recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الثالث عشر

 خيط من حرير 

الفصل الثالث عشر 

بقلم سميحه رجب ♥️ 



كان كابوسًا

أو شيئًا يشبه الحقيقة…


وقع أرضا رغم أنه حاول أن يدافع عنها بكل عزم لكنهم باغتوه وطرحوه أرضا بحقنة، نظرت إليه بهلع لم يسبق له مثيل، كل مشاعرها ثارت وأدركت أنها تخاف عليه من الأذي فسارعت نحوه ممسكة برأسه وقد تجمعت الدموع في مقلتيها على غير العادة فصرخت تهزه قائلة:

هل أنت بخير؟


 ثم نظرت لأولئك الرجال فصدح صوتها رغم الخوف قائلة:

ماذا فعلتم به؟ بم حقنتموه؟ ماذا تريدون منا؟ ثم عاودت النظر إليه بهلع وقالت محاولة أن توقظه:

رجاء لا تغمض عينيك، تحدث معي، اهمس حتى المهم لا تغمض عيونك.


أخذ نفسًا عميقا في محاولته الأخيرة بألا يفقد وعيه قائلا بصوت خفيض:

لا بأس كلنا ميتون.


اغرورقت عينيها دمعا و نظرت إليه بحزن فأمسكت برأسه بكلتا يديها وقد تأججت كل مشاعر الود في عينيها وأضافت بخفوت:

لا لن تموت على الأقل هكذا لا يليق بك.


سعل قليلا وأضاف:

هذا أسوأ شيء، أنني سأموت بين يديك.


في لحظة تحولت نظراتها نحوه فتملكها الغضب من كلماته تلك وما كان منها إلا أن تركت رأسه لا بل ضربته على الأرض بقوة قائلة بحنق:

إذا فلتمت، أحمق.


اغمي عليه وفقد وعيه بعد تلك الضربة ولم يفتح عينيه بعدها، لم تسلم هي أيضا فقد ركض إليها أحد الخاطفين وحملها رغم أنها حاولت أن تقاوم وتضربه أو تعضه لكن دون جدوى.


______________


استيقظت رباب على صوت انغلاق الباب فتحركت للخارج مستقبلة زوجها الذى ارتمى على الأريكة بثقله فجأة، فأسرعت نحوه صارخة: 

طبعًا عدت سكيرًا ككل ليلة، هل تعلم كم الساعة؟ 


أشار إليها بيده أن تصمت ولكنها اكملت على نفس وتيرة الصوت العالى: 

هل كنت بالملهى الليلى؟ أم مع امرأة أخرى؟ 


فتح عينيه بتثاقل هاتفًا بسخرية: 

الاثنين! 


جذبته من ياقة قميصه لتصرخ به بغيظ: 

لا تستفزنى يا أدهم وتخرج أسوأ ما في. 


ضحك بصوت عال بل تحول الأمر لقهقهة استمرت دقائق، وهى واقفة أمامه تطالعه بغيظ قبل أن ينطق بما أجج نيرانها أكثر: 

لقد طردونى من العمل، وأبى رفض إعادة توظيفى معه بالشركة، لذا فشيطان الدنيا أمام عينى، فابتعدى عنى يا رباب حتى لا ارتكب جناية. 


جلست جواره وعينيها تروج بقلق قائلة:

لماذا طردوك؟ 

ثم صمتت برهة لتكمل: 

اكيد لياسمين يد بالأمر، لربما جعلتهم يعتقدون انك السارق لكى يرجعوها للمعز من جديد، أو لربما ستتزوج من جمال ابن الحاج عبد الله وهذا هو طلبها لتوافق... طبعًا فخالتها وابنها قد عادوا من العراق والاميرة ياسمين تريد أن تشعر بأنوثتها وتلاعب رجلين بوقت واحد لتختار أكثرهم مالاً. 


ابتسم بسخرية واعتدل لينظر داخل عينيها قائلا: 

ياسمين لا تكيد لأحد حتى لو كان أنا، ولا تظلم غيرها لأجل الوصول لشئ، ولا حتى تحتاج أن تتزوج لأجل المال. 


طالعته بنظرات تحمل الحقد والغل لدرجة أخافته ثم هتفت بنبرة ساخرة: 

ما لك تدافع عنها هكذا! 


تراجع للخلف ليغمض عينيه مجددًا مردفًا: 

أليست أخت زوجتى؟ يجب أن أدافع عنها. 


نهضت بغضبها لتضرب كتفه عدة ضربات قائلة من بين أسنانها بغيظ: 

دافع يا أدهم دافع عنها وتصرف كما يحلو لك ولكن لا تلومنى بالنهاية على ما سأفعله. 


بعد أن دلفت غرفتها تنهد بضيق مردفًا بقرارة نفسه بعتاب: 

أنت من ألقيت نفسك فى نيران إنسانة كرباب فتحمل يا أدهم، يبدو أن هذه الزيجة ستكون تكفيرًا عن ذنوبك


________________ 


مر وقت طويل على تلك الحادثة وها هما على كرسي خشبي مربوطين وكل منهما يعطي ظهره للآخر.

بدأ مراد في فتح عيونه تدريجيا ثم شرع بالتثاؤب بقوة ثم تحدث بخفوت قائلا:

اوووه ارتحت، منذ متى وأنا نائم.


ضربت كتفه بكتفها وقالت بغضب:

نومة أهل الكهف يارب، منذ أربع ساعات لقد خدرت كتفي وأنت تضع عليه رأسك الثقيل يعني حين أخطف أخطف معك ما هذا الحظ؟


اعتدل قليلا ورد بهدوء:

 كله بسببك أنت، حاولت الدفاع عنك فأكلتها، ثم ليس لي أعداء أنا رجل مسالم ولم يحدث معي كل هذا إلا حين دخلت حياتي فأمطرت مصائبا يا سبحان الله.


زفرت بضيق ونظرت لفوق قائلة:

اللهم ألهمني الصبر، اللهم ألهمني الصبر ومن قال لك ان تدافع عني من طلب منك؟ كنت ضربتهم بدل من أننا مربوطين هكذا والأسوء أن رأسك السميك عند رأسي أف.


رد بجدية:

احترمي مديرك يا هذه، أو أقول يا هذا؟ لأنني بدأت أشك من ردات فعلك.أنك امرأة،  لنخرج أحياء من هنا و سأطردك. 

ثم نظر للخاطف مردفا:

رجاء احقني بحقنة منومة أخرى أريد أن أنام وأرتاح من لسانها السليط.


رد الآخر مهددًا:

هل ستسكتان أم أسكتكما بطريقتي، ما هذا؟ هل بينكما ثأر؟


هزت نفسها تحاول أن تتحرر من الوثاق لكنها مهما صنعت لا تسطيع فضربت كتفه بقوة حتى تألم ثم رددت بضيق:

معك حق، أنا لم فاضت مشاعري فجأة وأتيت أواسيك لأنك خسرت  صديقك لم؟ اللعنة عليك أنت وصهري والسكرتيرة الخرقاء.


لم يتمالك نفسه فضحك بخفوت لكن ما أظهر لها ذلك، ثم اعتدل قليلا أكثر وقال:

لا تحزني، ثم انظري إلى الجانب المشرق، أنت تعيشين بجواري وتجربين كل شيء، سرقة، خط*ف، والله أعلم ما التالي.


ضحكت ساخرة من حديثه ثم تنفست بعمق وحاولت الالتفاف إليه مضيفة:

هل أخبرك أحد من قبل أنك أحمق.


رد بثقة:

نعم مرة عند باب المصعد، وعلى ما يبدو أن هناك من يريد الاعتذار بما أننا في لحظاتنا الأخيرة.


لترد بثقة أكبر:

إذا يا سيدي المدير أنت أحمق أحمق أحمق.


تنهدت براحة مضيفة:

لا يهمني رأيك، لكن لم تلعنين صهرك؟ ما دخله في الموضوع؟ 


ابتسمت دون أن تلفت انتباهه ثم استجمعت شجاعتها تحاول أن تتدارك الحديث قائلة:

اطردني من العمل وخلصني لا تحملني جميلا، بالأصل انت ولقد طردت فلا تتفلسف و تغتر بمنصب أنت لا تملكه، لقد كرهت الساعة التي دلفت بها ذاك المكتب بذلك اللباس الذي اشتريته جديدا لأجل لقاء شخص مثلك، وكأنه لم يكفني اني بقيت ساعة بالمحل أحاول اقناع صاحبه أن ينقص لي من سعره، أصلا في ذلك اليوم خرجت دون افطار من فرط حماسي وركبت الباص وبقيت واقفة طول الطريق حتى أحسست بألم في قدمي، يومها حدث شجار بين شخصين هناك وما زاد غضبي صاحب الباص الذي كان يستمع إلى الفنان بهاء سلطان لحظتها فكرت أن أنتحر لأجدك بالنهاية تجلس في ذاك المكتب....


 لم تتوقف عن الحديث ولم تأخذ حتى نفسا فتأفف وقاطعها صارخا بها:

اخرسي، لا حول ولا قوة إلا بالله ماهذا؟ خذي نفسا، وأنت تعال وأخنقني حبًا في الله لم أعد أستطيع التحمل.


شعرت بضيقه منها فصمتت ولملمت نفسها ولسانها حين لاحظت خروج الحارس بعد أن مل من مناقرتهم، أخذت الموضوع بحساسية قليلا وقررت أن تصمت وتكون خفيفة ولا تتثاقل زيادة، لا تعلم السبب ولكنها آثرت الهدوء والصمت رغم انها لا تريد أن تريحه ولكن شئ ما جعلها تصمت… 

طال الهدوء حتى بدأ يشعر بالملل فتحدث بخفوت: 

من هؤلاء ياترى؟ ليس لدى أعداء قد يصل بهم الأمر لخط*ف وتخدير، وأكيد لست أنت المقصودة بدليل أنهم خدروني وأحضرونى إلى هنا، لو يريدونك أنت لتركونى على الرصيف هناك.


تنهدت ثم قالت: 

أشعر أن ثقتك مبالغ فيها، فلا أحد يسير بهذه الدنيا دون أعداء، وكأنهم من مقومات الحياة. 


ابتسم على تعبيرها وردده مرتين: 

الأعداء من مقومات الحياة، الأعداء من مقومات الحياة. 


ثم قال: 

انا انسان بسيط جدا، حتى أعدائى مختلفين صحيح أنهما من مقومات حياتى وقد صدق تعبيرك، ولكن لم أعد أعير أى شئ ثمة اهتمام عدا راحة بالى التي تنتعش بالشاي فى الصباح وانا افطر على صوت إذاعة القرآن الكريم، وحين أخرج مع خالد ونهرب من ضغوط العمل الى محل أهل الشام نتغدى شاورما ونتلذّذ بأكلها ، والنوم العميق والضحك والسفر لأماكن أثرية جديدة، والانشغال بدراسات وتعلم مهارات جديدة، و الطموح والمستقبل ومحاولة الالتزام بالعبادات، كل هذه الأشياء أجمل بكثير من الانشغال بالأعداء والبحث عن الحزن، ومراقبة ذكريات الماضي، والبكاء على اللبن المسكوب. 


صمت برهة ينتظرها أن تتحدث ولكنها ظلت صامتة تتأمل كلماته بغبطة شديدة، تتمنى لو عاشت حياتها بأسلوبه، فسألها بتودد: 

وماذا عنك؟ 


ابتسمت بحزن وارتسمت انكسارة مؤلمة على طرف شفتيها: 

منذ سنوات قليلة كنت إنسانة شغوفة لدرجة لم يصدقها أهلى، كان أقصى همى هو البحث عن سبيل ليكتفي جسدى بنوم ساعتين أو ثلاث كحد أقصى وعليه أن يرتاح بعدها ويستفيد الاستفادة القُصوى، كانت رؤيتي للحياة بأنها فرصة منحنا الله إياها لنتأمل ونحلم ونسعى بجد ونجتهد لتحقيق أحلامنا، أما اليوم… 


صمتت قليلا ثم تنهدت بحزن مضيفة: 

لم أعد أرغب بشيء ولا أحلم ولا أسعى لتحقيق أى إنجازات، أتمنى لو أعيش وحدى بمنزل بعيد بالريف أجلس بردهة وقت الغروب مع كوب الشاى، أهاتف زهرة أسفل قنديل الياسمين الذي تصنعه من يدها واستمع لصوت فيروز:

 " يا ريت الدنيِي بتزغر .. و بتوقف الأيام 

وهالأُوضة وَحْدا بتسهر .. وبيوت الأرض تنامْ

و تحت قناديل الياسمين  انت وأنا مْخبّايين

نحكي قصص حلوين .. ولا مين يدري شو صار" 


ليندمج معها مكملاً بصوته العذب الهادئ: 

"يا أُوضة زغيرِة زغيرِة .. فيها بْحُبّي تلاقيت

أوسع من دنيِي كبيرِة .. وأغنى من مِيِّة بيت" 


لتكمل ضاحكة: 

" تعبانِة وبدّي حاكيك  حاكيني الله يخليك

ونَقّلني عَ شبابيك .. الليل وعَ سْطوح الدار " 


تشاركا الأغنية معاً ليتشاركا الضحكات النابعة من قلوبهم، ارتياح غريب اجتاحهم وسكينة أحاطت بهم رغم الموقف وصعوبته، التفاهم والحديث المتبادل بينهما خفف من التوتر والقلق وبدأ ينشأ جو من الراحة والثقة بينهما. 


ليقاطع هذه الراحة صوت صخب عال يأتي من حولهم، بدأ يلتفت حوله بتوتر قائلا: 

لا يعقل هذا هل سيقتلو*نا قبل أن نعرف من هم؟ 


بدأت هى الأخرى تشعر بالقلق وتنظر للباب بانتظار أن يدخل أحدهم، تتمنى ألا يكون ما يحدث حقيقي! 

بدأت تتمتم بهمهمات ببضع آيات من القرآن وبعض الأدعية، ليعلو صوت أجراس ترن بصوت عال في الأرجاء، ومراد يتحرك بعجالة يحاول فك الوثاق حولهم ليهربوا قبل أن تنفجر القنبلة التى تصل أسماعهم ولا يعلمون مكانها، وما ان فك نفسه أسرع يفكها ويلقى الحبل بعيدًا ثم أمسك يدها ليسرعا نحو الباب، وفجأة  انفجر أحد الحوائط من خلفهم ليحل الصمت في كل مكان، وتطاير الدخان بالمكان وتعثر مراد ووقع على وجهه من هول الصدمة، وقفزت ياسمين متشبثة بالحائط كأنها تتسلق للسقف، وضعا كفوفهما على أفواههم يتجنبان الغبار الكثيف المتطاير وعيونهما على الحائط يودان معرفة من القادم الذي دخل بتلك الطريقة، لكن كل ذلك زاد من خوفهما فأحسا أنهما هالكين لا محالة.


  ومن بين كل تلك الفوضى والركام خرج أحدهم بهدوء وببدلة تلمع كما لو أن لا شيء قد حدث، وبابتسامة جانبية واثقة قال: 

جاء رجل المهمات الصعبة، جاءكم خالد مهران لينقذكم مما وقعتم به، ثم انحنى كما لو أنه أمير متوج من مملكة ما.


نهض مراد متحفزًا ليقفز منقضًا عليه ليلكمه بقوة مماثلة لذعره صارخًا: 

أ أنت غبي أم عقلك قد ولى عنك؟ هل يوجد عاقل يدخل بهذه الطريقة ويفعل ما فعلته؟ ما الذي جعلك تفكر فى الدخول بهذه الطريقة؟ 


اعتدل خالد ليمسح موضع اللكمة معقبًا: 

رغبت فى دخول يعج بالصخب ويليق بشخصي.  


اخذت ياسمين تتنفس بعمق مرددة:

حسبى الله ونعم الوكيل في صداقتكم ومعرفتكم، وتحركت لتخرج مكملة: 

انا المخطئة لتعاونى معك، فلتتصالحا او تفترقا ما شأني أصاب بسكتة من وراء مقالبكما، حسبى الله ونعم الوكيل، لا أزال صغيرة على كل هذا، ماذا صنعت كي أبتلى بالمجانين فى حياتى؟ 


وخرجت من نفس الحائط الذي تفجر تاركة مراد ينظر لموضع خروجها بذهول مردفًا: 

هل اتفقتما عليَّ؟ 


أشار خالد بعينيه بأن: 

نعم! 


ضرب الآخر كفًا بكف مرددًا: 

لا حول ولا قوة إلا بالله، وقعت بين اثنين مجانين. 


وهم ليذهب ولكن خالد أمسك ذراعه قائلا: 

لن تذهب قبل أن نتحدث، فطريقتك هذه لن تجدي نفعًا ولن أتغير او أحيد عن طريقى بهذه الطريقة. 


لم يرد عليه وظل يطالعه بنظرات شاخصة ينتظر سماعه، رغمًا عن إرادته توقف واستعد ليسمعه، وكأن قلبه يطالبه بإعطائه فرصة كافية، يريد أن يعود لصديقه وبنفس الوقت يخشى عليه من طريقه الوعر، فبدأ خالد يتحدث: 

هل تعلم سابق علاقتى بزهرة قبل زواجنا؟ 


ليجيب: 

لا فأنت لم تخبرنى. 


ليسترسل الحديث ليخبره بما لم يكن على علم به: 

زهرة كانت طبيبتى النفسية، أذهب إليها للمداواة ولكن بسرية فلو علمت نورسين لاستغلت الأمر بالمحكمة وأفشت سرى لكرم وعباس، وخفت أن أخبرك فأصغر  بعينك وتقلق بشأنى. 


ليقاطعه مراد ساخرًا: 

خفت أن تخبرنى؟ لما هل كنت سأعد لك المحاكمة أو أتهمك بالجنون؟ 


ليجيبه مباشرة: 

لقد كنت على حافة الإنهيار واقفًا على حافة قضيب القطار وعقلى بدأ يذهب عنى ولا أملك سلطة على إرادتي، وجدت نفسي أقترب وأقترب وكان بينى وبين الانت*حار خطوات، لولا أن يدًا جذبتنى لتنقظنى فسقطت جوار الصغير ذا الثلاث سنوات الممسك بعبائتها، فانتشلتنى من ضياعى وأضاعت صغيرها، كل الامور حدثت دون تخطيط منى ففجأة وجدتنى بعيادتها وهى أمامى تسمعنى فتجيد الاستماع  وتنصحنى فتصيب بنصيحتها وتعطيني من الدواء ما بدأ يهدأنى، ومر عامين على هذا اللقاء ولم أنقطع يومًا عن كشف او متابعة عندها فكان إستماعها لآلامى يفيدنى اكثر من الادوية والمهدئات فهذا ما كنت أفتقده، واستمر الأمر بسرية بينى وبينها وخلالهم تغيرت كليًا أصبحت هادئًا غير مندفع كما كنت من قبل، موقفك الذى اتخذته منى كان يمكننى تقبله حينما كنت فى أوج شدتى وتجبرى أما الآن فأهدافى محددة، لن أتراجع قبل أن أعيد أنس وأبتعد بأسرتى لمكان آمن لا يلحقهم أذى به، وأسرتى هذه هى زهرة وأولادى وأنس وأنت… 

هل تتذكر ما أخبرتك بك حين خرجنا لأول عمل حينها أنت اخترت العمل بمهنة واحدة بجانب الدراسة أما أنا ففضلت الوصول السريع وعملت بمهنتين! شركة السياحة ليست ملكي لتستقيل منها، إنها نتاج عملك منذ الصغر وتطورت بدراستك ومهاراتك، هذه الشركة هي النقطة البيضاء ببحر عملى وهى الحلال الذي يساندنا، هل أخبرتك من قبل أن أولادى لم أطعمهم يومًا إلا بالمال الخارج منها! 

مهر زهرة خالصًا من عملى بهذه الشركة، وحين قررت توظيف ياسمين وظفتها معك لأن بقية شركاتى وأعمالى ليست سوى وسيلة للانتقام وانت تعلم جيدًا ممن أسعى لأنتقم. 


أنهى حديثه وظل مترقبًا لرد صديقه الذى تحرك خطوتين للأمام يفكر بتريث ثم التفت إليه قائلا: 

حين طردنى والدى استقبلتنى أنت، وحين ضعفت والدتى ولم تدافع عنى استقويت بك وحين سافرت أختى بقيت أنت، قد يبدو الأمر مضحكًا ولكنني أراك والدى قبل صديقى ومن وجد أباه مذنبًا اما يبتعد ويسلك طريقه بضفة أخرى محافظًا على البر بينهما او يعكف على نصحه حتى يهدى، ووالدى لم يترك لي الفرصة لأنصحه. 


ففتح خالد ذراعه على مصراعيهما قائلا: 

انصحنى كيفما شئت وأعدك سيأتى اليوم الذى آتى إليك لأخبرك بأن الحرب قد انتهت ولكن لا تبتعد يا صديقى. 


ليسرع مراد معانقًا صديقه ليبدأا من جديد ليتصافيا، 

عناق خفف عن كليهما وطأة تعب فراقهما فلا شيء يكنه خالد في قلبه لمراد سوى الود وكذلك الآخر، وشاء الله أن يكونا خليلي بعضهما وإن تكاتلت عليهما الحياة بمرها كانا سندا لبعضهما.



فى اليوم التالى بالبيت تحركت زهرة لتفتح الباب مستقبلة رباب، وقبل ان تسمح لها بالدخول صاحت بها: 

هل يجب أن نتذلل لحضرتك لتأتى لأمك المريضة، وأين أخاك؟ لا أستطيع الوصول إليه وهى المسكينة تطلبه منذ الصباح. 


زفرت بحنق وأرادت الدخول دون أن ترد عليها قائلة: 

ابتعدى عن طريقى يا زهرة فليس هذا الوقت المناسب لمحاضراتك.


استفزتها فلم تتمالك نفسها لتجذبها من خصلات شعرها بغضب مردفة بتهديد: 

حين تتحدثين مع اختك الكبرى فلتتأدبين وتنتقى ألفاظك، وحين تطلبك والدتك تتركين ما بيدك وتركضين إليها، لم أحاسبك بعد على ما فعلته بحق ياسمين ولا سرقة زوجك للحاج عبد الله وتسببه فى موت الرجل، واتهمتم ياسمين بالأمر، صمتى لا يعنى تعففى عن حقها فالتزمى حدودك حتى لا أقلب فى الدفاتر وأخرج الجديد والقديم وأحاسبك على كل شئ يا ابنة أبى، وابتعدى أنت وزوجك عن ياسمين وإلا أقسم بعزة الله أن أجعلكم تتمنون الموت. 


خرجت فردوس والخالة كريمة على صوت شجارهم، حاولا فك الفتاة من يد زهرة ولكنها لم تتركها قبل أن تنهى حديثها فأسرعت الأخرى لغرفة والدتها وأخذت كريمة ابنة أختها وخرجتا للشرفة لحين خروج رباب وذهابها. 


حل المساء ومازالت رباب أمام والدتها تحادثها، والأخرى أمامها تستمع صامتة تأن من وجعها المفاجئ والغير مفهوم أسبابه، وجع جاء بليلة يفتك بجسدها وقد ازداد حينما لم يأتى ولدها، ورباب لم ترأف بحالة والدتها واستمرت فى حديثها القاسي الذى تكرره منذ الصباح: 

كل ليلة يعود ورائحة الخمر تفوح منه، وكأن سيناريو زهرة يتكرر معى، هل لأننى كنت أسخر منها حين تأتى وتشتكى لأبى… 


ولكن سرعان وتعدل عن ندمها وتكمل بحقد: 

ولكن ما دخلى انا، كنت أنصحها بالرجوع لزوجها الذى تزوجته بإرادتها، أما أدهم فأنا تزوجته ولا اعلم السبب سوى رغبتى فى غيظ ياسمين وإحزانها، ولكن انت السبب يا منال! 


