recent
جديدنا

تشخيص إنسان | 10 سندٌ بلا سند

لم تكن تريد أن يحملها أحد... كانت تريد فقط ألا تحمل كل شيء وحدها




كانت تعرف كيف تكون موجودة للجميع.

إذا مرضت صديقتها، كانت أول من يسأل عنها.

إذا احتاج أحدهم شيئًا، قالت:

"أنا أعمله."

إذا ضاق أحدهم، تركت ما في يدها وجلست تستمع.

كانت تعرف تفاصيل كثيرة عن الناس؛

من يحب ماذا، ومن يكره ماذا، ومن يحتاج إلى كلمة طيبة في نهاية يومه.

كانت تحفظ مواعيدهم، ومشكلاتهم، وأحلامهم الصغيرة.

لكنها لم تتذكر متى سألها أحد آخر مرة:

"وأنتِ؟ كيف حالك حقًا؟"

لم تكن حياتها سهلة.

كانت تركض خلف أحلامها بقدمين متعبتين، وتحاول أن تصنع لنفسها مكانًا في الحياة دون أن تجد يدًا تمتد لتساعدها في الطريق.

تدرس حينًا، وتعمل حينًا، وتتحمل مسؤوليات أكثر مما ينبغي لشخص واحد.

كلما سقط شيء من حولها، كانت هي التي تلتقطه.

وكلما حدثت مشكلة، كانت أول من يفكر في الحل.

حتى اعتادت أن تقول لنفسها:

"مفيش مشكلة... أنا هتصرف."

وكانت تتصرف فعلًا.

لكنها لم تكن بخير دائمًا.

فقط كانت جيدة جدًا في إخفاء ذلك.

كانت صديقة الجميع.

وهذه كانت المفارقة التي لم يفهمها أحد.

الجميع يعرفونها.

الجميع يتحدثون إليها.

الجميع يلجأون إليها.

لكن حين تحتاج هي إلى أحد...

تتسع المسافات فجأة.

تتأخر الردود.

تظهر المشاغل.

وتصبح المكالمة التي كانت تستغرق ساعة لسماع شكوى أحدهم، ثقيلة حين تكون هي صاحبة الشكوى.

في البداية كانت تتفهم.

ثم بدأت تتعود.

ثم بدأت تكذب على نفسها.

تقول:

"أنا أصلًا بحب أعتمد على نفسي."

"مش بحب أثقل على حد."

"كل واحد عنده ظروفه."

وكل جملة كانت تبدو منطقية بمفردها...

حتى اكتشفت ذات مساء أنها استخدمتها جميعًا لتبرير وحدتها.

في تلك الليلة، كانت مرهقة.

أنهت كل ما عليها تقريبًا

ردت على الرسائل

ساعدت من احتاجها

أنجزت مسؤولياتها

ثم جلست وحدها

أغلقت هاتفها

ساد الصمت

ذلك النوع من الصمت الذي لا يكون فيه البيت هادئًا فقط...

بل تكون فيه روحك هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الهرب منه.

فتحت التلفاز

ظهرت أمامها سيرة النبي ﷺ

لم تكن تبحث عن شيء بعينه

فقط أرادت أن تمر الساعات

لكنها، للمرة الأولى، لم تشاهد السيرة كحكاية تاريخية.

شاهدتها بعين إنسانة متعبة

رأت خديجة رضي الله عنها

رأت كيف كانت له سكنًا حين عاد إليها من غار حراء في بداية الوحي، وكيف وقفت إلى جواره في واحدة من أشد اللحظات اضطرابًا وخوفًا.

ثم رأت أبا بكر رضي الله عنه

الصاحب.

الرفيق.

الذي كان معه في طريق الهجرة، وشاركه الطريق والخوف والانتظار.

توقفت

 لم تعد تسمع ما يقوله الفيلم

ولا تتابع أحداثه

ظلت تنظر إلى الشاشة

ثم خرج السؤال منها دون ترتيب:

"حتى هو... لم يكن وحده."

وسكتت.

ثم سألت نفسها:

"فلماذا أنا؟"

ربما لم تكن تريد أن يحمل أحد حياتها بدلًا منها.

لم تكن تبحث عن منقذ.

ولم تكن تتمنى أن يتولى أحد مسؤولياتها.

كانت تريد شيئًا أبسط من ذلك بكثير.

شخصًا تستطيع أن تقول أمامه:

"أنا تعبت."

ولا تضطر بعدها إلى أن تشرح لماذا.

شخصًا لا تحتاج معه إلى أن تكون قوية طوال الوقت.

أن تمرض، فيسألها أحدهم إن كانت تحتاج شيئًا.

أن تفشل، فلا تضطر إلى إخفاء خيبتها.

أن تعود في نهاية يوم طويل، فتجد من يقول:

"تعالي... ارتاحي، أنا ههتم بالباقي."

لم تكن تريد أن تعتمد على أحد في كل شيء.

كانت فقط تريد أن تعرف كيف يكون شعور الإنسان...

حين لا يكون مضطرًا إلى الاعتماد على نفسه في كل شيء.

وهنا تبدأ الوحدة في ترك أثرها الحقيقي.

لأن الوحدة ليست دائمًا أن تعيش في بيت فارغ.

قد تكون وسط عشرات الأشخاص، ولديك قائمة طويلة من الأصدقاء، ومع ذلك تشعر أنك لا تملك شخصًا واحدًا تستطيع أن تذهب إليه حين تنكسر.

هناك فرق بين أن تكون وحيدًا...

وأن تكون بلا سند.

والإنسان بطبيعته يحتاج إلى الانتماء والعلاقات الآمنة.

نحتاج إلى من يسمعنا، ويطمئننا، ويشاركنا أفراحنا، ويقف معنا في لحظات الضعف.

وحين تطول الوحدة، قد لا تبقى مجرد شعور عابر.

قد تتحول إلى إرهاق نفسي مستمر، وحزن، وقلق، وانسحاب من الآخرين، وتدني في الدافعية، وشعور مؤلم بأن وجودنا لا يهم أحدًا.

والأخطر من كل ذلك...

أن الإنسان قد يبدأ في التكيف معها بطريقة مؤذية.

يتوقف عن الطلب.

يتوقف عن الشكوى.

يتوقف عن محاولة الاقتراب.

ثم يقنع نفسه بأنه لا يحتاج أحدًا.

مع أن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا:

هو لا يريد أن يكون وحده...

هو فقط تعب من أن يحتاج، ولا يجد.

كانت المشكلة أنها أصبحت "الشخص القوي" في حياة الجميع.

والناس أحيانًا يخطئون في حق الأقوياء دون أن يقصدوا.

يفترضون أنهم لا يحتاجون.

أنهم سيتدبرون أمرهم.

أنهم دائمًا بخير.

أنهم قادرون على الاحتمال.

فتصبح القوة التي أظهرتها لحمايتهم...

سببًا في ألا يسألوا عنها.

ولهذا، ليس كل شخص يبدو مستقلًا لا يحتاج إلى أحد.

بعض الناس أصبحوا مستقلين جدًا...

لأنهم لم يجدوا من يستطيعون الاعتماد عليه.

أعادت تشغيل المشهد مرة أخرى.

هذه المرة لم تفكر في نفسها.

فكرت في معنى الصحبة.

النبي ﷺ لم يكن ضعيفًا لأن حوله من يسانده.

ولم تنتقص عظمة أبي بكر رضي الله عنه من عظمة صاحبه لأنه كان إلى جواره.

ولم تكن خديجة رضي الله عنها مجرد شخصية في قصة؛ كان وجودها في حياة النبي ﷺ سندًا حقيقيًا في واحدة من أصعب مراحل حياته.

فهمت شيئًا بسيطًا...

لكنه كان غائبًا عنها طوال سنوات:

أن الاحتياج لا يناقض القوة.

وأن وجود شخص يسندك لا يعني أنك عاجز.

وأن الإنسان يستطيع أن يكون قويًا جدًا...

.وفي الوقت نفسه يحتاج إلى كتف.


تشخيص إنسان | 10 سندٌ بلا سند
اوتار الحياة

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • غير معرف15 سبتمبر 2026 في 10:44 م

    جميل جدا ❤️❤️❤️

    حذف التعليق
    • غير معرف15 سبتمبر 2026 في 10:45 م

      أبدعتي كالعاده ❤️❤️❤️👏

      حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradent