recent
جديدنا

تشخيص إنسان |09 إضطراب الهوية


حين تنقطع الخيوط بينك وبين ذاكرتك. 



فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها، لم تكن غرفة غريبة تمامًا.

تشبه غرفتها، نفس الستائر، نفس السرير، نفس المصباح الصغير بجوار السرير.

لكن شيئًا ما كان خطأ! 

مدت يدها إلى هاتفها، الساعة الثانية ظهرًا، فتحت الرسائل، وجدت عشرات المحادثات.

رسالة من صديقتها:

"وصلتي؟ طمنيني."


ورسالة أخرى:

"أنا زعلت منك امبارح، بس خلاص."


ورسالة ثالثة:

"بجد أنا مش فاهمة أنتِ عملتي كده ليه."


ظلت تنظر إلى الشاشة تحاول أن تتذكر 

ماذا حدث بالأمس؟

لا شيء!


كانت هناك ساعات كاملة لا تستطيع الوصول إليها، ليست مجرد تفاصيل نسيتها، بل تشعر وكأن أحدًا أخذ مقطعًا كاملًا من حياتها… وقصّه.


نهضت من السرير فوجدت حقيبتها مفتوحة.

داخلها تذكرة سفر لم تتذكر شراءها، وقسيمة شراء لم تتذكر استخدامها، ثم وجدت في هاتفها صورة لها أمام البحر.


كانت تبتسم، ترتدي ملابس لا تتذكر أنها ارتدتها.

حدقت في الصورة طويلًا، ثم همست:

"أنا كنت هناك إمتى؟"


لم يجبها أحد.


---


في البداية، أخبرت نفسها أن الأمر طبيعي.

جميعنا ننسى.

جميعنا نمر بأيام لا نتذكر تفاصيلها.

لكن الأمر لم يتوقف.

أحيانًا كانت تجد أشياء في غرفتها ولا تعرف من أين جاءت، وأحيانًا يخبرها شخص قريب منها عن محادثة حدثت بينهما، فتبتسم لأنها لا تريد أن تقول:

"أنا لا أتذكر هذا."


وأحيانًا كانت تشعر أنها تنظر إلى نفسها من بعيد، كأنها موجودة في المكان، لكنها ليست داخله بالكامل.


بدأت تخاف من نفسها.


ليس لأنها كانت ترى شخصًا آخر في المرآة، بل لأنها لم تعد تثق تمامًا في نفسها.

تتسائل: 

هل أنا التي قلت ذلك؟

هل أنا التي فعلت هذا؟

هل أنا التي كنت هنا بالأمس؟


ومتى أصبحت هذه الأشياء جزءًا من حياتي دون أن أعرف؟


---


في إحدى الليالي، جلست أمام والدتها.


قالت:

"ماما، ممكن أسألك سؤال؟"


__"اسألي."


__"أنا... بتتغير؟"


نظرت إليها أمها باستغراب:

"بتتغيري إزاي؟"


سكتت طويلًا.


ثم قالت:

"ساعات بحس إني مش أنا."


لم تضحك أمها، ولم تقل:

"بلاش أفكار غريبة."


فقط أمسكت يدها، لم تكن تعرف كيف تشرح أن المشكلة ليست في أنها لا تعرف اسمها أو شكلها.

كانت تعرف كل ذلك.


المشكلة كانت في شيء أكثر عمقًا:

أنها لم تعد تشعر دائمًا أن حياتها قصة واحدة متصلة.


---


اضطراب الهوية الانفصامية، أو Dissociative Identity Disorder (DID). 

اضطراب نفسي معقد يرتبط بوجود حالات هوية متميزة، مع وجود فجوات متكررة في الذاكرة تتجاوز النسيان الطبيعي.


وقد ترتبط هذه الحالة في كثير من الأحيان بتجارب صادمة أو إساءة شديدة ومزمنة خلال مراحل مبكرة من الحياة، لكن فهم الحالة يحتاج إلى تقييم متخصص، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد أو افتراضها لمجرد وجود النسيان أو الشعور بالانفصال.


والانفصال النفسي نفسه ليس دائمًا مرضًا.


قد نمر جميعًا بلحظات نشعر فيها أننا شاردون تمامًا، أو نقود الطريق ثم نصل دون أن نتذكر تفاصيل الرحلة.


لكن في الاضطرابات الانفصامية تصبح هذه الخبرات أكثر شدة وتكرارًا، وقد تسبب ضيقًا واضحًا أو تؤثر في الحياة اليومية.


وفي اضطراب الهوية الانفصامية تحديدًا، قد توجد حالات مختلفة من الهوية أو الإحساس بالذات، وقد تختلف بينها بعض التفضيلات أو طريقة الكلام أو السلوك أو النظرة إلى الذات.


لكن الأمر ليس كما تصوره الأفلام:


ليس مجموعة أشخاص يعيشون داخل الجسد ويتناوبون على التحكم به بطريقة مسرحية.


إنها حالة نفسية معقدة تتعلق بالهوية والذاكرة والإحساس بالاستمرارية الذاتية.


---


والأكثر قسوة...


أن الشخص قد لا يعرف أصلًا أن لديه هذه الحالة، قد يظن أن المشكلة مجرد نسيان، أو أنه شخص متناقض، أو أنه "غريب".


وقد يكتشف بعض التفاصيل عن نفسه من خلال الآخرين.

"انت قلتي كذا."

"انت عملتي كذا."

"أنت كنتِ هنا."


ثم يقف أمام الحقيقة عاجزًا عن استيعابها:

لكنني لا أتذكر.


وهنا لا يكون فقدان الذاكرة مجرد فراغ في الرأس، يصبح فراغًا في السيرة الشخصية.

فجوة بين "أنا الآن" و"أنا التي كنت هناك".


---


في إحدى المرات، أخبرتها صديقتها:

"فاكرة لما قعدنا نتكلم خمس ساعات؟"


هزت رأسها:

"آه."


كانت تكذب، لم تتذكر شيئًا، لكنها لم تكن تريد أن تبدو مختلفة، سألتها صديقتها:

" متأكدة إنك فاكرة؟"


صمتت، ثم قالت بحسرة:

"لأ."


لأول مرة لم تحاول تغطية الفراغ، قالتها ببساطة:

"أنا مش فاكرة."


كانت تنتظر نظرة غريبة، شفقة، خوفًا، أو ربما اتهامًا، لكن صديقتها قالت فقط:

"طيب... نحاول نفهم سوا."


ولم تكن تعرف وقتها أن تلك الجملة البسيطة ستصبح واحدة من أكثر الجمل أمانًا في حياتها.


---


العلاج في مثل هذه الحالات لا يعني محاولة "إجبار" الشخص على أن يكون شخصًا واحدًا.


الهدف هو فهم التجارب الانفصامية، وتقليل الضيق والأعراض، وتحقيق قدر أكبر من الأمان والاستقرار، ومعالجة الصدمات أو المشكلات المرتبطة بها بطريقة تدريجية وتحت إشراف متخصص.


وقد يكون العلاج النفسي هو الأساس في التعامل مع الحالة، بينما تُستخدم الأدوية أحيانًا لعلاج أعراض أو اضطرابات مصاحبة، وليس هناك دواء محدد يعالج اضطراب الهوية الانفصامية نفسه بشكل مباشر.


والأهم أن العلاج يحتاج إلى صبر.


لأن الإنسان لا يتعلم أن يشعر بالأمان في يوم واحد...


خصوصًا إذا كان عقله قد تعلم منذ سنوات أن الانفصال هو إحدى طرق النجاة.


---


بعد أشهر من العلاج، جلست أمام المعالج، قال لها:

"إيه أكتر حاجة نفسك توصلي لها؟"


فكرت طويلًا، ثم قالت:

"نفسي أحس إن حياتي بتاعتي."


__"يعني إيه؟"


نظرت إلى يديها، وقالت:

"نفسي لما أفتكر حاجة... أحس إنها حصلت لي أنا."


صمت قليلًا، ثم أضافت:

"مش مهم أنسى كل حاجة."


رفعت عينيها إليه واكملت:

"بس نفسي أعرف نفسي."


---


ربما نحن نعتقد أن الهوية شيء بسيط.

اسم.

وجه.

جسد.

ذكريات.

لكن الهوية أعمق من ذلك.

هي الإحساس الهادئ بأن الشخص الذي استيقظ هذا الصباح، هو نفسه الذي نام بالأمس.

وأن ذكرياتك، حتى المؤلمة منها، تنتمي إلى قصة تعرف أنها قصتك، ولهذا قد يكون اضطراب الهوية الانفصامية مؤلمًا بطريقة يصعب على الآخرين فهمها.


لأن السؤال لا يصبح:

"من أنا؟"

فقط.

بل: "أي جزء من حياتي كنت حاضرًا فيه فعلًا؟"


ومع العلاج، قد تبدأ الأجزاء التي كانت تعيش منفصلة في أن تصبح أكثر قابلية للفهم والتواصل، ويبدأ الإنسان في بناء إحساس أكثر استقرارًا بنفسه وحياته.


ليس بالضرورة أن يمحو الماضي، ولا أن يجعل الألم لا يحدث، لكن أن يساعده على أن يقول، يومًا ما:

"هذه كلها أجزاء من قصتي... حتى الأشياء التي لم أكن أعرف كيف أتذكرها."


وربما تكون بداية التعافي الحقيقية، ليست أن تصبح شخصًا آخر، بل أن تشعر أخيرًا أنك حاضر في حياتك.


google-playkhamsatmostaqltradent