نظرت لها بإندهاش قائلة بلسان متثاقل: أنا؟ 


لتجيب الأخرى: 

أجل فأنت السبب بكل ما أنا فيه وبما يفعله حسن، حين علمت أن عثمان العراقى تزوج استغليتى عودته لمصر لكى يتزوجك وقد نجحت، لطالما مثلت أمام فردوس انك تحبينها وهى اختك التى لم تلدها امك ولكن دومًا كنت ترغبين لتكونى المفضلة عند أبى، وحين فشلتِ أنجبت حسن بعدها وظننت أن هذا ما سيرفع شأنك عنده ولكن بقيت زهرة هى ابنته وحياته ولا يبتسم ويضحك من قلبه إلا معها، لذلك حين أنجبتنى كنتى تعاملينى أفضل من البقية وبعد أن مرضت فردوس وأصبحت قعيدة وانت المسؤولة عنا نحن الأربعة لطالما فضلتينى عنهم ودللتينى حتى أصبح الجميع يكرهنى وكبر الكره معهم وأصبحوا يرونى عدوتهم اللدودة. 


فى هذه الاثناء دلفت ياسمين موبخة إياها بغضب: 

ألا يوجد لديك ذرة إحساس؟ ولا ترأفين بحال والدتك المريضة لتثقلين عليها بحديثك القاسي، تعلقين سوادك وحقدك عليها، أمى منال لم تكن يومًا قاسية ولا حاقدة كما تتهمينها. 


تحفزت لتنهض مقتربة منها صارخة بغضب: 

لماذا تتنصتين علينا، إنسانة تحادث أمها ما دخلك أنت. 


جاءت ياسمين لترد ولكنها تألمت لحال تلك المريضة فصمتت لتقرب منها مقبلة رأسها لتقول: 

حقك على عيونى يا غالية، كنت مارة من أمام الغرفة ووقع حديثها على مسامعى فاستفزتنى، حمدًا لله على سلامتك. 


ثم تحركت لتخرج من الغرفة لتتقابل مع زهرة الجالسة بالشرفة مع خالتها لتجلس معهم قائلة: 

أين أمى؟ 


لتجيب أختها: 

مع الأولاد نامو سويًا، تركتهم معها لينسوها حزنها وتفكيرها بمرض الخالة منال. 


اومأت ياسمين دون أن تتكلم ولكن خالتهما سألت: 

ما سبب مرضها؟ 


نظرت إليها زهرة مجيبة: 

‏إنَّ المسلم ليُؤجر في كل أمرٍ يمُر به حُزنه وثقل نفسه

وكل آهٍ يئنُ بِها، لقد تقدم ثقل النفس على الأنين ووجع الجسد، لقد هجرها ابنها المفترض أن يكون سندها لقد مر العمر ووجدت كل ما بذلته لأجلهم ذهب هباءًا. 


اومأت برأسها دون أن تجيب بشئ سوى:

ليعينها الله عليهما. 


ثم نظرت لياسمين لتسألها: 

وانت يا حبيبة خالتك لماذا لا تريدين أن تسمعى نصيحتي المتكررة وتتزوجين؟


إبتسمت بمكر لتجيبها: 

إطلاقًا، إنني أسعى حثيثًا إلى أن أتزوج فقط بسبب نصيحتك خالتى، فلا شك أنّك تعيشين سعادة غامرة هي التي دفعتك إلى نصحي بالزواج لأنك تحبينى وتحبين لي الخير، وسعادتك هذه لا تفارق خيالي وأضعها هدفًا أتذكره كلما نصحتني، ماذا يريد الإنسان من الدنيا سوى أن ينال سعادتك المفرطة يا خالتى؟


لتسرع مقاطعة إياها: 

لا لا لا، لا تأخذى بظاهر الأمور، فأنا لست سعيدًة كما تتصورين، فالحياة تضغط عليّ والأسعار في ازدياد وزوجى المرحوم لم يكف عن النكد وحسام ابنى لم يكف عن الإتيان بالمشكلات بطفولته ومراهقته، وزياراتنا لم تنقطع عن الطبيب، أعوذ بالله من عينيك يا إبنة أختى.


ضحكتا الأختين مقهقهتين وأردفت ياسمين: 

 بالضبط، اثبتى على هذه النغمة ولا تنصحينى بشيء لا تعرفى تبعاته على حياتك، واترك الناس في أحوالهم وحين يأذن الله يحدث كل ما قدَّرَه، ولا تزيدى فى الإلحاح علينا بأمور ليست بأيدينا.


نهضت تلملم إحراجها وأسرعت نحو غرفتها لتنام، لتقترب ياسمين لتضع رأسها على كتف شقيقتها قائلة: 

زوجك كان سيقتلنى بسكتة قلبية لكى يتصالح هو وصديقه. 


ضمتها مقبلة شعرها بحنان ثم أردفت: 

وهل تصالحا؟ 


اومأت بالإيجاب ثم أجابت: 

أجل لقد تركتهم يتحدثان وخرجت أنتظرهما حتى خرجا يدًا بيد. 


نظرتا نحو الباب لتجدا ملك تقترب منهما تدلك عينيها الناعستين بكفيها الصغيرين، فأشارت إليها زهرة لتسرع نحوهما لتجلسها بحضنها مقبلة وجنتيهما قائلة: 

لماذا إستيقظت ملاكى؟ أم انك لم تنامى بعد؟ 


ضمت نفسها بحضنها ملامسة كتفها الذى تنام ياسمين عليه قائلة: 

أريد النوم بحضنك. 


ابتسمت ياسمين لتبتعد مداعبة شعر الصغيرة ثم نهضت متحدثة وهى تنظر للخارج: 

حسنًا لتبقى مع صغيرتك الغيورة وانا سأطمئن على أمى وأمى منال وبعدها انام، ولا تنتظرى زوجك فسيقضى الليلة مع صديقه يأكلان الشاورما. 


اعتدلت زهرة بمكانها لتغرق الصغيرة بحضنها قائلة: 

أ نصنع قالب كيك؟ 


لامست وجنتها بحنان مقبلة إياها ثم قالت بعد تفكير: 

لنؤجلها فالخالة منال مريضة ولا يجوز أن نكون مصدرًا للإزعاج، سأشتريها لك غدًا او سنصنعها حين نعود لبيتنا، فأومأت الصغيرة بتفهم ورفعت نفسها لتقبل زهرة عدة قبلات متفرقة مضيفة بإمتنان: 

أحبك أحبك جدًا 


لتضمها بلهفة وتبادلها بقبلات أكثر مرددة: 

وأنا أحبك أحبك أحبك أحبك جدا جدا، أنت ابنتى وملاكى وحبيبتى. 


ابتهج قلب الصغيرة واعتدلت بجلستها وتحفزت كأنها ستقول شيئًا مهمًا وأخذت تفرك كفيها الناعمين ببعضهما قائلة: 

يعنى هل أقول لك أمى؟ 


اومأت برأسها وأجابت مباشرة: 

بشرط أن تشعرين بها أولا، يعني قلبك يصدق أنك تريدينى أمًا لك. 


لتبتسم مردفة بحماس: 

أريد وقلبى يريد وكل شئ يريد أن تكونى أمى. 


تنفست زهرة براحة لشعورها بلحظات حب حقيقية من ابنتها التى لم تلدها، دقائق صادقة معها جعلتها تشعر وتتيقن ان الحياة جميلة مهما بلغت قسوتها، وان وجودها بحياة هذه الصغيرة لم يكن صدفة بل لطف الله تجلى وتيسرت الامور وحملها قطارها لمحطة خالد مهران وأولاده لتداويهم وتتداوى بصدقهم الذى اصبح سرابًا فى عالمها السابق، وتحركت لتحملها نحو الفراش ولكن ذهبت الذكرى لذلك الأنس خليل لحظاتها السعيدة والحزينة وشريك كل مشاعرها، تنيم الصغيرة وتحنو عليها وبكل شعور وكل لمسة تتمنى لو يهيئ الله مثيلتها لصغيرها، تبتسم فرحة لأجل صلاح أمور الصغار الثلاثة ولكن قلبها مفطور ولا يستطع أحد جبره سوى أنس فسبحان الله الذى أنبت طيف شعور بالطمأنينة عليه، ووضعته بأمانة الله كما استودع يعقوب يوسف بأمانة ربه، مقررة أن تتعلم من الدرس وتصبر ولكن لن تترك ضياء عينيها يذهب كنبى الله يعقوب بل ستهبه للصغار الثلاثة. 


مرت الليلة هادئة على الجميع ما عدا منال التى مثلت النوم على ياسمين، وظلت تدعو وتتمنى أن يتذكرها حسن ويطل عليها ولو لحظات، وتتذكر حديث رباب وتفكر ان كانت سيئة لهذا الحد كما ترى ابنتها، وتتذكر شبابها الذى قضته تراعى ضرتها وتعتنى بها كأنها أختها، لا لم تكن بهذا السوء لتستحق أن تضيع عمرها على أولاد يحملان سواد الدنيا بين أضلعهما، وعلى هذا الحال مرت بها الليلة حتى حل الصباح… 


استيقظت ياسمين وجلست على سريرها لتسند رأسها عليه بإرهاق، ويرن بأذنيها صوت دندنتها مع مراد بأغنيتها المفضلة فابتسمت دون دراية منها وسافرت للحظات بعالم آخر، عالم وردى هادئ تسوده زهور الياسمين والقناديل الخافتة المريحة للأعصاب، لتعود من خيالها على صوت نداء منال فتذكرت تعبها لتركض نحوها قائلة بمحياها المبتسم: 

صباح الخير أمى. 


مدت يدها وأشارت إليها لتجلس أمامها وبدأت تتحدث بعد أن طلبت منها كوب ماء: 

ألم يأت؟ 

لم تعلم بما ستجيبها فابتسمت الأخرى وبدأت تسرد حديثها: 

حين وعيت على هذه الدنيا لم أرى أمامى سوى عثمان، ولكنه أسرع فى الرحيل وذهب ليبحث عن عمل واستقر بالعراق فترة وعاد بعد أن تزوج والدتك فقررت حينها أن أنساه ولكنه جاء وطلبنى، وقتها رفضت لأنه متزوج ولكن مع إلحاح والدى وإقناعه لى بأن زوجته الأولى بالعراق ولن اختلط بها قبلت ولا أنكر أن قلبى كان يريده وبشدة، وسارت الامور فى بداية الأمر عدة أشهر وسافر بعدها ليعود بفردوس ومعها ابنتيها زهرة وياسمين وكنتى وقتها مريضة وهذا سبب مجيئكم لمصر…


قاطعتها ياسمين: 

حبيبتي لا داعى لترهقى نفسك بهذا الكلام الذى نعرفه جميعنا. 


حركت رأسها بالرفض واصرت أن تكمل: 

يشهد الله اننى أحببتكما واحببت فردوس كأنها اختى، وبمرور الوقت والدك لم يشعرنا بفرق ولم يفضل أيًا منا على الأخرى رغم ان قلبه كان يميل لفردوس اكثر، وحين انجبت حسن وبعده رباب أحببتهم أكثر من الجميع وأكثر من نفسي فهم أبنائى هل هذا ذنبًا؟ لتتهمنى ابنتى أن ما أصابها مردود أفعالى التى لا أعلمها. 


أمسكت ياسمين يدها لتنحنى مقبلة إياها مردفة:

ونحن أبنائك أيضا، أنا محظوظة جدا بك وبأمى.


أكملت بحزن: 

لا أستحق حبك ولا ودك، هل تعلمين ما ذنبى الوحيد والذى لن اسامح نفسي عليه؟ 

اننى ظلمتك بعد وفاة والدك واجبرتك على تحمل المسؤولية عوضًا عن ابنى الذى لم يهن عليه أن يطل على امه المريضة ولم يخاطب لسانه لسانى منذ أن تركنا المعز وجئنا إلى هنا، اجبرتك لتتحملى تكاليف زواج أخته ومصاريف علاجى وتركتى جامعتك واشتغلتى حرفية وبائعة وهم مرفهين بأيدى ناعمة، أجبرتك ان تتحملي حتى مر العمر وتزوجت اختك الصغيرة ولم تلتفتى لنفسك او تهتمى بها. 


ابتسمت ياسمين واقتربت تمسح دمع منال وأردفت: 

ولكنني لم اشتكى! 


لتقاطعها بنبرة جادة: 

اشتكى واحتجى يا ابنتى وتمردى عليهم، لا تحنى نفسك لأجل احد حتى لو كانوا اخوتك حتى لو كانوا ابنائى، ابحثى عما يريحك وافعليه ولا تضحى لأجل من لا يستحق، فمن اعتاد على التضحية سيأكله وينهشه البذل المفرط اللا مشروط، اوعدينى أن تعيشي لنفسك بعد اليوم! 


حركت رأسها بتفهم لكل ما تقول قائلة: 

أوعدك ولكن فلتهدئى حتى لا ترهقى نفسك زيادة، هكذا سيرتفع السكر مجددًا. 


ابتسمت ومدت يدها لتلامس شعر ياسمين بحنان وجذبتها قليلاً لتقبل جبينها قائلة: 

أعلم أنك اشتقتِ إليه ولكن يبدو أننى أول اللاحقين به، استودعكم أمانة عند ربى حتى ألقاكم بالجنة، ولا تغفلوا عنى فأولادى لن يتذكرونى. 


وكان أخر عهدها بها أن نطقت الشهادة بين يديها لتسقط يدها جوارها وتغمض عينيها للأبد، وابتسامتها مازالت محفورة على قسماتها، وياسمين لم تستوعب شيئا حتى ركضت زهرة التى كانت تقف على الباب لتفحصها، فأشارت لأختها لتستوعب أخيرا أن عزيزًا آخر قد قرر الرحيل دون سابق انذار. 


لم تتمالك نفسها فأزاحت الغطاء وحاولت أن تنهض بها مرددة بهستيريا: 

لا هى بخير، تريد أن تختبر حبنا لها فقط… هيا هيا يا أمى هيا يا منال أرجوكى لا تفعليها، لست غاضبة منك والله. 


ليت بكاء العين يُجدي، فروحها كلّها تريد أن تبكي، تريد شيئًا أثقل من الدموع، شيئًا يخففّ عنها هذا الثقل الذي يجثو بتعبهِ عليها.


تجمع الجميع على صوت صراخها واسرعت شقيقتها لتحيط بها مقيدة حركتها ودموعها تنهمر بصمت، قلبها انفطر على هذه الغالية بمقام والدتهما، وفردوس هناك تنتحب بذعر على وفاة خليلتها وكأن دموعها المتساقطة تباعًا تصرخ قائلة: 

رأيت انعكاس الموت فى طريق رحيلك، رأيته يقترب بينما انتِ تبتعدين، رأيته يبتسم بينما تنزف عيناى دماءً، رأيته يُخرج سكينا ليقبض روحى فما ان اخرجها حتى افلتت منه هاربتًا اليكِ هاربتًا الى مأواها يا أختى. 


بينما كريمة تحاول أن تواسيها، وتقف زهرة بين نيران عدة لا تعلم من ستواسي هذه المرة وهى مكلومة بنفس جرحهم، وكأن عينيها تبحث عن سبيل شاكية لقلبها المفطور: 

أنا الصرخة، أيّة حنجرةٍ تعزفني؟


مضى كل شئ سريعًا وقبل أن يحل المساء فارق جسدها أيضا هذه الدنيا واستقر بموضعه الأخير على هذه الأرض، جلست زهرة وياسمين بعد أن ذهب الجميع يدعوان لها ويقرآن القرآن، عل دعائهما يثبتها عند السؤال، بينما أبنائها لا وجود لهم بالصورة، رباب بالبيت تجلس بركن بعيد وحسن لم يأت بعد… 

ليحل المساء وبدأ الظلام يعم على المكان فتحركت زهرة بأختها نحو البيت، وكأن آخر خطواتهما بعيدًا عنها تذكرانا بالحقيقة الكبرى وهى" كيف يودع المرء الدنيا خفيفًا وحيدًا لا مال ولا ولد " 


أمام البيت الكبير وقفت ياسمين وسط الرجال تأخذ العزاء، لم تهب أحدًا ممن طردوها من قبل، ولم تترك العزاء بلا أحد وقفت وقفة رجل كما اعتادت منذ وفاة والدها، ولكن خالد أبى أن يتركها فوقف جوارها وقفة أخ بحق، وكان يسلم على الرجال ويأخذ العزاء، حاول معها لتصعد مع النساء وهو سيقوم بما يتوجب عليه ولكنها رفضت، تقدم جمال ابن الحاج عبد الله منهم ليعزيهم ثم قال: 

سأترك الامور دون مشاكل لثلاثة أيام فقط، فلتمر أيام العزاء وتذهبين دون رجعة، جعلناك تدخلين الحى مجددًا لأجل خاطر الأموات فقط فالخالة منال لم تؤذينا يومًا مثلما فعلت أنتِ. 


ليتحدث خالد نيابة عنها: 

لا أعتقد أن هذا الوقت المناسب، ولا لترسم علينا رجولتك لقد تنازلت عن القضية بعد أن قبضت الثمن فلا تصرعنا بحديثك يا سيد جمال، لو أرادت ياسمين أن تقضي عمرها هنا لفعلت ولن تستطيع لا انت ولا اختك أن تمسا شعرة منها، لأنكما حينها ستواجهان خالد مهران. 


تحرك جمال ليذهب بغيظه وبقيت ياسمين غارقة بحزنها على من ذهبوا وتركوا ظهرها عاريًا دون سند من دمها يحميها، وحسرة على أخيها الذى لا يعرفون مكانه وقد ماتت أمه ودفنت دون أن يدرى. 


مضى يوم واثنين وانقضت أيام العزاء وذهبوا جميعًا للبيت الآخر، كانت فردوس بفراشها حزينة وزهرة تجلس جوارها تواسيها وتحاول ان تخرجها من حزنها لتتكلم قليلاً ولكنها تأبى أن تنطق بمجرد كلمة تبرد بها نيران ابنتها القلقة عليها، جاء احمد وملك ليجلسا جوارها فقبل احمد يدها قائلا: 

لقد اشتقت للحديث معك يا جدتي. 

واقتربت ملك تقلده قائلة: 

وانا اشتقت لأحاديثك عن الجد عثمان. 


التفتت بنظرها نحوهما وحاولت أن تبتسم ولكن لم تستطع فتحدث أحمد قائلا:

سيمضى مثلما مضى معنا، صحيح هى لم تمت ولكنها ذهبت دون رجعة، ظننت حينها اننى سأموت فحتى اخى كان ضعيفًا جدًا لا يقوى على الحياة، ولكن فجأة جاء أبى ومع زهرة وحياتنا تحولت للأفضل بالأصل هى أصبحت حياة كما يجب أما قبل ذلك فلم تكن حياة، كما تخبرنا زهرة دومًا: "سيجعل الله بعد عسر يسرًا" 


اومأت برأسها ومررت يدها على شعره مرددة: 

ونعم بالله، ونعم بالله العلي العظيم. 


وبغرفتها تجلس وحيدة تؤنسها أحزانها، ممسكة بكتاب الله تقرأ دون كلل كلما توقفت تشعر بهبات الحزن وتضرب روحها فتعاود القراءة من جديد، لا شئ يهون عليها ولا يد تستطع احتضانها ومواساتها فالكل مصاب هذه المرة والمودع غالى وذهب دون انذار فأوجعت منال قلوب الجميع، وهابوا جميعهم موت الغفلة، فصعب ان تتستوعب ان من كان امامك امس تأكل معه وتضحك هو اليوم بعالم آخر بين يدى الله، ( اللهم أجرنا جميعًا من موت الغفلة، وأحسن خاتمتنا ولا تتوفنا الا وانت راضٍ عنا)… 


صدح صوت خالتهما منادية: 

يابنات لقد عاد حسن. 


عاد حسن! 


اغلقت مصحفها وأسرعت لتخرج من الغرفة مرددة: 

عاد حسن، عاد حسن… لماذا عدت ولمن عدت؟ لقد ماتت يا حسن ودفناها، هاا لماذا عدت؟ أقول لك لقد ماتت امك ودفناها واخذنا العزاء وانتهى الأمر.


حاول أن يبرر لنفسه: 

كنت مسافرًا وحين علمت عدت مباشرة.


أخذت تضرب كتفه بقوة مردفة بحسرة: 

لا لا معذور طبعًا، تتركها تموت بحسرتها وتبحث الان عن حجج واهية، وبكل تبجح تقول كنت مسافرا، كيف طاوعك قلبك لتهجرها وتسافر وتعيش حياتك وتتركها، عدت بعد ماذا؟ بعد أن سمعت خبرها؟ هل تنتظر لنمت جميعًا حتى تعود؟ 


أمسك يدها محاولاً إيقافها قائلا: 

اقسم بالله لم يصلني شئ ولم أعلم بمرضها حتى… 


رفعت إصبعها وأخذت تعاتبه باكية: 

كنت واقفة بالعزاء وحدى وسط الرجال يا حسن، وقفت اخذ العزاء كما الرجال، ولولا زوج اختك  لما سلمنا من أحاديث وغمزات الناس، لأن اخونا الرجل بكل بساطة نبحث عنه ولا نجده، ماتت وهى فى حاجة لنظرة رحمة من ابنها البكر… 


صمتت برهة تلتقط أنفاسها ثم أكملت بحسرة: 

كانت تتمنى أن تراك قبل أن تفارق، طلبتك بالإسم ولم تكف على طلبك يا حسن، قلنا ابحثوا عن حسن ليأتى لأمه ولكنك لم تأتِ، تلقت شربتها الأخيرة من يدى وكانت تتمنى لو كانت من يدك أنت…. 

إذهب يا حسن، إذهب فلقد ماتت التى كانت تصبرنى عليك، ماتت التى كنت أصمت وأتحملك لأجلها، انتهى الأمر وياسمين لن تتحملك أنت واختك أكثر من ذلك، رباب أصبحت بعصمة رجل وانت حر فى نفسك لست طفلاً لأحمل همك فأنا لست أمك… أمك ماتت يا حسن. 


وذهب حسن وبقيت ياسمين مكانها تطالع ذهابه وعبراتها قد أغرقت وجنتيها وكل ما يتردد بأذنيها وعدها لمنال " اشتكى واحتجى يا ابنتى وتمردى عليهم، لا تحنى نفسك لأجل أحد حتى لو كانوا اخوتك حتى لو كانوا ابنائى، ابحثي عما يريحك وافعليه ولا تضحي لأجل من لا يستحق، فمن اعتاد على التضحية سيأكله وينهشه البذل المفرط اللا مشروط، اوعدينى أن تعيشي لنفسك بعد اليوم!" 


وبهذه اللحظات لم تجد حضنًا يحتويها سوى شقيقتها التى اقتربت منها لتضمها وتحتضن شهقاتها بين ضلوعها، مؤجلة حزنها وقد سرقت الثبات والقوة حتى تتمكن من الوقوف على قدميها ولا تترك أختها تنحرف لبحور الحزن والاكتئاب، ‏ورغم كل هذه الخدوش الداخلية فيها، مازلت تقوى بنفسها وتستقوى لأجل الجميع فتُواسي وتهتم، تصنع الكثير والكثير لأجلهم مراعية لمشاعر الجميع حولها، حذِرةً طيلة الوقت بأن لا ينتبه أحدهم لحقيقة النيران المتقدة بين خلجات قلبها… 

هكذا هى زهرة … قنديل الياسمين بحياة الجميع … 


إلى هنا انتهى فصل اليوم، آمل أن ينل إعجابكم

google-playkhamsatmostaqltradent