رواية لم أكن انتويه حبا فأصبح بالحلال عشقا
بقلم أمل محمد الكاشف
وبعد مرور أيام قليلة على عودة ألينا للقصر لأجل حالة خالها الصحية، لامس الجميع تحسن حالة أحمد كورهان الصحية حتى اصبح لا يقبل الطعام او الدواء إلا من يدها فرغم عجزه وقلة حيلته إلا أنه استطاع حمايتها و ابقائها بجانبه بهذه الطريقة.
خرجت من غرفة خالها واغلقت الباب وهي توجه قبلتها نحو غرفتها بلحظة ضعف للمشاعر قادها عقلها والقلب نحوها.
توقفت بأعينها المحدقة كالذي رأى جنيا من العالم السفلي، غيرت طريقها و بسرعة خرجت للشرفة وهي تقترب من المقاعد الخشبية لتجلس عليها و يديها لازالت تمسح دموعها الساكنة بأعينها
فكيف ستتحمل وجودها معه بنفس المكان تحت سقف منزل واحد لا يفرقهما سوى الجدران، كيف ستتحمل نظراته الغاضبة الكارهة لها، كيف ستتحمل أن يكونا كالأغراب بهذا القرب.
خرج أدهم ليتفاجأ بجلوسها بعيدا وحيدة ، جاءه شعور متضارب جزء منه يريد أن يذهب ليتداوى بقربها و الجزء الاخر يريد أن يصرخ عليها و يوبخها بحق و بدون حق كما يفعل بها منذ ان اعادها للقصر بالإجبار.
هذا التضارب الذي مزق داخله من الشوق والحب أما خارجه لازال غاضباً ناقماً لا يتحمل وجودها و لا رؤيتها.
و بينما هو شارد بنظراته الثاقبة الغاضبة نحوها سمع صوت يأتيه من الخلف " أدهم"
استدار ليبتسم بحزن:
" ظافر متى أتيت أهلا بك "
اقتربت نيجار قائلة :
"جيهان هانم هي من استقبلت الضيف و أمرتني أن اصطحبه لغرفة المكتب لاعتقادها أنك هناك"
أنهى سلامه على صديقه مرحباً و مشيراً عليه أن يتحرك بجانبه ، ثم نظر لنيجار قائلا " سنؤجل قهوتنا حتى يأتي ضيفنا لم يتبقى الكثير على وصوله"
لم تذهب نيجار للمطبخ فحين علا صوت رنين جرس الباب اسرعت لتفتح من جديد.
تحدث ظافر لصديقه قائلا
" كيف أصبحت الان ؟، هل تحدثتما؟ "
وبغضب كبير رد عليه " لا يوجد حديث و ما شابه لا تنتظر مني أي خطوة انتهى حتى وإن أرادت هي ، هذه الصفحة قطعت و مزقت و لن اعود لأنظر خلفها من جديد"
حزن ظافر على ما سمعه من صديقه ، جاءت نيجار اليهم وهي تقول:
" أدهم بيه لقد وصل الضيف "
ثم تنحت قليلاً و هي تنظر خلفها لتفسح الطريق له
قاما للترحيب بصديقهم الذي تقدم ادهم لاستقباله بالأحضان وهو يقول
" و أخيراً رأيناك ، كيف حالك اشتقنا إليك "
رد الضيف
" الشكر لله كله بأفضل حال، وأنت كيف حالك يا أخي"
تقدم ظافر بوجهه الفرح و ذراعيه المفتوحين محتضنا إياه هو أيضا
" أشتقنا إليك"
ابتسم
" وانا اشتقت إليكم ولإسطنبول"
علا صوت أدهم
" دكتور هاكان اهلا بك، انا لا اصدق رؤيتي لك مرت سنوات طويلة ظننت انك لن تعود إلى تركيا مرة اخرى"
بدء ظافر بالكلام قائلا
" والله يا أخي قلنا أمريكا اخذتك منا "
تحرك أدهم وهو يقول
" تفضلوا "
جلس أولا ليجلسا هما على جانبيه ، نظر دكتور هاكان لأرجاء القصر ملتقط نفساً طويلاً قائلا:
" كل شيء بمكانه كما لو كان بالأمس ، حتى يمكنني أن استعيد ايام الطفولة والركض هنا وهناك بالقصر"
صمت قليلا لينظر لأدهم قائلا بصوت منخفض:
" صدمني الخبر حقاً كانت صدمه كبيرة لي ولابي فالعم أحمد كان بصحة جيدة في آخر زيارة لنا قبل عودته إليكم"
حرك أدهم يده ليضعها بحزن على يد الأريكة بجانبه قائلا:
" هذا ما نقول عنه القدر، فلا أحد منا يستطيع معرفة ما يحمل لنا بطياته"
دخلت عمته عليهم وهي تضحك بصوت عالي مرحبه بضيفهم:
" اهلا بصديق الغربة، اعتقد انك اشتقت إليّ فجئت لرؤيتي"
ضحك الجميع ليرد هاكان عليها :
" بالطبع فهل من رأيك يمكنني الاستغناء بهذه السهولة"
نظرت أويا لظافر مرحبة به ثم عادت لتحدث هاكان
" أين العم سالم هل جاء معك"
رد وهو ينظر لأدهم قائلا
" أبي لم يأتي، مع الاسف اراد كثيراً ولكنه لن يتحمل رؤية صديق عمره بهذا الحال، حتى أن حالته ساءت كثيراً من بعد علمنا ما حدث"
و بأسف و حزن ردت
" نعم وضع اخي احزننا وفاجئنا جميعا"
جاءت نيجار إليهم وهي تحمل قهوة للجميع اقتربت و بدأت بتقديمها لهم.
بهذا الوقت ودون أن تدرك لوضع الضيف دخلت ألينا من نافذة الشرفة الكبيرة لتنصدم بوجودهم بشكل جماعي به.
أكملت سيرها جهة المطبخ دون أن تنظر نحوهم، نادت عليها أويا ولكنها لم تسمعها بسبب اجهادها النفسي الذي يظهر على وجهها وسرعتها بسيرها كي لا تصطدم بأدهم.
نادتها مرة اخرى بصوت أعلى لتقف وتستدير ناظره نحوها بصمت و حزن، ليست هي فقط من كانت تنظر بحزن فعيونه ابت أن تسقط عنها رغم انها كانت ممزوجة بالحزن و الغضب و الكره والشوق بجانب علامات الاستفهام المظلمة التي تلاحقها بكل مكان تذهب إليه.
تحدثت أويا لتقول :
" اقتربي لأعرفك على ابن صديق العائلة"
ثم قامت متجهة نحوها لتسحبها و تجلسها بجانبها، تغيرت ملامح وجه دكتور هاكان بل وتغيرت نظراته التي طالت كثيراً على ألينا
وهذا ما جعل أدهم يحرك راسه نحوه تارة متفاجئ بحالته ثم يعود لينظر لألينا التي كادت أن تكون بعالم أخر غير عالمهم تسمعهم و تنظر لهم كأنهم غير مرئيين لها.
نظر أدهم لظافر بغضب مما يحدث، خيم الصمت على الوسط للحظات.
تحرك ظافر على مقعده لينقذ الوضع و يبدأ بالحديث قائلا:
" اقدم لكِ صديقنا الهارب دكتور هاكان ، وأخيرا امسكنا به في اسطنبول"
و على غير المنتظر وقف الضيف ليتحرك نحوها باندهاشه ونظراته الطويلة التي لم تسقط عنها ، ازداد الامر سوءاً و ترقب من جهة ظافر و أويا فوضع أدهم أصبح لا يبشر بخير.
( فبرغم انهما تطلقا الا انه لازال يغير عليها من انفاسه ولكنه لا يستطيع فعل شئ فهي أصبحت لا تخصه اصبحت غريبه عنه)
اقترب الضيف منها أكثر ليبدأ حديثه رافعاً اصبع السبابة بوجهها:
" ألينا أبنة العمة مريم نعم أنتِ، والله عقلي لم يستوعب المفاجأة حتى الان"
رفعت نظرها نحوه باستغراب وهي تومأ رأسها قائلة:
" نعم انا ، هل تعارفنا من قبل "
ضحك د. هاكان بفرح قائلا:
" أنتِ محقة لقد مر وقت طويل على آخر لقاء بيننا"
ردت أويا باستغراب قائلة:
" هل تعارفتما من قبل "
و بسعادة اغضبت قلب أدهم المكلوم رد هاكان قائلا:
" لا أحد يذهب لازروم دون أن يتعرف على العمة مريم وابنتها الجميلة "
نظر نحو ألينا مكملاً:
" الا تتذكرين العروسة البيضاء وذلك الشاب الوسيم الذي اجرى عملية صغيرة لإصلاح يدها و جانب رقبتها"
وترقبها وهو فرح منتظر تذكرها له ، لم يتحمل أكثر من هذا وقف أدهم و تحرك مقترباً منهم ينظر بقوه نحو هاكان
أصبح الوسط متوتر وقف ظافر مقترباً هو من ادهم محذرة بأعينه محاولاً أن يكون سفينة إنقاذ سريعة لأي ردة فعل عكسية غير مدروسة تصدر من صديقه
ابتسمت بصعوبة و حزن كبير قائلة:
" نعم تذكرت، هل كنت انت؟ "
تحرك بمكانه من شدة فرحته مجيبها:
" نعم أنا، و ها قد أصبحت كما دعوتي لي بذلك اليوم ، هل تتذكرين تلك الدعوة "
صمتت ليكمل و هو رافع ذراعيه قليلاً بجانبه ليعرف عن نفسه:
" أمامك الدكتور هاكان طبيب متخصص بالجراحة الدقيقة، اصبح بامكاني ان أجري و أصلح ما تأمرين به"
ثم نظر للجميع وهو مبتسم ليقول:
" لا انسى نظراتها لي و فرحتها التي كانت تملأ عيونها بهذا اليوم فقط لأنني اصلحت لها عروستها، حتى انها دعت لي يومها بهذه الفرحة أن اصبح طبيباً لأداوي جروح المرضى "
نظرت أويا لألينا واضعة يدها على كتفها بحزن قائلة:
" هي كالملائكة بقلبها الكبير وحبها الخير للجميع "
نظر ظافر لهم و قال:
" هيا لنكمل قهوتنا"
تحرك الجميع للجلوس إلا هو ظل على فرحته و نظراته، اقترب منه ظافر و وضع يده على كتفه ثم اشار له نحو الاريكة مكررا:
" هيا لنكمل قهوتنا"
تحركت لتذهب لخالها دون ان تكمل خطواتها حين اوقفها د. هاكان قائلا:
" إلى أين؟، اجلسي أنتِ ايضا معنا"
نظرت نحوه ثم نظرت لأدهم الذي كان ينظر لها بضيق كبير ما لبث إلا أن تحول لنظرات عتاب متبادلة.
تدخل ظافر و طلب منها أن تجلس معهم ان لم يكن لديها عمل معتقداً أنها سترفض كعادتها متحججة بخالها..
تحرك أدهم وهو جالس بمكانه قائلا لاويا بمحاولة منه أن يذكرها بأبيه:
" تذكرت الدواء هل أخذ أبي دواءه بمعاده "
ردت اويا عليه:
" لا تقلق لقد جئت من عنده قبل مجيئي إليكم، ألينا اهتمت بكل التفاصيل لقد اطعمته واعطته الدواء و الان هو ينام بكل راحة"
رد هاكان على أويا وهو ينظر لألينا قائلا :
" هذا ما يحدث عندما يهتم بك قلب ملاك كألينا "
استنفذ أدهم كل قدرته الاحتمالية أمام نظرات ومدح هاكان بها أمامه فلازالت المشاعر المتخبطة تعصف داخله حتى اصبح لا يستطيع مجابهتها حين تتبدل بين عشقه، وحزنه ، وكرهه ، وغضبه على ما فقده ليصبح داخله يفور من غليانه كالبركان الثائر.
لاحظت عمته غيرته على من صرخ و غضب عليها لعدة أيام متتالية
ابتسمت بخبث وهي تنظر لألينا قائلة:
" لا يمكنك التحجج والهروب حتى زينب لم تعد من مدرستها، بعد، هيا اجلسي بجواري"
تحركت بصمتها و حزنها لتجلس بجانب أويا مجبرة بعد أن حاصروها، لتأتي ردة فعل هاكان الغير متوقعة والصادمة للجميع حين تحدث قائلا:
" فلتجلس بجانبي، هيا عليكِ أن تحكي لي ماذا تفعلين هنا و باي جامعة تدرسين "
ثم نظر لهم بحماس وقال:
" أتذكر أنها أخبرتني بحلمها التي شبهته بأشعة الشمس التي تشرق كل صباح مناديه باسمها وتقول لها ادرسي كثيراً حتى تستطيعين تحقيق حلمك"
ابتسم وجه ظافر متسائلا:
" هل كانت طفلة صغيرة لهذه الدرجة "
نظر هاكان نحوها بأعين ساحرة جعلت ظافر يندم على سؤاله ، وبحزن و ضيق نظر أدهم لهاكان و هو يستمع لغزله بها:
" كانت بالرابعة عشر على الأغلب ليست بكبيرة ولا صغيرة و لكنها كانت مميزة بحسها و كلماتها التي أشبهت الشعر"
علقت اعين الجميع على من كانت مخفضة اعينها الحزينة شاردة تتذكر احتضانه لها بالشرفة وهما ينظران للشمس مستمتعة بصوته الذي بجانب اذنيها وهو ينشد لها شعره صباح الخير يا شمسي الجميلة
أحمر وجهها و امتلأت أعينها حزناً على ما أنتهى ، أرادت ان تخفي حزنها عنهم ولكن لم تستطع فأصبحت جسد بدون روح بعدما تركت روحها بقاعة المحكمة، بل أصبحت بلا روح عندما كانت شاهدة على كسر قلبه بيدها.
نظر هاكان لأدهم فرحاً
" هل تعلم أن هذه أجمل مفاجأة لي "
ابتسم ابتسامة ضعيفة غير مكتملة تابعتها اهتزاز بالرأس و ابتلاع للريق و استنشاق للهواء محاولا التماسك ليرد عليه بهدوء.
لم ينتظر منه هاكان الرد فهو من شدة حماسه لم ينتبه على حالة أدهم، عاد لينظر نحوها قائلا:
" هيا اخبريني باي جامعة التحقتي هل تدرسين بإسطنبول أم أنكِ جئتي لزيارة العم أحمد مثلي"
ردت عليه بصوتها الضعيف:
" فزت بالجامعة مؤخرا ولكني…
رن هاتف أدهم تحرك وهو ينظر نحوه مستأذناً منهم كي يرد عليه.
ومع قيامه وهو يفتح هاتفه قائلا للمتصل:
" اعتذر تأخرت على إرسال الملفات لا تؤاخذني ".
لم يكمل أخر كلمة حتى استدار ونظر باستغراب للضيف الذي من قام خلفه مقترباً من ألينا ليجلس بالقرب منها.
اتسعت عينه حتى نسي أمر من يحدثه على الهاتف، بدأ هاكان حديثه لها وهو يحاول اخفاض رأسه لينظر لأعينها الحزينة قائلا لها:
" ما بكِ؟ ، لما أنتِ بهذه الحالة ؟ "
عاد أدهم ليرد على هاتفه بعينه التي علقت عليهم من بعيد لم يستطع العودة لمكانه ولا الذهاب للمكتب كي يرسل الملفات، فقط يتحدث وهو يتحرك يمينا وشمالا يرفع نبرة صوته لأعلى حتى استغرب الجميع من حالته.
و بينما كان يتحدث بهذا الصوت المرتفع يدور بالمكان ينظر لهاكان نظرات خاطفة محاولا فهم ما يفعل و ما يقوله بصوته المنخفض
حدثها هاكان:
" علمت بما حدث معك بالفترة الاخيرة بسلامة رأسك، أعتذر منكِ لم أستطع مرافقة ابي فلقد صادف هذا الوقت قيامي ببحث مهم في صلب تخصصي بالجراحة"
ردت بصوتها المنخفض الحزين :
" لا عليك جاء العم سالم ، يسلم كثيرا لم يتأخر عنا هو وخالي أحمد "
رد هاكان:
" هل تعلمين أننا بالمنزل لا ينتهي حديثنا عن العمة مريم وابنتها صاحبة القلب الحنون فحتى وإن اختلفت طرقنا و ابتعدنا كثيراً فمكانة العمة مريم كبيرة لدينا جميعا "
بذلك الوقت سمعا من بعيد صوت سعال عالي متكرر نظر الجميع نحو أدهم الذي تعثر بكلماته و اصبح يسعل ليستطيع أن يكمل حديثه.
سألته عمته " أدهم هل أنت بخير "
رفع يده ليجيبها بها و هو يومأ برأسه و يكمل حديثه على الهاتف:
" اتفقنا إذا غدا سأرسل لك الأوراق المطلوبة ونتحدث بعدها بشكل مفصل شكرا لك "
أنهى حديثه و أغلق هاتفه ثم بدأ يتحرك ليعود ليجلس معهم مجدداً.
نظر هاكان للجميع قائلا بوجهه المبتسم:
" حقا أنها مفاجأة العام يعني فرحت كثيرا لرؤيتك"
صدر صوت " آآآه... "
قفزت ألينا من مكانها وهي تمد يدها ممسكة بيده قائلة : " ماذا حدث "
سحب يده من يدها و وضعها على رجله التي صدمت بحافة الطاولة بقوة غضبه عند عودته للجلوس معهم
نظرت اويا لها مبتسمه ثم نظرت لأدهم الذى لازال عينه بعينها القريبة منه، انزلت يدها بخجل معتذرة :
" توقعت سقوطك، اعني خشيت أن تسقط لهذا، لهذا أسرعت بمد يدي، يعني مددتها لأجل ألا تسقط"
غرقت أعينه شوقاً لأيامهم الجميلة فهذه الكلمات المتقطعة الخجلة ذكرته بحالتها و هي بالقرب منه يضع يده على شفتيها ليصمتها و يعلمها أنه فهم عليها و لا داعي لكل هذا الخجل.
صمتت هي ايضا عندما تذكرت ما تذكر هو وكأنهما بقلب و عقل واحد استعاد تلك اللحظات ليضعها امامهم
عندما يتحرك القلب بدون أذن من العقل وعندما يسيطر الحب والخوف على العقل تحدث أمور لا اراديه لا نتوقعها
تحركت اويا بوجهها الذي لازال مبتسماً تغمز لظافر قائلة لأدهم " هل أنت بخير؟"
اومأ رأسه بتمرد و صوت منخفض:
" لا شيء مهم "
و تحرك مبتعداً عنها ليجلس بمكانه ، سحبتها اويا من يدها واجلستها بجانبها من جديد فأن كانت تركتها لبقيت على حالتها الحزينة الصامتة لأيام دون حركة ....
حالة من الصمت تسود المكان هاكان ينظر نحو ألينا وادهم باستغراب بعد ان رأى ما حدث بينهما
بدأ ظافر حديثه وهو ينظر لهاكان قائلا
" هل صحيح ما سمعته انك جئت هنا لمناقشة موضوع بحث قسم جديد بالجراحة الدقيقة "
رد هاكان بحماس
" نعم لقد قدمت طلب للجامعة بأمريكا أن أشارك البحث هنا بجامعات بلدي كي تعم الاستفادة و الخير وتم التواصل بينهم وبعد الغد بمشيئة الله سنناقش البحث و نطرحه للبدء باستخدامه هنا بطب الجراحة "
تدخل أدهم قائلا
" عظيم، ما فعلته يعني بعد هذا الوقت الطويل رجعت بنجاحك لبلدك سلمت نحن فخورين بك "
ضحك هاكان وقال
" شكرا أخي هذا لا شيء مقابل نجاحاتك بالشركة لقد أبهرت الجميع بوقت قصير واثبت نفسك في دنيا رجال الأعمال رغم أننا علمنا أن هناك أمرأة خلف هذا النجاح"
تشابكت العيون من جديد وهي تنظر لأدهم بشرود تتذكر نزهتهم و فرحتهم و اختيارها طقمه الذي سيذهب به للعمل بهذا اليوم عندما طلب منه والده أن يذهب لاجتماع هام عوضاً عنه ، تذكرت كلماته لها انها هي افضل اختيار اختاره قلبه، تذكرت نظراته لها و فرحته بها و هو يقول هل كان عشقي سبب نجاحي
وضعت يدها بجانبها على الأريكة ممسكة بها بشدة مغمضة عينيها حزناً و تألماً.
من جديد تدخلت أويا لتنقذ الوضع قائلة
" أريد أن أعرف أكثر عن تلك الجراحات الدقيقة التي لم تكن متوفرة داخل بلدنا و أنت تسعى الان لتطبيقها والعمل عليها يعني ما الجديد الذي سيضيفه بحثك لنا "
و قبل أن يبدأ د. هاكان بشرحه تحركت هي لتقف مستأذنه منهم
" بالاذن منكم سأرتاح قليلاً"
لم تكمل أخر كلماتها حتى تفاجأت بدكتور هاكان يقف و يمسكها من ذراعها قائلا
" ابقي قليلا "
دارت رأسها من صدمتها وسرعة حركتها كي تنظر لموضع يده على ذراعها التي سحبتها سريعاً مبتعدة عنه ، وقفت أويا لتمسك بها بعد ان رأت شحوب وجهها و دوران رأسها الذي ظهر بذوبان أعينها لتسألها
" هل انتِ بخير؟"
ردت بصوت خالي من أي طاقة
" بخير لا تقلقي ولكني مجهدة قليلا سأذهب لغرفتي لارتاح"
تحدث هاكان بقلق
" هل أنتِ متأكدة انكِ بخير هل نقيس ضغطك او نأخذكِ للمشفى"
رفضت وهي تمسك رأسها
" نعم لا يوجد شيء سأنام قليلا لارتاح هذا كل ما في الامر"
هز هاكان رأسه
" تمام ارتاحي انتِ الان ولكن سيبقى للحديث بقية "
لم ترد عليه تحركت لتذهب لغرفتها أمام تعلق نظراتهم عليها ترقباً لسقوطها ، الا هو كانت نظراته مختلفة تتقطع لها القلوب فهو العاشق المجنون ينظر لها بخوف ثم ينظر لليد التي أمسكتها دون حق بغضب وقلة حيلة
فلا يحق له أي يعترض على ما فعله صديقه فهم اغراب الان
نظر هاكان لهم و استكمل حديثه قائلا
" وانا ايضا استأذن منكم سآتي مجددا لأرى العم أحمد لا يوجد نصيب اليوم نوم العافية له"
رد أدهم عليه
" طبعا سننتظر قدومك مجدداً سيفرح أبي لرؤيتك كثيرا"
تحرك هاكان نحو الباب بخطوات مسرعة قليلاً لا تفهم سببها حتى سمعوه يقول لها
" لي نصيب ان ألتقي بك قبل ذهابي ، ولكن كما قلت لنا حديث أخر مع بعضنا "
واقترب ليودعها وداع من لا يحب الوداع قائلا:
"اعتني بنفسك جيداً، نحن لا نستطيع الاستغناء عنكِ "
و بتوتر و خجل و باعين اذرفت منها دموعها ناظره لعيونه المتسعة الغاضبة مسرعة نحو غرفة زينب مغلقة الباب خلفها كي لا يروا دموعها التي تذرف ألماً و حزناً منها ولا تستطيع السيطرة عليها
استغرب هاكان لردة فعلها و دموعها نظر لأويا و سألها
" هل حقاً هي بخير"
رد عليه ظافر هذه المرة قائلا
" انت تعلم الجميع اعصابه متعبة يعني الوضع الصحي للعم أحمد"
قاطعه هاكان قائلا
" نعم انت محق كانت صدمة للجميع كان الله في عونكم"
رد عليه أدهم
" سلمت يا اخي"
و تحرك الجميع نحو باب القصر لتوديع هاكان الذي توقف من جديد ليفاجئهم بنظراته لأدهم قائلا
" اعتذر منك اخذنا شوقنا و احاديثنا و لم اسأل عن زوجتك "
انصدم أدهم و ظافر حتى اويا مما قاله حتى انهم لم يستطيعوا الرد عليه
ليستكمل هاكان قائلا
" لندعها للمرة المقبلة يثير فضولي التعرف على من غير حياتك، وايضا كانت مفاجأة كبيرة لي من هذه التي استطاعت ان تدخل أدهم الكبير هذا القفص"
وضحك مكملاً
" لابد انها استحقت هذا"
تدخل ظافر لينقذ ما لا ينقذ قائلا
" انا ايضا سأخرج معك لنتحدث بالطريق ونزيل الشوق "
ووضع يده على كتفه وسحبه للخارج
بقي أدهم صامتاً بأعين حزينة غاضبة اقتربت عمته له و وضعت يدها على كتفه بحنان تحركها عليه واضعة رأسها على كتفه الاخر قائلة:
" سيزول اؤمن انه سيزول، عليك أن تصبر"
بمنزل كمال كانت نارين بالمطبخ تشرب من كأس الماء بعفويتها المعتادة دون أن تنتبه لمن خلفها وكيف ستنتبه له و هو غارق بالنظر لها و بعفويتها التي آسرته دون سابق إنذار
ارتبكت و وقف الماء بحلقها عندما اكتشفت وجوده خلفها، عادت لحدتها وصوتها القوي
" لماذا تنظر هكذا، ماذا تريد"
استغرب من تغيرها السريع و غضبها عليه ليقول : " لا شيء"
ردت نارين بنفس حالتها :
" فلماذا تنظر هكذا إذا"
ابتلع ريقه :
" كيف انظر "
ردت بعصبية مع تحريك رأسها
" هكذا هكذا"
ووضعت الكأس وخرجت وهي غاضبة
تحدث كمال لنفسه:
" ما هذا الان ، هل هي مجنونة، ما هذا الابتلاء يا ربي "
بالقصر و بغرفة زينب تحديداً نامت ألينا على الفراش و عيونها لم تكف عن البكاء واضعة يدها على فمها كي لا تشعر أحداً بها
و كيف لا يشعر بها و هو يذوب خوفا عليها ، تحرك وجلس على الأريكة بحزن أكبر حين تذكرها عندما اصطدم بالطاولة وفزعت هي ممسكة بيده خوفاً عليه
بهذه اللحظة أبتسمت عيناه وهو يلامس موضع يدها بطرف أصبعه لم يلبث طويلاً حتى عاد لغضبه حين تذكر هاكان ونظراته و قربه منها حرك رأسه بغضبه
" هذا ما كان ينقصنا نعم هذا ماكان ينقصنا"
في الصباح و بغرفه أحمد كانت جالسة بجانب فراشه تطعمه مبتسمة تحدثه عن الماضي الجميل وكعادته الجديدة كان أدهم يشاهدها من خلف الباب بصمت وحذر من ان يكتشف أمره
تعجب من حديثها لخالها و هي تقول له:
" يجب عليك أن تتمسك بالحياة من أجلنا من أجل سيدرا وأدهم جميعنا بحاجة لك"
و اخذت نفساً عميقاً أكملت بعده:
" أدهم ، أعني أدهم أكثر شخص بحاجة..."
صمتت مرة أخرى ليتحرك هو مقترباً بحرص و فضول كي يستمع لما ستقول عنه.
جاءته السيدة مليكة من الخلف واضعه يدها على كتفه قائلة بصوت يكاد ان يسمع
" بني "
نظر لها مرتبكا وقال بصوت مسموع
" جئت لأطمئن على أبي" .
مد يده وفتح الباب اكثر ودخلا بجانب بعضهما ، وقفت ألينا وهي ممسكة بصينية الطعام قائلة:
" انتهينا"
نظر لها باستغراب محرك رأسه ليسألها دون أن يتحدث وكأنه يقول لها
"ما الذي انتهى؟"
ببعض الاوقات نشعر ببعضنا و نفهم على أنفسنا دون صوت، تكفينا بعض الاشارات بعينك او تعابير وجهك لافهم ما تريد و ما يؤلمك و ما يجول بقلبك
نظرت للطعام بيدها وقالت
" لقد انهى الطعام الحمد لله "
ابتسمت مليكة
" الحمد لله"
تحركت بهدوء لتخرج من الغرفة كي لا تضغط عليه او تزعجه أكثر من هذا.
اقترب من أبيه فور خروجها ليقول بوجه مبتسم " سيعود ابي الأسد سيفعلها ويعود لنا أقوى من قبل"
رن الهاتف نظرت مليكة لهاتف أدهم، ليستغرب هو فالصوت ليس عائداً لهاتفه ، حركا راسهم نحو هاتف أخر يرن بجوار فراش أحمد.
أمسكت مليكة الهاتف وقالت:
" لقد نسيته خلفها"
نظر ادهم لشاشة الهاتف محاولاً معرفة من المتصل ولكنه لم يتوفق بهذا.
شعرت مليكة بما يدور بداخله قائلة:
" أنه رقم غريب بدون اسم "
صمتت باستغراب لتكمل بعدها
" غريب من سيتصل بها بهذا الوقت؟، هل ممكن ان يكون مهم"
عادت ألينا لغرفة أحمد لتتحدث مع مليكة دون أن تدخل قائلة :
" لقد نسيت هاتفي هنا، وجئت لآخذه"
رفعت مليكة يدها قائلة
" نعم لقد رن قبل قليل و كنت ذاهبة لأعطيكِ أياه "
تقدمت خطوات قليلة للداخل لتأخذ هاتفها وتنظر له باستغراب فهي أيضا تعجبت من رنينه بهذا الوقت...
حاول ان لا يظهر اهتمامه بها، يقف على طرف الفراش أمام أبيه وهو يثبت نظره عليه ، وصل لاذنه صوتها وهي تقول:
" انه غير مسجل "
ردت مليكة عليها وقالت :
"من الممكن ان يكون مهم من مدرسة زينب أو ما شابه"
أرادت الرد بقول
" أنهم بالعادة يتصلون بأدهم" ولكنها صمتت دون أن تتجرأ على قولها
رن هاتفها من جديد تحركت قليلا وهي تفتحه و تضعه على اذنها لتجيب اتاها صوت المتصل قائلا: " صباح الخير كيف حالك"
ردت
" الشكر لله بخير ولكن من معي اعتذر الصوت غريب علي"
تحرك أدهم وهو ينظر لها يراقب وضعها و ردودها ، تحركت مليكة نحوه قائلة بصوت منخفض
" لأنظر للطعام وأعود مجددا"
هز ادهم راسه و هو لا زال يترقب مكالمتها الغريبة ، خرجت مليكة من الغرفة.
لتتسع أعينه حين بدأ يتعرف على هوية المتصل حين ردت هي عليه
" أصبحت بخير كان إجهاد بسيط وذهب مع الراحة"
رد هاكان عليها
" قلقت عليكِ بعد ليلة أمس ، أردت الاطمئنان بنفسي "
نظرت لأدهم وهي ترد عليه
" شكرا لك حقا انا الان في حال أفضل "
استكملت مكالمتها الهاتفية قائلة
" ولكن من أين أتيت برقمي"
ضحك هاكان وهو يرد عليها
" اعتقد ان رقم هاتفك ليس بسر حربي "
ابتسمت ليغلي قلب من بجانبها وهو يستمع لها تقول: " استغفر الله ،انأ لا اقصد هذا"
استأذن منها قائلا:
" اعتذر منكِ لا اريد ان اغلق ولكن يجب علي أن انضم الان لاجتماع الأطباء ، اعدكِ بإعادة الاتصال مجدداً عند انتهائي منه"
ردت بسرعة
" لا مشكلة سهل الله عملك ليكن خير لك أن شاء الله "
أنزلت يدها و اغلقت الهاتف ثم استدارت براسها للخلف قليلا ناظره لأدهم الذي كان ينظر لها باستغراب وعيونه مليئة بالأسئلة
و بحزن خيم عليها من جديد رفعت يدها الممسكة بالهاتف للأعلى قليلا قائلة :
" د. هاكان ، اراد ان يطمئن علي "
زاد غضبه ليرد دون تفكير:
" ولماذا تفسرين لي هل طلبت منكِ توضيح"
تحرك بجانب فراش أبيه مرة اخرى وعينه تبحث عن جهاز الضغط ليبدأ بأخذ النسب الصباحية لأبيه.
كان منفعلا و غاضباً لدرجة أنه لم يراه و هو أمامه ، اقتربت و أخذته من أعلى منظم الادراج الذي بجوار فراش خالها لتعطيه له دون أن تنظر له.
امسكه وبدأ يقيس الضغط لوالده وهو يقول لها بنبرة الامر
" كان يجب عليكِ ان تفعلي هذا قبل أن تطعميه فطوره، ولكن من الواضح أنكِ أصبحتي غير متفرغة"
نظر للقياس وقال
" الشكر لله ليكن هكذا دائما "
امسك الدفتر ليسجل فيه القياس ليجدها قد سجلت النسب الصباحية قبل تناوله فطوره.
نظر لها بضيق عكس نظراتها التي اغدقته بعين الحسرة و الشفقة و الحزن وهي تقول لنفسها
" انا فعلت بك هذا "
ثم خرجت من الغرفة بصمتها.
وضع الدفتر جانباً وجلس بجانب الفراش و هو يمد يده ليضعها على يد والده ومن ثم وضع رأسه عليها قائلا بحزن كبير:
" سامحني يا أبي سامحني على الاقل انت كن معي داخلي بركان لن ينطفئ كلما أردت أن اطفأه يشتعل اكثر بمجرد وقوع عيني عليها لا أعرف ماذا أفعل غير الغضب و الصراخ و الضيق"
دمعت عين أحمد الذي ليس بيده شيء أخر يعبر به عن حزنه سوى هذه الدموع الحزينة فهو الشاهد الوحيد على ظلمهم.
ذهبت ألينا للمطبخ لتساعد مليكة بأعداد الطعام ، دخلت اويا عليهم وهي مبتسمه قائلة
" ما هذه الروائح الشهية"
ابتسمت ألينا وقالت
" كالعادة اختي مليكة وطعامها المميز"
تحركت أويا لتأخذ كأس لتشرب الماء، بهذا الوقت أتى أدهم هو أيضا للمطبخ كي يعطي لمليكة التعليمات الجديدة التي اوصى بها الدكتور.
اخدتها ونظرت لها قائلة
" تمام يا ابني "
رد عليها
" لقد سجلتها كاملة حتى لا يكون مجال للخطأ تعرفين الوضع حساس دعينا أن نكون أكثر حرصاً بالنسب"
هزت مليكة رأسها وقالت :
" لا عليك يا بني سأنتبه"
نظرت أويا لألينا التي كانت تنظر للأرض وقالت:
" هل اتصل بكِ هاكان، لقد اخذ رقمك مني بالصباح فكان قلق عليك و اراد الاطمئنان بنفسه "
كانت اويا تنظر نحو أدهم وهي تبتسم معتقدة أنها تشعل الغيرة التي ستجعلهما يشعران بقيمة بعضهما، و لكنها لا تعلم ما بداخله من مشاعر متخبطة وانه عليه أن يحارب عشقه بالوقت الذي كان يفترض عليه أن يعيش أجمل لحظات حياته.
: " نعم اتصل بي بارك الله فيه، أعتذر منكم اقلقتكم علي ليلة أمس"
تحدثت مليكة وهي تنظر لاويا قائلة:
" كنت أنتظر هذا فمنذ أن عادت للقصر وهي لم تأكل او تهتم بنفسها حتى لو سألتها عن فطورها سنجدها لم تتناوله"
نظرت اويا بضيق وهمت لتعاتبها لولا ان أتى صوت أدهم من الخلف عالياً، مع الأسف انفجر غضبه بالوقت الخطأ قائلا:
" هذا ما يقال عنه عدم المسؤولية والاستهتار ، لا يوجد اختيارات هنا أنتِ مجبرة على الاهتمام بنفسكِ انتِ مجبرة على وقوفكِ صامدة قوية أمام أبي لا تجعلينا ننشغل بكِ أيضا يكفينا ما اصابنا منكِ، أنتِ هنا لأجل خالك و ستجاهدين لأجله رضيتي ام ابيتي ليس لديكِ خيار أخر ستهتمين بصحتك و بنفسك الى ان يسترجع أبي صحته وتخرجين من حياتنا جميعا"
تحركت اويا وامسكت ألينا التي انهارت تماما أمام صراخ أدهم بوجهها، صمت أمام انهيارها وبكائها الذي علا صوته ، خرج من المطبخ وهو يحمل غضبه فوق كتفيه يحوم به يمين وشمال، ذهابا وأيابآ يصدم يديه الاثنين ببعضهم وقف بجانب الحائط ليستند عليه بظهره يصدم رأسه عليه قائلا :
" لا استطيع ياربي لا استطيع سأجن سأجن "
جاءه صوت من المطبخ يصرخ
" ألينا، ابنتي، ألينا"
أسرع نحوه بأعين خائفة تبحث عنها بمجرد دخوله للمطبخ ليجدها ساقطة ارضاً مغشياً عليها بجانب أويا و مليكة ، ركض نحوها واخذها من بين يدي عمته ليزداد خوفه فحالة وجهها الابيض و يداها المثلجة توحي لمن يراها بأنها فارقت الحياة ، امسك وجهها حاول ان يهز راسها وهو يقول لها :
" افتحي عينيكِ افتحي عينيكِ"
اقتربت مليكة وبيدها الماء أخذه منها بسرعة ووضع منه على وجهها وهو لازال يحدثها ان تفتح أعينها.
تحرك وضمها بين يديه ليقف بها متجهاً نحو غرفتها الجديدة بجانب زينب ، كان يسير بها و عينيه لم ترفع عنها ، وضعها على فراشها وهو لازال محني عليها وجهه مقابل وجهها ينادي عليها دون ذكر أسمها يحثها ان تفتح عينها بخوف، بل كان قلبه يترجاها أن لا تتركه وحيداً بهذه الحياة ، فتحت عينيها لتتفاجأ بعيونه بالقرب منها
تحدثت العيون بلغة لا يفهم عليها سوى قلوبهم ، كانا وجها لوجه بهذا القرب لأول مرة منذ لحظة فراقهم أغرقها أدهم بعينه المليئة بالخوف و الشوق و العتاب.
لم تصدق حالته و قربه منها بل و وجودها بين ذراعيه فهي لازالت بحضنه حتى وان كانت على الفراش
اقتربت مليكة منهم وهي تقول :
" ابنتي هل انتِ بخير"
حركت وجهها جانباً هاربة من عيونه و الدمع يفر من عينها صامتاً ،حررها من يده و اعتدل بوقفته و هو ينظر لها، ردت
" انا بخير"
وعادت العيون لتمتلئ بالدموع مجدداً
رفع يده مقترباَ منها كي يعاتبها على ما وصلت له ولكنه تراجع بعد أن تذكر ما قالته له و تخليها عن حبهم.
خرج من الغرفة مسرعا ، رأته لجين و أمه اللتان عادتا من الخارج لتوهم ، نادت عليه
" أدهم ، أدهم"
ساعدتها أمها بندائها " أدهم بني"
لم يرد عليهم حتى أنه لم يلاحظ وجودهم اكمل سيره حتى خرج
ابتسمت لجين وهي تحدث جيهان
" الحمد لله كنت قلقة من غيابنا ، ولكن أنظري حتى ولو أرادا العودة لا يستطيعان"
تحركا ليقتربا من النافذة لينظرا إليه ذهبت لجين له، أمسكتها جيهان من يديها وهي تقول
" إلى أين؟"
نظرت لجين نحو ادهم مشيرة بيدها
" سأرى ما اغضبه"
ابتسمت جيهان وهي تنظر لابنها
" اتركيه حتى نعلم بأي نار حرقت السفن هذه المرة "
نظرت لها وعيونها مليئة بفرحة الانتصار قائلة " هل تشاجرا مجدداً"
ردت جيهان بكل ثقة
" لا أعرف التفاصيل ولكن وصلتني رسالة بأنه قبل قليل كان صوته يصل للمحيط لقد اعطى هذه العبدة الذليلة حقها وزيادة هيا لنجلس و نشرب قهوتنا و نحن نستمتع بالتفاصيل"
ضحكت لجين ونظرت لأدهم قائلة
" توقعت هذا، الان عاد لعقله و تخلص من سحرها"
ثم نظرت لجيهان مكملة:
" سأذهب لأهون عليه لا يمكنني التفريط به "
وبسرعة ردت أمه عليها
" لا تتأخري علي، لا تنسي أننا سنحتسي القهوة و أجلب اغراضي كي نعود لنخرج لا أريد أن نتأخر على موعدنا".
و بعيون راجية ردت عليها
" فلنترك هذا الموعد للغد لقد هلكت اليوم بصالة الرياضة بما فيه الكفاية "
ردت جيهان بقوة " لا يمكنني تأجيل الأمر "
هزت راسها وقالت أذا لا تقلقي اذهبي انتِ وجهزي اغراضك و انا سأذهب إليه على السريع لن اتأخر"
هزت رأسها ونظرت لإبنها نظرة أخيرة وهي تقول
" تمام وانا سأحضر الحقيبة وانتظرك بالخارج، سفر ينتظرنا لا تتأخري"
تحركت لجين نحو أدهم وهي تحسن من حالة شعرها و ملابسها، اقتربت شيئا فشيئا في محاولة ان تخفي من وجهها الفرح و تبدي حزنها عليه و هي تضع يدها على ذراعه قائلة " سيزول كل هذا سيزول ستعود كالسابق حتى افضل من السابق انا اؤمن بهذا"
نظر لها دون كلام وتحرك نحو المسبح مبتعدا عنها لتقترب بجانبه مرة اخرى قائلة
"لا تعلم كم أحزن عليك انت بالنسبة لي..
قاطع حديثها قائلا:
" سأنظر لأوراق مهمة نسيت أمرها بالأذن منكِ "
امسكت ذراعه مرة اخرى وقالت:
" حسنا ولكن عدني ألا تحزن بالأصل أنا سأذهب مع الخالة جيهان لديها موعد مع دكتورها الخاص، ولم أرد تركها بمفردها"
نظر لها وقال" دكتور؟ "
ردت مسرعة
" لا لا يوجد شيء يعني من أجل حقن البوتكس لقد تأخرت عليها "
تركها و تحرك قبل ان تكمل حديثها متوجها نحو المكتب يحرك راسه بأسف، يأخذ نفس عميق ويخرجه بغضب:
" هل بوتكس في هذه الظروف ؟"
كانت ألينا مستلقية على الفراش شاردة تماما وهي تتذكر صراخه بوجهها ..
حركت يديها لتحتضن نفسها ثم رفعت أرجلها نحو بطنها لتتقوقع داخل بعضها وهي تقول:
" لقد نجحت لقد نجحت "
تساقطت دموعها من جديد و هي تخرج انفاسها منها كالبركان الهائج قائلة
" لقد تم الامر الان، أصبحت تكرهني أصبحت تتأذى من رؤيتي، لم تعد تتعذب ببعدي عنك"
لا تستطيع التحكم ببكائها لتزداد سوء..
خرج للشرفة و هو ينظر نحو غرفة زينب من بعيد يحدث نفسه
" هل اغشي عليها مرة اخرى يا ترى؟ هل ازداد تعبها"
تحرك خطوتين ثم رفع يده اليمنى ليضعها خلف رأسه و هو يحك شعره مكملاً
" المرء يكون عنده القليل من المسؤولية، ألم تفكري ماذا يحدث ان مرضتي ؟ ماذا يحدث بابي عند غيابك عنه ؟ يعني من أجل أبي، يجب أن تحافظي على نفسكِ "
انزل يده صامتاً حزيناً ينظر حوله و لم يجد احد تحرك ببطء نحو نافذة غرفتها كي يطمئن عليها من بعيد ولكن مع الأسف الباب مغلق والستائر منسدلة
تذكر ذلك اليوم حين شاهدها من خلف زجاج نافذة غرفتهم ، توقف وقتها فاجأه بوجهه المبتسم مستمتعاً بجمال وجهها الذي كان يعكس اشعة الشمس المضيئة عليه، وقف مسلوب العقل بجمالها الطبيعي
أغمض عينيه قائلا لنفسه معاتباً :
" لماذا أنا هنا؟ ماذا تفعل انت هنا؟ ام لازالت؟ "
وتحرك غاضباً على نفسه متجها نحو غرفته وصوتها بأذنه تقول له
" فليبدأ كل منا حياته من جديد"
اغمض اعينه و فتحهم لأكثر من مرة بحزن وهو يتذكرها تقول له:
" أرجوك اسمح لي أن أذهب اسمح لي أن ابدأ حياتي بعيداً عنك "
دخل الغرفة غاضبا صارخاً
" لن اسامحكِ على ما فعلتيه بنا لا اسامحكِ لماذا؟ لماذا؟، لماذا ونحن كنا "
و صدم إطار الصورة بيده بقوة مسرعاً بأمساكها بعد أن ألمته وكاد طرف الاطار ان يدخل بها .
نزل كمال الدرج في منزله وعيونها تلاحق زوجته وهي واقفة بجانب الأريكة تنظر له وصل عندها وبدأ بالكلام قائلا
" سأذهب لرؤية اخي واطمئن عليه، هل ستأتين لأجل زينب "
ردت عليه
" لا ليس لدينا موعد اليوم، وايضا تحدثت مع ألينا بالصباح الوضع مستقر الحمد لله"
رد عليها كمال
" الحمد لله ولكني الى الان عقلي لا يستوعب ما حدث"
اقتربت منه نارين و وضعت يدها على ذراعه قائلة بحنان وهي تنظر لعيونه
" سيتعافى لا تحزن نفسك"
و باستغراب نظر كمال ليد نارين لتسرع هي بإنزالها، ليتحرك قائلا:
" نأمل ذلك سلمتي "
واكمل سيره نحو باب المنزل متعجباً من سيرها خلفه كان لا يصدق حالتها وهدوئها الذي ظن انه ما قبل العاصفة.
ألتفت لها قائلا
" من المحتمل ان اتأخر قليلا اليوم سأصطحب أويا لزيارة سيدرا"
ردت نارين بحزن:
" هل سيطول بقاءها بالمصحة النفسية"
وبحزن أكبر رد عليها:
" لا اعلم، اصبحت لا اعلم شيء ، ولكن وجودها هناك واجب بعد أن ساءت حالتها وضع القصر لا يوافق حالتها و صحتها"
تحرك وخرج من المنزل لتغلق الباب خلفه و هي تضع يدها على خدها وهي تقول:
" ما كان هذا الان"
أكملت محذرة نفسها
" إياكِ إياكِ يا نارين ستذهبين بعد قرار المحكمة مباشرة و لا تنظري للخلف مطلقا هذا جيد من أجل الجميع سيكسب هو حضانة ابنته و ستكسبين انتِ الاقامة الشرعية و ينتهي الامر"
وتحركت نحو المطبخ قائلة
" اعلم هذا ما يحدث عند تأخري عن شرب الشاي
كان أدهم يخرج من غرفة والده رن جرس الباب تحرك باتجاهه ليفتحه بنفسه مبتسماً عند رؤيته لهاكان أمامه ...
تحدث هاكان وهو يمد يده للسلام قائلا
" أعلم لقد تأخرت و لكنه ليس بذنبي كان اليوم ثقيلاً علي"
ابتسم أدهم ومد يده هو أيضا للسلام قائلا
" لا عليك حتى اننا لم نشعر بتأخيرك"
نظر لأدهم باستغراب فضحك الآخر وقال
" هذا يعني أنك لم تتأخر"
ووضع يده على كتفه مكمل
" تفضل اخي تفضل" وتوجها للداخل.
كانت ألينا تتناول طعامها وهي تجلس بجانب مليكة التي كانت تضغط عليها قائلة:
" هيا اكمليها لأجلي"
: " لقد اكلت الكثير شبع بطني "
ابتسمت مليكة و هي تطعمها بفمها:
" هذه فقط اكمليها لأجلي"
اومأت راسها قائلة :
" حسنا لأجلكِ "
دخلت عليهم اويا وهي تنظر بهاتفها وبيدها الاخرى حقيبتها
وقفت مليكة قائلة :"هل تريدين مساعدة "
نظرت اويا لهما وقالت:
" نعم اشتقت لسيدرا كثيرا تحدثت معها بالأمس ووعدتها بزيارتها اليوم أنا وكمال"
ردت مليكه
" ابلغيها منا السلام "
نظرت أويا لألينا وقالت
" بالعافية عليكِ"
واقتربت منها لتكمل
" لا تحزني نفسك اصبري نحن نمر بأيامنا الصعبة وسيزول كل هذا"
نظرت للطعام وأكملت
" أريدك هكذا دائما قوية متماسكة"
خرجت اويا من المطبخ متجهة نحو الخارج بكامل اناقتها توقفت ثم ضحكت بصوت عالي و ترحيب قالت:
" هااااكان متى أتيت لم أشعر بقدومك"
رد هاكان :
" حتى اني تأخرت أردت أن أكون مبكرا عن هذا الوقت ولكن مع الأسف"
رد أدهم وهو يضع يده على رجل هاكان:
" لا عليك المهم اننا رأيناك"
نظر هاكان حوله وقال:
" أين ألينا؟ ام انها ذهبت"
رفع أدهم يده وتراجع جانبا مسندا ظهره للخلف ثم رفع يده ليمددها على رأس الأريكة وهو ينظر لهاكان بجانبه ثم نظر لاويا التي بدأت بردها قائلة :
" إلى أين ستذهب هي مقيمة بالقصر لأجل اخي"
ونظرت لأدهم ثم أكملت
" كما تعلم فلا يوجد لها أحد غيرنا بإسطنبول "
في هذا الوقت ظهرت ألينا وهي تخرج من المطبخ وبيدها إبريق الماء متجهة نحو غرفة أحمد
رآها هاكان ليفرح وجهه، نظرت لأدهم وسرعان ما حركت عينها عنه وهي تجيب على من رمى عليها السلام قائلة
" و عليكم السلام أهلا بك "
رد هاكان
" بل اهلا بك أنتِ ، ما شاء الله أصبحتي افضل اليوم "
و بعيونه الحزينة نظر نحوها وهو يستمع لعمته ترد على هاكان
" لا شيء كما تراه، تقول بخير بخير لتطمئنا فقط"
أخفض أدهم عينيه أرضاً، وبقلق نظر دكتور هاكان لها وقال
" ام أنكِ لازلتي "
أسرعت بالرد
" لا حقاً انا بخير"
قاطعتها أويا نافية ما تقوله
" لا ، ليست بخير لقد أغمي عليها صباح اليوم، كما أنها لا تهتم بنفسها و لا بتناول طعامها "
حزن هاكان ونظر لها قائلا
" من المؤكد أن هناك شيء يضغط عليكِ، هيا اقتربي و أجلسي بجانبي افضي ما بداخلك، ما بكِ ما حالة وجهكِ هذه ، لم ارد التحدث ولكن مادام وصلنا له علي أن اخبرك أنني لم استطع التعرف عليكِ بأول لقاء فما زال ذلك الوجه المضيء الذي رأيته بالقرية يسيطر علي، استغرب كثيراً وكأن أحدهم أطفأ هذا النور، تعالي تعالي اجلسي بجانبنا احكي لي ما بك أين العيون البراقة الضاحكة "
ثم نظر لأدهم قائلا
" عندما كان أبي يقص علينا مغامراته بالقرية مع العمه مريم والعم أحمد كنا دائما نتذكر ألينا بعيونها البراقة الضاحكة وضحكتها التي كانت ترسم براءة قلبها على وجهها "
سعل أدهم بشكل متتالي وهو يتحرك على مقعده ليستقيم بجلسته بعد أن كان جالساَ مسترخياً لا يعرف ما عليه قوله أمام نظرات هاكان الذي كان ينتظر منه رداً ، و هذا ما أجبره أن يقول بدون تفكير
" لا علم لي، هذا يعني أنكم تعلمون اكثر مني، لقد أصبحت لا أعلم شيء، نعم لا شيء، كما ترى تماماً"
توترت اويا من حديثه و طريقته التي تنبأ على غضب أتي ، كان رده قاسياً على قلبها كما أن طريقته الغريبة أدخلت الريبة بقلب هاكان الذي وقف وتقرب من ألينا التي أسرعت و رفعت الابريق للأعلى قليلا و هي تقول
" استأذن منكم حان وقت دواء خالي "
تحركت دون أن يخيل لها ولو للحظه أن يقترب منها و يمسكها من ذراعها وهذا ما جعلها تنظر له بأعين متسعة ساحبة ذراعها بقوة قائلة
" أنا لا أحب هذا"
وقف أدهم بسرعة و كأنه سيلكمه بوجهه ، اقتربت اويا بسرعة لمنع اي ردة فعل تصدر منه.
تحركت ألينا مبتعدة عنه ليعتذر هاكان منها و هو يقول
" اعتذر منكِ ولكن لن اتركك هذه المرة ، ستذهبين لإعطاء العم أحمد العلاج و تعودين لنذهب"
( نذهب فين يا معلم استهدى بالله انا خايفه عليك وربنا قال نذهب قال هههههههه )
انتظرونا بالفصول القادمة الاكثر تشويقا
يتبع .....
