recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الرابع عشر

 خيط من حرير 

الفصل الرابع عشر 

بقلم سميحه رجب ♥️ 



مرّت أيامُ عَام بـخفّته وثِقله وسِعته وضِيقه، مر بحلوه ومره بمكاسبه وخساراته، مر على أبطالنا كغيره من الأعوام ولكن قلوب أبطالنا منها ما صقل وقلوب أخرى تأدبت، وكأنه كان عاما لليقظة المثمرة وعانق الأمل كثير من لحظاتها وكان الألم عنوان مراحل كثيرة ولكنه اقترن على الدوام بالشجاعة، أيقن الجميع خلال هذا العام أن التفكير ليس سهلًا، والحياة كذلك ليست جاذبة للعيش دائمًا… شيء مشترك واحد بين أيامهم: لقد واجهها خالد كلها بشجاعة.. 

كما يقول محمود درويش:


[إنّ المسافة بين الشجاعة والخوف حلم تجسد في مشنقه آه، ما أوسع القبلة الضيقة!]


فقط بدأ يواجه الحياة بقدر الشجاعة اللازمة لتفتيت الحواجز بينه وبين من أثبتت بجدارة أنها الأحق بكل شئ… الاحق بقلبه وبحبه بوجدانه بعقله وبشجاعته، أدرك جيدًا بعد ان وصل لمراحل الشفاء العليا أن مآلات الأمور لا تتساوى، ولا تستمر، ولا تشكل فارقًا قدر ما تشكل الرحلة، 

وحدها التي تعرفه، تدله ولا تحرمه خير ما عندها بسوءِ ما عنده، أصبح قراره الوصول إليها بالرخاء قبل الشدة، بالعافية قبل الألم، باللطف قبل القسوة أن يبدد شبح الظلمة ان فكر بالتخييم على حياتهم مرة أخرى. 



بمكان خالى من البشر تقريبا فيما عداه هو ومساعده الخفى عن الجميع، يجلسان سويا فيمسك خالد بذاك التمثال الأثري صغير الحجم قائلا: 

صغير ولكنه يحمل قيمة كبيرة من الناحية التاريخية والثقافية، هذا التمثال مصنوع من الحجر و مرصع بذهب خالص، يمثل شخصية تاريخية كبيرة، يحمل التمثال تفاصيل دقيقة وحقيقية تعكس فن العصور القديمة والحضارات المختلفة، مما يجعله قيماً للدراسة والتحليل الفني والتاريخي. 


ابتسم يحيى مضيفًا: 

بشكل عام، يمكن القول أن هذا التمثال الأثري الصغير الحجم يمثل رمزاً هاماً للحضارات القديمة وتعدد الثقافات ويعكس التاريخ والفن والتقنيات القديمة، مما يجعله قيماً للحفاظ عليه ودراسته وعرضه للجمهور ولكننا بالطبع لن نفعل فقليل من يعرفون قيمته، مثل هذه الكنوز يجب أن تكون في يد من يقدر قيمتها فقط، وبالنسبة لنا فبالاضافة لقيمتها فهى سلاحنا لنصل لما نريد. 


 تنهد خالد مبتسمًا وأخذ يتأمل تفاصيل تلك القطعة الأثرية مردفًا: 

اه يا يحيى ما هذا الجمال، بعمرك رأيت قطعة مثلها؟ 


ثم أمسك عدسته المكبرة ليتأمل تفاصيلها مكملا: 

فنان ومبدع من نحت هذا الوجه! 


تنهد يحيى مردفًا: 

فعلا جميلة. 


ليقاطعه خالد بتقرير: 

جميلة جدا جدا، والألوان مثيرة  كأن كحلة عيونها لم يمر عليها آلاف السنين، وكأنها من صنع الحاضر. 


شعر خالد بشئ غريب قد سيطر على مساعده المخلص على الدوام، فاعتدل بجلسته ومازال يتأمل التمثال الموجود بيده قائلاً: 

ما بك يا يحيى مالى أراك وكأنك خائفًا من عملية الغد؟ 


هز رأسه نافيًا ظنه ثم قال: 

 هذه العملية حكاية بحد ذاتها، بالتأكيد لا أخاف ولكن لا أفهم؟ 


أشار إليه خالد بإصبعه محذرًا: 

اهم شيء السرية، لا نريد أن يدري أحد بما نخطط له، هذه المنطقة التي أريتك إياها أسفلها كنوز الدنيا.. 


ليقاطعه الآخر: 

وخصوصا بيت حامد! 


أومأ بالإيجاب مردفًا: 

طبعا، أتعرف؟ هذا الرجل كان أقوى رجال المنطقة بطفولتي كنت انا واخيك ننبهر بمجرد أن نرى طلته وفتوته. 


يحيى متعجبًا:

هذا الرجل الطيب المسكين؟ 


ضحك خالد مقهقها لدرجة أن ظهرت نواجذه ثم قال: 

اه لو كنت رأيته زمان ولو سمعت أحاديث نوح عنه… تنهد بضيق مضيفًا بقهر: 

رحمة الله عليك يا أخي. 

ثم صمت برهة لينظر إليه متسائلاً: 

ما بك يا يحيى أراك مترددا، هل لأن بداية الانطلاق ستكون من ذاك الحى الشعبى؟ 


ليجيبه بالنفي: 

لا أبدا، ولكن هناك شيئا لا أفهمه، فكل تركيزك هذه الفترة على الآثار بعد أن هدأ العمل لمدة طويلة، كما أنك منشغل أكثر بالوصول إليها بالمناطق المزدحمة. 


هز رأسه بالايجاب ثم تنهد قائلاً: 

افضل مكان تبحث فيه هو المكان الذي قد نساه الناس وجهلوا أن اسفله آثار، يعني مثلا حى الجمالية تحته كنوز والسيدة زينب الحى كله آثار، بولاق أبو العلا المبانى والحوارى مكتظة، فنحن سنشترى البيوت القديمة ونعطي أصحابها حقهم كاملا، ثم نهدمها ونبحث أسفلها، سنعطيهم أكثر من حقهم يتصرفون به كما تهوى أنفسهم ولكن لا يشوهون ما يوجد أسفل البيت


اقترب الآخر قائلا بترقب:

ولكنني لا أقصد ذلك! ما قصدته أن كرم قد عاد للعمل وبقوة وكأنه لا يملك ما يخاف عليه، ونورسين اختفت فجأة ليست معه، الظاهر أن خلفا دار بينهما.


ضرب خالد كفًا بكف قائلا بغضب:

اوووف يا يحيى كيف لا تأتى بالخبر اليقين أنه قتلها وانتهينا منها، مجرد خلاف؟ خلاف يا يحيى! والآخر يتحرك بحريته طبعًا 


ليسرع يحيى ليخبره بما اتخذه من إجراءات حماية قبل ان يثور غضبًا:

لقد شددت الحراسة حول بيتك وحول قصر العائلة حتى لا يفكرا بالغدر مجددا، والسيدة زهرة والأطفال أينما ذهبوا فالحراس خلفهم دون أن تنتبه لهم وبمجرد أن علمت بأمر كرم أمرتهم بالاستعانة برجال أكثر وأقوى. 


نهض من موضعه ووتيرة ضحكاته تزداد حتى أصبحت قهقهة شريرة لدرجة أخافته وبثت الرعب بأوصاله فالواضح أن خالد سيقدم على الضربة هذه المرة وستكون غير مسبوقة. 


_________________


تجلس بينهما تتابع ما يكتبون بكل تفصيل، الذي تفعله لم تكن تفعله نورسين التي تجردت من كل معاني الأمومة حتى أبسطها،  لاحظت أن ملك تركز أكثر من أخيها لكن أحمد يملك خطا أجمل من خط أخته، هما يدرسان وهي تفكر بطريقة تجعل ملك تحسن خطها وتجعل أحمد يركز أكثر ولا ينشغل بأشياء تشوش تركيزه.

قاطع افكارها صوت أحمد متحدثا بتذمر: 

أمي زهرة ألم ننتهي بعد؟


ضحكت مقهقهة وردت:

أنت الذي تنهي أم أنا؟ إنها دروسك صغيري


تأففت ملك ووضعت القلم جانبا وتحدثت تدعم أخاها:

منذ ساعة ونحن ندرس هو هي هن انتم انتن نحن، أحس أنني أقول تعويذات هاري بوتر.


نظرت إليها وفتحت عيونها محذرة إياها بمزاح وقالت:

ملك، عيب هذه ضمائر لغتنا.


لترد بتذمر أكبر:

أنت محظوظة أنت وخالتي ياسمين لأنكما لا تدرسان.

فتحدث أحمد بجدية الأخ الأكبر وقال:

لاتتذمري منذ الآن يا صغيرة بالكاد درست المشوار لازال طويلا جدا أمامك لكن لا تقلقي أخوك بجانبك.


فضحكت الصغيرة ساخرة وقالت:

كنت نفعت نفسك يا ذكى منذ ساعة تكتب في نفس السطر، اف أريد أن أنام مللت.


نظرت إليهما زهرة تحاول إمساك ضحكتها ثم خاطبت ملك قائلة:

استفيقي يا صغيرتي لم ننه دروسك بعد، من طلب العلا سهر الليالي يا حلوة.


ابتسمت بمكر وردت:

يعني سنسهر دائما لأجل الدراسة واللعب إذا.


ردت بجدية:

ملك لا توقعيني بشباكك ثم خاطبت أحمد قائلة:

هيا حبيبي أكمل واجبك كي ننام، يجب أن ننام مبكرا كي نستيقظ مبكرا نشطين.


نظر كلا من ملك واحمد لبعضهما وانفجرا ضاحكين على حديثها ثم تحدث أحمد قائلا:

حددي موقفك أمي نهاجم أم ندافع أم نلعب مرتدات؟  نسهر الليالي أم ننام باكرا؟


نظرت إليهما برهة حتى استوعبت ما قالت فانفجرت ضاحكة وقالت:

ونقول لم الجيل الحالي خارج نطاق التغطية كله بسببنا.


فى هذه  الاثناء دلف خالد البيت ليرى هذا المشهد يدور أمامه وكأن جل احلامه تتحقق دون أدنى مجهود منه، لطالما كانت تلك عائلة أحلامه، بصغره تمنى أن تجلس أمه معه مثل هذه الجلسات تعلمه وتنصحه وبكبره تمنى لو أن أم اولاده فعلت ولكن لا هذه ولا تلك قد فعلت لاختلاف الأسباب، أما زهرة فهي بحد ذاتها أهم أسباب صلاح أموره.. 


تحرك بخطواته ليشعروا بقدومه حين جلس جوار أحمد متسائلا: 

هل يتعبونك؟ 


ليسرع أحمد مجيبًا: 

لا لا نتعبها ولكننى أشعر بقليل من الاكتئاب والمفترض أن تخرجوني من الضيق ليس منطقيًا أن أجلس ساعات لأدرس. 


ناظرته زهرة مطبقة رموشها لتبتسم مردفة: 

والله والدك هو أفضل من سيخرجك من هذا الاكتئاب الذي لا أعلم من أين وصل إليك مفهومه  


فابتسم خالد بمكر موجهًا الحديث لابنه قائلا: 

انظر يا بنى واستمع الي جيدا، فما عليك فعله حين تشعر بالضيق هو أن تنهض، ان كنت نائم تنهض ولو جالس تنهض … هيا قف يا ولد هكذا وتحرك 


فقفز الصبي ليقف في مكانه كما طلب والده كان يريد النفاذ من عقاب زهرة كما يظن وها قد أتاه الفرج، نظرت إليه زهرة بجدية وقالت:

خالد منذ ساعتين وأنا جالسة أقنعهم بالدراسة لتأتي أنت وتفسد كل شيء في لحظة؟


ابتسم ورد بصوت خفيض:

لكن قلب الأم لا يصبر على تلك النظرات من أطفالها، انظري الى المساكين انظري تلك العيون البريئة تكاد تدمع صحيح أبي؟ 


ردا الاثنين معا:

صحيح.


زفرت بحنق قائلة بتقرير:

لا تلين صوتك لأنني لن أهتز ولا تضعف موقفي أمامهم يا أباهم سنكمل دروسهم أولا يعني سنكمل.


رد بجدية مصطنعة:

احترمي الشارب واللحية يا أمهم.


ردت بتهديد الأمهات:

سيد خالد، دراسة أطفالي خط أحمر لا تختبرني لأنني سأتحول.


نظر حينها لولديه بخوف مصطنع ثم تحدث لهما بخفوت قائلا:

لا تخافا أنا هنا حتى وإن تحولت.


اقترب أحمد من أبيه وجذبه فدنى منه قليلا ليهمس الآخر له:

لا تحاول أن تتحداها يا خالد مهران لأنك أنت أيضا خائف، سنعود للدراسة وانفد بجلدك وإلا أجلستك لتدرسك تصريف الأفعال بجانبنا.


غمز لهما قائلا:

أهذا رأيكما؟ يعني أهرب.

اومآ بالإيجاب ضاحكين لتتحدث ملك هامسة له:

الهروب نصف الشجاعة يا أبانا، اهرب واتركنا لأمرنا المحتوم.


تحدثت زهرة تطالعهما بريبة قائلة:

بماذا تتهامسون أنتم؟ 


اعتدل خالد وغمزها هي الأخرى قائلا:

بعد التحاور على الطاولة المستديرة توصلنا لقرار يرضي الجميع وهو أن من تدخل بين الأم وأطفالها لقي ما لا يرضيه، ثم تحرك للخارج مسرعا وأضاف:

"وكفى الله المؤمنين شر القتال" 


بعد مرور ساعة وأكثر انتهت أخيرا من استذكار دروس الأولاد ونيمتهم واطمئنت على نوح بسريره، ثم تحركت تحمل تعب يومها لتلقى به في أحضان سريرها لكنها استفاقت حين سمعت صوت شاعرها المفضل قادم من غرفتها، فأسرعت بخطواتها لتزداد دهشتها بمجرد ما فتحت باب الغرفة لتجده يدندن القصيدة وصوته يختلط بصوت شاعر الجرح الفلسطيني ولكن الغريب أن هذا الصوت الخفيض تفوق هذه المرة، لقد اقتحم داخلها على الفور لينازع صوت الشاعر بمكانته عندها ويبدو أن الغلبة ستكون لزوجها، اقتربت أكثر والابتسامة الواسعة احتلت ملامحها وعلامات الانبهار تزداد وهي تسمعه يشارك الشاعر القول: 

هكذا بدأت أغانى الحب، أنت إذا عرفت الحب يومًا 


فشاركته بدورها لتخطف أول بيت بالقصيدة: 

هل عرفت الحب يوماً ؟ 


خالد: عندما يأتي الشتاء يصيبنى شغف بشيء غائب، أضفي عليه الاسم، أي اسم؛ وأنسى


زهرة: ما الذي تنساه؟ قل! 


خالد: رعشة الخفى، وما أهذي به تحت الشراشف حين أشهق: دثريني دثريني! 


زهرة: ليس حباً ما تقول


خالد: ليس حباً ما أقول! 


زهرة: هل شعرت برغبة في أن تعيش الموت في حضن_إمرأة؟


خالد: كلما اكتمل الغيابُ حضرتُ وانكسر البعيد، فعانق الموت الحياة وعانقته كعاشقين 


زهرة: ثم ماذا؟ 


خالد: ثم ماذا؟


زهرة:واتحدت بها، فلم تعرف يديها من يديك وأنتما تتبخران كغيمة_زرقاء لا تتبينان أأنتما جسدان أم طيفان أم؟


خالد:من هي الأنثى - مجاز الأرض فينا؟ من هو الذكر - السماء؟


زهرة: هكذا ابتدأ أغاني الحب , أنت إذن عرفت الحب يوماً!


خالد: كلما اكتمل الحضور ودجن المجهول غبتُ. 


زهرة: إنه فصل الشتاء، وربما أصبحث ماضيك المفضل في الشتاء


خالد: ربما فإلى اللقاء 


زهرة: ربما فإلى اللقاء. 


انتهت القصيدة وهي على بعد سنتيمترات قليلة فنهض ليقترب فاتحًا ذراعه على مصراعيهما ودون تفكير بادلته العناق مرتمية بأحضان الأمان بين تلك الضلوع التى خضعت لها وهذا القلب الذى لم يلن سوى أمام عينيها، ارتمت محتضنة الحنان بين يديها لتختلط يدها بيده وقلبها بقلبه فتحيط هالة المودة والرحمة بهما مكللة زواجهما وعلاقتهما السامية، فلامس خصلات شعرها بحب قائلا: 

هذه أقوال محمود درويش، فإليك أقوال خالد مهران. 


ابتعدت وبخفة جلست على الأريكة بغنج ملقية شعرها خلف ظهرها مردفة: 

أطربني يا زوجى العزيز. 


جلس جوارها لترتسم على ملامحه الجدية مختلطة بمشاعر مختلطة داخله، تجلت حين تحدث: 

في نهاية كل يوم كنت أعود للبيت مرهقًا منذ أن كنت بعمر العاشرة، لم يكن يجول بخاطرى ولا اتعشم من الدنيا سوى بشئ واحد، "أريد أن يعانقني أحدهم"

ليس كما يبدو أن للأمر علاقة بالرومانسية أو الحاجة العاطفية لطرف مقابل مُطلقاً

إنما هو عناق يعزلنى عن صخب الحياة ويقينى من الثرثرات التي اسمعها طوال النهار وتؤثر علي بالسلب، يقوينى ضد تلك النزاعات القوية بينى وبين أمى وبعدها زوجة ابى، ولكني لم أظفر بهذا العناق الذى بمثابة علاج لكل كدماتى النفسية الا معك، حينها يكون اليوم قد انتهى واتيقن من داخلى أن هناك أحد جوارى يساندني ويدعمني بكل حب ودون انتظار مقابل، على استعداد لفعل أى شئ  من أجلي وليس علي سوى أن أبقى هكذا صامتًا فحسب فالعناق ربما يكون هو النسخة البشرية من "أطفئ الجهاز ثم اعد تشغيله من جديد"

︎ ︎ ︎ ︎ ︎ ︎ ︎ ︎ ︎ ︎ 

جاءت لترد ولكنه قاطعًا محولاً الحديث وقد تغيرت نبرة صوته من الجدية إلى الرقة واستحالت نظراته من الحدة إلى الهيام قائلا: 

مر أكثر من عام وانت زوجتى ولكن اليوم اعلنها صريحة انك زوجتى وحبيبتى، لم أقلها من قبل ولكن الآن دون أدنى تردد أخبرك بكل صدق أنني حقًا أحبّكَ بكافة كيانى، بعينى وبقلبى وبشعرك المفضل، أقولها اننى على استعداد لعد النجوم لأجلك حينما نذرتى لى شعرك، وحين سمعتك تدعين الله أن يحفظنى لك عُمراً وعمرين .. وألف، لقد زرعت لك عشرون ياسمينة وخبئتهم أسفل قنديل ليقيهم من البرد ومن الخريف كَما أخبّئكِ داخلي، هُنا ( مشيرا لقلبه)  حيثُ الرّبيع الدّائم لِألّا يصادِفُنا خريفِ العُمر، لقد رسمت  على قلبي وزرعت مَلامِحك المزهرة في عينيّ وسقيتُها  أدمُعي التي لم يبصرها بشر سواكِ. 


تستمع لاعترافه جملة تلو الأخرى ولا تصدق أن هذا الكلام يقال لها، لقد ظنت لأعوام انها لا تستحق ليأتى خالد ليبدد كافة الظنون السيئة ليلامس كل ما هو قيم داخلها ليظفر بها حبيبة وزوجة وأنيسة، لم تقوى على التعقيب بشئ سوى دموعها التى انهمرت لتغرق وجنتيها فأسرع ليمنعها من البكاء مردفًا: 

هذه الدموع لا أريد أن أراها إلا لحظة رؤيتك لأنس جوار إخوته فقط… 


ابتسمت وكأنها تقرر الهرب من دموعها لتمسحهم بظهر يدها قائلة: 

أعلم أنك ستفي بوعدك لذلك أنا صابرة وكلى ثقة بربك وبك. 


اقترب ليقبل جبينها وضمها بحنان مزيلاً عن كاهلها ظلم السنين وقسوة الأيام والليالى المضنيات. 


حل صباح يوم جديد استيقظت في ساعة متأخرة بعد نوم عميق، تشعر بالراحة والاسترخاء بسبب النوم الجيد الذي حصلت عليه، تشعر بأن جسدها مرتاح ومنعش، بالاضافة لشعورها بالجوع أو العطش ولكنها تحاول التمتع بالبقاء في الفراش لبضع دقائق إضافية للاستمتاع بالشعور الراحة، ولكنها تشعر بالذنب وتجبر نفسها للقيام لأجل تجهيز الأولاد قبل الذهاب للمدرسة،  لتقوم بتمديد جسدها والتثاءب فنهضت وهى تفرك عينيها لتتخلص من النعاس، ثم نظرت للساعة لتصعق حين وجدتها العاشرة ولكنها هدأت حين سمعت صوت خالد يلاعب صغيره فى الخارج فنهضت مسرعة لتقترب منه متسائلة: 

هل ذهبوا للمدرسة؟ أم ما زالوا نائمين؟ 


ابتسم لينهض حاملا صغيره الذى ألقى بنفسه عليها ضاحكًا، ثم قال خالد: 

أيقظتهم وجهزت لهم الإفطار وحاولت أن أرتب لهم واجباتهم الخفيفة ولكن فشلت لولا ملك التى ساعدتنى، ولكن الشئ الوحيد الذي أخفقت فيه بجدارة هو تمشيط شعرها. 


تنهدت براحة مردفة: 

لماذا تركتني نائمة لهذه الساعة؟ 


ناظر الحقائب الموضوعة خلف الباب وبعد تفكير تحدث بجدية: 

تركتك ترتاحين قبل رحلتنا الجديدة التى ستبدأ اليوم، سنخرج نتناول الإفطار خارجًا وبعدها إلى قصر العائلة، لأننى وباختصار قررت أن أواجه ولن انعزل من اليوم بل سأكون بالواجهة وأدافع عن حقوقي المشروعة. 


لم تطمئن بل ازداد قلقها حيال رحلتها الجديدة، تظن أن ثمة أمور أصعب بانتظارها هل تقبل الذهاب معه ومساندته أم ترفض وتبقى مع أطفالها بعيدًا…. 

ستقف أمام ظروف جديدة وتحارب بجانبه، بحثت منذ سنة كاملة عن سبيل للاستقرار وحين وجدته أتاها واقع أهله من حيث لا تحتسب، ستقاوم وتواجه معه ستكون بجانبه يديها بيده، تعددت معاركه وجم صراعاته كان فيها وحيدا لكن الآن لديه جيش لا يهزم، زهرة هى جيشه الوحيد… 


وهاهو قطار الحياة يقلها إلى محطة أخرى تجهلها وتجهل كيفية المحاربة بين قضبانها….

google-playkhamsatmostaqltradent