recent
جديدنا

رواية ملجأ جنة الفصل الأول

 📖 ملجأ جَنّة
✍️ بقلم د. سميحة رجب ♥️
الفصل الأول. 



بسم الله الرحمن الرحيم

{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }


__________________


في هدوء إحدى ليالي الشتاء الحزينة، حين كان البرد ينهش أطراف القاهرة، والظلام الكاحل يبتلع ما تبقّى من ملامح الشوارع، تسللت خطوات واهنة إلى أحد أحيائها القديمة، خطواتٍ حذرة، كأن صاحبتها تخشى حتى أن يسمعها قلبها.

توقفت أمام المسجد بينما كان المصلون يؤدون فريضة الفجر، وأصوات التلاوة تتسلل من الداخل دافئةً على نحوٍ مؤلم، كأنها تنتمي إلى عالم آخر… عالم لم يعد لها فيه موطئ قدم.


دارت عيناها في المكان بجنونٍ مكتوم؛ يمنةً ويسرة، خلفها وأمامها، تبحث عن شاهدٍ واحد… أو ربما عن رحمةٍ واحدة.


وحين اطمأنت أن لا أحد يراها، انحنت ببطء، ووضعت ما تحمله أمام باب المسجد، توقفت لثوانٍ حدقت فيه، ولوهلة، بدا كأن شيئًا بداخلها يوشك أن ينهار لكنها لم تفعل، استدارت فجأة وركضت.


ركضت كما لو أن الأرض تطاردها، واختبأت في إحدى الزوايا المظلمة، تلصق جسدها بالجدار وتراقب ما فعلته بعينين لا يمكن قراءة ما وراءهما.

أكانت خائفة؟ أم نادمة؟ أم مكلومة إلى الحد الذي لم يعد معه الألم يشبه الألم؟ أم أن قلبها مات منذ زمن، فلم يعد يعنيه ما تتركه خلفها؟


لم تكن ملامحها تمنح إجابة، كان في عينيها شيءٌ يشبه الخوف… وشيءٌ أشد قسوة منه، شيءٌ يشبه الحزن… لكنه أقدم من الحزن، وشيءٌ آخر لم تستطع العين أن تمنحه اسمًا.


 مرت دقائق ثقيلة، بينما كان بكاء الطفلة يتردد وحيدًا أمام باب المسجد، حتى بلغ مسامع المصلين بعد فراغهم من صلاة الفجر.

هرعوا إلى الخارج، يظنون أن ثمة إنسانًا يستغيث بهم لكن ما وجدوه كان أقسى من أن يُحتمل.


طفلة صغيرة حديثة الولادة، لا حول لها ولا قوة، حتى ملامحها لم تكن قد اكتملت بعد. جسد ضئيل ملفوف في عدة طبقات من الثياب، كأن من تركتها حاولت أن تمنحها من الدفء ما عجزت عن منحه لها من الأمان.

وبجوارها… ورقة صغيرة.

اقترب الشيخ حسن إمام المسجد، وانحنى يحمل الصغيرة بين ذراعيه، محاولًا تهدئتها، بينما دفع الورقة إلى أحد جيرانه ليقرأها، لم يكن الشيخ يرى شيئًا سوى وجهها المرتجف، ولم يكن يفكر إلا في أن تتوقف عن البكاء.


ثم جاءه صوت الرجل يقرأ:

"إلى من يجد صغيرتي، لقد شاءت الأقدار أن أضحي بهت بيدي هاتين. 

ولكنها ظروف… ظروفٌ كانت أقسى مني، وأكبر من احتمالي، أتوسل إليكم… لا تؤذوها، وأتلمس في قلوبكم رحمةً عجز قلبي عن منحها لها فكونوا أرحم عليها مني."


ساد الصمت حتى بكاء الطفلة بدا للحظات وكأنه السؤال الوحيد المعلّق في المكان:

كيف يمكن لأم أن تترك قطعةً من قلبها خلفها ثم تمضي؟


تنهد الشيخ حسن بضيق وقبل رأس الصغيرة بحنان قائلا

: منا من يضجر ان ابتلي في دنياه وأنت يا صغيرتي قُدِر لك ان تولدي حاملة معك ابتلائك واختبار حياتك 


تحدث جاره بتهكم:

 يخوضون ويلعبون ثم يأت هؤلاء الصغار ليدفعوا ثمن غلطة آبائهم 


تنهد الشيخ حسن قائلا: 

لا نعلم ما هي الظروف التي جعلتهم يتخلون عنها ولكن يبدو أنه أمر جلل فليهديهم الله ويحفظ هذه الصغيرة 


هتف الجار بحيرة: 

وماذا سنفعل بها ؟ 


الشيخ حسن: 

سآخذها معي وغدا أري ما أنا فاعل بخصوصها 


الجار: كيف ستسهر بجانبها؟ إنها طفلة حديثة الولادة، لن تسكت، وأنت قد تمرض هكذا، لا سمح الله! نحن لم نصدق أنك تعافيت وعدت إلى المسجد، ولا نريد أن تبتعد عنا مرة أخرى. يجب أن تأخذها إلى قسم الشرطة أو إلى ملجأ... هيا، هيا.


الشيخ حسن بهدوء مطمئن:

 لا تقلق بشأني، فربي هو المعين. الحمد لله، أنا بخير، بخير جدًا، وصحتي جيدة. ثم كيف سأترك طفلة صغيرة مثلها؟ سأعتني بها أنا وزوجتي حتى الصباح، لا تقلق... ربما تكون سببًا في أن تساعدني على السهر.


ابتسم الجار، ثم هز رأسه مستسلمًا أمام إصراره: حسنًا يا صديقي، ليُعنك ربي. وإن احتجت إلى أي شيء، فاتصل بي وسأكون عندك في الحال.


الشيخ حسن:

 جزاك الله خيرًا يا صديقي، وجعله في ميزان حسناتك. بوركت. أتمنى فقط أن نجد حلًا لهذه الصغيرة المسكينة... آه، ما ذنبها؟ انظر إلى وجهها الجميل... انظر!


رمقه الجار بنظرة حزينة، ثم زفر في أسى:

 تلك هي حال الدنيا... عن إذنك يا أخي.


تحرك الشيخ حسن بالفتاة نحو بيته، وكانت الصغيرة قد غلبها النوم، فكفّت عن البكاء أخيرًا بعدما أنهكها التعب.


أما المرأة التي تركتها منذ دقائق، فظلت تراقب المشهد من بعيد، بعينين شاخصتين، ولم تغادر مكانها حتى تأكدت أن الصغيرة أصبحت في أيدٍ أمينة، بعدما سألت أحد الموجودين في المكان عن ذلك الشيخ ومن يكون.


وصل الشيخ حسن بيته ودلف مناديا:

خديجة أين أنت؟ تعالي لحظة


تحركت من الغرفة اليه سريعا وهي تردد:

خير خير ماذا هناك لمَ تنادي بصوت مرتفع على غير عادتك خير.


الشيخ حسن بحماس:

انظري ماذا أحضرت؟


طالعت تلك السلة الصغيرة وقالت:

ماهذه منذ الفجر؟


الشيخ حسن:

فتاة


صرخت به بصدمة: 

فتاة؟! من أين أحضرتها أو علك تزوجت وأنجبت أخبرني الحقيقة حسن هل فعلتها لن 

ألومك ولن انصدم فقط أخبرني بالحقيقة 


ضحك الشيخ حسن حتى ظهرت نواجذه ثم أردف:

على مهلك يا زوجتي العزيزة خذي نفسا أولا أي زواج وأي إنجاب بماذا تهذين أنت؟ اخبريني اولا هل صليتِ الفجر؟


— نعم، فعلت، ثم دعني أرَ الفتاة هذه.


أجابها الشيخ حسن وهو يتناول الصغيرة برفق:

 لقد وجدتها على باب المسجد منذ قليل. يبدو أن أحدهم تركها وفرّ، ولَكِ أن تتخيلي... حرام والله، كيف تُرمى فتاة في مثل عمرها؟


اقتربت خديجة منها، وما إن وقعت عيناها على وجهها حتى تبدلت ملامحها، وقالت بدهشة:

يييه... يييه! ما أجملها! قطنة هي! لكنها صغيرة جدًا. لا نعرف ظروف من تركها بباب الجامع، لكن لا يمكننا إبقاؤها هنا معنا... فلماذا أحضرتها؟


تحرك الشيخ حسن ليجلس، ثم قال دون تردد:

 وهل تظنين أنني سأتركها للبرد على باب الجامع هناك؟


نظرت إليه خديجة بشيء من القلق وقالت:

لربما تولّى أمرها غيرك.


التفت إليها الشيخ حسن، وقد بدا الاستنكار واضحًا في عينيه:

 هذه طفلة يا خديجة! لم أعهدكِ إلا حليمة رحيمة، ما بالكِ الآن؟


اقتربت منه أكثر، ثم قالت بهدوء يخالطه الاضطراب:

 أخاف عليك... أعرف أن الطفلة صغيرة، وانفطر قلبي لحالها، لكنني أخاف عليك. لا أريدك أن تتورط في شيء هو أكبر منك.


أجابها الشيخ حسن بنبرة حاسمة:

 لا كبير إلا الله. وعلى العموم، سنهتم بها حتى يحل الصباح. نحن فيه أصلًا بعض الوقت فقط، ثم أتصرف في أمر الصغيرة.


أومأت خديجة في صمت، وقالت:

إن شاء الله.


هنا استفاقت الصغيرة وفتحت تلك العيون التي رغم صغرها كانت واسعة لامعة المقلتين ورائقة الملامح رغم عدم وضوحها بعد، لتشرع في البكاء بقوة فنظر إليها الشيخ حسن وشرع يتحدث معها قائلا:اهدئي صغيرتي اهدئي خديجة لم تبك.

اقتربت خديجة منها وحملت الفتاة و طالعتها بحب لتردف:

سبحان الذي خلقك وصورك في أحسن صورة لا بأس صغيرتي اهدئي أنا هنا 


الشيخ حسن:

خير خير هل هي مريضة؟


رفعت خديجة عينيها إليه، ثم نظرت إلى الصغيرة التي لم تتوقف عن التململ والبكاء، وقالت بقلق:

 لا، طبعًا... يبدو أنها تحتاج إلى تغيير حفاض وإلى الحليب. ألم يترك من وضعها أمام المسجد أغراضها معها؟


هز الشيخ حسن رأسه نافيًا، ثم أشار إلى السلة والرسالة الموضوعة بجوارها:

 لا، لم يتركوا شيئًا... فقط هذه السلة وتلك الرسالة. فما العمل الآن؟ المسكينة لا تكف عن البكاء.


مدت يديها إليها بحذر، ثم قالت وهي تحاول تهدئة بكائها:

اذهب سريعًا إلى الصيدلية وأحضر ما يلزم. هيا، هيا... وأنا سأحاول تهدئتها وإسكاتها حتى تعود.


نهض الشيخ حسن على عجل، واتجه نحو الباب وهو يقول:

 حسنًا، سأعود سريعًا يا عزيزتي.


لكنه لم يكد يبلغ الباب حتى توقف فجأة، ثم عاد إليها بخطوات مترددة، وكأنه تذكر أمرًا في غاية الأهمية:

 لكن... ماذا يحتاج الرضع أصلًا؟


لم تستطع خديجة منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها، وقالت وهي تهز رأسها:

 حفاضات لحديثي الولادة، وببرونة، وحليب مناسب لعمرها، ومناديل مبللة خالية من الكحول. وأحضر أيضًا مقياسًا للحرارة، ولهاية مخصصة لحديثي الولادة... هذا مبدئيًا، وإذا احتجنا إلى شيء آخر سأخبرك.


أخذ الشيخ حسن يردد ما قالت في ذهنه وكأنه يحفظ قائمة طويلة، ثم ابتسم وقال بحماس طفولي:

 حسنًا، حسنًا... لن أتأخر.


ثم خرج مسرعًا، ولم يكد يبتعد حتى التفتت خديجة إلى الصغيرة التي استقرت بين ذراعيها.

تهدهدها برفق، بينما أخذ بكاؤها يخف شيئًا فشيئًا. تأملتها طويلًا، ثم مررت إصبعها بحنان على وجنتها الصغيرة، وكأنها تحاول أن تفهم كيف استطاع قلب أم أن يتخلى عن هذا الكائن الضعيف بهذه القسوة.


قالت بخفوت، وكأنها تحدث نفسها:

 الطفلة فتحت جروحه...


سكتت لحظة، ثم تنهدت وهي تضمها إلى صدرها أكثر:

 آه أيتها الصغيرة... آه. أحدهم يرمي أطفاله، وغيرهم يشتهي ظفرًا واحدًا منهم... ما أغرب الدنيا وما أقساها أحيانًا.


نظرت إلى وجهها النائم بين ذراعيها، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:

 لكن ما عسانا نقول؟ هذه هي حال الدنيا... الحمد لله على كل شيء.


وظلت تهدهدها ببطء، حتى أغمضت الصغيرة عينيها أخيرًا، واستسلمت للنوم، وكأنها للمرة الأولى منذ ساعات شعرت أن ثمة يدًا لن تتركها.


ظلت خديجة تهدهد الصغيرة بين ذراعيها حتى هدأت أخيرًا، واستسلمت للنوم من جديد. وبعد مدة ليست بالطويلة، عاد الشيخ حسن من الصيدلية، يحمل بين يديه الأغراض التي طلبتها منه.


دخل البيت وأسرع نحو الغرفة، وما إن رآها حتى ابتسم وهو يرفع ما بيده قائلًا:

 لقد أحضرت ما طلبتِ.


التفتت إليه خديجة، وأشارت إليه أن يخفض صوته، ثم قالت بهدوء:

 بهدوء يا حسن... لقد نامت لتوها. سننتظر حتى تستفيق لأطعمها.


توقف مكانه، وطالع الصغيرة طويلًا، ثم تنهد وكأن شيئًا في منظرها قد حرّك داخله شعورًا لم يعتده، وقال بصوت خافت:

 ليحميكِ رب البرية يا صغيرة...


مر بعض الوقت، لم يكن طويلًا، قبل أن تستفيق الصغيرة من جديد، وانطلق بكاؤها يملأ الغرفة.


كان الشيخ حسن جالسًا بجوارها يراقبها، فما إن سمع بكاءها حتى أسرع إليها. مد يديه محاولًا حملها، لكنه توقف فجأة، وبدا عليه التردد والخوف من صغر حجمها وهشاشتها.


وفي تلك اللحظة، جاءت خديجة مهرولة من الغرفة الأخرى، فقال لها:

 تعالي... لقد استيقظت.


نظرت إليه باستغراب، ثم إلى الصغيرة، وقالت:

 لمَ لم تحملها؟


أجابها بصراحة، وهو لا يزال ينظر إلى الصغيرة بحذر:

خفت.


لم تتمالك خديجة نفسها، فانفجرت ضاحكة وقالت:

 تخاف من طفلة عمرها يومان؟ غريب أمرك يا شيخ حسن! ألم تحضرها منذ سويعات؟


ابتسم هو الآخر، ثم قال مدافعًا عن نفسه:

 اضحكي، اضحكي... إنها صغيرة جدًا! كيف سأحملها؟ ثم إنني حين أحضرتها كانت داخل السلة، فكان من السهل عليّ أن أتعامل معها.


اقتربت خديجة من الصغيرة، ثم حملتها ببطء وحرص، وهي تقول:

 هكذا... بهدوء وبتريث. ثم نضعها هكذا في حجرنا ونجلس، وبعدها نأخذ ببرونتها ونشرع في إطعامها بتأنٍ أيضًا حتى لا تتشرّق.


راقبها الشيخ حسن باهتمام، بينما تابعت خديجة شرحها وهي تحرص على أن تفعل كل شيء أمام عينيه:

 وحين تنتهي من شرب الحليب، نرفعها قليلًا هكذا حتى تتجشأ، فهذا مهم حتى لا تستفرغ الحليب. وبعدها فقط نعيدها إلى موضعها.


ثم ابتسمت للصغيرة وقالت:

 بسم الله...


وبدأت تطعمها برفق، بينما ظل الشيخ حسن واقفًا يتابع المشهد في صمت. 

كان ينظر إلى خديجة وهي تحمل الصغيرة بعناية، وإلى تلك الطمأنينة التي ارتسمت على وجهها وهي تطعمها، وكأنها اعتادت هذا المشهد منذ سنوات.


وبعد لحظات، قال لها بحنان:

 يليق بكِ أن تكوني أمًا.


توقفت يدها للحظة، ثم أومأت في هدوء، وقالت بصوت خافت:

 الحمد لله على كل حال.


ساد الغرفة صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت الصغيرة وهي ترتشف حليبها بهدوء، وكأنها وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا تستريح فيه.


مر وقت وأتى الضحى ونامت الصغيرة لينام معها حسن قليلا أما خديجة فلم تفعل فموضوع الصغيرة شغلها لتستغل وقتها بالاهتمام ببيتها بدلا من النوم بينما تروح وتجيء كل حين تتفقد الصغيرة تلك.

استفاق الشيخ حسن من نومه وجهز نفسه وأفطر وحين أكمل ذكرته خديجة بأن يسلم الفتاة لقسم الشرطة أو عله يأخذها لملجأ لتضيف:

رغم أنه يعز علي تركها تذهب حرام لاتزال صغيرة جدا، اف كيف استطاعوا رميها كيف؟ 


زفر الشيخ حسن بحنق، ثم قال:

 لقد فكرت وقررت، فلن أسلمها اليوم.


نظرت إليه خديجة باستفهام:

كيف؟ لماذا؟


أجابها الشيخ حسن:

 أنت ترين صغرها، ما أدرانا قد يؤذونها؟ قد تجوع، قد تبرد... حتى أنا خفت حملها وهي بهذا الحجم، أتتوقعين أن يستطيع الكل الاهتمام بها؟!


أومأت خديجة، وقالت:

 معك حق في ذلك، لكن أنت تعرف وضعنا. ثم أخاف أن أتعلق بها ولا أستطيع فراقها، وحينها يستحيل أن أفرط بها أصلًا. بالكاد أستوعب أنهم فرطوا في هذا الوجه الملائكي... أي قلب هذا الذي استطاع فراقك يا جميلتي؟


فكر قليلًا وهو يطالع زوجته بتمعن، ثم زفر بحنق وأردف:

سأفعل، لكن ليس اليوم.


نظرت إليه خديجة متسائلة:

 وما المعنى، حبيبي؟!


أوضح الشيخ حسن:

 ليمر بضعة أيام، نتأكد من عافية الفتاة، ثم بيدي آخذها إلى جهة مسؤولة لتهتم بها.


سكتت قليلًا تفكر، ثم قالت:

 أنت أدرى، لكن...


قاطعها الشيخ حسن، وهو يشير إلى الصغيرة:

 انظري فقط إليها... لقد تخلوا عنها وهي بعمر أيام، لقد وأدوها. تذكرت قصة أعرفها شاعت عن سيدنا عمر رضي الله عنه، فقيل إنه كان متعصبًا أيام الجاهلية أيام شبابه، يعني فقد عُرف عنه أيضًا أنه كان جبارًا في الجاهلية.


قالت خديجة:

 لكنه كان حليمًا رحيمًا أيام الإسلام.


أجابها الشيخ حسن:

 لأن الإسلام يعالج القلوب من كل عصبية وشوائب تدعو للكراهية يا خديجة. المهم، قيل إنه حين هم بدفنها، بحركة عفوية منها، تعفرت لحيته بالتراب، فرفعت طفلته يدها ومسحت التراب عن لحيته، لكن حركتها تلك البريئة العفوية التي أتت هكذا لم تشفع لها بأن يكف عما يفعل.


سألته خديجة:

 أصحيحة هذه القصة؟


هز رأسه نافيًا:

 لا طبعًا، إنها باطلة.


نظرت إليه باستغراب:

 ولمَ ذكرتها إذًا؟


أجابها الشيخ حسن:

 ترك فتاة بعمرها إلى أناس لا نعرف إن كانوا طيبين أو لا، سيعاملونها معاملة حسنة أو لا... هو مثل الوأد، لا فرق بينهما. وإن كان الفاروق لم يفعلها، فما الضمان ألا يفعلها غيره بهذا الزمان؟


قالت خديجة:

 رضي الله عن الصحابة أجمعين. فهمت قصدك.


تابع الشيخ حسن حديثه:

 لنكرم مثواها ونحسن إليها يا خديجة، فلا أريد أن أفرط بها على عجلة وأندم. وأيضًا لعلها تنفعنا وتكون لنا عزوة، تأتينا بحسنات يوم نلقى الله. لكِ أن تتخيلي أن امرأة بغي من نساء بني إسرائيل، بغيًا يا خديجة، أن تعمل في الزنا والدعارة وتأكل منها وتعيل نفسها بالشيء الذي بغضه الله وقبحه، ودخلت الجنة وغفر الله لها بشيء بسيط. فهي قد سقت كلبًا عطشان بنعالها حين وجدته بالطريق يلهث، يكاد يموت، فغفر الله لها، فدخلت الجنة بسبب رحمتها. فكيف إذا رعيت طفلة وعطفتِ عليها؟ صحيح، لن نتخذها ولدًا، لكن يكفي أن تكون بخير، وحين نسلمها للمعنيين نتأكد أنها بأيدٍ أمينة، لا أن نضعها بأيديهم ونولي الأدبار كما فعلوا معها، الذين وضعوها أمام باب الجامع.


نظرت إليه خديجة بحنان وقالت:

طوال عمرك للخير تسعى، وسيكرمك الله بما يرضي قلبك. لكن أنت تعرف ظروفنا، حسن. أريدها، لكن لا أريد أن تعاني هذه الملاك.


ابتسم الشيخ حسن مطمئنًا، وقال:

 إن شاء الله يا خديجة، لا تقلقي... الرزق على رب العالمين.



أردفت بضيق:

ماذا لو لم تجدها أنت؟


الشيخ حسن:

لربما وجدها غيري وسلمها مباشرة أصلا جارنا طلب مني أن لا آخذها لكنني رفضت.


ليكملا حديثهم الجميل والشيخ حسن يروي لخديجة قصصا جميلة من السيرة عن فضائل الإحسان للغير.

حتي مر اليوم والليل وأتى الغد.. 


استفاق الشيخ حسن من نومه قبل طلوع الفجر على صوت بكائها وللحظة تعجب من قرب الصوت الطفولي منه ولكن سرعان ما استدرك انها الصغيرة فابتسم محياه وطالع موضع الصوت 

 ليجد زوجته تحمل الصغيرة وتهود لها لكن الأخرى تأبى السكوت، ركض نحوها متلهفا يسأل زوجته:

 لماذا تبكي ؟ هل هي مريضة ؟ هل أخذها للطبيب ؟ 


ابتسمت زوجته مستوقفة إياه: 

اهدأ حبيبي اهدأ، هذا طبيعي فحديثي الولادة هكذا ليلهم نهار ونهارهم ليل تجدهم ينامون طوال النهار قررين العين وطوال الليل صوت بكائهم كقرع الطبول 


قبل يد الصغيرة التي احاطت إصبعه قائلا: 

قرع الطبول ؟ سامحك الله يا خديجة والله انها اجمل نغمة سمعتها بحياتي انظري إلى لطف ربك شاء أن أعيش هذه المشاعر ولو مرة قبل أن أموت 


تحدثت خديجة بلهفة: 

ليطل الله بعمرك ... لا تقل هذا الهراء مرة أخرى 


ابتسم الشيخ متعجبا: 

هراء ؟ الموت علينا حق ولكن لا أخفيك سرا فلقد تذلل لساني وانا ادعو ربي أن أعيش الابوة ولو يوم واحد 


ثم تحرك ليجلس واشار إليها لتعطيه الطفلة التي هدأت بين يديه 


__________ 


كثير من البشر لو استفاق على صوت بكاء الرضيع تذمر لكن هو اخذ يهدهدها ويداعبها حتى هدأت تماما 


جلست زوجته جواره وتحدثت دامعة: 

لو أنك رضيت بالزواج منذ سنوات لكنت رزقت بولد 


الشيخ:

اتزوج غيرك و تكون لي امرأة اسكن إليها غيرك؟ هل تظنين الأمر بهذه السهولة ؟ 

لو كان حلم الإنجاب يراودني والأطفال غالية على قلبي فأنت كل قلبي يا خديجة 


ابتسمت بخجل ولم تنطق بشئ فاستكمل هو:

 انت حلم الصبا وسكن الشباب ولطف المشيب، هااا انظري فلقد شابَ رأسي ولكن قلبي شابٌ بحبك 


قاااطع حديثهم الملئ بالمشاعر اللطيفة والحب التقديري والذي عماده المودة والرحمة… صوت الصغيرة تستكمل وصلة بكائها فتحركت خديجة لتحضر ببرونتها وبدأوا يطعمونها ويداعبونها بلطف مرارا وتكرارا لم يكلوا ولم يملوا حتى غفت ساكنة بين أيديهم الرحيمة فسبحان من عمر هذه القلوب بالرحمة… 


الرحمة التي قد تكون مجرد كلمة من حروف بسيطة لكنها في قاموس الشيخ حسن وزوجته قد شملت كل معاني الانسانية والطيبة والحلم والحنان والعفو فأن تكون رحيما معناه ان قلبك مازال حيا طيبا، ان تكون رحيما معناه ان الله رزقك التسامح مع نفسك فجعلك انسانا مسالما مسامحا للرفق بالغير من خلقه، رغم الفقر وصعوبة العيش ولكن لطفهم مع هذه الصغيرة يدل على أن ضمائرهم يَقِظة دائماً مَهما جارَت عليهم الأيّام ، ليسوا كمثل من تخلوا عنها بدم بارد وقلوبُهم خاوية على عُروشِها مَنزوعَة مِنَ الرَحمِة والعَطف ، ‏فالرحمة لاتستلزم أن تكون غنياً أو فقيراً أو متعلماً أو جاهلاً، إنما أن تكون إنساناً فقط… 


اتى اليوم الذي يليه والذي يليه ومرت الأيام عليهما، امتلأت حياتهم بهجة رغم فقرهم ومرض الشيخ حسن. كانت كل فينة وفينة تأخذ خديجة شيء من فساتينها وتخيط للصغيرة ألبسة بسيطة تغير لها بها فلم يكن بمقدورهم شراء ثياب جديدة للفتاة فقط كان بمقدورهم أن يوفروا لها الحليب الاصطناعي لا أكثر لكنهم رغم ذلك لم يحسوا بأي نقص ولم يتذمروا ليلة واحدة، ليال سهرا معا حين كانت الصغيرة تبكي متألمة بسبب الغازات التي تصيب أي طفل.


كان الشيخ حسن يكمل مهامه بالمسجد ويعود سريعا الى بيته بالكاد يتحمل فراقها هكذا حتى الفها ليقررا أيضا إطلاق اسم جنة عليها راجين من رب العزة أن تنال من إسمها نصيبا.


مر شهران وأتى اليوم الذي قررا فيه أخذ جنة إلى ملجأ رغم مرارة ما هما به لكنه الأصح لها فهي ستكبر مع الأيام وستتطلب ضروريات يجب أن يوفروها لها لكن الحال من صعب لأصعب ولم يشاءا أن يذيقاها مرارة الحاجة التي تذوقاها في حياتهما.


جهزت خديجة جنة بعد أن نظفتها وغيرت لها ثيابها وأطعمتها حليبها لياتي الشيخ حسن إليها ويقول بمرارة:

حان الوقت خديجة.


طالعته حزينة بعيون اغرورقت دمعا وأردفت بحنق:

يعز عليّ والله.


الشيخ حسن بحزن:

وأنا يعز والله لكن الأفضل لها ستكفلها عائلة بالتأكيد فالصغار دائما يكفلونهم سريعا ثم إننا سنزورها دائما أعدك.


نظرت لجنة قليلا ثم قبلت جبينها ثم خدها القطني لتهمس بأذنها من بين دموعها:

ليرعاك الله بعينه التي لاتنام يا قرة عيني دائما تأكدي أن حضني خلق لأجلك لن أنساك يوما سأتذكر كل ليلة سهرنا معا وأنت لربما لن تتذكريني أو تتذكري تهويداتي لك لكن أنا أحبك أحبك جدا.


امسك الشيخ حسن دمعته بصعوبة ثم حمل سلة الصغيرة وتحرك بها للميتم.


وبقي فؤاد خديجة فارغا بعد أن ملأه حب جنة التي ذهبت وبقيت وحيدة بل وعادت وحيدة كما كانت لتحتضن بعضا من ثيابها تشمشم رائحتها التي ألفتها وتشرع بالبكاء بمرارة.


وصل الشيخ حسن الملجأ ودخل إلى مكتب مديرته والصغيرة بيده فقد اتصل بها مسبقا والتقاها أكثر من مرة وجهز كل الاوراق اللازمة لتسليم الفتاة مع توقيع الشهود بأنه وجدها على باب المسجد.

وضع الفتاة جانبا ثم جلس على الكرسي لكن عيونه تحدق بجنة وقلبه ينبض وينبض يكاد يشق صدره لا يقوى على فراقها لكنه يريد مصلحتها أكثر لا يريد أن يذيقها الفقر يوما.


تحدثت المديرة لتقول:

خير ما فعلت يا شيخي بالتأكيد جنة ستجد عائلة ترعاها.


الشيخ حسن:

اتمنى ذلك فيعز علي فراقها انا وزوجتي لكن ظروفنا صعبة ولا يمكنني أن أذيق جنة ما ذقناه طفلتي لا يليق بها إلا أن تعيش في حب وعز لا يليق لها إلا أن تكون حياتها كإسمها.


المديرة:

من هذه الناحية فنحن لا نقبل أن نسلم طفلا من أطفال الميتم إلا إذا كانت العائلة ميسورة الحال.

الشيخ حسن بحزن:عندك كل الأوراق اللازمة والآن...


طالعها من جديد والصغيرة نائمة كالملاك كأول مرة وجدها، اغمض عينيه يريد أن يستيقظ من هذا الكابوس، نعم فلقد تأصل حب هذه الصغيرة من قلبه حتي أضحي فراقها كابوسا 

وأخذ يدعو بخفوت:

 اللهم اني استودعك “ابنتي جنة ” يامن لا تضيع ودائعك،اللهم احفظها بعينك التي لاتنام، وعزك الذي لا يضام اللهم إني حصنت قلبها و نفسها و عافيتها بإسمك من كل شيء يؤذيها و يضرها " 


وتنهد بعد أن استودعها أمانة لخالقها ثم قام أخيرا وتحرك يتنفس بشق غصة في قلبه وتمر على ذاكرته تلك الأيام التي عاشها مع جنة لكنه استدار حين وصل للباب وعاد إليها لينحني إليها ويقبلها بعمق على جبينها ثم وجنتها القطنية تلك فخانته دمعته التي حبسها داخل جفونه ونزلت ما استطاع أن يستثيغ فراقها فأخذ يقبلها باكيا ويحدثها وكأنها تفهمه:

 لتعلمي صغيرتي اني تركتك هنا خوفا من أن تفزعي ولا يخوض الفقر عالمَكَ الجميلَ

وألا يعوث فيك ويروعك أو يهز تحليق الطيور ويدمعك، يعز علي أن تنطفئي في الظلام وتتمزقي، سأكونُ دومًا جانِبك سندا الي اخر عمري ورجائي فيك ألا تبتئِسي ؛ فإنِّي معَك!

ولقَد أتيتُ لأسندك ....


 ثم أمسك يدها الصغيرة مقبلها وأردف:

 هذي يدِي تمسكي بها وامحي دمعي واسندي حزني ... 


ثم نظر للمديرة وقال:

أسموها جنة رجاء اعتبيرها وصية من عجوز على وشك الموت.


ردت المديرة بحزن:

سأفعل

وبالأخير كأي وداع حدث وانصرف الشيخ حسن يدعو أن تنال جنة في الدنيا والآخرة كما اسمها. 


خرج الشيخ من الملجأ تائها يتسائل حائرا:

إلى أينَ تمضي الحياةُ بي ياألله؟ 


سبحانك ربي أشهدك أني مسلم بحكمك وقدرك ولكن قلبي مفطور على هذه الصغيرة ما الذّي يصنَعه هذا القلب بنا؟ إنه يُفقِد الأيام بهجتها ويقودُني نحوَ الكآبة! ، أشعر إنّني بهذه اللحظة يتعمق وجع الفراق بقلبي وكأنني سأتعفن مللًا كما كنت قبل ايام لولا هذه الصغيرة التي حلت على عالمي في هويد الليل أضاءته وأعادت خلقَ الأشياءِ المبهجة حولي من جديد كما لو انها فنان امسك ريشته وألوانه ولون عالمي فحل عليه البهجة بعد ان غدت كل الاشياء بارِدة وباهتة بعدَما أطأها الزّمان، أرشدني يا الله ماذا أصنع ؟!


استند علي كورنيش النيل أمامه وتنهد ثم رفع نظره للسماء داعيا ربه " أدعوك يا الله بحق اسمك الأعظم الأكبر أن ترزقني الرضا بقضائك وقدرك وأن تعينني على الصبر على البلاء، وشكر نعمِك إنك على ما تشاء قدير، يا الله استودعتك مستقبل جنتي يا من لا تضيع ودائعك" 


ثم تحرك متجها الي بيته حزينا مهموما وكأن هموم الدنيا اجتمعت بقلبه وأثقلت كاهله

تحرك بالبيت يمنة ويسرة يبحث بنظره عن زوجته ولكن لا أثر لها أرشده قلبه إلى مكانها فلقد تيقن أنها هناك حيث مكثت جنة طوال الشهرين الماضيين، تمسك جوربها الصغير تشتم ريحته الأشبه بريح المسك وتغسله بدموع عينيها ولكن بمجرد أن احست بوجوده اسرعت تمسح دمعها حتى لا تزيد همه ووجعه ولكنه أبصر حزنها فجلس جوارها ليتشاركاه كما اعتادا طوال سنواتهم سويا يتشاركان الحزن قبل السعادة والترح قبل الفرح والضراء قبل السراء 

جلس جوارها والتقط احدي فردتي الجورب وتحدث باسما محاولا إخفاء حزنه:

 ااااه أراك وقد اخذتي جورب الصغيرة خفية، كيف ستتدفأ الآن؟ 


ناظرته بحزن واردفت:

 هذا الجورب الذي كانت ترتديه عندما أتت لقد بعثت معها جوارب كثيرة حكتها بيدي هاتين، لقد حكتها بخيوط مطرزة بكل ذرة حب نابعة من قلبي فهذا أقصي ما يمكنني اعطائها إياه


سألها متعجبا: 

ولماذا احتفظت بهذا؟ 


ردت باكية:

 أردت أن أبتكرَ خطوطًا وألوانًا جديدة غيرَ تلكَ التي يتعثّر بَصرُنا بها كلّ يوم، كنت اتمني لو أن بإمكاننا كفالتها، كلّ الألوانِ القديمةِ لها بريقٌ حَزينٌ في قَلبي وكنت اعتقد انها كذلكَ في الطّبيعة ولكن جنة اثبتت لي أنّ عيناي مريضتان؟ وان سمة خيوط من البهجة تنبع من رحم المأساة 


أردف الشيخ:

 معك حق ففعلا جنة اثبتت انه في قلب المأساة ثمّة خُطوط مِن البَهجة تنتظر فقط الألوان المناسبة لترسمها فسبحان من وضعها بطريقي لتشبع حرماننا الذي عانينا منه لسنوات خلال شهرين فقط 


خديجة:

 أكاد أجن والله كيف يستطيعون التفريط بها كيف؟ 


قاطعها الشيخ:

 لا تخوضي في هذا السؤال فنحن لا نعلم احوال الخلق


ردت بقهرة:

 عن أي أحوال تتحدث مهما كانت الظروف فكيف لإنسان عاقل أن يتخلى عن ضناه كيف ؟ 


{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }


الشيخ محاولا تغيير الموضوع علها تبتهج ولو قليلا فتحدث مشاكسها: 

والآن أخبريني زوجتي العزيزة كيف تعلمتي حياكة الصوف وأين؟ 


لم تبتسم حتى بل أجابت وهي على نفس حالها: لن تصدقني لو قلت اني كنت أعيدُ رسمَ أحلامي وكأنني اقدح النار الكامنة بقلبي علي هذا الصوف ولكن فجأة تبدل شعوري وكأني أحقق أحلامي واحيك الصوف لطفلتي فقررت أن تظهر الواني بين كل غرزة واختها 


ابتسم بحزن علي حديثها عن أحلامها وعاد بذاكرته للماضي عندما علما باستحالة رزقهم بأطفال. 

______________


كان الشيخ حسن شابا يافعا مفعم بالحيوية من عائلة ميسورة الحال يعمل مع والده الذي يمتلك اراض وأملاك طائلة في احدي قري الصعيد، كانت شخصيته خلاف ما هو عليه الآن فكان ككثير من الشباب الطائش الذي يشعر وكأنه دون وجهة في الحياة يتخبط يمنة ويسرة وظل هكذا حتى تزوج عشق حياته التي أحبها قبل زواجهم بعامين ولكن لم يشأ ربه أن يرزق بأطفال 


فقرر بناءا علي رغبة زوجته ان يذهبا للطبيب ليروا ما المشكلة! 


تحدث الطبيب: 

كل الفحوصات جيدة... من الناحية الطبية، لا يوجد لدى أي منكما ما يمنع الإنجاب بشكل واضح.


أردفت خديجة متلهفة: 

إذًا ما المشكلة يا دكتور؟


الطبيب: المشكلة أنكما، رغم سلامة الفحوصات، لا يحدث بينكما الحمل بالشكل المتوقع. هناك حالات نادرة جدًا يكون فيها العائق متعلقًا بالتوافق بين الزوجين أو بعوامل مناعية، وليس بعقم عند أحدكما.


تحدث حسن وقد نفد صبره:

 تحدث مباشرة يا دكتور، رجاءً.


تنهد الطبيب قبل أن يقول:

 ببساطة... لا أستطيع أن أقول إن أحدكما عقيم، لأنكما لستما كذلك. لكن اجتماع العاملين عندكما معًا قد يكون هو سبب عدم حدوث الحمل.


وقعت هذه الكلمات علي كلاهما وقع الصاعقة وخصوصا حسن الذي يوقن ما سيحل بهم من عائلته التي لن تتنازل عن زواجه من أخرى وكانت خديجة فتاة يتيمة لا أحد لها فكيف يستغني هو عنها بعد أن حارب الجميع من أجلها 

وبالفعل حدث ما كان يخافه ولكنه رفض ان يتزوج غيرها واقسم انه لن يكون لغيرها ما حيي وكان رد فعلهم غير متوقع فلقد طُرد من العائلة واستغنوا عنه واصابهم الجحود والقسوة لدرجة ان أمره والده بترك القرية وان يعتمد على نفسه ولا ينتظر منه شئ بعد اليوم، الا في حالة أن تزوج وأنجب طفلا للعائلة 


وبالفعل، قرر حسن أن يسافر بزوجته إلى القاهرة. وبينما كان يغادر بلدته، أخذ يودّع حقولَ الغربان، وسنابلَ القمح بأعناقها الملوية، وحتى حذاء الفلاح الذي يرشح بؤسًا. كان ثمة فرحٌ ما، يحاول أن يقبض عليه بعينيه، أن يلتقطه من بين الألوان والحركة، فالأحداث القبيحة التي مرّ بها كانت لها خصوصية فنية لا يجدها إلا في الأشياء الجميلة المحيطة به.


ونزح هو وزوجته خاليين الوفاض إلى القاهرة وتحولت حياته من النعيم إلى البؤس ومن السعادة إلى الشقاء وهو يعكف للبحث عن بيت للايجار وعن عمل يكفل له حياة كريمة مع زوجته وفي كلّ صباحٍ كان ينظُر إلى المرآة يقولُ لنفسه : أيّها الوَجه المُكرّر، يا وَجهي القبيح، لماذا لا تتَجدّد؟ 


ولكن في ذلك اليوم، قرر أن يعيد تشكيل وجهه من جديد؛ لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أراده هو. ودّع عينيه الذئبيتين اللتين بلا قرار، والوجه الشاحب، واللحية التي تشبه ألسنة النار.


وفي ذلك اليوم أيضًا، قرر أن يبدأ من جديد مع زوجته، وأن يضع حلمه في الإنجاب بين يدي الله سبحانه وتعالى، بعدما أدرك أن بعض الأمنيات لا تُنال بكثرة السعي إليها، وإنما تُترك للقدر حين يعجز الإنسان عن الوصول إليها.


عودة للواقع…  


عاد للواقع باسما حامدا ربه علي حاله ونعمه وجبر خاطره طوال الشهرين الماضيين بوجود جنة واستجابة دعائه ليشعر بالأبوة ولو لأيام معدودة قبل أن يقابل وجه ربه الكريم 


جذب زوجته لحضنه وقبل رأسها قائلا: 

لا تحزني يا أم جنة فإبنتنا في مكان أفضل واعدك أننا سنزورها كل يوم نطمئن عليها وسأخصص جزءا من راتبي لها صحيح لن يكفي ثمن حفاضاتها حتى ولكن كما تقولين دائما "نواة تسند الزير"


ضحكت علي المثل ولكن عندما استوعبت ما قاله عانقته بحب وامتنان شاكرة إياه فضله وشاكرة ربها أن أنعم عليها بهذا الزوج الحنون الذي لم يشقها يوما ولم يحزنها أبدا 


تحدثت بحب:

 شكرا شكرا 


الشيخ حسن: 

علي ماذا تشكريني يامن يتوجب اليك الشكر علي الصبر وتقبلك الحياة معي بهذا الوضع 


خديجة: 

هل تراني انسي تضحياتك من أجلي وترك اهلك وحياة الرفاهية والغنى من أجلي؟ 


الشيخ حسن:

 أنا لم أضحي من أجلك بل ضحيت من أجل حبيبة روحي، هل تتذكرين ما وعدتك به ليلة زفافنا؟ 


ابتسمت خجلا حين تذكرت واجابت بروحها الشابة:

ستكونين أول اهتماماتي، وبيتي الثاني، وراحتي وهدوئي... ستكونين ملجئي وحضني الثابت، حبيبتي وصديقتي، وركني البعيد الهادئ.


ستكونين مِلكي وملكتي، وإليكِ آتي كلما أثقلني العالم. ستكونين كوني وقلبي وذاتي، وجزئي المضيء حين يعتم كل شيء، وراحة بالي حين تضيق بي الحياة.


ستكونين أوقاتي وأيامي، قريبةً مني كخيالي، لا تفارقينني حتى حين لا أراكِ. ستكونين سعادتي وفصاحتي وإحساسي، حضني واحتوائي، وستكونين من أولئك الذين لا ينتهون بداخلنا إلا بانتهائنا.


ها أنا ما زلت أتذكر... فماذا عنكِ أنتِ؟

هل ما زلتِ تتذكرين وعدي لكِ؟


رد الشيخ مباشرة دون تفكير فمازالت كل ذكراياتهم حاضرة بعقله: 

وانت ستكون ظهري وضلعي وعكازي، سَتكون زهرة عمري المدللة وبُستاني، سَتكون لي روحي وقلبي وعقلي الثاني، سَتكون أهلي وأحبابي وجيراني، سَتكون بطل روايتي وكُتبي واسراري، سَتكون خزينةً تحمل ما يثبت وجودي ودليل حياتي..


سألته بتودد:

تُرى، هل تتذكر أول أيامنا سويًا؟


ابتسم الشيخ حسن ابتسامة خفيفة، وقال:

 وهل يمكنني نسيانها؟


نظرت إليه خديجة بحنين، ثم قالت:

 أريدك أن تعيدها عليّ كما اعتدت أن تفعل.


ضحك بخفة، وأجابها:

 أنا أقصها عليكِ أكثر مما نتحدث في أي حديث آخر، ومع ذلك لا تملين منها.


هزت رأسها وهي تبتسم:

 لا أمل منها، فهي ما يسلّي حزني... وهل تمل أنت؟


— لا طبعًا، يستحيل أن أمل أو أضجر.


ثم استقر في عينيه شيء من الحنين، وقال:

إذًا استمعي يا ست الحسن والجمال…


في أحد الأيام، كانت هناك رسّامة ماهرة، بعينين شاخصتين لامعتين، تقف في بيتها أمام إحدى الأراضي الزراعية، تستمد منها إلهامها، وتحاول أن تعالج ما بداخلها بما تراه حولها. كانت تمسك فرشاتها بتمكّن، وترسم أحد الفلاحين أثناء عمله.


لكنها لم تكن تعلم أن ذلك الذي تراه فلاحًا لم يكن فلاحًا في الحقيقة، بل شابًا وسيمًا هو صاحب الأرض، وكان يتعمد استغلال كل فرصة للعمل فيها، فقط ليحظى بنظرة من سيدة الحسن والجمال.


كانت غارقة في رسمتها، شاردة عن كل ما حولها، حين لاحظت أن الأذن في اللوحة جاءت ناشزة قليلًا، ولا حاجة لها بهذا الشكل. فأمسكت بالريشة... أقصد موس الحلاقة، كما كنت أصف فرشاتها كلما أردت استفزازها، وبدأت في إزالتها.


ومع مرور الأيام، اتضح لي أن الأمر اختلط عليها تمامًا؛ فلم تعد تعرف أيهما داخل اللوحة وأيهما خارجها... أهو رأسي الذي ترسمه، أم رأسي الذي يقف أمامها؟

اااه صحيح بكل مرة اندمج وانسي أن أسألك عن سبب جلوسك بذاك المكان تحديدا كل يوم  


 كنت أجلس هناك، أتأمل في صمت، يغمرني حزنٌ لم أجد له مخرجًا. بعد وفاة أهلي، حين أصبحت وحيدة، شعرت وكأن العالم نفسه قد شاخ؛ ازدحمت ملامحه بالتجاعيد، حتى وجوه لوحاتي أخذت تستسلم لذلك الوهن، وتسترخي ملامحها أمام عيني، آه يا إلهي... كنت أجلس هناك بلا حول ولا قوة، أتساءل ماذا يمكنني أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟


ثم لم أجد أمامي سوى الفرشاة... الألوان...


وفجأة كنت أستدرك نفسي، فأبدأ بضربات مستقيمة وقصيرة، حادة ورشيقة. ألواني واضحة، أولية، لا تعرف التعقيد: أصفر، أزرق، أحمر.


كنت أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها الأولى، أن أنزع عنها كل ما أثقلها من حزن وتفاصيل، وأن أستعيد العالم كما لو أنه خرج لتوّه من بيضته الكونية الأولى؛ نقيًا، طازجًا، ولم تمسسه يد التعب بعد.


ومضي الوقت وهما علي هذا الحال يتحدثان ليخرجا كل ما بجوفهما من ذكريات استطاعت بحكمتها أن تتيح له التحدث رغم انها لم تكن تريد أن تتذكر فرغم جمال ذكرياتهم ولكنها تأخذ عقلها حيث أيام الشقاء، تدرك رغبته في التحدث حتي يتناسي فراق جنة، وظل يتحدث وهي تستمع حتى غفت بين يديه كما اعتادت منذ شبابها فابتسم مقبلا جبينها ثم عدل وضعها بالفراش وتحرك ليصلي فرضه ويئم الناس بالمسجد عله يرتاح داخله بوقوفه بين يدي ربه وبالفعل ذال كل الحزن من قلبي ولكن ظل ألم الفراق سكينا يمزقه. 


______ 


يا تري ...

ما مصير كلا من جنة والشيخ حسن وكذلك زوجته؟🤔


انتهي الفصل الأول من روايتنا، آمل أن ينل إعجابكم. 


google-playkhamsatmostaqltradent