recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاته| الفصل الرابع

 حُــبّ بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة

بقلم أمل محمد الكاشف 


إنها سنة الحياة يا بني..

ليس كل من نحبهم نستطيع الاحتفاظ بهم، وليس كل فرحة ننتظرها تأتي كما تمنينا… 

أحيانًا نضطر إلى الابتسام في الوقت الذي تتمنى فيه قلوبنا البكاء، ونبارك لغيرنا بأمنياتٍ خبأناها يومًا لأنفسنا.

حقيقة قاسية .... ولكنها تلك هي الحياة!

──────── ✦ ────────


بدأ كل شيء يعود للواقع عندما وصل إلى مسامعهم:


ـ عبير، تعالي من فضلك.


قالها نادر بوجه معكر وغضب واضح على نبرة صوته، ليعود وليد لأرض الواقع من جديد.


للحظات كان وليد قد شعر وكأن الزمان عاد ليضحك في وجهه، لكن الحقيقة إنه عاد بالأحلام لعدة ثواني فقط انتهى بعدها كل شيء.


مر الافتتاح بشكل جميل حتى صُدم نادر في نهايته حين رأى اسم عبير مدونًا داخل كل فواتير الأجهزة الكهربائية.


نظر جهة وليد بضيق شديد دون أن يتجرأ على السؤال عمن كتب الفواتير.


تحدثت نجلاء إلى زوجها قائلة:


ـ من الجيد كتابة الفواتير باسم ابنتنا. بارك الله في وليد، هو من فعلها دون الرجوع لأحد، وإلا كنا خجلنا وجعلناه يكتبها باسم عريسها



تحدث جلال بفخر:


ـ نعم من الجيد فعله ذلك، شعرت وكأنه يفعلها لأجل أخته نادية وهذا ما جعلني اطمئن كون لابنتي إخوة رجال يستطيعون حمايتها والتفكير في مصلحتها .


أجابته نجلاء برضا:


ـ نعم وأنا أيضًا شعرت بذلك، بصراحة يا جلال أولاد عبد العزيز كالذهب تماما، أخلاق ومروءة وذوق عالي ، كما أنهم ناجحين بأعمالهم.


ـ فليفتح الله عليهم بالرزق الوفير .



 ـ امين يارب العالمين .


اقترب نادر بسيارته ، أشار جلال لأخيه وأولاده وأقاربه ليودعهم وهو يدعو لهم بالخير الكثير.



لم يقف وليد ليشهد لحظات اصطحاب العريس لعائلة عروسته وهو فرح ، انسحب ودخل المكتب منشغلا بتسجيل الفواتير الجديدة.



جلس جلال بالمقعد الأمامي بينما جلست عبير في المقعد الخلفي بجانب امها وهي تتأمل الأضواء الممتدة على جانبي الطريق بصمت وشرود، بينما بدأ هو حديثه مع أبيها عن الافتتاح .



ابتسم جلال وهو يجيبه:


ـ كان اليوم جميلًا فعلًا، المحل أعجبني كثيرًا خصوصًا طريقة العرض المنظم.


هز نادر رأسه برضا، ثم قال:


ـ كنت أعلم أن هذا القسم سينال إعجابك أكثر من غيره، أنا أيضا أحب الأشياء المرتبة، وأعرف كيف أختار ما يناسبني.


التفت إليه جلال مستغربًا قليلًا، فقد كان يتحدث عن المحل، لكن نادر غيّر مسار الحديث واسترسل في الحديث عن ذوقه واختياراته وعلاقاته حتى وصل إلى وليد، قائلا:


ـ وليد رجل عملي، لكنه يتدخل في اختيارات الآخرين أكثر مما ينبغي، لاحظت أنه كان يحاول إقناعي برأيه في الأجهزة مع أنني أعرف جيدًا ما أريد.


تحدث جلال بهدوء:


ـ لكنه كان يساعدنا ويبدو أنه يعرف الكثير عن الأجهزة بحكم عمله.


ابتسم نادر ابتسامة هادئة، ثم أجاب:


ـ لم أقل إنه لا يعرف شيئًا، لكن المعرفة شيء والقدرة على اتخاذ القرار شيء آخر أنا أستمع إلى الجميع، ثم أختار ما أراه مناسبًا.



أومأ جلال رأسه مقتنعا :


ـ معك حق كل شخص بالاخير لديه الحق باختيار ما يريد.



ظلت عبير صامتة طوال الطريق تستمع لأحاديث أبيها الطويلة ولتصديق نادر على كل ما جاء بها وهو يحاول أن يكسب ود عائلتها.


وما أن وصلا للمكان حتى نزل الجميع من السيارة شاكرين له اهتمامه ومساعدته لهم، تحركت نجلاء بعد زوجها بينما وقفت عبير مستمعة لكلمات نادر الذي استغل بُعد والديها ليبدأ حديثه بوجه مبتسم :


ـ بل أنا من عليه شكرهم لأجل قضاء كل هذا الوقت مع بعضنا.


ابتسمت بخجل ليكمل هو:


ـ ما رأيك في اليوم؟ أعتقد أن الجميع خرج بانطباع جيد عني وعن عائلتي؟


ظل وجهها مبتسم يستمع لحديثه الذي اتبعه بقول:


ـ كما سررت باختياراتك لمنزلنا السعيد ان شاء الله.


تعجبت مما قاله ، مجيبة:


ـ سررت! واختياراتي! ، ألم تلاحظ أنك اصريت على اختيارك حتى اشتريت ما تظن أنه جيد .



لم تتغير ابتسامته، بل نظر إليها نظرة ودودة وهو يقول:


ـ يبدو أنك أخذتي الأمر على محمل شخصي يا عبير ولذلك رأيتك صامته شاردة طوال الطريق، ولكني ساخبرك بشيء اهم من ذلك أرجو أن تتفهمي ما سأقوله….. أنا لا أحب أن أشعر بأنك تقفين في صف شخص آخر ضدي خصوصًا في أمور تخص حياتنا القادمة.


انعقد حاجباها قليلًا، متسائلة:


ـ من أنا !

... أنا لم أقف في صف أحد، وايضا وليد كان يحاول مساعدتنا في اختيار الأنسب.


ـ وأنا لم أمنعه من مساعدتنا، أليس كذلك؟


قالها نادر بنبرة لطيفة جعلت اعتراضها يبدو وكأنه لا يستند إلى شيء واضح، اقترب قليلا منها متحدثا بنبرة أكثر هدوئا:


ـ لا أريدك أن تنزعجي من شيء كهذا، وايضا كما أخبرتك أنا لا أسمح لزوجتي بالتحدث مع رجال آخرين بشكل مريح وسعيد.


ـ وليد ابن عمي كأخي تماما لم يحدث ما ظننته كان يرفق بي واراد مساعدتي هذا كل شيء.


ـ ومع ذلك عليكِ أن تتذكري وضعك الجديد، وطلبي منك بعدم التحدث مع الرجال وخصوصا وإن كان وليد هذا .


ـ ما بك يا نادر علقت على وليد ماذا فعل الشاب لما ذلك.


ـ لا أعرف ولكني لم أرتح له ولم أحبه.


قالها نادر بهدوء، ثم ابتسم وكأنه لم يقل شيئًا يستحق الوقوف عنده، مكملا:


ـ على أي حال، لا أريد أن نبدأ حياتنا بخلافات لا داعي لها أنا أثق بك يا عبير، لكني أؤمن أن لكل علاقة حدودًا يجب ألا يتجاوزها أحد.


نظرت إليه باستغراب، ثم سألته:


ـ وهل تجاوز وليد حدوده؟


ـ لم أقل ذلك، لماذا تصرين على فهم كلامي بطريقة خاطئة؟


توقفت للحظة تفكر كيف تم نقل الموضوع من وليد إلى اعتراضها، فقد كان يتحدث عن وليد منذ دقائق والآن أصبح اعتراضها هو المشكلة.


تابع نادر بنبرة هادئة:


ـ أنا فقط أردت أن أخبرك بما يريحني، ومن العدل أن أجد الراحة مع المرأة التي سأشاركها حياتي، أليس كذلك؟


لم تجبه، فابتسم ابتسامة صغيرة ثم اتبع حديثه:


ـ انظري إلي واسمعيني بعين العقل انا شخص لا يحب أن يشعر بأن هناك من يحاول التأثير في قرارات حياته، نحن سنبني بيتًا معًا يا عبير، وأريد أن تكون كلمتنا واحدة، لا أن نختلف أمام الناس بسبب رأي هذا أو ذاك.


ـ لكنه لم يحاول التأثير على قراراتنا بل كان يساعدنا فقط.


تنهد نادر، ثم أومأ رأسه عدة مرات متتالية كأنه يحاول استيعاب عنادها، مكملا:


ـ حسنًا، كما تريدين ربما أنا أبالغ في حرصي عليكِ، وربما كان عليَّ ألا أتحدث في الأمر من الأساس حتى يمكنني الاعتذار منكِ ومنه أيضا أن اردتي ذلك…. يكفي أن تكوني سعيدة.


قالها بطريقة جعلتها تشعر بأنها قست عليه، رغم أنها لم تفعل سوى الدفاع عن ابن عمها.


اقترب مرة أخرى أمام صمتها وشرودها :


ـ دعينا ننسى الأمر لا أريد أن تفسدي يومنا الجميل بسبب سوء تفاهم بسيط.


 رفعت عينيها إليه بضيق فهي لم تكن تريد خلافًا معه في بداية علاقتهما، تراجعت للخلف خطوات بطيئة قائلة:


ـ أنا متعبة قليلًا، سأذهب لأرتاح.


لم يعترض، بل ابتسم لها بشكل جميل وأفسح الطريق:


ـ كما تشائين تصبحين على خير.


دخلت خلف والديها، بينما ظل هو واقفًا مكانه حتى اختفت عن عينيه، لتتبدل ابتسامته تدريجيًّا حتى زالت من على وجهه أثناء بدأ قيادته.


يعلم نادر أن وليد لم يفعل شيئًا يستحق كل هذا الانزعاج، ولكنه لم يعجبه أن ترى عبير رجلًا آخر قادرًا على مساعدتها، أو أن تدافع عن رأيه أمامه.


كان يريد أن يكون الشخص الوحيد الذي تثق به، والذي تعود إليه في كل صغيرة وكبيرة، دون أن ينافسه أحد على تلك المكانة.


أما عبير، فقد دخلت إلى غرفتها وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث لا يستحق التفكير، ولربما نادر كان غيورًا فحسب.


لكن ظل هناك شيئًا صغيرًا يزعجها…

وهو شعورها طوال الحديث معه بأنها مطالبة بالاعتذار، رغم أنها لم ترتكب خطأ يستحق ذلك؟…

✦ ✦ ✦

مرت عدة أيام انتهى بعدهم تسوق عبير وأمها من أسواق القاهرة ليعودا إلى محافظتهم لاستكمال ما تبقى من تجهيزات هناك.


كانوا يشعرون ببعض التغييرات والاختلافات بينهم وبين العريس وعائلته، لكنهم اعتقدوا أنها طبيعية في أول لقاءات وتعارف، فالحياة في البداية لا بد أن تكون مختلفة، وكل طرف يتحمل الآخر حتى يعتاد عليه.


جاء نادر في صباح يوم جديد إلى منزل جلال، راغبًا في التحدث معه بشأن أزمة تأخر استلام شقته الجديدة في أحد المجمعات السكنية الفاخرة التي لا تزال قيد الإنشاء.


كان قد علم أن بعض الخدمات الأساسية لم تصل إلى المجمع حتى الآن، وأن المقاول المنفذ للمشروع يحاول اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحصول على موافقة الجهات الحكومية المختصة، تمهيدًا لاستكمال الأعمال وبدء تسليم الشقق خلال الأشهر الستة المقبلة.


جلس نادر أمام جلال عاقدا حاجبيه مخفضا رأسه قليلًا متصنعًا على وجهه ملامح الأسف قبل أن يتنهد بعمق ويقول:


ـ مع الأسف، لدي أخبار غير سارة بشأن الشقة الجديدة، لا اعرف كيف ومن أين سأبدأ ولكن يبدو أن بعض الخدمات لم تصل إلى المجمع حتى الآن، والمقاول يحاول حل المشكلة مع الجهات المختصة، لكنه أخبرني أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت…. للاسف الشقة ستكون جاهزة للتسليم خلال ستة أشهر على الأكثر.


قطب جلال حاجبيه في دهشة، وسأله:


ـ ستة أشهر؟ وماذا ستفعل يا بني؟ لم يتبقى على موعد الزفاف سوى وقت قصير.


رفع نادر رأسه بحزن أجاب به :


ـ وهذه هي المشكلة يا عمي، أنا لا أريد تأجيل الزواج ولا أرى أن من المنطقي أن أدفع ثمن خطأ لم أرتكبه لقد التزمت بكل ما اتفقت عليه معهم وليس من العدل أن تتعطل حياتي بسبب تأخر المقاول.


توقف عن الحديث لبضعة ثواني ثم أضاف بنبرة بدت حاسمة:


ـ كما تعلم عليَّ العودة إلى عملي في السعودية بعد الزفاف بأسبوعين، ولا أستطيع العودة مجددًا إلا في الصيف المقبل لذلك أرى أن نتم الزواج في موعده، وتسافر عبير معي وحين تُسلم الشقة يتولى أخي باسل شراء الأثاث وتجهيزها كما ينبغي.


نظر جلال إلى زوجته في صمت، بينما واصل نادر حديثه وكأنه قد حسم الأمر بالفعل:


ـ أنا لا أطلب شيئًا مستحيلًا يا عمي أريد فقط أن أبدأ حياتي مع زوجتي بدلًا من أن نؤجل كل شيء عامًا كاملًا بسبب ظروف خارجة عن إرادتي.


تأمل جلال وجهه قليلًا قبل أن يسأله:


ـ وهل تحدثت مع عبير بشأن هذا الأمر؟


أجاب نادر سريعًا:


ـ بالطبع تحدثت معها وشرحت لها الظروف، وهي تتفهم موقفي لقد أقنعتها بأن السفر معي هو الحل الأفضل لنا، ولا أريد أن نبدأ حياتنا بتعقيدات لا داعي لها.



التفت جلال نحو زوجته التي بادلته نظرة صامتة قبل أن يقول:


ـ خرجت عبير مع ابنة عمها لشراء بعض التجهيزات، لذلك أرى أننا بحاجة إلى مناقشة الأمر معها ومع أعمامها أيضًا فهذا قرار كبير ولا يمكنني الموافقة عليه بهذه السرعة، خصوصًا أنك لم تخبرني به مسبقًا.


تغيرت ملامح نادر قليلًا، ثم التفت إلى نجلاء محاولًا كسبها إلى صفه:


ـ أمي نجلاء، أنت تعرفينني وتعرفين أنني لم أقصر في شيء ، قفي في صفي قولي لهم إنني لا ذنب لي فيما حدث، لماذا أتحمل أنا نتيجة تأخر المقاول؟ أليس من حقي أن أبدأ حياتي الزوجية في الموعد الذي خططت له؟


نظرت إليه نجلاء بهدوء ولم تنجرف مع محاولته تحويل النقاش إلى مسألة تتعلق بظلمه الشخصي، قائلة بحزم:


ـ نحن لا نعترض على زواجك من ابنتنا، ولا نريد تعطيل حياتكما لكننا لن نوافق على سفرها لمجرد أنك تريد إنهاء الأمر بسرعة، عبير ابنتنا الوحيدة ومن الطبيعي رغبتنا في أن نطمئن إلى مستقبلها، كيف تريد منا أن نقبل بسفرها إلى بلد آخر دون أن نعرف أين ستعيش ومتى سيكون لها منزلها المستقل وما الضمانات التي تحفظ حقوقها؟


تنهد نادر، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه متحدثا:


ـ أفهم مخاوفكم… لكنني أظن أنكم تبالغون في الأمر قليلًا أنا زوجها المستقبلي ولست رجلًا غريبًا عنها إذا لم تثقوا بي الآن فمتى تثقون بي؟


ثم أضاف بنبرة حملت شيئًا من العتاب المتعمد:


ـ كنت أتمنى أن تشعروني بأنني واحد منكم، لا أن أجد نفسي مضطرًا إلى الدفاع عن نفسي وكأنني متهم بشيء.


أجابته نجلاء دون تردد:


ـ الثقة لا تعني أن نتخلى عن حق ابنتنا في الاطمئنان على مستقبلها نحن لا نتهمك وإنما نتحدث عن أمور ينبغي أن تكون واضحة قبل الزواج حتى لا تتحول إلى خلافات بعده.


لم يعجب نادر بردها لكنه أخفى انزعاجه خلف ابتسامة متكلفة، ثم التفت إلى جلال قائلًا:


ـ على كل حال أنا مستعد للاتفاق على ما ترونه مناسبًا، ما دام ذلك لن يعطل الزواج لكنني أرجو ألا يتحول الأمر إلى سلسلة من الشروط التي تجعلني أشعر بأن كل ما فعلته حتى الآن لا قيمة له.


استمر النقاش لبعض الوقت، قبل أن يتفاجئ جلال بوصول والدي نادر ، اتصل بأخيه عبد العزيز وطلب منه الحضور ، ليستجيب أخيه له ويصل في غضون دقائق منضما لمجلسهم، حاول والدا العريس تقريب وجهات النظر وإقناع أسرة عبير بإتمام الزواج في موعده.


وبعد أخذ ورد اتفق الجميع على أن يسافر نادر وعبير إلى السعودية بعد الزواج، على أن يتعهد بمتابعة تجهيز الشقة بنفسه، وألا يتجاوز الموعد الذي حدده المقاول دون البحث عن حل بديل يضمن وجود مسكن مناسب لهما في المنصورة.


بدا أن الأمور تسير نحو الحل لكن عبد العزيز فاجأ الجميع باقتراح لم يتوقعه أحد حين قال بنبرة جادة:


ـ قبل أن نغلق هذا الموضوع أرى أن يكتب نادر الشقة الجديدة باسم عبير قبل عقد القران حتى تطمئن الأسرة إلى مستقبلها.


استدار نادر نحوه ببطء وقد اختفت ابتسامته تمامًا:


ـ ماذا؟ أكتب الشقة باسم عبير؟


ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح، مضيفا :


ـ هذا ما ينقصنا….

هل عليّ أن اتنازل عن شقتي حتى أثبت أنني جدير بالزواج من ابنتكم؟


حاول عبد العزيز تهدئته:


ـ لم يقل أحد إنك ستتنازل عنها وإنما نتحدث عن ضمان يطمئننا.


قاطعه نادر، وقد ارتفعت نبرة صوته قليلًا:


ـ وأين ثقتكم بي إذن؟ لقد أنفقت وقتي ومالي وخططت لكل شيء من أجل هذا الزواج، والآن أجد نفسي مطالبًا بإثبات حسن نيتي بهذه الطريقة.



تدخل جلال محاولًا إعادة الحديث إلى مساره:


ـ يا نادر يا ابني لا أحد ينكر ما بذلته، لكننا نريد ضمانات واضحة، لا نريد أن تسافر عبير دون أن يكون لها مستقر في بلدها …



نظر إليه نادر طويلًا، ثم قال:


ـ حسنًا، إذا كان هذا هو ثمن الموافقة، فلنناقش الأمر لكنني أريدكم أن تعرفوا أنني لا أقبل أن يعاملني أحد منذ البداية وكأنني شخص لا يؤتمن على زوجته.


وبعد نقاش طويل اتفق الجميع على عدم كتابة الشقة باسمها على أن يتم كتابة مهر ومؤخر صداق، وإعداد قائمة بالأثاث والتجهيزات المتفق عليها مع إضافة عدد من جرامات الذهب إلى حقوقها المثبتة في الاتفاق.


امسك عبد العزيز ورقة وبدأ يكتب فيها كل شيء واحد يتلو الآخر حتى أملاها ثم أعطها لنادر قائلا :


ـ كتبتها بشكل سريع كي تراها ونتفق على محتواها قبل أن نثبتها لدى المحامي.


صعق نادرا قائلا :


ـ محامي!


ـ الأمر غير متعلق بك نحن نفعل ذلك مع بنات العائلة جميعهم تم كتابة ورقة مثل هذه وتم توثيقها لدى المحامي .


لم يكن نادر راضيًا جلس أمام الورقة يتفحص بنودها واحدًا تلو الآخر، وقال:


ـ أريد أن أفهم شيئًا واحدًا هل هذه القائمة لحفظ حق عبير، أم لتذكيري كل يوم بأن أهلها لا يثقون بي؟


ساد الصمت للحظات، قبل أن يجيبه جلال:


ـ القائمة لا تنتقص من قدرك يا نادر إنها حق متعارف عليه ووجودها لا يعني أننا نتهمك بشيء.


هز نادر رأسه ثم نظر إلى عبير التي انضمت إليهم مؤخرا تجلس إلى جوار أمها تراقب النقاش بقلق وصمت، قائلا لها بصوت خافت حرص على أن يسمعه الجميع:


ـ كنت أظن أنكِ ستكونين أول من يدافع عني، لا أن تجلسي صامتة بينما يضعونني في هذا الموقف.


ارتبكت عبير ونظرت إليه بحيرة، قائلة:


ـ أنا لا أقف ضدك لكنني أيضًا لا يمكنني الوقوف امام أهلي و هم يريدون الاطمئنان علينا.


ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال:


ـ بالطبع أنا أتفهم ذلك يبدو أن عليَّ أن أثبت للجميع أنني رجل مسؤول حتى لو كنت قد أثبت ذلك بأفعالي بالفعل.


كانت كلماته تبدو هادئة لكنها حملت إلى عبير شعورًا بالذنب، وكأنها مطالبة الآن بتعويضه عن الإهانة التي يعتقد أنه تعرض لها.


ومع إصرار العائلة على عدم إتمام الاتفاق دون توقيعه، أدرك نادر أنه لن يستطيع انتزاع موافقتهما بمجرد الاعتراض.


ظل يومين يفكر بغضب وضيق فهو لا يحب أن يضغط أو يسيطر عليه أحد برأيه، ولكن بالاخير تناول القلم ووقَّع الأوراق في مكتب المحامي بملامح متجهمة ثم دفعها إلى الطرف الآخر من الطاولة، قائلا:


ـ تفضلوا أتمنى الآن أن نكون قد انتهينا من هذا الموضوع وألا نضطر إلى تكراره مرة أخرى.


قالها وكأنه يمنحهم تنازلًا لا يستحقونه، لا وكأنه يوافق على توثيق حقوق زوجته المستقبلية.


تحدث العم عبد العزيز بنبرة جادة:


ـ حسنًا يا نادر، توقيعك وموافقتنا لا يعنيان أننا تخلينا عن مسؤوليتنا تجاه عبير، نحن نريد أن نطمئن إلى أنها ستعيش معك حياة كريمة، وأن تضع راحتها في حساباتك، كما تضع عملك ومستقبلك.


استعاد نادر ابتسامته سريعًا، وتبدلت ملامحه إلى صورة الرجل الواثق من نفسه الذي اعتاد أن يظهر بها أمام الآخرين، قائلا:


ـ أعدكم أنني سأفعل كل ما بوسعي حتى لا تندموا على موافقتكم ، عبير ستكون بخير ما دامت معي لا تقلقوا أنا أعرف كيف أدير حياتي وأتحمل مسؤولياتي.


قالها بثقة كبيرة، وكأن الأمر قد انتهى بمجرد أن نطق بوعده.


انتهى الاجتماع أخيرًا وحصل نادر على موافقة أسرة عبير، وأصبح السفر بعد الزواج أمرًا متفقًا عليه.


لكن خلف ابتسامته التي ارتسمت أمام الجميع، بقي شيء من الغضب يثقل صدره. 


لم يكن يرى ما حدث باعتباره اتفاقًا يحفظ حقوق زوجته المقبلة، بل كان يشعر بأنه أُجبر على تقديم تنازلات لم يكن يريدها، وأن عليه يومًا ما أن يثبت أنه لم يكن مضطرًا إلى كل ذلك.


أما عبير فقد ظنت أن الخلاف انتهى بمجرد توقيع الأوراق، ولم تدرك أن نادرًا لم ينسى ما اعتبره إهانة، وأنه قد يعود إلى تذكيرها بها كلما احتاج إلى جعلها تشعر بأنها مدينة له.


وهكذا قبل أن تبدأ حياتهما الزوجية، كان كل منهما يحمل تصورًا مختلفًا تمامًا عن معنى الثقة والحقوق والمسؤولية.


عبير ترى الزواج شراكة تقوم على الطمأنينة، بينما يرى نادر أن الثقة الحقيقية تعني ألا يضطر إلى تبرير قراراته، وألا يقف أحد في طريق ما يريده.

✦ ✦ ✦

مرت الأيام التالية سريعًا، وانشغلت عبير مع أمها في استكمال ما تبقى من تجهيزات الزواج، حتى لم يعد أمامهما سوى أيام قليلة ويصبح كل شيء جاهزًا.


حدثت بعض المواقف بينهما وبين نادر وعائلته جعلتها تقلق وتتوتر خوفا من المستقبل، لكن لم تتوقف عندها كثيرًا ففرحتها واحلامها كانت مسيطرة عليها بشكل كبير.



استمعت كثيرا بالسابق عن اختلاف العادات و صعوبة تأقلم الزوجان على بعضهما في البداية، ومن الطبيعي أن تختلف الطباع والعادات من بيت إلى آخر.


كانت نجلاء كلما شعرت بالقلق من أمر ما، وجدت له عذرًا، ثم تعود لتطمئن ابنتها:


ـ كل بيت له طباعه يا عبير، وأنتِ عندما تعيشين معه ستفهمين طباعه أكثر، وهو أيضًا سيفهمك.


استقبلت عبير حديث أمها في كل مرة بابتسامه بسيطه وشرود كبير وكأنها تصدقها تمامًا، ولكن قلبها ظل يحمل الخوف من المستقبل ، كان شيء ما يكبر في قلبها يزيد قلقها دون أن تفهم ما تريد ، تتمنى لو يزول ويحدث ما تقوله امها وما سمعت عنه من تفاهم وحب كبير يولد بالمودة والرحمة مع الميثاق الغليظ 


لم تكن تعرف أن بعض الأشياء التي اعتقدوا أنها مجرد اختلاف في الطباع، كانت في الحقيقة إشارات مبكرة لحياة مختلفة تمامًا عما رسمته في خيالها.


جاء يوم الزفاف رغم كل تلك المخاوف 


امتلأ المنزل بالنساء والزغاريد، وتعالت الضحكات، وانشغل الجميع بتفاصيل الليلة التي انتظرتها عبير و والديها طويلًا.


من يراها يجدها سعيدة 


سعيدة لأنها ستبدأ حياة جديدة مع الرجل الذي اختارته، وسعيدة أكثر لأنها كانت تظن أن كل ما حدث قبل الزواج سينتهي بمجرد أن يصبحا وحدهما، بعيدًا عن تدخل العائلتين واختلاف العادات.


لم تكن هناك احتفالات صاخبة كما جرت العادة في الأعراس، ولا قاعة مكتظة بالمدعوين.


اقتصر الأمر على جلسة تصوير فوتوغرافية بسيطة، التُقطت فيها الصور التي ستبقى شاهدًا على يوم لم يكن وليد يتمنى أن يأتي، ثم زفة عائلية شاركت فيها سيارات الأهل، واحدة تلو الأخرى، حتى أوصلوها إلى الفندق الذي سيمكثون به عدة أيام قبل السفر.


ومنذ بداية ذلك اليوم، كان وليد يحاول أن يقنع نفسه بأنه يستطيع ألا يراها، حاول أن يختبئ من نفسه قبل أن يختبئ منها.


لكن كيف يمكن للإنسان أن يهرب من شيءٍ يسكن قلبه؟


وقف في غرفة أمه وسط الظلام بالطابق العلوي فهو لم يجرؤ على النزول ورؤية فرحة العائلة بها.


اقترب من النافذة ثم تراجع بسرعة وكأن مجرد الوقوف أمامها خيانةٌ لقرار اتخذه مع نفسه.


لكنه لم يستطع الصمود أمام أصوات السيارات في الخارج وهي تقترب شيئًا فشيئًا.


كانت أصوات أبواب تُفتح، وضحكات متقطعة، وحركة الأهل وهم يستقبلون العروس تضغط عليه بقوة حتى استسلم ومد يده إلى الستارة وأمسك طرفها.


تردد للحظات ثم أزاحها بمقدار صغير بالكاد يسمح له بالرؤية.


وقف خلفها مختبئًا تمامًا عن أعين الجميع


إلى أن رآها للمرة الأولى...


 بثوب زفافها…


رآها بكامل أناقتها وجمالها…


توقفت أنفاسه وضاق صدره…


لم يكن جمالها هو ما آلمه، بل آلمته الحقيقة التي حملتها صورتها أمامه.


إنها عروس.. 


ولم تكن عروسًا عابرة في حفل سينتهي بانتهاء الليل وتعود لمنزل أبيها بل كانت عروسًا ستدخل حياة رجل آخر الليلة.


ظل يحدق بالنظر إليها من خلف الستار، بينما كانت هي تستقبل تهاني أهلها بابتسامة خجولة، غير عالمة بحقيقة تلك العينين التي كانت تراقبها من الطابق العلوي بقلب يتفتت في صمت.


كم تمنى لو يستطيع ايقاف الزمن أو حتى النزول ليقول أو يفعل أي شيء.


أو أن تحدث معجزة صغيرة تقلب كل شيء قبل أن يصبح الأمر نهائيًا.


ولكن في نفس اللحظة كان يتمنى ألا يحدث شيء يسرق فرحتها، وألا تُجرح أو تنكسر فرحتها،

تمنى لها أن لا ترى في يوم زفافها سوى الفرح والسعادة وهنا يتضح ويكمن مقدار الحب الحقيقي الذي حمله وليد بقلبه.


كان يريدها له لكن ليس بهذه الطريقة، لم يكن يريد أن يكون كسرها وحزنها ثمنًا لحبه وعودتها له، أنزل الستارة ببطء وكأنه بذلك يستطيع أن يحجب المشهد عن قلبه ولكن هيهات هيهات فصورتها بقيت عالقة خلف عينيه لم يستطع الهروب منها.


مر الوقت بثقل كبير حتى بدأت اللحظات الأخيرة، تحركت السيارات في زفة عائلية هادئة، تتقدمها سيارة العروس و تتبعها سيارات أهلها وأقاربها.


كان يقود سيارة أبيه وهو يعلم أنه في نهاية طريق حلمه وأمله.


كلما اقتربت السيارات من الفندق، كلما شعر أن شيئًا في صدره يضيق أكثر وأكثر، لم ينتبه على سرعته حتى امسكه أبيه من كتفه.


وهنا اوقف السيارة دون كلام أو رد على والده، وقف يراقب وصول السيارات التي بدأت بالظهور


 واحدة. 


ثم الأخرى. 


حتى توقفت السيارة التي كانت تقلها.


نزل أفراد العائلة، كما نزل الجميع من سياراتهم وتعالت أصوات التهاني في استقبالها.


أما وليد.


فلم يستطع أن يرفع عينيه عنها إلا ليعيدهما إليها، نزلت العروس من السيارة لتقف بعد خطوة واحدة ومن حولها الفتيات ينشرون فستانها حولها بفرح وسعادة.


اقترب منها نادر ممسك يدها ليعلقها بذراعها وهو يخطو اولى خطواته تجاه الفندق، تلك الخطوات القليلة التي بدت لوليد وكأنها مسافة عمر كامل يقطع، كان قلبه يتألم مع كل خطوة 

 تقترب بها من الفندق كعروس وتبعدها عنه كونه وليد.


كان يتمنى رغم كل شيء أن يحدث ما تمنى.


أي شيء.


مكالمة مفاجئة.


خبر يوقف الزفاف.


اعتراض يظهر في اللحظة الأخيرة.


شيء واحد فقط يعيد إليها حق الاختيار ويمنحه فرصة جديدة.


ولكنه عاد لعقله حين لمح ابتسامتها التي جعلته من جديد يتراجع عن ذلك التمني داخله.


لم يستطع أن يتمنى كارثة تُسقط فرحتها.


لم يستطع أن يدعو للحزن ان يصيبها، حتى لو كان ذلك الحزن هو الباب الوحيد الذي يمكن أن يعيدها إليه.


فكيف يتمنى لها الألم، وهو أكثر شخص يتمنى أن يراها سعيدة؟


ابتلع وجعه وظل واقفًا مكانه يراقبها وهي تسير بجانب عريسها.


كان يخسرها خطوةً بعد خطوة.


حتى اختفت خلف أبواب الفندق.


وعندها فقط، أدرك وليد أن بعض النهايات لا تحتاج إلى كلمة وداع...


يكفي أن ترى الشخص الذي تحبه يمضي نحو حياةٍ لا مكان لك فيها.


وهنا فقط بدت الشوكولاته التي بجيبه غريبة عليه، ينظر نحوها وقد اختلطت مشاعره ببعضها، جزء منه يحن لها وجزء آخر يحذر:


ـ أصبحت الآن زوجة رجل اخر! .


حدثها في نفسه طوال طريق عودته للمنزل وهو خالي الوفاض، قائلا بكل ما يحمله من ألم 

اعذريني…

اعذريني أن لم أستطع أن أفرح اليوم كما فرحوا، أو أن أبتسم كما ابتسموا، لا لأنني لم أتمنى لكِ السعادة، بل لأنني تمنيتها لكِ بقلبٍ كان يتمنى لو أنه سببها.


سامحيني إن بدوتُ باردًا وسط فرحتكِ، وإن عجزت عيناي عن الاقتراب وتهنئتكِ كما فعل الجميع، وإن كان صمتي في يومكِ أجدر بالكلام من كل الكلمات.


والله ما تمنيتُ لكِ حزنًا، ولا دعوتُ يومًا أن تنطفئ ضحكتكِ لتعودي إليَّ، لكنني لم أعرف كيف أحتفل بفرحة كنت أحلم سرًّا أن أكون بطلها، فإذا بي أجد نفسي أقف بعيدًا أشاهد رجلًا آخر يأخذ مكاني في الحلم.


اعذريني يا من ملكت روحي…


فبعض الوجع لا يُرى، وبعض الخسارات تحدث ونحن واقفون بين الناس، نبتسم لهم بوجوهنا، بينما تنكسر في داخلنا أشياء لن يسمع أحد صوت تحطمها.


اعذريني.....


بدأت عبير حياتها الجديدة رغم كل شيء ، فهكذا هو قدر الله الذي ان نزل لا يستطيع أحد التوقف أمامه أو إعادته أو التخلص منه إلا بإرادة الله وحده .


✦ ✦ ✦

كان الليل قد ألقى بسكونه على منزلهم، كما غادر الجميع إلى غرفهم، بينما بقي وليد وحده في الحديقة الخلفية.


جالسًا على مقعد ملاصق لجدار المخزن تحيطه أفرع الأشجار المتسلقة من كل جانب، حتى بدا كأنه جزء من الظلام، مكان لا تصل إليه أعين أحد، ولا يُسمع فيه سوى حفيف الأوراق بين الحين والآخر.


ظل على حالته ساكنًا تمامًا بعينان معلقتان اتجاه باب المطبخ.. حيث الذكريات 


ورغم انه هذه المرة لم ينتظر أحدًا إلا أنه لم يستطع ابعاد نظره عن ذلك 

كانت عيناه ثابتتين، حزينتين، تحملان من الوجع ما يكاد يدفع الدموع إلى أطرافهما ولكنه لم يسمح لها بالسقوط ظل يحبسها كما حبس كل ما عجز عن قوله.


كان تخيلها الآن مع رجل آخر... وحدهما، لتشتعل النار في صدره، وتزداد الحرارة لتصعد إلى قلبه وتقبض على أنفاسه، حتى بدا له أن الهواء نفسه لم يعد يكفيه.


أغمض عينيه بقوة.. ولسان حاله رافضا ما يراه أمامه…    


حاول أن يطرد الصورة من رأسه، فتح عينيه، وحدق في الظلام بقوة احتقان المه بقلبه.


لكن خياله كان أسرع منه، عادت الصورة

انتفض هذه المرة من مكانه فجأة، كمن أفزعه شيء حقيقي.


مرر يده على وجهه بعصبية:


ـ كفى… كفى انتبه لنفسك … لا يمكنك التفكير بها… انتهى… انتهى….


خرجت الكلمة منه بقوة تحمل كل ما عجز عن احتماله، لم يعد يستطيع البقاء بالحديقة أكثر من ذلك، لم يعد يحتمل أن يترك لعقله فرصةً أخرى ليعذبه.


اتجه بخطوات سريعة نحو منزله ثم صعد إلى غرفته دون أن يلتفت خلفه.


فتح حقيبته وبدأ يجمع ملابسه بعشوائية، قميصًا تلو الآخر، وبنطالًا، وبعض أغراضه التي وقعت بين يديه دون أن يفكر فيما يأخذ وما يترك.


لم تكن تلك المرة الأولى التي يسافر فيها من أجل العمل… لكنها كانت المرة الأولى التي يشعر فيها أن السفر هو الشيء الوحيد القادر على إنقاذه من نفسه… أراد أن يبتعد عن المكان الذي يذكره بها… عن البيت الذي شهد قربهما… عن الطرق التي مرت به… عن الأصوات التي اعتاد أن يسمعها بوجودها… بل أراد أن يبتعد عن كل شيء… حتى عن نفسه التي لم تعد تعرف كيف تنجو من حبها.


أغلق حقيبته وبقي واقفًا أمامها للحظات بالنسبة للجميع رحلة عمل، لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك بكثير، لم يكن وليد يستعد لرحلة عمل وحسب بل كان يستعد لرحلة هروب من النفس.

✦ ✦ ✦

احتضنت عبير أمها طويلًا حين جاء وقت الرحيل، بعد أن عاد عريسها للسعودية قبلها بشهر لينهي إجراءات الاستقدام ومن ثم تجهزت هي لتلحق به، حاولت نجلاء إخفاء دموعها وهي توصيها:


ـ اعتني بنفسك يا عبير، واصبري على زوجك، نجاحك في استقرار بيتك أهم شيء.


هزت عبير رأسها مبتسمة وسط دموعها:


ـ حاضر يا أمي لا تقلقي... سأشتاق إليكم كثيرًا.


لم تكن تعلم أن كلمة اصبري.. التي نطقت بها أمها بحب ستصبح بعد وقت قصير أثقل الكلمات على قلبها.


غادرت عبير مصر وسافرت إلى السعودية تحمل معها أحلام فتاة تظن أن الزواج هو بداية الحياة التي طالما انتظرتها.


كانت تنظر من نافذة الطائرة، تتابع الغيوم الممتدة أسفلها وقلبها مفعم بالآمال.


بيت جديد...


بلد جديد...


وحياة جديدة…


 تظن أن المسافة التي ستفصلها عن أهلها ستقربها أكثر من زوجها، وأن وجودهما معًا بعيدًا عن الجميع سيمنحهما فرصة للبدء من جديد، بعيدًا عن كل ما شهدته فترة الخطوبة من خلافات.


لكنها لم تكن تعلم أن الخطوبة هي الوجه الحقيقي لما سيحدث بعد الزواج، وان الغربة ستجعلها أكثر ضعفًا أمام كل ما قد تواجهه.


فحين وصلت وأصبحت بمفردها تواجه تحديات الحياة دون أن تجد أم خلف الباب لتحتضنها كلما ضاقت بها الدنيا، ولا أب لتشكو إليه ما يؤلمها، ولا بيتها القديم الذي تستطيع العودة إليه متى شاءت.


فقط وجدت بيتًا جديدًا، وزوجًا بدأت تكتشف أنه ليس الرجل الذي ظنت أنها تعرفه.


في الأيام الأولى حاولت أن تتجاهل بعض الأمور حين منعها من الخروج محاولة إقناع نفسها إنه يخشى عليها من البلد الجديدة.


وحين اعترض على حديثها مع صديقة الطفولة في المجر أقنعت نفسها بأنه يغار عليها من أن تهتم بأحد غيره كما قال لها.


ولكن حين بدأ يتخذ القرارات المتعلقة بحياتها دون الرجوع إليها شعرت وكأن البساط السحري التي حلمت أن يمدها بالسعادة يسحب من تحت قدمها، الغريب رغم هذا الشعور إلا إنها لا زالت تقول لنفسها:

 ربما يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد وجودها في حياته.


مع الأسف طيبتها وصفاء روحها جعلها تجد لكل موقف مبررًا، وتبحث لكل تصرف عن عذر يخفف وطأته على قلبها.


تمامًا كما فعل أهلها حين حاولوا إقناعها بتجاوز خلافاتهما خلال فترة الخطوبة.


لكن الأيام بدأت تكشف لها الحقيقة شيئًا فشيئًا...


فما ظنته غيرة لم يكن سوى سيطرة.


وما حسبته حرصًا لم يكن إلا تضييقًا.


وما اعتقدت أنه مجرد اختلاف في الطباع، لم يكن سوى بداية لحياة ستحتاج فيها إلى كثير من الصبر، وربما أكثر مما تخيلت يوم ودعت أمها عند باب منزلهم.


لم تكن عبير تعرف بعد إلى أي مدى ستتغير حياتها، لكنها بدأت تدرك أن الغربة ليست مجرد بُعد عن الأهل والوطن، بل شعورًا بالوحدة حتى وأنت تعيش تحت سقف واحد مع الشخص الذي يفترض أن يكون أقرب الناس إليك.

⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅

إلى هنا سيداتي انساتي سادتي الكرام ينتهي الفصل الرابع بكل ما حمل من فرح و ألم وخوف ، انتظرونا بفصول جديدة اقوى مما سبقها حيث المفاجآت والأسرار والقرارات السريع و و و ، انتظرونا قريبا بإذن الله...

يتبع...

author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • Amany Ahmed photo
    Amany Ahmed17 أكتوبر 2026 في 5:20 م

    انااا قلبى وجعني خالص البنت المسكينة وفى الغربة كمان وواحد معقد نفسيا رأيه هو الصح وان اى حد يقول راية يبقى بيقف أمام مستقبلة وقرارات اومال فين المشاركة

    حذف التعليق
    • Amany Ahmed photo
      Amany Ahmed17 أكتوبر 2026 في 5:21 م

      عينى عليك ياوليد قلبك الجميل مشقوي نصفين الولد هرب

      حذف التعليق
      • غير معرف17 أكتوبر 2026 في 11:05 م

        روعة سلمت اناملك
        كده يا لولوتجوزى البت لواحد نرجسى😢

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent