recent
جديدنا

تشخيص إنسان |11 حين لا يهدأ العقل



كانت تعرف أنها أغلقت الباب.

تذكرت صوت المفتاح وهو يدور، ومدّت يدها إلى المقبض قبل أن تبتعد، وجذبته مرة أخيرة لتتأكد.


ثم مشت خطوتان فقط… وعادت.

وضعت يدها على المقبض من جديد.

مغلق.

هذه المرة كانت متأكدة، ابتعدت. وأجبرت نفسها على ألا تنظر خلفها.

لكن الفكرة جاءت.

ماذا لو لم يكن مغلقًا؟

حاولت أن تتجاهلها.

ماذا لو لم تغلقه جيدًا؟

ماذا لو كان المفتاح دار، لكنها لم تُحكم إغلاقه؟

ماذا لو خرج أحد ودخل؟

توقفت في منتصف السلم، قالت لنفسها:


«أنا عارفة إني قفلته.»

لكن المعرفة لم تكن كافية، عادت مرة ثالثة، ثم رابعة، وفي كل مرة كانت تشعر براحة قصيرة جدًا، راحة تشبه أن العقل قال لها:

حسنًا، يمكنك الآن أن تتنفسي. لكن بعد دقائق، جاءت الفكرة نفسها في صورة أخرى، ومعها الشك، ومعه الخوف، ومعه ذلك الإلحاح الذي لا يعرف كيف يصمت.


---


قد يظن من يراها أنها تبالغ.

وقد يقول لها أحدهم:

«يا بنتي ما أنتِ عارفة إنك قفلتي الباب، خلاص بقى.»

وهي نفسها كانت تقول ذلك.


كانت تعرف.

تعرف أنها غسلت يديها.

تعرف أن الغاز مغلق.

تعرف أن الباب مقفول.

تعرف أن تلك الفكرة غير منطقية.

لكن المشكلة لم تكن في أنها لا تعرف الحقيقة.

المشكلة أنها لا تستطيع أن تشعر بالاطمئنان تجاهها، وهنا يكمن جزء مؤلم من الوسواس القهري.


---


اضطراب الوسواس القهري، أو OCD، ليس مجرد حب للنظام، ولا مجرد اهتمام زائد بالنظافة، ولا شخصية «دقيقة» أو «بتحب كل حاجة تبقى في مكانها».


هو اضطراب قد تظهر فيه وساوس؛ وهي أفكار أو صور أو اندفاعات متكررة، اقتحامية وغير مرغوبة، تسبب ضيقًا وقلقًا.


وقد تظهر معه أفعال قهرية؛ وهي أفعال أو طقوس ذهنية يشعر الشخص أنه مضطر للقيام بها لتخفيف القلق أو منع شيء يخشاه، حتى لو كان يعرف في داخله أن الفعل مبالغ فيه أو غير منطقي.

وأحيانًا لا تكون الأفعال القهرية واضحة للآخرين أصلًا.


قد تكون في صورة:

إعادة التفكير في موقف عشرات المرات.

طلب الطمأنة بشكل متكرر.

تكرار جملة أو دعاء داخل العقل.

العدّ.

المراجعة المستمرة.

البحث المتكرر عن أعراض مرض معين.

أو محاولة الوصول إلى يقين كامل في أمر لا يمكن للإنسان أن يحصل فيه على يقين كامل.


وهنا تبدأ الدائرة.


فكرة → قلق → قهر → راحة مؤقتة → عودة الفكرة.


كل مرة يستجيب فيها الشخص للقهر، قد يتعلم عقله أن هذا الفعل هو الطريق إلى تخفيف القلق.

فيطلبه مرة أخرى.

ثم مرة أخرى.

حتى تصبح حياته محكومة بمحاولة الوصول إلى شعور لن يستقر طويلًا.


---


كانت تقول:

«أنا بس عايزة أتأكد.»

لكن التأكد لم يعد مرة واحدة.

صار مرتين.

ثم خمسًا.

ثم عشرين.

وصارت المشكلة أن كل إجابة تحتاج إلى إجابة أخرى.

هل أنا متأكدة؟

نعم.


لكن متأكدة قد إيه؟

جداً.

طب لو فيه احتمال صغير إني غلط؟


...


وهكذا، يتحول البحث عن اليقين إلى سجن.

لأن العقل البشري لا يستطيع أن يمنحنا ضمانًا مئة بالمئة لكل شيء.

والوسواس القهري قد يجعل الشخص غير قادر على قبول تلك المساحة الطبيعية من عدم اليقين.

فيظل يبحث.

ويفحص.

ويسأل.

ويعيد.


ثم يبدأ يومه وينتهي وهو يحاول أن يثبت لنفسه شيئًا يعرفه أصلًا.


---


والأصعب أن الوسواس لا يأتي دائمًا في صورة الأشياء التي نتوقعها.

قد تكون الفكرة نفسها مخيفة للشخص لأنها تتعارض تمامًا مع قيمه وأخلاقه ومعتقداته.

قد يخاف أن يؤذي شخصًا يحبه.

قد تراوده أفكار دينية أو أخلاقية اقتحامية تزعجه بشدة.

قد يخاف من ارتكاب خطأ كارثي.

قد ينشغل بشكل مفرط باحتمال الإصابة بمرض.

وقد تأتيه أفكار لا يريدها أصلًا، فيبدأ في الخوف من مجرد وجودها:

«هل مجرد أن الفكرة جت في دماغي معناها إني عايز أعملها؟»

وهنا نحتاج أن نتذكر شيئًا مهمًا:

الفكرة ليست نية.


وجود فكرة مزعجة أو غير مرغوبة في ذهن الإنسان لا يعني أنه يريد تنفيذها، ولا أنها تكشف بالضرورة عن شخصيته أو أخلاقه.


لكن الشخص المصاب بالوسواس قد يتعامل معها وكأن مجرد وجودها دليل يحتاج إلى التحقيق والتأكد.

فيبدأ الصراع.


---


ولذلك، ربما يكون أكثر شيء يحتاجه الشخص المصاب بالوسواس القهري ليس أن نقول له:

«ما تفكرش.»

فالأفكار لا تختفي بالأوامر.

ولا أن نقول:

«اطمن، مفيش حاجة.»

لأن الطمأنة المتكررة قد تتحول هي الأخرى إلى جزء من دائرة الوسواس.

ولا أن نسخر من مخاوفه:

«أنتَ مكبر الموضوع أوي.»

لأنه بالفعل يعرف أن الأمر يبدو مبالغًا فيه.

لكنه عالق داخله.

ما يحتاجه هو أن يُفهم...

وأن يحصل على تقييم وعلاج مناسبين.

والوسواس القهري قابل للعلاج، وقد يشمل العلاج النفسي، وخصوصًا العلاج السلوكي المعرفي بأساليب مخصصة للوسواس مثل التعرّض ومنع الاستجابة (ERP)، وقد تُستخدم أدوية معينة مثل بعض مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs وفق تقييم الطبيب.


---

في تلك الليلة، وقفت أمام باب بيتها.

كانت يدها تقترب من المقبض.

ثم توقفت.

جاءت الفكرة:

«يمكن الباب مش مقفول.»

شعرت بالقلق.

كان بإمكانها أن تعود.

أن تفتح.

أن تتأكد.

ثم تتأكد مرة أخرى.

لكنها بقيت مكانها.

لم يختفِ القلق فورًا.

ظل هناك.

ثقيلاً.

مزعجًا.


لكنها بدأت تتعلم شيئًا جديدًا:

أن الشعور بعدم اليقين لا يعني وجود خطر.

وأنها ليست مطالبة بأن تحصل على يقين كامل كي تكمل يومها.

تركت الباب خلفها...

ومشت.

لم تكن تلك اللحظة انتصارًا على فكرة.


كانت خطوة صغيرة في طريق استعادة حياتها من دائرة كانت تسرق منها ساعات طويلة.


---


ربما لهذا السبب...

حين نرى شخصًا يغسل يديه للمرة العاشرة، أو يعود ليتأكد من شيء يعرف أنه فعله، أو يسأل السؤال نفسه مرات كثيرة...

فليس من العدل أن نختصره في كلمة:

«موسوس.»

خلف السلوك قد يكون إنسانًا مرهقًا جدًا من عقله.

إنسانًا لا يريد تلك الأفكار.

ولا يحب تلك الطقوس.

ولا يستمتع بإضاعة وقته فيها.

بل ربما يكون أكثر ما يتمناه...


أن يستطيع أن يعيش يومًا عاديًا دون أن يطلب منه عقله، كل بضع دقائق، أن يثبت له من جديد أن كل شيء بخير.


فليس كل ما يفعله الإنسان اختيارًا... وبعض المعارك لا يراها أحد، لأنها تحدث في مكان لا يستطيع أحد الدخول إليه: داخل الرأس.


 تشخيص إنسان |11 حين لا يهدأ العقل
اوتار الحياة

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • Salwanader17 أكتوبر 2026 في 7:55 م

    المشكله الحقيقيه اننا بنسخرمن الناس ده وبنعلق علي افعالهم بصوره خطا وده بيزود المشكله مش بيحلها الناس ده محتاجه حد جنبها يفهم وجعهم مش بنهرهم او يقلل من حجم مشكلتهم

    حذف التعليق
    • Salwanader17 أكتوبر 2026 في 7:55 م

      احسنتي النشر

      حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradent