recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الخامس عشر

 خيط من حرير 

الفصل الخامس عشر 

بقلم سميحه رجب ♥️ 




العلاقات بين البشر لا تُقاس بالحب بقدر ما تُقاس بالأمان، وليس سوى الأمان الدائم.. 

أن تأمن لوجود أحدهم فتستأمنه على عيوبك وزلاتك حتى على تلك الأمور التي تخاف قولها لنفسك، أن تمتلك الجرأة والشجاعه على مواجهة أقدارك التى هربت منها سنينًا، أن يحتضنك وجوده وابتسامته البسيطة الهادئة وتصبح كافية بالنسبة لك لتدرك أخيرًا بعد كل ما عانيته أن النجاة لا تحتاج لمعجزات. 



يسير الزوجان ببطء في شوارع الأقصر ممسكين بيدى صغيرهما نوح الذى يسير بينهما بخطواته الصغيرة المترددة، يمسك بأيديهما بقوة ليشعر بالأمان والحماية، يرتدي الصغير ملابس مريحة ومناسبة للطقس انتقتها له زهرة بعناية ووضعت له قبعة لتحميه من اشعة الشمس الشديدة بهذا اليوم بل بهذه البلد الواقعة بصعيد مصر، يتبع نظراته الفضولية ويحاول مشاهدة كل شيء حوله، ليتوقف للحظات لالتقاط بعض الأشياء التي تلفت انتباهه مشيرًا لزهرة قائلاً بحماس: 

أمى … جميل 


لينحنى والده جاذبًا إياه ثم رفعه بالاعلى ليطيره بالهواء ثم يلتقفه من جديد، ليختلط صوت ضحكات الصغير وقهقهاته العالية بصوت زهرة الخائفة عليه تطلب من خالد ألا يفعل فإن وقع الصغير سيتأذى ولكن أين هو وأين هى، الصغير مستمتع ويرفع يده بالهواء كأنه يرغب في الطير والتحليق وسط العصافير وهى تضع يدها على قلبها خوفًا عليه ليكف خالد عن اخافتها أكثر، ليكملا طريقهما متجولين بين اسواق الأقصر والمعابد القديمة.


 يرتدي خالد قميصًا وبنطالًا قصيرًا وحذاءًا مريحًا، بينما تلحفت زهرة بخمارها الساتر الطويل وهاهى قد وجدت نساءًا يشبهونها اخيرا فلطالما ظنت أن لا احد يحب هذه الثياب غيرها ولكنها انبهرت حين رأت نساء الصعيد وأثرتها سترتهم بثيابهم الطويلة الفضفاضة ليتحدث خالد حين لمح الانبهار والراحة النابعة حين رأت هؤلاء النساء: 

هؤلاء نساء الصعيد وهذه ثيابهن  الساترة الفضفاضة تتميز بالتصميم البسيط والعملي، وهي مصنوعة من الأقمشة الخفيفة والمريحة التي تناسب الطقس الحار هنا، وتشبه ثيابك لحد كبير فهى تتكون عادة من قطعتين، الأولى هي تنورة طويلة تغطي الساقين بالكامل، والثانية هي قميص واسع وفضفاض يغطي الجسم ويصل إلى الكاحل. 


لتشاركه الحديث مبتسمة::

ألوانها أيضا جميلة جدا يعنى حتى من لا يرتدين الاسود فألوانهم حيادية هادئة، يعنى هذه التى ترتدى باللون الازرق كأنها بوسط لوحة فنية فوقها سماء الاقصر الصافية وتقف بوسط هذا المعبد ذو الطراز الدافئ، أعتقد انها مصنعة من القطن! 


ليجيبها: 

اجل لكى تكون مريحة بهذا الطقس الحار، وتوفر لهم الحرية فى الحركة، وايضا الثياب ساترة فضفاضة لتعكس العادات والتقاليد الثقافية لنساء الصعيد وحرصهم على الحفاظ على الحياء والتحفظ في الملابس، كما أنها توفر الحماية من الشمس والغبار والرياح القوية التي تهب على المنطقة في فصل الصيف، يعنى باختصار فهذه الثياب تعتبر جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الصعيد الغنية والتي تعبر عن هوية هذه المنطقة وعاداتها وتقاليدها.

 

ليكملا تجولهما يتبادلان الحديث والابتسامات، متأملين في الأبنية القديمة المذهلة والتماثيل الأثرية، يتوقفان من حين لآخر لالتقاط بعض الصور التذكارية، ويتوقفان أيضًا للتسوق في الأسواق المحلية وشراء بعض الهدايا الصغيرة لملك وأحمد فيعكس هذا المشهد الهدوء والسكينة والرومانسية، ويشكل تجربة لطيفة تنضم لجمع التجارب الدافئة التى لا تُنسى للزوجين. 

 

على باب ذاك البيت الكبير الاشبه بالقصر لمحت تلك اللوحة الجانبية المدون عليها " بيت آل مهران لصاحبه السيد قاسم مهران " 

ليمسك بيدها وبيده الأخرى صغيره وتحركوا نحو الداخل قائلاً: 

هذا بيت العائلة والنصيب الاكبر به ملكى ولكن لم أكن اقوى على البقاء هنا، خصوصا بعد زواجى من نورسين وتعمدها البقاء بصف زوجة أبى وتحريض أختى ضدى. 


تنهدت ودارت بنظراتها حولها فأكمل: 

لا تقلقى لن يجرؤ أحد على المساس بك ولا بالأولاد، ستتعرفين على الجميع وتتفهمين ان سلاحهم الوحيد مجرد احاديث فارغة كانت تتمكن منى حين كانت نفسيتى مزعزعة فذهبت حتى لا يلمسوا ضعفى، أما الآن فأنا قوى بك. 


ابتسمت وأومأت برأسها متفهمة لتخطو معه أولى خطواتها نحو حياة جديدة وبداخلها يقين أن الحياة هنا ستختلف بشكل جذرى عن كل ما عايشته من قبل. 


وقد كان فحين فتح الباب إذا بزوجة أبيه واخوته باستقبالهم، اقتربت تلك الفتاة ذات الملامح الهادئة تشبه خالد لحد كبير نفس العيون ونفس الابتسامة الهادئة وكأنها النسخة الاكبر من ملك باختلاف فروق طفيفة بحكم العمر، أسرعت نحوهم تستقبل أخيها الذى غاب عنهم لأكثر من ثلاثة أعوام ليضمها مقبلا رأسها ثم أشار نحو زهرة قائلا: 

زوجتى زهرة، ستتفاهمان بسهولة مع الوقت، وهذه عالية أختى الصغرى لقد أخبرتك عنها كثيرًا.


لتقترب عالية لتسلم عليها بحرارة وهمست بأذنها بلطف: 

مرحبًا بك وسط غابة آل مهران، لا تقلقى انا بظهرك إذا شعرتِ بأى قلق نحن فى الخدمة. 


ثم مالت نحو الصغير لتحمله واخذت تقبله بنهم واشتياق بالغ معاتبة أخاها: 

سامحك الله يا أخى ثلاث سنوات، تحرمنى من أن يولد على يدى مثل إخوته. 


ليأتى ذا الصوت المزعج من الخلف: 

عالية! 

اتركى أخاك الآن فيبدو أن الضيفة قد تعبت من الطريق وأرهقتها شمس الصعيد، فشتان بين طقس هنا وطقس القاهرة. 


تحرك خالد ليجلس على كرسي كبير فخم مختلف عما حوله وأشار لزهرة فجلست هى الأخرى وجوارها عالية، فابتسمت صفية ونظرت لابنها عامر بسخرية ثم أردفت: 

ألن تعرفها على بقية العائلة ام انك لا تحسبنا من ضمن حساباتك. 


ليحرك رأسه يمنة ويسرة ثم أشار لزهرة ليخبرها: 

هذه صفية زوجة ابى وهذا أخى الأصغر عامر، تركت البيت بأمانته طوال السنوات الماضية ولكن يبدو أننى أخطأت حين وثقت به فالجبان كان يعلم ان نورسين على علاقة بكرم ولكنه لم يتحدث وقرر مع والدته أن يكون هذا الأمر طعنة لى … ثم اكمل بسخرية: 

ظنو انى سأموت حسرة على تفكك أسرتى التى كانت مفككة بالفعل. 


ثم امال نحوها مكملا: 

أغبياء ونظرتهم قصيرة. 


ليجلس عامر أمامه قائلا: 

لا داعى لهذا الكلام الآن، ألم تخبر يحيى ان الأمر انتهى وقد اغلقت صفحة نورسين وكل شئ يخصها بما فى ذلك معرفتنا بالأمر. 


اومأ بالإيجاب مردفًا: 

طبعا يحيى اوصل رسالتى ولكن ينقص شئ، فابنة عمك نورسين أمرها لم ينتهى بعد أما أنت فاعتبرت ما فعلته مجرد طيش ولهفة على الاموال، وأنا هنا اليوم لأتحكم من جديد بزمام الأمور واعيد كل شئ لنصابه… 


ثم صمت برهة وأشار للخاتم بيد اخيه، ففهم عامر ونهض ليعط أخاه الخاتم ليضعه خالد باصبعه قائلا: 

حين تعرف قيمته سأعيده لك. 


تملك الغيظ من صفية وبدت وكأنها ستحرقهم جميعا ولكنها امتلكت اعصابها ثم نظرت نحو زهرة قائلة بحقد: سمعت انك دكتورة. 


اومأت بالإيجاب مجيبة: 

أجل. 


ابتسمت بمكر لتستكمل أسئلتها: 

هل يا ترى دكتورة من هؤلاء الذين يدرسون ويحققون الدكتوراه بتخصصات غريبة مثل التنمية البشرية ام دكتورة بالمعنى المعروف. 


ليقاطعها خالد:

دكتورة زهرة خريجة القصر العينى وحاصلة على ماجستير فى الطب النفسي والعلاج السلوكى. 


ثم وجه حديثه لأخته: 

هل جهزت الغرفة كما طلبت؟ 


فأومأت لتنهض معه ومعهم زهرة لتريهم الغرفة الجديدة، ليخبرها خالد أثناء توجههم للغرفة: 

هذه كانت غرفة المكتب والاخرى المقابلة كانت غرفتى انا وطليقتى ولكن لأبعدك عنها حتى ترتاحين وتكونى اول من ينم بهذه الغرفة. 


فهمست له: 

شكرا لانك احترمت مشاعرى. 

ليضمها محيطا كتفها ودلفوا الغرفة ليعرفها على كل ركن بها، وعالية معهم تخبرها بمكان كل شئ بالبيت، وبسهوله وجدت زهرة أنيسة بهذا البيت ورغم قلقها من صفية ولكن وجود عالية خفف من وطأة هذا القلق. 


ومر الوقت وعالية لم تفارقها حتى شعرت أنها بدأت تندمج معها، فابتسمت لها وأردفت: 

لا تقلقى صحيح الحقد يملأ هذا البيت ولكن لا أحد يجرؤ على الوقوف بوجه خالد، حتى أمى التى لا يقدر عليها أحد تخشي لو غضب عليها فلن يرحمها وسيحرمها منا بكل سهولة يبعدنا عنها، أمى ليس لها رصيد عند خالد، انه يبقيها هنا لأجلى فقط. 


تنهدت زهرة بضيق قائلة: 

بكل عائلة يوجد دوما طرف أكثر حقدًا وجحودًا ولكن لا تقلقى لقد جربت من قبل وأصبحت لدى مناعة. 


لتقاطعها الأخرى بضحك: 

لا والله نحن نختلف عن الآخرون ومهما رأيت بحياتك من قبل فلن تجدى عائلة مفككة مثلنا والله اشفق على حالى كيف أتحملهم، أنا عصفور ضعيف الجناح وسطهم. 


وبهذا اكتسبت زهرة صديقة جديدة وأنيسة ستعينها فى وقت غياب خالد، لن تجلس وحيدة تنتظر عودته من العمل وعودة الصغار من مدارسهم، وأهم شئ هو ما اخبرتها به: 

من اليوم ستساعدينى فى مذاكرة أولاد أخيك وهذا قرار من زوجة الكبير وليس هناك مجال للاعتراض.. 


جاءت عالية لترد ليقاطعهم صوت بكاء ملك فأسرعت زهرة لتستقبل عودتهم من المدرسة، لتجد الصغيرة أمامها تبكى لترتمى بحضنها قائلة: 

انها تقول ان شعرى بشع ويجعل شكل الأولاد أجمل منى. 


امتلكها الغضب لتبعدها قليلا وأخذت تمسح دموع الصغيرة متسائلة: 

من هذه التى تجرأت وحدثتك بهذه الطريقة؟ 


ليأتها صوت صفية: 

قبل أن تخطئى بحديثك… انا من اخبرتها، ألا تستحين من ترك شعرها بهذه البشاعة، ألم تسمعى عن منتجات فرد الشعر يا دكتورة، أم أن طب المجانين لم يدع لك الفرصة لتعرفي عن منتجات التجميل. 


تنفست بعمق وحاولت أن تتمالك اعصابها ولا تغضب أمام الأولاد فمسحت دموع الصغيرة ونهضت لتقترب من صفية قائلة: 

يبدو أن لديكِ مشكلة مع شعر طفلتي،فتحدثي عن هذا الموضوع بطريقة أكثر احتراماً وتفهماً؟ أعتقد أن من الأفضل أن نتحدث بلطف وإيجابية ما دمنا سنعيش معا بنفس البيت. ولعلمك فشعر طفلتي هو جزء من شخصيتها وجمالها، وأرغب في تشجيعها على الحفاظ عليه بكل فخر وصدق وثقة بنفسها، لن اغير شئ هى متميزة به، الشئ الذى يجب أن يتغير هو نظرتكِ إلى الأفضل وتقبل شعر طفلتي كما هو والا فرأيك هذا تحتفظى به لنفسك، نحن لا نحتاج تعقيبا ولا تعليقا منك على مظهرنا ولا هيئتنا، وبقائنا على ما خلقنا الله عليه اعتبريه اختيارنا وانت مجبرة على احترام خيارات الآخرين، وانتقاد الآخرين والتنمر على طفلة صغيرة بسبب شكلها أو مظهرها ليس مقبولًا، فابنتى من الخارج جميلة الجميلات ومن داخلها فقيمتها أعلى واكبر من أفكارك الرجعية، إذا كانت طفلتي معجبة بشعرها فلا ننتظر تعليقك بسلبية على الأمر لانه لا يخصك من الأساس 


تركتها تتجرع حرجها واستهزائها بها أمام الخدم بالبيت، فاحتقن وجهها وكادت عينيها أن تشع شررا فأسرعت عالية وبقية الخدم ليختفو من أمام ناظرها، ودلفت زهرة مع أطفالها إلى الغرفة لتجلس ملك على الفراش حزينة، وأحمد جوارها ليضمها قائلا: 

والله انت محظوظة فأمك قد اسمعتها كلام صعب ولكن يليق بها. 


جلست جوارهم وامسكت بيد ملك بين كفوفها ووجهت حديثها نحوهم: 

أى شخص يفكر فى التقليل من شأنكم لن أرحمه، سأتحول بلحظة وأخرج من هدوئى لأنكم خط أحمر، ولكن انت وهى يجب أن تتعلما كيفية الدفاع عن انفسكما ضد كل متنمر ولكن دون تقليل احترام من هم أكبر سنًا.. 

ثم بدأت تحادث ملك: 

لا داعى لهذا الحزن حبيبتي لن اسمح لأحد بإحزانك مجددا. 


نظرت لها بتلك النظرات الحزينة رغم برائتها ولكن الواضح أن تعرضها للتنمر جرحها وبشدة، حتى كادت أعينها البنية الجميلة أن تستحيل للون الأحمر من شدة احتقانها، فضمتها إليها مردفة: 

 أعلم أن هذا صعب عليك، ولكن لا تحزني، شعرك قرار شخصي وأنا احبك واحب شعرك الجميل، هل تعلمين اننى لا استطيع أبعاد نظرى عنه واقف مبهورة من جماله خصوصا حين تقفين بالشمس يتحول لونه البنى وكأنه يعانق أشعة الشمس وتخترقه خصلات ذهبية جميلة فأتعجب واقول: 

سبحان الخالق المبدع. 


لا تحزنى نفسك فأحيانًا يشعر الآخرون بالغيرة على الأشياء التي يمتلكها الآخرون ولا يمكنهم فعلها، وهذا يحدث لأنهم لم يتعلموا بعد كيفية الاحترام والتعامل مع الآخرين بلطف وكرامة.


ابتعدت ملك قليلا واشاحت نظرها بعيدا قائلة بحزن: 

أرغب في أن أغير شعري، يا ليته مثل شعرك. 


لامست شعرها بحنان وجلست على ركبتيها امامها مقبلة كفيها الناعمين وحاولت اقناعها قائلة:

 لماذا تشعرين بالرغبة في تغيير شيء لا يوجد به أي  خطأ؟ يجب أن تعرفي حبيبتي، أن شعرك ليس المشكلة، إنما المشكلة الحقيقية هي فيما يرتكبه الآخرون باتجاهك، لا يجب أن تغيّري شيئًا في نفسك بسبب رأي الآخرين، كونى دائمًا أنتِ، وسوف أدعمك في كل ما تقررينه. 


ثم نظرت نحو أحمد ووجهت حديثها لكليهما: 

الأشياء التي تجعلكم سعداء ومرتاحين ما دامت ليست حراما فهى الاهم بالنسبة لي وبالنسبة لأبيكم، ليس من شأن أحد أن يحكم على شكلكم او شكل اى احد مهما كان لان الله سبحانه وتعالى خلقنا جميعا فى اجمل وابهى صورة، فإذا نحن متقبلين شكلنا وملامحنا فلا يوجد أي سبب للانزعاج أو القلق من قبل الاخرين، يجب أن تكونا على يقين ان كل طفل وكل انسان يمتلك جمالًا خاصًا به، ولا يوجد شيء ببساطة كافٍ لتمزيق هذا الجمال، لذلك، لا يجب السماح لأعمال التنمر هذه بأن تؤثر على سعادتكم أو أي شخص آخر في العالم، واحذرا ان تعيبا على خلقة احد او تعطيا أنفسكما الحق للتنمر عليه وجرح نفسيته، تذكروا دائمًا أنه عندما نحترم الآخرين، نحصل على الاحترام بالمثل. 


______________ 


فى المتحف المصرى تقف ياسمين بين مجموعات المتحف التي لا مثيل لها تلتقط صورا كثيرة ومختلفة بدئا من المجموعة الجنائزية ليويا وتويا، وبسوسينيس الأول وكنوز تانيس، وتنتقل للوحة نارمر التي تخلد توحيد مصر العليا والسفلى تحت سلطة ملك واحد، والتى هي من بين القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن في المتحف، وتنتقل بينهم بخفة لتصل لتلك التماثيل الرائعة للملوك العظماء، خوفو، خفرع، ومنكاورع بناة الأهرام في هضبة الجيزة، ليشير مراد نحو مجموعة كبيرة من البرديات والتوابيت والحلي التى تكمل المجموعة المميزة لهذا المتحف فتصورهم وهى تستمع إلى حديثه معلقًا على كل ما تقع أعينهم عليه: 

مصر بلد قديمة جداً بشكل يصعب استيعابه احياناً،

حتى للمصريين القدماء مصر كانت قديمة جداً بالنسبة لهم. 


اومأت برأسها مؤيدة كلامه وانحنت لتلتقط صورة أخرى لتماثيل الملوك الثلاثة معقبة: 

في عصر رمسيس الثاني أشهر ملوك مصر ( الف ومائتى وخمسين قبل الميلاد) كانت الاهرامات قد تم بناؤها منذ الف وثلاثمائة سنة تقريباً ودفن جزء كبير منها تحت الرمال، يعني المسافة الزمنية بين عصر رمسيس الثاني والأهرامات هي نفس المسافة بين عصرنا الحالي وبين عصر نهاية الدولة الاموية وبداية العباسية.


ابتسم سعيدا بربطها والمقارنة بين المسافات الزمنية للعصور المختلفة واكمل حديثه بطريقة تفكيرها: 

وكليوباترا التي حكمت في القرن الأول قبل الميلاد

تُعتبر أقرب في المسافة الزمنية من وقتنا الحالى 

( الفين وثلاثة وعشرين)  مقارنة بزمن بناة الأهرامات وأبو الهول ( الهرم الأكبر الفين و خمسمائة وستون قبل الميلاد ).


اغلقت آلة التصوير وتحركت معه ليخرجا من المتحف ومازالا يتحدثان لتردف ياسمين: 

الاهرامات بالنسبة لكليوباترا كانت شيء قديم جداً مرّ على بناءه الفين وخمسمائة عام، فالاهرامات بالنسبة لها حدث أقدم بكتير من تاريخ ميلاد المسيح بالنسبة لنا اليوم.


اشار اليها باصبعه معقبا: 

معك حق فالفرق بين عصر حكم كليوباترا وبين عصر بناء الأهرامات زمنياً هو نفس الفرق الزمني تقريباً بين عصرنا الحالي وعصر الفلاسفة اليونانين القدماء سقراط وارسطو وافلاطون اللذين ظهروا سنة خمسمائة قبل الميلاد، فكليوباترا كانت تتعامل مع الاهرامات على انها شيء قديم جداً كما نتعامل نحن مع عصر افلاطون


لتقول الاخرى: 

 ان الاهرامات عمرها اكثر من ( اثنا عشر ألف عام 12000 ) و الاسرات نفسها عمرها المذكور ليس حقيقيا،  فعمرها اقدم، اما عن رمسيس وتوت عنخ آمون واحمس وكليوباترا هم بالنسبه للحضاره هم آخر الحضاره واقلها تقدما وقوه الحضاره بدأت كبيره وقويه وتلاشت شئ فشئ حتى ابهرونا بالكتابه والنقوشات على جدران كل ما يعود للحضاره القديمه. 


انهيا عملهما بالمتحف سويًا وعادا للشركة ليكملا بقية أعمالهم، دخلت خلفه المكتب وبدأوا يراجعان ما جمعاه من صور خلال الفترة الماضية، لتتحدث ياسمين بحماس: 

واخيرا عاد الإنسان لهوايته المفضلة، كل صورة أمامك اضافت لى طاقة جبارة، هذا اسعد مشروع بحياتى. 


وضع الصور جانبا وقال ضاحكا: 

على مهلك مجرد مجموعة صور لمناطق أثرية مختلفة ومجهود وركض من هنا لهناك تحت اشعة الشمس، أين السعادة فى الأمر؟


ابتسمت لتجيبه: 

نفس كلام زهرة حين احادثها بنهاية كل يوم لاخبرها بما فعلت، تفرح لأننى صرت امارس هوايتى المفضلة ولكنها تتعجب من بقائى وتجولى وتحمل حرارة الجو لاجل الصور، تقول لو اننى اكتب واخرج طاقتى بالكتابة لكان افضل فأجيبها كل مرة أن ‏النصوص تستطيع أن تجعلنا نفهم سواء كتبنا او قرأنا، أما الصور فهي تفعل شيئاً اخر إنها تسكننا وحبى للتصوير يسكننى أعيشه بكل طاقتى وشغفى. 


صمتت برهة واندمج مجددا بما أمامه ولكنها تجرأت أخيرا وسألته مباشرة: 

منذ أيام ولستَ على ما يرام، هل هناك مشكلة؟ 

هل تشاجرت مع ليلى؟ لأنها أصبحت حزينة معظم الوقت ولا تتحدث بشغف كما كانت بأول ايام عملها هنا. 


تنهد بضيق لتضيف: 

لم اقصد التدخل ابدًا ولكن… 


قاطعها مردفًا: 

شقيقتى حساسة قليلاً، حين عادت من سفرها ظننت أنها تغيرت وهذا كان الظاهر عليها ولكن حين طلبت أن تعمل معى هنا قلقت، لأن هذه الأجواء وهذا العمل لا يناسبها ولكن قلت مهما كان فالعمل لن يبقيها وحيدة واندماجها مع البشر سيفيدها وبالفعل حين صارت سكرتيرة عوضًا عن سالى فى البداية كل شئ كان يسير بشكل جيد ولكن فجأة شعرت بحالها يتغير وحين أسألها تقول اننى اتوهم وانها بخير… هل يمكنك أن تتحدثى معها يعنى انت فتاة مثلها وربما هناك شئ تتحرج أن تخبرنى به. 


ابتسمت لتومئ برأسها بنعم ثم قالت: 

لا تقلق سنخرج سويا على الغداء او ربما غدا واحاول أن اخرجها واعدل مزاجها ونتحدث فلربما كل ما تحتاجه فضفضة لامور بسيطة ولكن قد تكون متراكمة. 


شكرها ممتنًا لموقفها ثم قال: 

اذا هيا لعلملك حتى تنتهى قبل موعد الغداء. 


نهضت تناظره بغيظ:

سعد زغلول قالها " مفيش فايدة " برأيى يجب أن نجد علاجًا لغلظتك أولا… 

وتحركت نحو مكتبها لتنهى قدرًا كبيرًا من اعمالها قبل موعد الغداء. 


_________________ 



مضى وقت كثير وهي سجينة غرفتها كل حين تنظر إلى الباب بتوجس تريد ان تخرج وتكتشف المكان لكنها لا ترغب في لقاء تلك المسماة صفية، تنهدت بضيق ونظرت لهاتفها ثم تحركت نحو نافذة غرفتها ووقفت تراقب الخارج حتى مضت بعض دقائق أخرى فتحدثت بحنق:

إلى متى سيدوم هذا الوضع، نحن انتقلنا إلى هنا بشكل نهائي ويستحيل أن أبقى هكذا اتفاداها دائما، حسنا يجب أن يعرف كل شخص موضعه، إذا كانت هي صفية فأنا زهرة.

تحركت من مكانها وخرجت تبحث عن عالية تريد أن تطلعها على المكان وتعرفها على أهل الصعيد أكثر لكن ما إن مرت من جانب الصالون حتى أتاها صوتها قائلة:

ها قد أتت أذكر القط سيأتي ينط.

بحلقت بها زهرة و ردت بضيق:

ماذا؟ 


ابتسمت الأخرى وتحركت نحوها وأمسكتها من ذراعها وسحبتها إلى الصالون أين تجتمع الكثير من النسوة حول طاولة مليئة بمختلف الحلويات والعصائر وهاهي بعد لحظات فقط تجلس بينهن ترقب حديثهن ونظراتهن، كل حين تطلع على هاتفها تنتظر ليتصل بها أحد كي تتحجج بالهاتف وتخرج من تلك الصالة التي يكاد هواءها يخنقها، فكرت وخاطبت نفسها بتمتمة شفاه قائلة:

يتباهون بألبستهن وذهبهم وما اشترت وأين ذهبت ولم تتباهى أي واحدة منهن بعقلها او ماذا قرأت أو كيف استطاعت أن تدرس وتتعلم في مجتمع كان يرى تعليم البنات في وقتهن عيبا؟ ماهذا مللت؟ أين أنت يا خالد تعال واخطف*ني، ليتني أحضرت ياسمين لكانت علمتهن الأدب واحدة واحدة.


قاطع حديث أفكارها امرأة من الجالسات حين قالت:

وأنت يا زهرة، هل تجيدين صنعه؟

عقدت حاجبيها مستفهمة وقالت:

ماهو؟

نطقت صفية من هناك قائلة:

يبدو أن الدكتورة ليست معنا، طبعا كل حين تطالعين هاتفك هل أنت متضايقة من شي؟


زفرت بحنق ثم ابتسمت وردت:

لا طبعا، العفو لم أسمعك يا خالة.


ردت الخالة قائلة:

سألتك عن الفطير المشلتت هل تجيدين صناعته؟ أم أنك مثل بنات هذه الأيام لا تطبخين كثيرا كي لا تنكسر أظافرك.


ابتسمت زهرة وردت بثقة رافعة يديها للخالة:

أولا أنا لا أطيل أظافري ولا أضع عليها ملونات لأنها منقضة للوضوء، ثانيا سأخيب ظنك أيضا لأنني أجيد صنعه طبعا.


أخذت عنها صفية الحديث قائلة:

لكن لا أعتقد أنه سيكون مثل الذي كانت تصنع نورسين، كان خالد بصغره لا يأكله إلا من يدي ابنة عمه، آه على تلك الأيام كم كانت جميلة.


تحدثت أحد النسوة وقالت:

كنا نقول نورسين لخالد وخالد لنورسين، بالكاد كانا يفترقان.


أخذت صفية عنها الحديث وهي تبتسم بخبث وعيونها على زهرة المذبهلة ثم قالت ضاحكة:

أتذكر حين كان يختلق ألف سبب كي نسمح له بالنوم في بيت عمه، فقط كي يكون بقربها، حين أتذكر تصيبني الحسرة، سامح الله من كان سببا في التفرقة بينهما.


تنهدت بضيق وحاولت تمالك نفسها وعدم الغضب فهي تعي أن صفية تلك هدفها الوحيد هو استفزازها، ثم بهدوئها المعتاد تحدثت قائلة:

العبرة بالخواتيم لا بأس فحتى قيس ابن الملوح مجنون ليلى ولم يتزوجها، يقولون إذا خفق قلبك للشخص الثاني فأنت حتما لم تحب الأول فقط كان مجرد فأر تجارب، ولسوء حظ خالد كان فأرا ناشرا للطاعون لكن الحمد لله يوجد الله عز وجل ثم زهرة كي تعالج،  أيضا أنا أدرك حب خالد لي وفهمك كفاية، عن إذنك إنه يتصل بي حبيبي خالد.

حملت هاتفها وبكل ثقة تحركت نحو الخارج وتركت صفية هناك تتآكل من غيضها وحين 


وصلت للباب ابتسمت وقالت:

أخذت بنصائحك ياسمين لقد ارتحت فعلا ستفرحين كثيرا. 


مرت ساعات قليلة وحان وقت الغداء بدأت صفية بالإشراف على إعداد الطاولة وتنظيم الطعام وتتعنت على الخادمات وتزيد من حدة التعامل معهن، تأمرهن وتوبخهن على أبسط الأشياء.


صعدت عالية التى لم تترك نوح للحظة طوال اليوم لتنادى زهرة والأولاد للغداء لتجدها تجلس معهم يتدارسون فجلست جوارهم تتابع ما تفعله زهرة فتحدثت وهى تتابع خط أحمد وجماله: 

ماشاء الله ابننا خطاط ماهر، ما هذا الإبداع؟ 


لتجيبها زهرة: 

الخط ماشاء الله أما المذاكرة فلن أخبرك سأدعك تنبهرين بنفسك. 


لتقترب من ملك التى سرحت بحزنها ولا تريد المذاكرة لتسألها: 

لما الجميل حزين هكذا؟ 


لم تجب على عمتها فأشارت زهرة بعينيها لتفهم عالية أن الصغيرة مجروحة بسبب تنمر صفية عليها وعلى شعرها. 


فى هذا الوقت سمعتا صوت سيارة خالد فتحركوا للأسفل كى تستقبل زوجها كما اعتادت منذ زواجهما كلما احست بعودته تركض لاستقباله، أسرع هو الآخر نحو الداخل فلقد اشتاق لزوجته ولأولاده ويخشي أن يكون أحد قد ضايقها… 

استقبلته قائلة بمرح: 

أهلا وسهلا يا زوجى العزيز 


اقترب منها مقبلا جبينها ثم انحنى نحو ملك ذات الملامح الهادئة الحزينة ليقبل يدها ملاطفها: 

هل تجرأ أحد واحزن ملاكى..؟ 


لتجيب زهرة مسرعة: 

القليل من الدلال للهرب من المذاكرة ليس إلا.. 

فحملها على ذراعه وتفاجئ بها تحضنه وتتعلق برقبته بهدوء، ولكن ظن انها تتهرب من واجباتها ومن زهرة. 


جلس على المقعد الكبير برأس الطاولة وعلى يمينه زهرة وعلى يساره أجلس ملك وكأنما على يمينه جزئه الشجاع الذي يحارب به الدنيا وعلى يساره ركنه الهادئ البعيد عن صخب الحياة، وجلس كل فرد بالعائلة بموضعه، وكانت صفية تتآكل غيظًا لجلوس عامر ابنها جوارها وليس بمقعد كبير العائلة فأشارت للخادمة لتقترب وتضع صحن كبير ملئ بالحمام  بوسط طاولة الطعام… 

وكأنما حلت العاصفة فهى الأدرى بكل ما يزعجه…


ثوانى تبادلا النظرات لتوجس بنفسها خفيفة حين لمحت احمرار عينيه ونظرات الكره تجلت بين رموشه، وزفر بحنق وقبل أن تمد صفية يدها بالصحن كان يطيح بكل ما هو موجود على تلك الطاولة، سقط كل الطعام أرضا تبدد الهدوء وركض الصغار نحو زهرة مرعوبين من تصرف أبيهم، وبث الرعب بنفس عامر وعالية على ما سيفعله خالد بوالدتهم وقبل أن يفكرا برد فعله تجاهها بلحظة كان يسحبها من ذراعها لتقف أمامه وقبل أن تتفوه بكلمة كانا كفيه يحيطان بعنقها يخن*قها بكل قوته متفوهًا بجل غضبه من بين أسنانه: 

لا تستحقين سوى المو*ت، لا أكره أحدا بحياتى بقدرك، فلتمو*تى حتى ارتاح…. 



إلى هنا انتهى فصل اليوم، آمل أن ينل إعجابكم

google-playkhamsatmostaqltradent