لم أكن انتويه حبا فأصبح بالحلال
عشقا بقلم أمل محمد الكاشف
فرحت لجين من نظرات ادهم القوية تجاه زوجته التي سرعان ما تحدثت قائلة :
" ماذا تقولون اهو نفس الرجل الذي سقطت بجانبه في المطعم ؟"
رد زوجها بضيق :
" فلت من يدي، ولكنه لا يعلم مع من علق سأمسك به دون رحمة "
شعرت ألينا بدوار خفيف رفعت يدها لتضعها على رأسها بعين كادت ان تغلق
اسرع ادهم بإمساكها و وضع يده خلف ظهرها كي لا تقع قائلا :
" لا تجهدي نفسك ، هيا لنعود إلى غرفتنا "
فتحت لجين فمها من صدمتها مما رأت امامها فلقد صدقها وقلق على تأثرها مما حدث.
نظرت لها جيهان بقوة وكأن لسان حالها يستنجد بها :
" تدخلي و انقذيني ، اشعلي النيران من جديد كي لا يذهبا لغرفتهم و يتركوني وحدي خلفهم".
تحرك رغم صدمتهما ويده تساند زوجته والأخرى تحاوط ظهرها ليدخلا القصر وهو يستمع لحديثها باهتمام:
" أنا لم أراه من قبل ، كيف وصل إلى غرفتي ، ولما افترى عليّ ؟ ماذا يريد مني؟ ".
اقترب من الفراش ورفع غطاءه قائلا :
" لا تفكري في شيء اتركي الأمر لي انا سأتصرف ، سأشرك الشرطة بهذا فنحن لسنا بغابة " .
رفضت أن تستلقي على فراشها قائلة :
" سأذهب معك اريد الإدلاء بشهادتي "
دخلت جيهان الغرفة وهي ترد عليها بقوة:
" لا يوجد شرطة ولا أي شيء من هذا القبيل ما دمتما واثقين بكذبه فلا داعي لإثارة البلبلة حولنا ، لنفتح اعيننا جيدا كي لا يستطيع الوصول لنا مرة أخرى مع أني أعتقد أنه حفظ درسه جيدا لن يجرأ على فعلها مجددا"
جاء ليعترض ولكنها ردت مقاطعة إياه بقوة:
" لا أريد اعتراض، عليك أن تنفذ ما أقوله أنا أحافظ على وضع عائلتنا وشركتنا من اي كلام سينتقل بالوسط لن نستفاد منه إلا الاساءة لسمعة كورهان، وايضا تذكر قضية حضانة ابنة عمك، سيسقط هذا على رؤوسنا جميعا "
تحدث مع عمه على الفور ليطلب كمال منه ما طلبته جيهان، أعطاه وعد أن يبحث معه عن هذا الرجل بعد كسب القضية، كما ارجع الحادثة وربطها بجد ابنتها فمن الممكن أن يكون افتعلها كي يؤثر على سمعة الشركة والعائلة.
صمت أمام حديث عمه واغلاق القضية دون تفكير، نظرت ألينا إليه بعتاب وحزن، تحدث معها قائلا:
" هي محقة وضعنا حساس حاليا العائلة والشركة وقضية الحضانة الخاصة بعمي وهذا أكثر ما جعلني أعطيها الحق كما قال عمي وأبي علينا ان نحافظ على اسم العائلة وندرس خطوتنا ونحسبها جيدا بالأيام المقبلة فأي غلطة قد تكلفنا الثمن غاليا، افتعلوا كل ذلك لإحداث بلبلة قبل موعد اول جلسة"
تفهمت الوضع وحاولت استعادة نفسها، فرحت لجين وجيهان لما وصلت له القصة، ازداد خوف نيجار من سوء و خطط سيدة القصر فهي تعلم جيداً من وراء هذا المكر، ارتجفت يديها من خوفها وهي تقدم لهم قهوتهم في الصالون .
لم تتحمل ألينا البقاء بفراشها بهذا الضيق تحركت لتذهب للمطبخ كي تحضر لنفسها شاي الزهروات ليهدأ منها ، وفي طريقها الى هناك تفاجأت بثنائي الشر تضحكان دون خجل.
لم تكترث لهم أكملت بثبات وقوة حضرت ما تريد وعادت لتخرج من النافذة جالسة أمام المسبح محاولة تهدئة نفسها، مما زاد من حقد الاثنتين .
نامت ليلتها بصعوبة فكلما أغلقت عينها راودتها كوابيس جيهان وما فعلته بها، ذكريات تأبى مفارقتها، تذكرت تشاجرها معها بغرفة المكتب و سقوطها بين يديها.
مرت عدة ايام انشغل ادهم بالعمل في الشركة بعد ان ترك له عمه كل الحمل على عاتقه وكلفه بتحمل مسؤولية الشركة وحده كي يتفرغ للاهتمام بالقضية.
كان أكبر همه قضية ابنته بجانب انه أراد ان يغتنم الفرصة ويضغط على ادهم كي يتولى مسؤولية العمل بالشركة.
وهنا وجدت جيهان الفرصة الجيدة لتلعب من جديد معها ، فلم تقصر بأي فرصة لتعسفها وتهينها و تفقدها أعصابها وخاصة عند نعتها الذليلة فكان الموت أهون عليها من سماع هذه الصفة .
أراد كمال أن يقيم حفل عيد ميلاد كبير لابنته محفوفاً بالأصدقاء والعائلة و بعض موظفي الشركة المقربين لهم، ليتم تصويره من قبل مجلة خاصة بالشركة ليكون ورقة رابحة لهم بالقضية.
ارتدت ألينا فستان قطيفة جميل باللون الزيتوني مرتدية حجاب شيفون من نفس لون الفستان زاد تألقها وجمالها جمال.
كما ارتدى أدهم بدله بنفس اللون محاولا إرضاء زوجته كونه أحزنها بعدم تقديمه شكوى في حق من افترى عليها، وبمجرد وصولهم واحتفاء الجميع بهم تم التقاط عدة صور من قبل المجلة كسبق حصري للعروسين مشيرين لجمال العروس الهادئ .
ارسلت نيجار صور وتفاصيل الحفل أول بأول، هذا ما زاد من حقد جيهان التي لم تتحمل أن الفتاة التي أجبرت عليها تحظى بهذا الحب وهذا الإهتمام داخل وسطهم المخملي، أعمى الشيطان عينها مما جعلها تفكر بتهديدها وإجبارها على العودة لقريتها.
عادا العروسين للقصر وهم فرحين يتبادلان أطراف الحديث عن الحفل والحضور وفرحة ميسال بعيد ميلادها.
تفاجأت بكف يده يلمس يدها قبل دخولها الغرفة الداخلية كي تبدل ملابسها، رفعت نظرها ناظره لعينيه الفرحة وهي تستمع لحديثه الذي بدأه :
" شكرا لكِ من اجل اهتمامك بإبنة عمي ومشاركتك الجميع في أحاديثهم "
خجلت من صوته الحنون وسحر جمال عيونه بهذا القرب وهذه الكلمات العذبة التي جعلتها صامتة أمامه تنظر بهيام وحب قد خيم عليهما متحرراً من أي قيود.
حرك أدهم أطراف أنامله على يدها شارداً بنعومة ملمسها منتظرا جوابا تمنى أن يطول كي لا يخسر هذه اللحظة الجميلة، ردت ألينا بصوت جميل دق قلبه وكأنه لأول مرة يستمع لصوتها:
" أنا لم أفعل شيء، ولكن إن وجب على أحد الشكر فتوجب عليّ شكرك فأنت أيضا لم تتركنا وحدنا بقيت بجانبنا طيلة الاحتفال وهذا ما جعلنا نشعر بالثقة والراحة"
خرجت منه ضحكة صدى قلبه المحب المغرم بها وهو يقترب منها أكثر منحنيا برأسه مستند بجبهته على جبهتها بوجه الذي ذائب وغارق بجمالها وعشقها الخفي قائلا:
" هل بجانبنا أم بجانبك "
خجلت أكثر من قربه و نبرة صوته الحنونة وعيونه التي تغزلت بها .
لم تتحمل لجين رؤيتهم بهذا القرب وهي تراقبهم بتخفي، تحركت من خلف النافذة وهي تتأجج من غضبها الذي اخرجته على جيهان قائلة :
" اذهبي وانهي ما هما به بأي شكل قبل أن أتدخل أنا، أقسم أنه تبقى القليل على خنقي لها".
دهشت جيهان من حالتها حاولت تهدئتها وإقناعها بالصبر حتى تفكر بخطة جديدة ستجعلها تخاف وتهرب وحدها.
لم تستمع لجين لها بعد أن اعمت الغيرة بصيرتها و أفقدتها عقلها، لتصدم جيهان قائلة لها:
" ان لم تذهبي وتفرقي بينهما سأذهب انا واحكي له إنكِ السبب وراء دخول ذلك الرجل القصر ساخبره بكل شيء"
علمت جيهان صدق جنون لجين ويفقدها السيطرة على نفسها، تحركت بسرعة محاولة خلق أي حجة لتدخل غرفتهم بها ، فتحت الباب بقوة منصدمة من قربهم وحالتهم الرومانسية بعد طول غياب.
انصدما من دخولها اسرعت بالابتعاد عن زوجها بينما نظر ادهم لأمه منتظرا تبريرا قويا لدخولها عليهم بهذا الشكل.
قطع حالة الصمت متسائلا :
"ما بكِ يا أمي هل هل حدث أمر سيء؟ "
فتحت جيهان هاتفها لتضع صور المجلة بوجههم قائلة بقوة:
" ما هذا ؟ "
: " أليس واضحاً يا أمي ، تجمعنا لحفل ميلاد ميسال والمجلة وجدتها فرصة لأخذ بعض الصور لنا"
نظرت جيهان لملابس زوجة ابنها بازدراء قائلة:
"أتساءل عن ملابسها ؟ ما هذه الفضيحة؟ كيف لم تعلم ما عليها ارتداءه بهذه المناسبات؟ أين كنت أنت وهي تخرج بجانبك بهذه الحالة ؟"
نظر أدهم هو أيضا لملابس زوجته ثم نظر لأمه قائلاً :
" ولكنه ليس بهذا السوء كان لائقاً عليها "
فتحت جيهان الهاتف مرة اخرى و وضعته بوجهه قائلة:
" انظر جيدا الجميع يرتدي آخر صيحة وماركات عالمية مميزة لملابس السهرة وهي ذاهبة بفستان لا يصلح إلا للجلوس في القصر بين الأهل فقط "
عاد أدهم لينظر للفستان مرة أخرى بصمت وحزن ألينا التي انصدمت من ردة فعل زوجها نظرت نحو فستانها بنظرات مليئة بالحسرة والضيق فهي لا تراه بهذا السوء.
تحدثت جيهان مرة أخرى قائلة لابنها :
"عليك أن تكون منتبها لا أريد أن نفضح مرة أخرى، وأيضا عليك أن تخصص لها خزانة خاصة للسهرات كي تظهر بشكل لائق بالعائلة مع أنها بكل الحالات ستحتاج لمن يساعدها بالاختيار حتى تعتاد على وضعها الجديد فنحن لسنا بالقرية لنذهب لأي مكان بأي ملابس ".
جاء ليرد على أمه مدافعا عن زوجته ولكنها لم تعطه هذه الفرصة حين خرجت بضيق مغلقة الباب خلفها.
رفعت ألينا نظرها على زوجها بعتاب ولوم، تحدث أدهم مبررا ما حدث:
" لا أريدك أن تحزني لم يكن بهذا السوء ولكن هي ايضا محقة كان علينا أن ننتبه أن يكون بشكل براق ملفت للنظر أكثر"
اومأت رأسها بعدم رضا تحركت بعدها لتدخل غرفتها بحزن كبير، اسرع بسؤاله:
" الى أين؟ ".
: " ليلة سعيدة لك " قالتها ألينا قبل إغلاقها باب الغرفة عليها بقوة تعبيرا عما بداخلها.
انتهت ليلتهم قبل أن تبدأ كما تمنت لجين وفرحت جيهان .
تجنبت ألينا التحدث مع زوجها أو الاقتراب منه بعد ما حدث تعبيرا عن حزنها منه، ولكنه مع الأسف لم ينتبه كثيرا لحالتها المتغيرة لأن صمتها بالنسبة له صفة سائدة اعتاد عليها.
بجانب انشغاله بالشركة والالتزامات الكثيرة المتعلقة بها ، وكالعادة تستغل جيهان انفرادها بزوجة ابنها لتزيد من اهانتها وظلمها وممارسة الضغوط عليها.
تحملت ألينا الكثير حتى أصبحت لا تتحمل هذا الظلم وهذا ما جعلها تخرج من القصر هاربة من جدران التي أصبحت كسجن كبير بالنسبة لها ، حدث ذلك بعد أن تشاجرت مع جيهان رافضة نعتها لها بالذليلة بل بعد أن تمادت ورفعت يدها كي تصفعها على وجهها حينما رفضت اهانتها لها ولولا تصديها لها وإمساكها ليدها بقوة وهي تهددها أنها ستخبر خالها وزوجها إن فكرت ان تفعلها مرة اخرى.
كانت تخطو خطواتها للعالم الخارجي وهي لا تعرف أين ستقودها أقدامها، ظهرت امامها حديقة كبيرة دخلت وجلست على أحد مقاعدها لتهدئ نفسها وروحها المكلومة اغمضت عينيها ملتقطة نفسا عميقا حبسته داخلها لثواني قليلة واخرجته بعدها بهدوء.
لا تزال تستمع لدوي صوت جيهان بأذنها وهي تهينها و تقلل من شأنها، تساقطت الدموع الحارقة الصامتة من عينيها كي لا يراها أحد بهذا الوضع ، لم تشعر بالوقت والساعات التي مرت عليها وهي بهذه الحالة غارقة بشريط ذكرياتها من لحظة وفاة امها حتى وصولها للقصر مرورا بالأحداث التي أوصلتها لهذه الحالة المزرية
تذكرت خالها وقسمها له كما تذكرت سيدرا و امتناعها عن الالتزام بالدواء فقط عناداً بأمها ، ازداد ضيقها وحزنها بكل ما يجول بعقلها، رفعت راسها ناظره للسماء وهي تدعوا الله أن ينقذها مما هي به وأن يعطيها القدرة والطاقة لتتحمل ما يدور حولها .
سمعت صوت على يمينها ألقت بنظرها نحوه إذ بفتاة صغيرة لم يتعدى عمرها الثانية او الثالثة عشرة تأكل من سلة القمامة وهي تتلفت حولها خوفا من الناس.
حزنت على ما رأته نظرت مرة أخرى للسماء و هي تحدث ربها داخلها :
" الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، كم نحن في نعم لا تعد ولا تحصى".
تحركت لتقترب من الفتاة التي ذعرت وتوقفت بعيدا عنها وهي تنفض يديها من بقايا الطعام قائلة:
" لم اسرقها ، لقد وجدته بجانبها "
جاءت لتقترب أكثر كي تبدأ حديثها معها ولكنها لم تلحق حين هربت الفتاة خائفة منها، نادت ألينا عليها قائلة:
" انتظري ، انتظري "
لم يأتيها ردها من تلك الفتاة ولكنه أتاها من شخص اخر يقف خلفها يحدثها بقوة قائلا:
" ماذا تفعلين هنا ؟ ".
استدارت لتجده زوجها جاء للبحث عنها بعد أن أخبرته أمه أنها خرجت من القصر قبل ساعات ولم تعد ، كما أخبرته لجين خفية أنها تشاجرت مع أمه التي صمتت كي لا تُحزن احدهم او تحدث بينهم مشكلة.
اكمل ادهم حديثه امام صمتها:
" كيف تخرجين دون اذن من أحد؟، ماذا إن لم تستطيعي العودة من حيث خرجتي؟، هل ننشغل بكِ و نحن بهذا الوضع تعلمين وضع القضية "
استغربت من حديثه قائلة:
" أنا فقط أردت أن أستنشق الهواء قليلا"
تحرك خطوات للأمام بغضب:
" هيا لنكمل في القصر ولكن قبل أن نتحدث عليكي أن تعتذري من أمي لا يمكنكِ أن ترفعي صوتكِ عليها كلما نصحتك او ارشدتك لفعل ما يصح وما لا يصح فوضع القصر والعائلة يحتم عليكِ أن تجددي من نفسكِ فلا تعتقدي أنكِ ستصبحين زوجة ادهم كورهان وأنت تتصرفين وكأنك لا زلتي بالقري... "
صمت ادهم و هو يراها تشير نحو فتاة غريبة قائلة:
" لقد وجدتها ،توقفي رجاءً".
تحركت ألينا لتلحق بها دون ان تدرك غضب زوجها وامساكه لذراعها بقوة كي يوقفها عن ما تفعله قائلا:
" ماذا تفعلين هل ستركضين بالشوارع وراء الأطفال؟ أهذا ما نبهتك عليه؟ أهذه وصية عمي لنا؟ ماذا ان لقطتك الكاميرات ؟ وأيضا ماذا تعتقدين نفسك فاعلة كيف تتحدثين مع أمي بهذه الطريقة و تلقين بنفسك للشارع "
ردت بحزن دفين قائلة:
" أريد أن أذهب الى المنزل"
أجابها بقوة :
" نعم سنعود ولكن لن اسمح عند العودة الى اختبائك في غرفتك، ستعتذري من أمي اولا وستكون هذه المرة الأخيرة فاحترامها من احترامي واحترام عائلتي".
دافعت عن نفسها قائلة
" أنا لم افعل شيء لاعتذر عنه ، ولم اقلل احتراماً لأحد "
لم يهتم لحديثها تحرك دون اهتمام قائلا :
" لا اريد ان اسمع اي كلام سنذهب وستعتذرين وبعدها نجلس لنتحاسب ونرى ما خطبك "
تحركت خلفه بحزن و عيون لا زالت تبحث عن تلك الفتاة الصغيرة بالطرق حتى وصلا بوابة القصر.
وقفت لتنظر لبوابته الكبيرة ثم نظرت لزوجها بعيون حزينة تطفو عليها الآلام والأحزان ، دخل القصر مسرعا وهي خلفه باحثاً عن أمه فلم يجدها
نادى على نيجار كي تنادي امه واخبرها انهم ينتظرونها لأمر هام.
لم ينهي حديثه لنيجار حتى رأى أمه آتية نحوهم بمفردها تسير ببطئ وحزن قائلة :
" أتيت يا بني هل كنت تبحث عني".
لم يتحمل أدهم حالة امة ناظرا لزوجته قائلا
" ألينا أرادت أن تتحدث معكِ "
ابتلعت ألينا ريقها المتحجر وهي تنظر نحو حقدها وسوءها بحزن كبير
اقترب زوجها منها وقال " نحن نسمعك "
نظرت له بعيون كادت أن تفر منها الدموع ثم نظرت لجيهان قائلة :
" ليس من العدل ان اعتذر على شيء لم أفعله ، ولكني سأفعلها لثقتي بعدل الله وانه لا يُظلم عنده احد ، فان كنت أخطأت ليأخذ حق المظلوم مني وإن كنت ظُلمت فسياتي لي بحقي اجلا ام عاجلا"
تغيرت نظرات جيهان لها فللحظه توقعت انها ستفضح امرها امام ابنها ولكنها فعلت العكس حين عادت لتكمل قائلة لزوجها اولا:
" سأعتذر لأنه ليس بيدي غير الاعتذار الان ولكن عليك ان تتذكر هذا اليوم و هذا الموقف جيدا تذكر عدم سماعك لي واجباري على الاعتذار دون وجه حق"
ثم نظرت لوالدته وقالت " اعتذر منك "
تحركت بعدها نحو غرفتها بقوة وخطوات سُرعت قليلا كي لا تبكي أمامهم وتظهر ضعفها.
تغيرت ملامحه للحظة شعر أن اعتذارها لم يكن اعتذار شخص مخطئ، بل اعتذار شخص مظلوم اضطر للصمت.
أغلقت باب الغرفة الداخلية عليها بالمفتاح باكية على فراشها بحرقة ونار الظلم وهي تحتضن صورة والدتها.
ذهب إليها متوقعاً انتظارها له ومحاولاتها تبرير خطئها أو الدفاع عن نفسها ولكنه وجد عكس ما توقع فلم يستطع حتى تبديل ملابسه هذه الليلة ، فهي لم ترد على ندائه ولم تفتح له ليجبر على النوم بنفس ملابسه على الاريكة بدون غطاء و لا وسادة.
( يستاهل دنا لو منها اعلقه من رجله و اجلده في الروحة والجايه هههههههه)
استيقظ ادهم في الصباح على صوت خروجها من الحمام فتح عينه على وجهها الجميل ، لم تعطيه فرصة أن يتحدث عادت للغرفة الداخلية كي تضع لعصفورها انجير طعامه.
تحرك ووقف بجانب الباب الفاصل بين قسمين الغرفة وهو ينظر لها ولعدم اهتمامها به و كأنه غير موجود، نظر للخارج من النافذة قائلا:
" الشمس جميلة بالخارج ، لنضع القفص بالهواء الطلق ليسعد قليلاً بهذا الجو المشرق " .
نظرت له دون رد مقاربة من الباب كي تخرج من الغرفة، امسكها من ذراعها متسائلا:
"ما بكِ، هل حزنتي لأجل اعتذاركِ ، هل الاعتراف بالذنب والاعتذار عنه كان ثقيل عليكِ لهذه الدرجة "
كزت على طرف شفتها و هي تكظم غيظها و ضيقها ، ليكمل هو:
" حسنا فهمنا لا يوجد رد حتى وان بقينا واقفين هكذا للمساء ، من الافضل ان اوفر وقتي وجهدي لما انتظره بالشركة اليوم "
لم تهتم بما قاله تحركت وكأنها لم تستمع لكلماته خارجة من الغرفة .
ازداد ضيقا وغضبا ناظرا نحو العصفور متحدثا معه :
" كان الله بعونك كيف تتحمل كل هذا الصمت"
ثم تحرك ليدخل الحمام كي يتجهز بعدها ليذهب للشركة دون أن يفطر ، ودعت جيهان ابنها متمنية له يوم جيد مليء بالتوفيق والنجاح، أغلقت الباب خلفه ليأتيها صوت ابنتها وهي تقول لها :
" ألم تنتهي تمثيليتك بعد"
نظرت لسيدرا بغضب:
" بماذا تهذين أنت؟"
ردت ابنتها بقوة :
" سمعتها وهي تعتذر منكِ، لا وجهها و لا صوتها ولا ما عهدناه عليها يدل انها مخطئه بحقك ، وتأكدت اليوم بعد ان رأيت عيونك الحزينة واهتمامك بأخي بجانب طبعا حديثك معه ان زوجته جيدة وان عليه الصبر عليها وهذا ما اكد لي انها تمثيلية جديدة منكِ "
غضبت جيهان على ابنتها قائلة:
" ماذا تقولين انتِ افقدتي عقلك هل سلب الدواء عقلك لهذه الدرجة "
رفعت سيدرا حاجبها مكملة:
" أنتِ تعلمين جيدا عدم تناولي الدواء بهذه الفترة كما تعلمين انني اتحدث معكِ بكامل عقلي"
أنهت سيدرا حديثها ثم تحركت بكرسيها لتعود لغرفتها بحزن ، رفعت جيهان يدها ممسكه برأسها، اقتربت نيجار لتسألها:
" هل احضر لكِ القهوة الان ام ستعودين لإكمال فطورك ".
ردت جيهان وهي تتوجه نحو الصالون قائلة:
" و هل تركوا لي شهية ، حضري القهوة و اجلبيها لي بالحديقة ".
اكملت سيرها لتخرج من نافذته كي تستنشق الهواء وهي لا زالت غاضبة على ابنتها قائلة لنفسها :
" ستندمين على كلامك هذا، لا اعرف من تشبهين حتى اباكِ ليس لديه لسان كلسانكِ ".
بهذه الاثناء لاحظت حركة غريبة خلف الأشجار من بعيد ، دققت النظر لتجد ألينا تتسحب بترقب كي تخرج من القصر، لم يظهر منها سوى لون فستانها الاخضر وكيس بلاستيك مملوء بيدها.
تحركت جيهان بسرعه لتقترب أكثر كي ترى ماذا تفعل زوجة ابنها بهذه الحالة ، لم تصدق أنها ستخرج من القصر من البوابة الفرعية بتخفي .
تابعتها عن بعد وهي تحاول ان ترى وتكتشف ما بداخل هذا الكيس الكبير التي كانت تحتضنه و تنقله بين يديها من ثقل وزنه.
استغربت من دخولها الحديقة و وقوفها بمنتصفها تنظر للإرجاء باحثه عن أحدهم ، هزت رأسها قائلة: " أمن الممكن ان يكون خلفك سر كبير؟"
ابتسم وجهها لتكمل:
" اتمنى ان يكون ما اراه صحيح ، واخيرا سأجد من يخلصني منك دون جهد "
تفاجأت جيهان من فرحة ألينا و تغير ملامح وجهها بمجرد رؤيتها لفتاة صغيرة بالعمر، غضبت على حالها و مراقبتها لها قائلة:
" الذليلة ، ماذا كنت انتظر من امثالك "
كانت ترمقها بنظراتها المليئة بالازدراء وهي تراها تعطي لهذه الفتاة الأطعمة ، جاءت لتذهب دون اهتمام بها لولا ملاحظتها لرجل بوجه غريب يقف خلف شجرة كبيرة يراقب ألينا والفتاة بتخفي مما جعلها تتراجع عن ذهابها وترك المكان لمعرفة ما خطب ذلك الرجل.
لم يطل الامر كثيرا حتى اخذت الفتاة الأطعمة و تحركت لتختفي كعادتها ، تحدثت ألينا بصوت عالي قائلة :
" انتظري ، أين منزلك ، هل هو قريب من هنا، هل لديكِ عائلة او اخوة؟"
لم ترد عليها تحركت مسرعة من خوفها وحين همت ألينا لتلحق بها منادية عليها:
" انتظري إلى أين؟"
ركضت الفتاة بسرعة لتنجح بالاختفاء من جديد، و رغم حزنها من عدم قدرتها على التحدث معها الا أنها عادت للقصر وهي فرحة باعطائها طعامها.
بقيت جيهان تراقب ذلك الرجل وتسير خلفه لتجد تلك الفتاة تقف امامه تنظر نحوه بعين متسعه قد اتسعت من خوفها حينما وقف أمامها ليعيق ركضها قائلا :
" الى أين ، اريني ما بداخل الكيس ، ومن هذه المرأة التي كانت تقف معكِ "
ارتبكت وخافت الفتاة الصغيرة من زوج امها حتى انها بلعت لسانها ولم تستطع الرد من شدة ارتجافها وخوفها ، مدت يدها لتعطيه الكيس دون كلام او اعتراض ليفرح هو بهذه الاطعمة الشهية قائلا:
" من الواضح انكِ وقعتي على كنز كبير، احسنتِ واخيراً خرج من خلفكِ منفعة "
لازالت جيهان تراقبهم وهي تفكر كيف يمكنها استخدامهم لتحقيق مرادها للخلاص من ألينا.
لم تقترب جيهان من زوجة ابنها بهذا اليوم فقوتها وعيونها التي كانت تنظر لها بثبات كلما تصادفا بالممرات جعلتها تخاف وتشعر بأنها ستنفجر بها وتفضح سرها.
نادت على نيجار و أوصتها ان تراقبها وتنظر لتحركاتها والأطعمة بالمطبخ جيدا وعند شعورها بأمر غريب تعود لتبلغها.
مرت عدة أيام على هذا المنوال يخرج ادهم للشركة ، ومن بعده تخرج زوجته بشكل متخفي تعطي الفتاة طعامها وتعود معتقدة بهذا انها تساعدها و تشبع بطنها دون ان تعلم بأمر ذلك الرجل الذي كان ينتظر ليأخذ كل الأطعمة ويعطيها الفتات فقط .
أرادت لجين ان يُفضح سرها أمام زوجها وانها تعرف أناس غير لائقين بها و من الممكن ان يجلبوا المخاطر لهم، بجانب تخفيها بالذهاب والعودة وأخذ الأطعمة دون إعلام أحد.
لم تقبل جيهان ان تخبره بهذه الطريق ، أرادت ان تستخدم هذا الرجل غريب الاطوار والهيئة ليرعب ألينا و يضغط عليها اولا ليكون خلاصهم منها.
ذهبت جيهان لنفس المكان باحثة عنه لتذعر و ينتفض قلبها من مكانه حين خرج لها من الظلام قائلا بصوته المرعب:
"ماذا تريدين ؟ " .
لقطت انفاسها بصعوبة وهي تنظر حولها بازدراء قائلة " جئت لأخرجك من هذا الوحل "
نظر لها بقوة و صمت لتكمل هي:
" ان فعلت ما سأقوله لك سافتح لك ابواب لم تحلم بها من قبل"
لمعت عين الرجل طمعاً بما تقوله له ، تحركت جيهان مقتربة منه كي تقص عليه ما تريده منه .
عادت بعدها للقصر بوجه فرح بما أنجزته ، اتصلت بلجين واخبرتها باقترابهم من النهاية تبقى فقط ان تخبر ادهم بخروجها وذهابها لساعات خارج القصر دون معرفة السبب.
رفعت هاتفها كي تتحدث مع ابنها بنبرة أرادت أن تبث الشك في قلبه، لم يستوعب ما قالته أمه له، استرسلت جيهان موضحه خوفها عليها ممن تتعامل معهم طالبة منه التدخل فهي لم ترد التحدث معها بهذا الامر كي لا تضغط عليها كما طلبت اخفاء كونها هي من اخبرته كي لا يسوء الوضع بينهم أكثر.
شكر والدته و وعدها ان يتصرف مع زوجته بوعي وحكمة ، وأي حكمة وهي لم تتحدث معه ولم تجبه او حتى تنظر له على مدار اربعة أيام مروا عليهم من بعد حادثة الاعتذار و وقوفه بجانب امه ليظلمها دون إعطائها فرصة للدفاع عن نفسها .
بصباح اليوم الخامس قرر مراقبتها بصمت، رآها تدخل المطبخ بالصباح كي تضع الأطعمة بكيس و من ثم تخبئه تحت شجرة بالحديقة الخلفية وتعود مرة اخرى للقصر.
تجهز وخرج كعادته ولكنه لم يذهب للشركة وقف بالخارج ينتظرها ، أراد أن يرى مع من تتعامل كما شرحت له أمه ظل ينتظرها بجانب القصر حتى وجدها تخرج منه وبيدها كيس الأطعمة .
تحرك خلفها بحذر كبير معتقدا أنها ستدخل الحديقة ، ولكنها اسرعت خلف عربة بدائية تجر جراً باليد لتجميع بواقي الزجاجات البلاستيكية و اوراق الكرتون وكل ما يصلح لإعادة التدوير من قبل فتاة صغيرة.
وبمجرد اقترابها من الفتاة لاحظت ألينا أمر غريب الفتاة تنظر خلفها بخوف باستمرار، توقعت أن حياة الشارع جعلها تعيش الخطر بكل لحظة وكلما اقترب أحد منها.
لم تتحمل الفتاة اقتراب ألينا منها في هذا الصباح، لتهرب بسرعة منها لاحظ أدهم هروب الفتاة من زوجته التي اسرعت بملاحقة تلك الفتاة التي تركت العربة الخشبية وهربت لطريق فرعي مغلق حُصرت به ناظرة لها قائلة لها وهي تتلفت حولها بخوف:
" اذهبي و اتركيني ، ماذا تريدين مني ، ابتعدي عني ، لا اريد طعام منكِ "
سمع ادهم حديثهم بصعوبة، همَ ليقترب كي يرى ما يحدث بينهم دون أي ينتبه لسرعة الرجل الغريب الذي ظهر من خلفه ممسكا بعصا كبيرة نزل بها أسفل رأس ادهم بقوة جعلته يسقط بمكانه دون صوت.
نظرت ألينا خلفها فور سماعها صوت الارتطام لتتفاجأ بزوجها ساقطاً ارضاً اسرعت لتذهب بجانب زوجها وهي تنادي على اسمه، ولكنها لم تستطع الوصول له حين تملكها الرجل قائلا لابنة زوجته :
" جيد ما فعلتي يا ابنتي، أردت أن تستدرجيها ، و نجحتِ بهذا سأكافئك"
صرخت ألينا بقوة منادية على زوجها، فتح عينه بصعوبة ليجدها تدافع عن نفسها وهي تحاول ان تهرب من رجلين كانوا يرغمونها على الدخول بسيارة صغيرة.
تحرك بسرعه مستجيبا لصوت ندائها واستنجادها به دون فائدة فلقد اسرعوا بقيادتهم مبتعدين عن المكان حتى اختفت السيارة عن الأنظار تماماً.
نظر ادهم حوله بذعر وخوف باحثا عن الفتاة فلم يجدها وكأنها تبخرت، عاد مسرعاً لتلك العربة التي تجر بالأيدي ليجدها هي أيضا قد اختفت من الوسط.
صرخ مردداً اسمها بقوة…
الى هنا و حسب
