recent
جديدنا

تشخيص إنسان |07 ثنائي القطب

حين لا يكون الأمر مجرد مزاج يتغيّر



في البداية، ظنت أنها استعادت نفسها، استيقظت في السادسة صباحًا، رغم أنها لم تكن تنام قبل الظهر في الأيام الماضية.


فتحت النوافذ، رتبت الغرفة، غسلت وجهها بالماء البارد، ووقفت أمام المرآة تبتسم.


كانت تشعر بأنها خفيفة…خفيفة جدًا.


كأن شيئًا ثقيلاً ظل جاثمًا فوق صدرها لشهور، ثم قرر فجأة أن يرحل.


ارتدت ملابسها بسرعة، خرجت إلى الشارع دون أن تشعر بالتعب، وفي الطريق إلى العمل، اتصلت بصديقتها:

"أنا حاسة إني رجعت."


ضحكت صديقتها:

"رجعتي فين؟"


__"لنَفسي."


كان صوتها مليئًا بالحياة، تكلمت بسرعة، انتقلت من موضوع إلى آخر دون أن تنهي أيًا منه، قالت إنها ستبدأ مشروعًا جديدًا، وستتعلم لغة، وستسافر، وستغير شغلها، وستعود للرياضة، وستقرأ عشرين كتابًا قبل نهاية الشهر.

ثم قالت فجأة:

"على فكرة، أنا كنت بضيّع وقتي طول السنين اللي فاتت."


ضحكت وأكملت:

"مش هعمل كده تاني."


في ذلك اليوم، اشترت أشياء لم تكن تحتاج إليها، حجزت رحلة لم تكن قد خططت لها، وافقت على مشروع أكبر من قدرتها، وبحلول منتصف الليل، كانت قد اتخذت قرارات كافية لتغيير حياتها بالكامل، لم تكن تشعر بالخوف بل كانت تشعر بالقوة. بالجرأة. بالسرعة. وبأن عقلها أخيرًا يعمل بالطريقة التي ينبغي أن يعمل بها.


في اليوم التالي، لم تنم إلا ساعتين، ومع ذلك لم تشعر بالتعب.

قالت لأمها:

"أنا مش محتاجة أنام كتير."


كانت أمها تراقبها بصمت وسألتها:

"إنتِ كويسة؟"


ضحكت وردت:

"أحسن من أي وقت فات."


---


بعد أسابيع قليلة… لم تعد قادرة على النهوض من السرير، الستائر مغلقة، الهاتف على الوضع الصامت، الملابس التي اشترتها معلقة كما هي، المشروع الذي كانت متأكدة أنها ستنجح فيه أصبح شيئًا لا تستطيع حتى فتح ملفه، لم تعد ترى نفسها كما رأتها قبل أسابيع، كل ما كان يبدو ممكنًا أصبح مستحيلًا، وكل قرار اتخذته في الأيام السابقة أصبح الآن سببًا للندم.

فتحت حسابها البنكي، نظرت إلى المبلغ الذي أنفقته، وضعت يدها على وجهها، وبدأت تبكي:

"أنا ليه عملت كده؟"


لم تجد إجابة، كانت تتذكر نفسها قبل أسابيع وكأنها شخص آخر. شخص سريع. متحمس. واثق. لا يحتاج إلى النوم. لا يخاف من شيء.

والآن...

اصبحت فجأة تخاف حتى من الغد.


---


هنا يبدأ سوء الفهم، البعض قد يقول:

"هي شخصيتها متقلبة."


__"مرة مبسوطة ومرة مكتئبة."


__"مزاجها بيتغير بسرعة."


لكن الاضطراب ثنائي القطب ليس مجرد تقلبات مزاجية عادية، وليس أن تكون سعيدًا في الصباح وحزينًا في المساء.

هو اضطراب مزاجي قد تمر فيه فترات من الهوس أو الهوس الخفيف، وفترات من الاكتئاب، وقد توجد بينهما فترات يكون فيها المزاج أقرب إلى المعتاد.

وفي نوبات الهوس أو الهوس الخفيف، قد يحدث ارتفاع أو تهيج واضح في المزاج، مع زيادة ملحوظة في النشاط والطاقة، وانخفاض الحاجة إلى النوم، وتسارع الأفكار والكلام، وزيادة الثقة بالنفس، وقد تظهر اندفاعية أو سلوكيات تحمل مخاطر أو عواقب لم تكن لتحدث في الحالة المعتادة.


لكن هناك فرق مهم بين الهوس والهوس الخفيف، وبينهما وبين مجرد الحماس.


الهوس يكون أشد تأثيرًا على الأداء والحياة اليومية، وقد يصل إلى درجة تستدعي دخول المستشفى، وقد تحدث خلاله أعراض ذهانية في بعض الحالات.


أما الهوس الخفيف فهو أقل شدة، لكنه ما يزال تغيرًا واضحًا عن الحالة المعتادة للشخص.


والاكتئاب في ثنائي القطب ليس مجرد "رجوع المزاج إلى الطبيعي".


قد يكون عميقًا ومُنهكًا، مصحوبًا بفقدان المتعة، وانخفاض الطاقة، واضطراب النوم أو الشهية، وصعوبة التركيز، والشعور بالذنب أو انعدام القيمة، واليأس، وقد تصل الأعراض في بعض الحالات إلى أفكار انتحارية.


ولهذا فالتشخيص ليس شيئًا يمكن أن يضعه شخص على نفسه لأن مزاجه تغير.

ليس كل شخص يسهر يومين مصابًا بثنائي القطب.

وليس كل شخص أنفق مالًا بشكل اندفاعي لديه هوس.

وليس كل اكتئاب يعني ثنائي القطب.

التشخيص يحتاج إلى تقييم طبي نفسي دقيق للتاريخ المزاجي، ومدة الأعراض، وشدتها، وتأثيرها على الحياة، واستبعاد أسباب أخرى قد تشبهها.


---


في إحدى الليالي، جلست أمها إلى جوارها.


لم تسألها:

"أنتِ ليه اتغيرتي؟"


ولم تقل:

"شدّي حيلك."


ولم تذكرها بكل الأشياء التي فعلتها عندما كانت في حالتها المرتفعة.


فقط أمسكت يدها، وقالت:

"إحنا هنفهم اللي بيحصل."


رفعت عينيها إليها:

"يعني أنا مش مجنونة؟"


هزت أمها رأسها:

"أنتِ تعبانة... والتعب له علاج."


بكت. لكن هذه المرة لم يكن بكاؤها لأنها ضعيفة.

بل لأن أحدًا أخيرًا فصل بينها وبين مرضها.


لأنها لم تكن النوبة. ولم تكن الاندفاع، ولم تكن الأيام التي لم تستطع فيها النهوض من سريرها.

كانت إنسانة تعيش مع اضطراب يحتاج إلى فهم ومتابعة وعلاج.


---


ربما أصعب شيء في الاضطرابات النفسية ليس المرض وحده… بل أن يحوّلك الناس إلى المرض. أن يقولوا:

"دي شخصية متعبة."


بدلًا من:

"يمكن في حاجة محتاجة تقييم."


أن يلوموك على اندفاعك، دون أن يسألوك لماذا فقدت السيطرة عليه.

أن يطلبوا منك أن تكون عقلانيًا في اللحظة التي يكون فيها مرضك نفسه يؤثر في طريقة تفكيرك واتخاذك للقرار.

ثنائي القطب لا يعني أن الإنسان يعيش بين شخصيتين.

ولا يعني أنه "شخصان في شخص واحد".


إنه اضطراب يؤثر في تنظيم المزاج والطاقة والنشاط والتفكير، ويمكن التعامل معه بالعلاج والمتابعة المناسبة.


وقد يحتاج العلاج إلى أدوية مثبتة للمزاج أو أدوية أخرى بحسب الحالة، إلى جانب المتابعة النفسية والتثقيف وتنظيم النوم ونمط الحياة.


والأهم...


أن العلاج ليس فقط عندما تأتي النوبة.

أحيانًا يكون العلاج الحقيقي هو أن نتعلم كيف نلاحظ العلامات المبكرة قبل أن تكبر.

أن يعرف الشخص أن قلة النوم المتكررة ليست دائمًا إنجازًا.


وأن الاندفاع غير المعتاد ليس بالضرورة "ثقة بالنفس".

وأن الانهيار بعد فترة من النشاط غير المعتاد ليس مجرد كسل.


---


بعد أشهر...


جلست أمام طبيبها، كانت تكتب ملاحظاتها في دفتر صغير:

"أنا بدأت أفهم نفسي."


ثم سكتت قليلًا.

"بس عارف إيه أكتر حاجة كانت بتوجعني؟"


نظر إليها الطبيب.


قالت:

"كنت فاكرة إن الأيام اللي كنت فيها فوق... هي أنا الحقيقية."


ابتسمت بحزن وأكملت:

"وبعدين لما وقعت، افتكرت إني أنا الحقيقية وقتها."


نظرت إلى دفترها: 

"دلوقتي بدأت أفهم إن أنا مش أي واحدة فيهم."


رفعت عينيها: 

"أنا الإنسانة اللي بتحاول تعيش بين الاتنين."


وربما كان ذلك أول انتصار حقيقي لها.


أن تعرف أن المرض قد يغيّر إيقاع حياتها...

لكنه لا يختصرها.


google-playkhamsatmostaqltradent