اذهبي لمساعدتها ".
ونظر للاخرى مكملا:
" وأنتِ نظفي مكان سقوطه بسرعة".
نظر لفستان زوجته بعد خروج الخدم متسائلا بضيق:
" لماذا لم ترتدي ما اخترته لكِ"
نظرت هي ايضا لفستانها متسائلة:
" ألم يعجبك؟!".
صدمها بهز رأسه بكلماته القاسية:
" لا لون ولا شكل ولا حتى مقاس مناسب مع جسمك " .
خفضت عينيها قائلة:
" اخترت واحد اخر ولكنه كان أصغر من المقاس المعتاد عليه "
تحدث ليجرحها أكثر:
" لا أعتقد أن أي اختيار اخر سيكون بهذا السوء" ونظر لفستانها بضيق.
تحركت لتخرج من المطبخ بعد خروجه ملبيا نداء والده قائلا:
" سنكمل حديثنا بعد ذهاب الجميع، علينا أن نتحدث الليلة هناك أحاديث كثيرة اريد مشاركتك بها ".
لم تذهب زبيدة لمكان الحفل بل ذهبت لغرفتها بحزن كبير، بدلت ملابسها ثم اغلقت الإضاءة كي تنام وهي تتذكر ماضيها في منزل والديها كم كانت مدللة سعيدة، وكيف انتهى بها المطاف في منزل عمها .
لم تستطع إيقاف دموعها التي أغرقت وسادتها بسبب سوء معاملته معها وكسر خاطرها منه، شعر تولاي بخطئه فبرغم ضيقه من جفاء معاملتها معه و صدها له وما اختارته من ملابس لا تليق بالحفل المقام إلا أنه لم يستطع ان يكون قاسي لهذا الحد ، بحث عنها ليجدها على حالتها بالغرفه فتح الاضاءه وأغلق الباب خلفه وهو يحدثها قائلا :
" ما الذي اراه هل تركتينا لتنامي ".
تحركت لتجلس بمكانها ماسحة دموعها وهي تقول :
" آلمني رأسي وأردت الراحة ".
جلس بجانبها على الفراش رافعا يديه ليحنو على شعرها قائلا:
" اعتذر منكِ كنت قاسيا بردي ما كان علي أن اقول هذا ، ولكني تفاجأت من تبديلك لما اخترنا وايضا يا ليتك اختارتي الافضل بل …
صمت كي لا يزيد من حزنها معتذرا مرة أخرى منها، قبلت اعتذاره طالبه منه أن يعود للحفل ليكون بجانب أبيه.
وافقها على ما تقول شرط أن يتحدثا مع بعضهما بعد ذهاب الضيوف.
استمر الحفل البسيط ساعتين متتالين حتى انتهى بذهاب الضيوف، وجده يوسف يخرج من القصر ناداه قائلا :
" إلى أين ذاهب بهذا الوقت"
استدار تولاي وهو يرد على والده بوجهه الحزين :
" سأعود بعد قليل ".
حزن يوسف متحدثا مع زوجته قائلا:
" هل رأيتي كم كنت محقا ، أنهم صغار لا زالوا لا يعرفون بعضهم جيدا حماس البدايات وخوف ابنك عليها وشعوره بالمسؤولية تجاهها جعله يخلط بين الحب والمساعدة".
ردت سيلين بحزن :
" لا اعرف ما يتوجب علي قوله، مع الاسف انا ايضا شعرت بما شعرت أنت به وخاصة بآخر فترة وتاكد لي اليوم بالخطبة وكأنهم ندموا على ما فعلوه ".
تحدث يوسف قائلا:
" هل اصارحك بشيء ، كنت اقول لحالي انه صغير وغير مدرك لما يفعله وسيعود ويندم بسيره في هذا الطريق وارتباطه بهذا العمر، أما قلبي فكان يرد على حالي متمنيا أن يخرج عـكس ما اتوقعه وان يثبت حبه وقوته وتفكيره الراقي لنفسه قبل غيره، فإن أراده حبا حقيقيا صادقا فلا يمكن للظروف أن تقف أمامهم ".
اجابته بحزن قائلة:
" رغم فرحتي بابنتي إلا أنني تألمت عليهما، لم يسعدا بخطبه او مراسم زواج و تعارف وأشياء من هذا القبيل".
تحدث يوسف مدافع عن اتهاماتها السابقة له:
" كنت محقا ، لا يمكنك مقارنتهم بنا فلا أحد سيصل لما وصلنا نحن به من اول لقاء او دعيني اقول اول اصطدام".
ابتسم وجهها :
" أخبرتك أنني لم اشعر بشيء يومها سوا الخوف ".
ضحك متحدثا بثقه كبيره ليقول:
" نعم ليتحول هذا الخوف لعشق كبير
بعدها، لأجلي سعيتي وجاهدتي لاسقاطي بشباكك".
نظرت له باندهاش قائلة له:
" هل جاهدت وسعيت ؟ حسنا سأقبل ما تقوله، ماذا افعل ان كان نصيبي سقط بدب".
وضع إصبع السبابه على فمه وهو يحذرها قائلا:
" شششش سيسمعك الاولاد وتصبح فضيحتي على لسان الجميع ، نحمد الله أن دكتورتنا نسيت أمرنا ".
وبحب وفرح تذكرت ليلة ابنتها التي انتهت بذهابها هي وخطيبها للمشفى بعد ان تم استدعائهم بشكل عاجل قائلة:
" كانا جميلين جدا ماشاءالله ".
جلس تولاي بمكان قريب من القصر غاضبا على نفسه معاتبا عليها فما فعله معها كان عيبا كبيرا، فلقد ذهب إليها وأصلح خطأ بخطأ آخر.
حزن على تحدثه معها بهذا الشكل وخاصة أنه يعلم صدق ما تكنه له في قلبها.
تذكر حالتهم وهم بغرفة الفندق وكيف كانت ساكنه بحضنه لا تريد من هذه الدنيا سوا البقاء على هذه الوضعية ، تذكر طلبها منه أن لا يتخلى عنها ولا يحزن منها فهي من بعد والديها لم تشعر بحب احد سواه، تذكر سعادتها بعائلته و وضعها لهم موضع عائلتها .
حدث تولاي نفسه وهو يقول:
" تسرعت بحكمي عليها، كان علي أن اصطحبها للاعلى كي تبدل فستانها، أو ارتضي بحالتها أيا كانت، نعم ما كان علي قول هذا ".
شرد من جديد يتذكر الخطبة وفرحة اخته بعريسها وأجواء ارتداء الخواتم قائلا لنفسه وهو ينظر ليده:
" كيف نسيت أمرهم ، هل لهذه الدرجة كان ناقصا ".
أراد أن يذهب ليتحدث معها يعتذر منها كما اتفق معها أن يتحدثا اخر الليل ولكنه تراجع قائلا
" علي ان اشتري أولا ما سيجعلها تقبل اعتذاري "
ظل يبحث على مواقع الماركات العالمية على أفضل موديلات الخواتم الفريدة من نوعها، من حماسه استيقظ باكرا وذهب لمتجر بيع المصوغات الذهبية كي يشتري خاتم الخطبة.
وبطريق عودته اشترى الشيكولاته و باقة الورود الملونة كما تحب، فتح هاتفه ليتصل باخته كي يخبرها بما فكر به لتقترح لي لي ان يكون بشكل لا ينسى كالذي يروه بالمسلسلات ويسمعوا عنه بالروايات.
ضحك تولاي متسائلا كيف سنفعلها ، لتقول له :
" بسيطه عليك اولا ان تأتي للمستشفى كي تأخذني معك فلقد انتهى دوامي ولم اتي أمس بسيارتي ".
ضحك تولاي :
" هل باعك نادر بأول يوم ".
ابتسمت مدافعة عن عريسها:
" لا يستطيع فعلها ولكنه لا زال محتجز رهن عملية سيدخلها بعد ساعة وأنا سأموت من نعاسي ، وايضا الم تطلب مني مساعدتك، إذا عليك ان تأخذني لأساعدك ".
سألها قائلا " وكيف ستساعديني "
ردت بحماس عليه:
" أول شيء علينا ان نشتري قالب كعك يتم تحضيره على طاولة مستطيلة خارج القصر ، لا تحمل هم الطاولة سأتصل بهم ليسرعوا بتحضيرها هي والبالونات حتى وصولنا ، كما سأطلب من عثمان تجهيز مكبرات الصوت، و حين نجهز كل شيء ستأخذها امي وتخرج بها من القصر كي تتفاجئ بك أمامها وهنا سيركع أميرنا على ركبته ويطلب من حبيبته العفو والرضا وهو يعدها ان لا يقلب على وضع الثور كثيرا ".
اندهش وتعجب من آخر كلماتها تحدث بضيق قائلا:
" ماذا تقولين أنتِ؟ الخطأ على من اتصل بكِ ".
تحدثت لترضيه قائلة:
" لا يمكنني أحزانك ولكن الجميع لاحظ استقبالك المفاجئ لها".
ورغم ثقل كلماتها الأخيرة إلا أنه فعل كل ما طلبته منه ويزيد .
عادت سيلين ويوسف من الشركة ليكونا شاهدين على هذا الحفل البسيط، عمل الجميع على إبقاء زبيدة بغرفتها حتى يصل تولاي وتذهب سيلين لتصطحبها للخارج .
جاءت اللحظة المرتقبة، طرقت سيلين الباب مرتين لتفتحه بعد الثلاثة وهي تقول:" زبيدة هل يمكنني الدخول ".
ولكن الصدمة أنها لم تجدها في الغرفة استغربت وخرجت لتبلغهم بهذا تحرك تولاي للجهه الخليفه معتقدا ايجادها بمكانهم الخاص بهم ولكنه لم يجدها ، كما بحث الجميع عنها بحدائق القصر دون فائدة.
عاد ليتصل بها وهو بطريقه لغرفتها ليناديه ابيه من الخلف قائلا:
" راجعنا الكاميرات لقد خرجت من القصر مع أول شعاع شمس ، وطبعا الأمن لا يعلم بهذا الوضع لتغير مناوبة الأمن الصباحية ".
اسرع بدخول غرفتها ناظرا لملابسها في الدولاب ليجدها كما هي، تحرك الجميع خلفه ليجدوا انها لم تأخذ معها شيء حتى هاتفها وجوده مغلق وموضوع اسفل وسادتها بجانب ورقه مكتوب بها
" اعتذر لك عن كل شيء ، سأتركك لتعود لحياتك من جديد ، نحن من عالمين مختلفين كبرنا ونشأنا بوسط مختلف تماما ، لا يمكنني ربط مستقبلك بي ، رغم صغر سني الا أنني أخذت من الحياة ما يكفيني لا تحزن ولا تضع عليك الذنب فأنت الملاك الوحيد بقصتي ، سأعود لأعيش مع عمي ولا تخف سأكمل تعليمي ولن أسمح لأحد أن يضغط علي او يظلمني بعد ان اصبحت تلميذتك سأتذكرك دائما بالخير والفطرة الطيبة التي ندرت بهذا الزمان ، طلب اخير اتمنى ان تتقبل هذا الوضع وتفكر بعقلك به أما الطلاق فأنا سأنتظر المحامي الخاص لينهي الأمر دون مضايقتك ".
