recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاتة | الفصل الأول

حُــبّ بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة

            بقلم أمل محمد الكاشف 




بعض اللقاءات لا تحتاج إلى موعد... يكفي أن يضع القدر خطوتين في الطريق نفسه.

               ──────── ✦ ────────

تعالت تكبيرات العيد مع بزوغ الفجر، فملأت الشوارع والبيوت ببهجةٍ لا تُرى بالعين، بل تُحَسّ بالقلب لتوقظ في النفوس مشاعر أعيادٍ قديمة، وتعيد إلى الوجوه والبيوت نبضها الدافئ.


فهي ليست أصواتًا تُسمع فحسب، بل نفحات ومدد إلهي أفضى على الكون السعادة والسرور في صباحٍ مبارك.


«الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله... الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.»


وبينما كانت التكبيرات تتعالى من المآذن، كانت أصواتٌ أخرى ترتفع وتتداخل مع بعضها البعض في أحدى البيوت، حتى بدت أجواء العيد وكأنها معركةٌ صغيرة من الاستعدادات المتأخرة.


ـ أين فرشاة الشعر خاصتي يا نادية؟


صدر صوت الأم من إحدى الغرف، وهي تفتش بين الأشياء:


ـ إنها هنا يا وليد وجدتها.


لم تمر لحظات حتى ارتفع صوتٌ آخر، مستعجلًا:


ـ نادية اكوي لي القميص بسرعة.


ردت بضيق وهي تحمل المكواة:


ـ ولماذا لم تقم بكيّه ليلًا؟


وفي وسط ذلك الزحام، جاء صوت وليد من ناحية الصالة:


ـ وهل ترك لي العمل فرصةً لأفكر في شيء؟


وقبل أن يتلقى جوابًا، وصل  صوت الأم إلى مسامعهم:


ـ يا وليد اتصل بالجزار وأكّد عليه أننا سنكون من أوائل الذابحين إن شاء الله، إياك أن تنسى عمك جلال سيذبح معكم هذا العيد، لا نريد أن يغضب والدك ويتعصب عليكم.


وقبل أن يأتي الرد، علا صوت الأب غاضبًا وقد نفد صبره:


ـ أين أنتم؟ تأخرنا عن الصلاة هل سنبقى إلى الظهر ونحن نتجهز؟


قالها عبد العزيز ملتفتا خلفه جهة أحد أبنائه، فوجده جالسًا منشغلًا بتلميع حذائه، فصاح غاضبًا:


ـ استمر... استمر… لا تفكر في شيء، يكفي أن يكون لامعًا.


أسرعت الأم مقتربة من ابنها وهي تراقب خروج زوجها الغاضب بعدما أعلن أنه لن ينتظر أحدًا منهم.


ـ هيا يا رأفت... ليس هذا وقت تلميع الأحذية الآن، هيا أركضا وراء أبيكم يا أولاد بدلًا من أن يفضحكم أمام الناس وتحزنون بعدها.


تعالت الضحكات المكتومة، واختلطت بأصوات الأبناء وحركة الأبواب وخطواتهم المتعجلة، وهم يسرعون خلف والدهم واحدًا تلو الآخر، يحملون معهم فوضى الصباح، وضحكات العيد، ودفء عائلةٍ اجتمعت على موعدٍ واحد.


بينما ظلت تكبيرات العيد في الخارج مستمرة في نشر السعادة والسرور بالطرقات والبيوت .


الله أكبر... الله أكبر... ولله الحمد



حزنت نادية وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه والدها وإخوتها، تمتمت بضيق:


ـ كالعادة... ذهبوا وتركوني خلفهم ألا يوجد عيد يمرّ علينا مثل البشر؟ نستيقظ باكرًا نرتدي ملابسنا جميعًا، ونخرج قبل وقت الصلاة، نسلّم على الناس ونوزع على الأطفال البالونات، ثم نصلي ونعود فرحين، اهم شيء ان يتجهزوا  هم ويخرجون بعد أن يكهربوا البيت كله بسرعتهم.


 أجابتها أمها حفيظة بصوتٍ أنهكه التعب:

ـ لا طاقة لي في الذهاب لأي مكان… أشعر وكأن كل عظمة بجسدي تؤلمني.


تنهدت نادية بتذمر وهي تنظر لأمها التي اقتربت من اختها المستلقية على الفراش، قائلة :


ـ كله في كفة، وشادية في كفة أخرى... كأنها تعيش في عالم موازي لو دق الطبل والمزامير بجانبها، من المستحيل أن تصحى في غير موعدها.


ردت نادية بتذمر أكبر:


ـ أنتِ دائمًا تأتين عليّ لأني اسمع وافعل كل ما تطلبين مني.


ابتسمت حفيظة، ثم استلقت على الفراش إلى جوار شادية، وقالت:


ـ نامي يا نادية ولا تندبي حظك. الكلام الكثير لا يأتيك إلا بوجع الرأس. ارتاحي قليلًا قبل أن يعودوا ويحدثوا الجلبة من جديد، فما زال وراءنا عمل كثير.


ابتسم وجه نادية لفكرةٍ خطرت لها، قامت لترتدي إسدال الصلاة بسرعة ومن ثم صعدت إلى أعلى المنزل لتشاهد أجواء العيد من فوق سطح المنزل.


بدأت أجواء الذبح تعم المنطقة شيئًا فشيئًا، بينما امتزجت تكبيرات العيد بحركة الناس وأصواتهم، بالتزامن مع بدء شعيرة الأضحية.


كما انشغل الرجال والشباب بتقسيم اللحوم وتوزيعها، بينما انشغل آخرون بتنظيف المنازل ومداخلها والشوارع من آثار الذبح، أما عبد العزيز وأبنائه كانوا قد اتفقوا مسبقًا على أن يذهبون للمذبح لإتمام عملية الذبح هناك كي لا ينشغلون بالتنظيف لاحقا.


وبين هذا وذاك، كانت النساء قد بدأن في إعداد طعام الإفطار، يجهزن ما لذ وطاب، استعدادًا للمائدة السنوية التي لا يشبه مذاقها الروحي أي مائدة أخرى طوال العام.


أُطعم الرجال والشباب قبل خروجهم لاستكمال بقية طقوس العيد وأجملها وهي السلام على الأهل والأحباب وتبادل الزيارات والتهاني مع الأقارب والأصدقاء.


ملأ العيد المكان بحركته وضجيجه وبهجته، وكأن المنطقة بأكملها استيقظت في ذلك الصباح على قلبٍ واحد...


يحتفل، ويضحك، ويجتمع.


خرج عبد العزيز وهو يتحدث مع إخوته عبر الهاتف:


ـ أين أنتم؟ لقد صعدنا السيارة ونحن في طريقنا إلى بيت عمي طاهر هيا ننتظركم إياكم أن تتأخروا، نريد أن ننتهي من كل الزيارات ونذهب للنوم.


تحدث رأفت بعيونه الناعسه:


ـ لماذا لم نبدأ بزيارة عمي جلال؟ المنزل ملاصق لنا، كنا نذهب إليهم نرتاح قليلًا حتى يجتمع باقي أعمامي هناك، ثم ننطلق بعدها.


رد الأب بصلابة:


ـ هل جننت؟ أذهب إلى أخي قبل عمي الكبير؟ مستحيل! هناك أصول علينا اتباعها توقير الكبير واحترامه واجب علينا، وأيضًا هل تريد أن يعيب الناس علينا؟


ابتسم باسم، وقال بصوت خافت لا يصل إلى والده:


ـ هل جننت يا رأفت؟ كيف فكرت في هذا؟ منذ متى وأنت تفكر بهذا الشكل غير الأخلاقي؟


نظرا إلى الأمام بوجوهم الضاحكة، ثم تبادلا النظرات جهة الأمام بينما كان وليد نائمًا بالمقعد الأمامي بجانب والده.


قال باسم:


ـ شرب دلوًا كاملًا من القهوة قبل خروجه دون فائدة


ضحك رأفت أكثر وهو يهمس لأخيه:


ـ أشعر وكأنني سأفقد وعي من شدة النعاس.


أكمل الأب قيادته منشغلًا بهاتفه يبارك ويهنئ، ويحث إخوته على سرعة التجمع عند العم طاهر.


كانت الأجواء جميلة رغم اجهادهم، وامتلأت الشوارع بالسيارات الممتلئة بالأهل والأحباب، كما عمت الفرحة المنازل التي أنيرت بزوارها.


وبعد مرور الوقت وصلت السيارات أخيرًا إلى منزل عمهم جلال، الملاصق لمنزلهم.


نزل جلال وبقية الإخوة ليدخلوا المنزل ويلقوا السلام على أهله.


تقدم جلال وفتح الباب بالمفتاح بعد أن رن الجرس مرحبًا بإخوته ثم اصطحبهم إلى مجلس الرجال.


وهنا وجد وليد فرصته تحرك وسط الزحام هاربًا إلى خلف المنزل يلتقط أنفاسه وهو يضع يده على رأسه:


ـ يا رب، أعطني القوة كي أتحمل آخر ساعة دون أن أسقط وسط الجميع.


وبينما كان منحنيًا إلى الأمام، يفرك عينيه محاولًا إيقاظهما بصعوبة، سمع صوتًا يناديه من الخلف:


ـ أنت... أنت!


التفت وليد، فإذا به أمام وجهٍ ظنه قد أشرق من الجنة.


اقترب منها مسحورًا بجمالها، وللحظة شعر أن النعاس قد جعله يحلم وهو مستيقظ.


أعطته كيس لحم قائلة:


ـ أبلغ أمك السلام من أمي.


ثم أخرجت من جيب ملابسها مبلغًا ماليًا يعلوه قطعة شكولاته ، ووضعتهما في يده دون لمسه وهي تكمل:


ـ وهذا مني... لأجل أن تدعو لي أن ينتهي اليوم قبل أن أنتهي أنا!


جاء ليتحدث موضحًا الالتباس الذي جعلها تخطئ في الشخص المقصود، لكن صوت أبيه علا باسمه:


ـ وليد... أين أنت يا وليد؟


همّ ليسرع بالرد، لولا أن بادرت هي قائلة:


ـ صوت عمي ينادي أسرع أنت بالخروج من الجهة الخلفية كما أتيت، ولا تدع أحدًا يراك كي لا تفتح علينا تساؤلات أمي في غنى عنها.


اقترب صوت عبد العزيز وهو ينادي على ابنه، فأسرعت هي بخوف وارتباك:


ـ يا الله ماذا أفعل؟ سيراك عمي الآن.


سحبته من يد سترته إلى داخل المطبخ عبر باب الحديقة وهي تنظر نحو الممر الرئيسي لمجلس الرجال قائلة له:


ـ انتظر بجانب الخزانة ولا تتحرك حتى يعود عمي إلى المنزل، سأضع لهم العصير وأذهب لأضيفهم، وفي هذا الوقت اخرج وتسلل من الجهة الخلفية رجاءً لا نريد مشاكل لأمي .


ظل وليد صامتًا، لا يصدق ما يحدث معه، بقي في مكانه يراقب خطواتها وهي تحمل صينية العصير وتخرج من المطبخ دون أن يصدر منه أي حركة أو صوت.


ابتسم وهو يقول لنفسه:


ـ بل عليّ أن أهرب كي لا أنام مكاني وأضعك في موقف أصعب مما تتوقعين والله إن نمت هنا لن تستطيع العائلة كلها إيقاظي.


فكر أن يذهب إلى حمام منزل عمه ويفاجئها بوجوده بعدها، ابتسم وجهه حين تذكر خوفها وارتباكها وتخيل حالتها وهي تراه وسط العائلة، ولكنه متعب لا يستطيع فعلها وتوريط نفسه بالإستماع لأحاديث أعمامه التي لا تنتهي، لهذا اختار أن ينفذ ما طلبته هذه المرة.


خرج من الجهة الخلفية متسللًا نحو منزله كي يدخله من جهة الحديقة الكبيرة التي تجمع منازل الإخوة معًا.


رأى نادية وشادية في المطبخ تحضران الضيافة استعدادًا لزيارة أعمامهم في محطتهم الأخيرة.


أراد أن يسألهما عن ابنة عمه جلال، لكنه اكتفى بالصمت وابتسامة صغيرة اتجه بعدها إلى فراشه مستلقيًا عليه وهو يخفض عينيه إلى نفسه متذكرًا ما حدث معه، أطلق ضحكة مكتومة واضعًا يده على فمه حتى لا يسمعه أحد قائلا:


يا له من حال!


أخرج قطعة الشوكولاته ثم فتح غلافها بهدوء و وضعها في فمه وهنا تبدلت ملامحه في اللحظة نفسها، بدأت الشوكولاتة تذوب ببطء على لسانه، استسلم وليد لطعمها دون مقاومة، كأن ذلك المذاق الصغير انتشله للحظات من مكانه ومن كل ما يدور حوله إلى مكان آخر في عالم الأحلام .


لم تكن مجرد قطعة حلوى بالنسبة إليه بل كان مذاقًا جديدًا لم يألفه من قبل حلاوة ناعمة امتزجت في فمه بشيء دافئ وغريب جعلته يبتسم دون أن يشعر


مضغها ببطء متلذذًا بكل لحظة منها وهو يستسلم للنوم ملبّيًا نداء الراحة غارقًا في الأحلام.


غضب عبد العزيز حين علم بعودة وليد ونومه، أكمل ترحيبه بالأهل والأحباب، مستقبلًا زيارات أخرى كانت تتوافد على منزله، حتى ودّع آخرها قرب أذان المغرب.


أغلق الباب، ودخل يبحث عن أبنائه الذين بدأ يفتقدهم واحدًا تلو الآخر، حتى أصبح وحيدًا يودع الناس دونهم، دافعت الأم عن أبنائها، بينما صمت الأب لشعوره شعر بما يشعرون به.


صلى المغرب في غرفته، ثم خلد للنوم بعدها، دون أن يشعر بزوجته وهي تحثه على تبديل جلباب العيد قبل نومه.


لينقضي بهذا القدر أول أيام عيد الأضحى الذي كان حافلًا بالتعب والإجهاد، مفعمًا في الوقت ذاته بالفرح والسرور والبهجة.


وفي صباح اليوم التالي استيقظ وليد قبل الجميع بدل ملابسه دون اهتمام باختيارها، ثم أخذ مفاتيح السيارة وبدأ قيادتها بعدما قرر أن يذهب لتوزيع اللحم على من يحتاجونه في المنطقة مستغلًا استيقاظه المبكر لينهي ما عليه، ثم يعود ليتناول فطوره ويرى ما سيفعله مع أصدقائه في العيد.


شاء الله بقدره أن ينفذ بنزين سيارته قبل وصوله إلى المنزل، صف السيارة في شارع يبعد عنهم اثنين أو ثلاثة كيلومترات لا أكثر، وبدأ طريق العودة سيرًا على الأقدام، مستمتعًا بأجواء الأطفال وهم يرتدون ملابس العيد ويلعبون بألعابهم الجديدة في الشوارع.


كانت الشمس حارقة، مما جعل وجهه أحمر ومتعرقًا بصورة سيئة، كان يسير بهدوء نحو قدره الذي قاده من جديد ليجد نفسه أمامها، تشير إليه بيديها كي يقترب، نظر خلفه متمنيًا أن تكون مخطئة هذه المرة.


ولكنها كانت تناديه هو... لا غيره.


تحرك نحوها بوجه أخفى ابتسامته بصعوبة، عازمًا على توضيح اللبس الذي حدث بينهما بالأمس، حدثته فور اقترابه بصوت منخفض وسريع مشيرة جهة أكياس كثيرة بداخلها أرز وزيت وشعرية وصلصة:


ـ جئت في وقتك تبقَ القليل لأبكي من ألم يدي، جميع المحلات مغلقة ما عدا ذلك البعيد أعتذر منك، ولكن إن لم يكن لديك مانع ساعدني في حملهم… وانا سأكرمك.


وضعت يدها في حقيبتها لثواني ثم أخرجت بعض النقود الورقية ووضعتها في جيب قميصه الأمامي دون أن تلمسه.


تراجع إلى الخلف من مفاجأة اقتراب يدها منه وهو لا يصدق حاله، كاد أن يفرط من الضحك لولا أنه تمالك نفسه بصعوبة.


تحدثت من جديد وهي تعقد الحجاب على وجهها:


ـ ستضعهم أمام باب المطبخ من الجهة الخلفية، دون أن يراك أحد، ومن ثم تعود إلى طريقك.


تحرك مبتعدًا عنها، محاولًا الحفاظ على الحدود التي تفرضها عادات المكان وتقاليده، فرغم الحداثة والتمدن إلا أن أهل الحي والعائلات به لا زالوا على معتقداتهم وحالتهم الأولى.


ذهب بجانب السور، ناظرًا إلى الأكياس الكثيرة، واضعًا يده على فمه محاولًا إخراج القليل من ضحكه، التفت خلفه ليجدها قد اختفت بسرعة كبيرة.


حدث نفسه:


ـ أخشى أن تكون جنية الأحلام تظهر وتختفي في عالمي الموازي فقط!


حملهم متعجبًا من ثقلهم ناظرا داخلهم من جديد:


ـ هل وضعتي داخلها أحجار بدل الطعام؟


سار في طريقه حتى وصل لمنازلهم، دخل بحذر من الحديقة الخلفية كي لا يراه أحد من أهله ويسأله عما يحمله، ثم تسلل مقتربًا من باب المطبخ ووضع الأكياس أمامه.


وفجأة فُتح الباب، لم يتوقع ظهورها أمامه بهذه السرعة، نظر ليديها إذ بها تحمل تفاحة حمراء بجانب قطعة شوكولاتة في يد والأخرى تحمل بها زجاجة ماء بارد، مدتهم نحوه وهي تشكره على مساعدتها :


ـ أعتذر منك مرة أخرى عجزت عن حملهم، وفي الوقت نفسه كان عليّ إحضارهم إلى المنزل قبل استيقاظ أبي، قبل العيد ظل يؤكد علينا ماذا تريدون؟ ماذا تريدون؟ ونحن نجيبه: لا شيء حتى اكتشفنا أن لا شيء أصلًا في خزانات المطبخ.


ابتسم وهو يستمع إلى آخر كلماتها:


ـ هيا… اذهب إلى عملك، رزقك الله أكياس لحم كثيرة.


همّ ليبدأ حديثه الذي حلم به طوال الليل متمنيًا رؤية صدمتها من كونه إبن عمها، ولكنها لم تعطيه فرصة حين أغلقت الباب بوجهه .



عندها ظهرت ضحكته التي حاول كتمها، تحرك وهو ينظر ليديه لتتحول ضحكته إلى قهقهة لم يستطع السيطرة عليها.


شرب الماء الذي كان بحاجة إليه، ثم فتح قطعة الشوكولاتة ووضعها في فمه بسرعة كطفل صغير ظفر بما اشتهاه، مستمتعًا بطعمها الذي أحبه.

 صعد بعدها إلى منزله وقلبه يرفرف ببهجة صغيرة لم يستطع إخفاءها، مد يده وداعب شعر أخته نادية بطريقة أثارت غضبها ورفعت صوتها:


ـ لا تضع يدك على شعري وإلا سأقطعها لك


ضحك بجوارها:


ـ وكيف ستقطعينها يا شبر ونصف


اقتربت شادية بحركة سريعة ملتقطة التفاحة من يده:


ـ من أين أتيت بها؟


أسرعت نادية خلف أختها:


ـ أعطيني نصفها، اشتهيتها ليلة أمس وجميع الأسواق مغلقة.


تحدثت شادية وهي تقتسم التفاحة مع أختها:


ـ وأنا أيضًا اشتهيتها. رأيتها في الأطباق لدى عمي جلال، ولكني خجلت أن أمد يدي وآخذ منه.


ضحكت نادية:


ـ وأنا أيضًا رغم أنهم وضعوها لنا، لكنهم نسوا أن يضيفونا منها


شاركتهم أمهم الحديث وهي تحضر الفطور:


ـ نجلاء دائمًا هكذا تنسى نفسها ولا تتوقف عن الكلام إلى أن نعود، وابنتها عبير مثلها تمامًا، للأمانة... البنت جميلة وطيبة كأمها ولكن الوحدة وعدم مخالطة الناس في الغربة أثرت على دماغهم وخفّت عقولهم وأصبحوا هكذا.


ضحكت شادية:


ـ الغربة بريئة منهم، كما كانت تقول جدتي، رحمها الله.


تحدثت نادية لأمها:


ـ كنت أسمع كثيرًا عن عبير لكنني تفاجأت بجمالها ما شاء الله عليها، وكأنها حورية من الجنة، ظلت تعطينا الكثير من الشكولاتة والحلويات الخاصة بها دون ملل مصره على أكلها معها طوال الزيارة.


ضحكت شادية:


ـ حورية بعقل خفيف! البنت ما صدقت رأتنا حتى تمسكت بنا وكأننا سنهرب دون رجعة، المتني معدتي من كثرة شرب النسكافيه بالشيكولاتة وعصير الآيس كريم بالمكسرات والشيكولاتة.


ضحكت أمهم هي الأخرى:

ـ وأنا أيضا شعرت وكأنها مولودة بمصنع شوكولاتة.


كان وليد يستمع إليهن بوجه مبتسم فرح، وكأن مجرد سماع اسمها أصبح كافيًا ليمنحه شيئًا من البهجة.


دخل المطبخ وبدأ يشارك في نقل الأطباق، حين علا صوت عبد العزيز:


ـ ألن نأكل اليوم أم ماذا؟


اجتمعت العائلة حول مائدة الفطور، بينما كانت نجلاء تحضر فطائر الكريب بالنوتيلا والفواكه لزوجها وابنتها، عوضًا عن اللحم.


تحدث جلال:


ـ رائحتها كالعادة جميلة، اذهبي يا عبير بعد تناولك فطيرتك إلى منزل عمك عبد العزيز، وأعطيهم بعضًا منها هو أيضًا يحب الحلويات.


تحمست نجلاء:


ـ سأصنع لهم المزيد وأرسله معها ما شاء الله أنت تعلم أن عددهم كبير، ولا يكفيهم القليل مثلنا.


أومأ جلال برأسه:


ـ أنتِ محقة. ليبارك الله له فيهم.


أنهت نجلاء فطورها على السريع وبدأت في تحضير فطائر الكريب، واحدة تلو الأخرى واضعه عليهم النوتيلا والفواكه.


ثم نادَت ابنتها لتذهب بها إلى منزل عمها، خرجت عبير من جهة الحديقة صاعدة لمنزل عمها، استقبلها البنات بفرح وحب، طالبين منها الجلوس لديهم بعض الوقت، ثم اتصلوا بعمهم جلال طالبين بقاء عبير لديهم لوقت إضافي.


وافق جلال بحب لتفرح عبير ناسيه نفسها حتى أذن المغرب وهي تتحدث معهم.


كادت أن تتصادف مع وليد مرة أخرى حين نزل من سيارته وقت نزولها هي درج منزلهم، لكنها لم تره وسط الظلام.


وقف يراقبها بوجه أصبح يضحك كلما رآها أو سمع عنها من إخوته وأمه، لتمر بعدها عدة أيام وأسابيع.


كان قد عاد الشباب إلى العمل في محل بيع الهواتف والأجهزة المنزلية الخاص بوالدهم، يخرجون في الصباح ويعودون آخر اليوم للنوم وهم مرهقين متعبين، بينما كانت تحضر الأم طعام الغداء ليأتي أحدهم لأخذه ثم يعود إلى العمل من جديد.


كما أصبح وليد يأتي كل يوم ليأخذ الطعام متمنيًا رؤيتها في الشارع أو الحديقة الخلفية دون أن يحدث ذلك، وكأنها هاجرت المكان بعد العيد.


فقد الأمل في رؤيتها، حتى توقع ذهابها مع أمها إلى محافظتها لقضاء بعض الوقت مع الأهل قبل عودتهم إلى المجر  كما كان يسمع ذلك من أمه حين تقول:


ـ ذهبت نجلاء إلى أهلها ،المسكينة لا تستطيع رؤيتهم لعدة سنوات طويلة، هذه هي ضريبة الغربة تقطع الإنسان عن أهله.


 وبعد أن فقد الأمل في رؤيتها لعدة أسابيع، دخل وليد الحديقة الخلفية ليجلب من المخزن بعض قطع الغيار الجديدة.


بحث بالحديقة عن شيء يساعده في تحريك بعض الأشياء داخل المخزن، أمسك مكنسة خشبية ليستخدم عصاها .


تفاجأ بصوت يناديه من الخلف، قبل أن يقترب من الباب، تسارعت ضربات قلبه لأول مرة بطريقة غريبة عليه، استدار لينظر نحو مصدر الصوت فإذا بها تشير إليه بيدها كي يقترب.


ترك المكنسة من يده واقترب وهو يتلفت جهة البوابة الكبيرة، تحدثت عبير فور اقترابه ووجهها يحمل فرحة واضحة:


ـ أتيت في وقتك من جديد، أقسم أنني لم أصدق رؤيتك، وكأنك ملاك أرسله الله لي كي يساعدني.


فرح وجهه أكثر وتطاير قلبه من كلماتها التي سرعان ما تحولت إلى طلب غريب:


ـ أصرت أمي على تعليمي التنظيف والمسح كبنات عمي.


وأشارت نحو منزل عمها عبد العزيز مكملة بصوت منخفض:


ـ وقع على رأسي حمل هذه السجادة الكبيرة ورفعها على السور الكبير.


ضيقت عينيها وضمّت حاجبيها بتذمر، مشيرة إلى السور الذي يحيط المنزل، ثم أكملت بصوت خافت:


ـ كيف يمكنني رفعها إلى الأعلى؟ انظر إلى ارتفاعه! وبجانب ذلك كيف سأمسك العصا وأبدأ بنفضها حتى يزول التراب كما تفعل نادية وشادية كل نهاية أسبوع؟


رفع كتفيه وحاجبيه كما مد فمه وهو ينظر إلى السور بتعجب.


أكملت عبير :


ـ لتفعل كالتالي ضعها على هذا السور القصير وثبتها جيدًا، ومن ثم سأخرج أنا كي أضربها بصوت عالي عدة ضربات، بعدها بنصف ساعة عد كي تجمعها وتضعها هنا بجانب الباب، وأنا سأخرج مرة أخرى لأسحبها وأدخلها وكأنني أنا من حملها.


ابتسم أكثر متحدثًا إليها لأول مرة:


ـ هل الجزاء كبير ومخيف لهذه الدرجة؟


تعجبت من حالة وجهه وكلماته ، ومع ذلك أومأت رأسها باجابتها:


ـ نعم حتى أنه أكثر مما تتوقع، لهذا عليك أن تساعدني.


دخلت المطبخ ثم عادت لتعطيه بعض النقود:


ـ خذ هذه، أنهي عمل منزل عمي أولًا، وبعدها ابدأ بالسجادة، وأنا ساراقب الحديقة حتى اتاكد من ذهابك وأخرج لاضرب السجادة عدة ضربات فلا يصح خروجي إلى الحديقة وأنت بها…. اتفقنا


أومأ رأسه مؤكدًا على حديثها.


بدأت بالدخول وهي تقول:


ـ سأعطيك بعض الحلويات والشوكولاتة المستوردة إن أتممت عملك كما اتفقنا.


دخلت عبير وأغلقت الباب خلفها، وهي تحدث نفسها:


ـ ما شاء الله عليه شاب جميل ووسيم، طيب القلب، لا يرفض مساعدتي أبدًا.


نظر وليد إلى ملابسه، ثم أخرج هاتفه وفتح الكاميرا الأمامية كي يتفحص وجهه وشعره، قائلا لنفسه:


ـ هل حالتي مزرية ومثيرة للشفقة إلى هذه الدرجة؟


نسي أمر قطع الغيار التي جاء من أجلها، صعد إلى الأعلى، ووقف أمام المرآة ينظر إلى ملابسه ووجهه من جديد.


دخلت نادية عليه الغرفة تراقب حالته باستغراب.


فما إن رآها حتى سألها:


ـ ماذا ترين بي؟


تعجبت أخته من سؤاله، أكمل هو:


ـ في ماذا تفكرين حين تقع عيناكِ عليّ؟


ابتسمت نادية وهي تجيبه:


ـ شاب جميل ووسيم يعاني من النحافة بعض الشيء، لكنها لا تؤثر على مظهرك بشكل كبير، وأيضًا...


حرّك عينيه متسائلا:


ـ وأيضًا ماذا؟


أكملت بصراحة كبيرة:


ـ ملابس العمل أصبحت تترجاكم أن تمنحوها إجازة أبدية، تشترون الملابس الجديدة لتحنيطها في الخزانة، وعند الخروج ترتدون نفس الملابس القديمة.


تفاجأ وليد بحديث أخته ، ناظرا للمرآة من جديد وهو يرد عليها ليفاجئها:


ـ عندك حق جاء وقت الاهتمام بالمظهر، حتى وإن استُهلكت الملابس بالعمل ماذا سنستفيد منها وهي تنتظر المناسبات في الخزانة؟ لنرتدها ونستمتع بها لتذب في عرق العافية.


أخرج طقم العيد ليبدأ ارتدائه على الفور ثم مشط شعره ووضع بعض العطر، في تلك اللحظة اتصل به والده… 

فتح الهاتف مجيبًا على ما سمعه:


ـ حالًا، سأنزل إلى المخزن، أحضرها وآتي بالطعام أيضًا.


شكت نادية وشادية في أمره، متوقعين وجود فتاة بجانب مكان العمل.


نزل وليد إلى الحديقة الخلفية بوجه مبتهج، أخرج ما يريد ووضعه بجانب الدرج.


ثم عاد ليغلق المخزن بصوت عالي أراد أن يصل إليها، حتى تخرج ويعرفها بنفسه، ويكتشف أنها ابنة عمه التي لم تراه منذ صغرها.



لكن من جديد حدث عكس توقعاته خرجت عبير متخفية تنظر إلى منزل عمها بحذر، متحدثة بصوت منخفض:


ـ لماذا بدلت ملابسك قبل مساعدتي في رفع السجادة؟ رجاءً ساعدني بها لا أستطيع رفعها إلى الأعلى وحدي كما ستسحب أمي الهاتف مني طوال اليوم.


ثم تابعت:


ـ لا تخف، السجادة نظيفة بالأصل نحن نأتي شهر واحد في الإجازة وأنا وأمي وأبي وحدنا، لذلك هي نظيفة وجديدة لا تخف على ملابس العيد.


 ابتسمت وهي تضيف:


ـ وأيضًا لا تنسى سأعطيك شوكولاتة أحضرتها معي من المجر.


أومأ برأسه، وقال بلهفة طفولية:


ـ هل ستعطينني شوكولاتة حقًا؟


أجابته بتلقائية:


ـ بالطبع ولكن بسرعة، ادخل لأخذها لقد تعذبت كي أوصلها إلى منتصف المطبخ.


رد عليها بوجه مستنكر:


ـ كيف سأدخل منزلكم؟ ماذا إن رآني أحد؟


نظرت خلفها، ثم نظرت إلى منزل عمها من جديد:


ـ لا تخف، أمي وأبي نائمين كل الخوف أن يراك أحد من أولاد عمي عبد العزيز، سيقطعونك دون رحمة هكذا يقول أبي.


أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بضيق:


ـ سأفعلها لأجل الله حتى وإن حدث ما تقولينه!


فرحت و أفسحت له الطريق، حدّق وليد في الباب ثم التفت إليها ناظرًا نخوها نظرةً حادة أراد بها أن يُخيفها:


ـ هل أنتِ متأكدة من دخولي؟


قلقت وترددت لبضع ثواني، دخل وليد دون أن ينتظر ردها اقترب من السجادة ووقف ينظر إلى جهة المنزل من الداخل ثم عاد لينظر إليها محاولًا اخافتها، وبالفعل نجح في ذلك.


حين رأى نظراتها تتغير، أخذ السجادة وخرج ليضعها في مكان مختلف تمامًا عن المكان الذي أشارت إليه، ليتضح أنه المكان المخصص للسجاد.


ثم عاد ليربكها أكثر مقتربا منها وهو ينظر إلى المطبخ:


ـ لا تكوني ساذجة إلى هذه الدرجة الحذر ، مطلوب في كل شيء، كيف تدخلين شاب غريب إلى منزلك دون إذن من أهلك، وكيف تقولين له أبي وأمي نائمين، ماذا لو كان سيء؟، ماذا لو فعل بك مكروه؟، أنتِ لستِ صغيرة كي تتصرفي بهذه الطريقة غير المدروسة حتى الأطفال يفكرون أفضل منك، لم يتبقى إلا القليل حتى تخبريني بأسرار أهلك ومنزلك، أقسم تبقى مرتين فقط على رؤيتك لي حتى تخبريني عن مكان الذهب داخل وسادة أمك.


ردت بسرعة مدافعة عن نفسها:


ـ أمي لا تضعه في الوسادة مثل جدتي نحن متحضرون.


رفع حاجبيه وأومأ برأسه:


ـ لسنا مثل جدتي؟ هذا يعني أن جدتك تضع الذهب في الوسادة! يا لها من معلومة مهمة وثمينة! هيا أكملي... لم يتبقى إلا القليل لتقولي كيف أنتم متحضرون في إخفاء الذهب والأموال.


قاطعته بضيق:


ـ ما بك؟ كيف تتحدث معي بهذا الشكل؟ هل تعتقد أنني ضعيفة وساذجة؟ أحب أن أقول لك إنك أخطأت، كنت أستغلك كي أرتاح، ولكني قوية جدًا تدربت على الملاكمة ولدي عضلات تجعلك تندم إن فكرت بأي شيء مما يدور في عقلك.


ثم أضافت بثقة:


ـ وكنت أيضًا أخدعك جدتي لا تخفي الذهب في الوسادة، وأمي أيضًا لا تستخدم الخزينة الرقمية وهذه الأشياء الحديثة لإخفاء الذهب.


أغمض عينيه لبضع ثواني ثم استند بكتفه إلى جانب الباب ناظرًا إليها بتعجب:


ـ ماذا تقولين؟!، أتسمع أذنك ما يقوله لسانك؟!، من أي عالم أنتِ؟!من أي عالم أنتِ؟!، وكأنك تعيشين في زمن وحياة مختلفة عنا؟!


وقفت أمامه بخوف أكبر، محاولة إبعاده وصرفه من المكان دون مشاكل:


ـ هيا اذهب من فضلك. لا أريد رؤيتك هنا مرة أخرى، ولا تأتِ لمساعدة عمي أحذرك، لا أريد رؤيتك في محيطي مرة أخرى، هيا قبل أن أوقظ أبي وأحكي له ما قلت.


ابتسم:


ـ تحكين له ما قلت! هل ستحكي ما قلته أنا فقط، أم ستحكي ما فعلتيه وقلتيه أنتِ؟ هل أحكي أنا له عن وضعك لي بجانب خزانة المطبخ يوم العيد؟ أم أحكي له عن إدخالك لشاب غريب إلى المنزل بحجة حمل السجاد؟


استقام بوقفته ثم قال بجدية:


ـ دعك من كل ذلك عقلي لا يصدق كيف تخبرين رجلًا غريبًا عن خصوصياتك.


قالت بضيق:


ـ أنت لست رجلًا


اتسعت عيناه بقوة:


ـ ماذا؟


أسرعت بتوضيح كلامها:


ـ لا أقصد ما فهمت أعني أنني لمست بك الرحمة والطيبة، وأردت مساعدتك لوجه الله… وأيضًا ما بك؟ لماذا تحولت إلى رجل مخيف بهذه السرعة؟ من فضلك اذهب ولا تحدث لي مشكلة.


رأى وليد الدموع وهي تتجمع في عينيها، أخذ نفسًا عميقًا، واعتذر منها، ثم أكمل:


ـ لا أعرف كيف وصلنا إلى هذه النقطة، لكنك أثرتِ غضبي حقًا جعلتي الدم يفور في عروقي، أخذت الأمر في البداية على سبيل الضحك، لكنكِ أفقدتني عقلي.


ثم نظر إليها بجدية:


ـ لا يمكنك الاستمرار بهذه الطيبة المفرطة، سيقضي عليكِ جميع من حولك دون رحمة، لا تقولي إنني لم أحذرك.


تحرك ليبتعد عنها، نادته:


ـ انتظر أنا لم أأذيك ، وأنت لا تؤذني.


لكنه أكمل سيره دون أن يرد عليها، فهي حقًا أغضبته وجعلته يغار عليها، كونها من بنات عائلته. كيف لها أن تكون بهذه الطيبة والسذاجة أمام الناس


أما هي فظلت في حالة غريبة لعدة أيام، امتلكها الخوف والذعر والندم، ورغبة شديدة في الانتقال والعودة إلى بلدها للأبد.


لاحظ والداها حالتها، وأرادا إخراجها مما هي فيه وخاصة حين انهارت عقب قرار والدها بعدم العودة إلى المجر  مجددًا مما جعلها تشعر وكأنها في غابة مخيفة لا يمكنها التعايش فيها.


وفي محاولة منه لإخراج ابنته من تلك الحالة، استغل جلال عطلة الجمعة، ودعا عائلة أخيه عبد العزيز إلى طعام الغداء.


قرر أن يشوي لهم اللحم في الحديقة الخلفية، وأن يجتمعوا جميعًا في أجواء عائلية 

لكن هذه المرة، لن يكون اللقاء عابرًا.

خرجت عبير حاملةً طبق كبير مملوء باللحم المتبل، تسير ببطء تحت ثقل ما تحمله رافضة طلب المساعدة من أحد بعدما أخذت درسها على نحو قاسي.


فهي مدللة والديها لم يضغط عليها ولا يوبخها أحد ، جميع ما يصدر منها كان يُرى جميلًا في أعينهما حتى طيبتها وسذاجتها كانا موضع مدحٍ وإعجاب، ولم تعتد أن يواجهها أحد بقسوة كما فعل ذلك الشاب الذي هز صورتها عن نفسها، وجعلها ترى نفسها من زاوية مختلفة.


تفاجأت به يقف وسط أبناء عمها، رفع رأفت يده ملقيًا عليها السلام وهو يقترب منها ليحمل عنها الطبق الكبير.


 رفضت عبير مساعدته وأكملت طريقها نحو والدها دون أن تنطق بكلمة.


تحدث باسم بنبرة مازحة:


ـ هل خفتي على اللحم لا تقلقي لن نأكله قبل شوائه


ابتسم قلبها الطيب وهي تخفض عينيها قائلة:


ـ يكفي ما تفعلونه.


رد رأفت من خلفها ضاحكًا:


ـ أنتِ محقة، كان من المفترض أن يكون حفل شواء، لكنه تحول إلى حفل تنظيف الحديقة أولًا، ثم الشواء وكأننا ندفع ثمن غداءنا  مرتين.


ابتسمت من جديد دون أن تمد عينيها نحو وليد الذي لم يسقط نظره عنها لحظة.


وضعت الطبق بجوار والدها، ثم اقتربت من عمها الذي فتح ذراعيه لها كي تدخل في حضنه مقبلها من رأسها بحنان.


خرجت نادية حاملة طبق الخضار لتجلس على الطاولة الخشبية لتبدأ إعداد السلطة، مستمتعة بالأجواء العائلية من حولها.


كما خرجت شادية ووالدتها وزوجة عمها بأوراق العنب والأرز الخاص بها، ليبدأوا بحشوها ولفها.


أما عبير فلم تستطع البقاء في الحديقة بعد أن رأته بها يرتب المكان وينظم الأشياء ويوقد الفحم، معتقدة أنه مجرد عامل مأجور.


انسحبت إلى المنزل وهي في حالة لا تفهمها، وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها، وهي تستعيد كلماته القاسية عن سذاجتها المفرطة، وسخريته منها، كما تذكرت تهديده المبطن لها.


لم يكن وليد أقل اضطرابًا منها بعد أن لاحظ تغيرها وسمع من والدها عن حزنها ورفضها لفكرة الاستقرار في البلاد.


ظل ينتظرها منذ ذلك اليوم محاولًا رؤيتها في الحديقة الخلفية رغبةً في تبرير سبب قسوته في الحديث معها، و يوضح لها خوفه عليها لكنه لم ينجح في ذلك.


وبعد أن طال وقوفه في الحديقة، اقترب من زوجة عمه قائلا:


ـ ممكن أدخل أغسل إيدي في الحمام؟


رحبت به نجلاء دون تفكير:


ـ ادخل يا بني، أنت لا تحتاج إلى استئذان.


تحدثت أمه وهي تنظر إلى ملابسه:


ـ اذهب إلى المنزل، اغسل يدك وغير ملابسك ومن ثم عد إلينا لا تتناول طعامك وأنت بهذه الحالة.


ابتسم وليد وقال:


ـ سأظل بهذا الشكل حتى يغيّر أبي نظرته الاستعبادية لنا حتى في يوم الإجازة لا يرحمنا.


ابتسمت نجلاء، وأصرت عليه أن يدخل، بينما أوصته أمه قبل دخوله:


ـ ألقي السلام أولًا، فابنة عمك بالداخل.


أسرعت نجلاء قائلةً:


ـ لا تقلق، ستجدها بحجابها، إن لم تكن في غرفتها مغلقةً عليها كعادتها في الأيام الأخيرة.


أومأ برأسه ثم دخل تاركًا أمه وأخواته يتعجبن من إصراره على دخول منزل عمه بدلًا من صعوده إلى منزلهم المجاور.


دخل متسللًا بهدوء يبحث عنها بعينيه حتى وجدها في الصالون تضع الحلوى والشوكولاتة في أطباق التقديم.


تحدث بصوت منخفض:


ـ وعدتِني بالشوكولاتة دون أن تعطيني منها.


استدارت فجأة وما إن رأته خلفها حتى اتسعت عيناها رعبًا، تسارعت ضربات قلبها حتى بدا له اضطراب أنفاسها واضحًا من شدة خوفها وصدمة وجوده أمامها.


حاول تهدئتها:


ـ ما بكِ لا تقلقي اهدئي.


رفعت يدها نحوه، متحدثة بحدة وقوة :


ـ أخرج من المنزل بسرعة.


اخفض صوته أكثر:


ـ ما بكِ؟ اخفضي صوتك واسمعي ما سأقوله أولًا.


ردت بتوتر:


ـ لا أريد سماع أي حرف منك. اخرج من المنزل، وإلا سأذهب إلى أبي وعمي وأقصّ على الجميع ما حدث، ليجعلوك عبرةً لمن يجرؤ على الاقتراب منا.


ناده أخيه رأفت من الخارج:


ـ وليد أين وضعت مفاتيح السيارة؟ نقص الفحم وسأذهب لشراء المزيد.


رفع وليد صوته مجيبًا:


ـ لم أحركها من مكانها، ستجدها بجانب هاتف أبي أعلى قفص الحمام.


تغيرت نظراتها نحوه، وكأنها بدأت تدرك شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.


أومأ وليد برأسه وقال:


ـ أعرفكِ بنفسي أنا وليد، ابن عمك، ومدير تسويق شركة سمنار في المنطقة.


ثم خفض صوته من جديد ليكمل بنبرة يغلب عليها الضحك:


ـ وعامل نظافة في بعض الأوقات.


أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا يرى ابتسامتها، بينما تابع وليد:


ـ لكنني أحببت وظيفة عامل النظافة، وخاصة بعدما لمعت عيناي بمكسبها، ما شاء الله ابنة عمي الكريمة لم يبقى إلا القليل حتى تتبرع لي ببعض الذهب مقابل ما قدمته لها من مساعدة.

──────── ✦ ────────

انتهى الفصل ويبقى السؤال:

 هل كان ما حدث مجرد صدفة، أم أن للقدر رأيًا آخر؟

إلى اللقاء في الفصل القادم.

طبعا يسعدني أن أعرف رأيكم في بداية الحكاية، وما الذي تركته كلماتها الأولى في قلوبكم.

شاركوني انطباعاتكم، فآراؤكم مهمة جدًا بالنسبة لي.

author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف6 أكتوبر 2026 في 10:18 م

    تحفة الفصل حرفيا تسلم ايدك❤️

    حذف التعليق
    • غير معرف6 أكتوبر 2026 في 10:44 م

      الله عليك رواية رائعة جدا ذكرتني بأيام كانت فيها الحياة جميلة بأهلها وفرحة الأعياد ولمة الأهل والاقارب آلتي غيرها الزمن أو هم من تغيروا والأسباب كثيرة عشت مع ابطال الرواية فرحة العيد واجمل شيء لقاء عبير بوليد وكيف تكون ساذجة وطبية القلب وبداية لشرارة الحب وأخيراً معرفة بأن وليد إبن عمها وليس اجير عندهم بداية جميلة جدا وممتعة ننتظر الأحداث بشوق

      حذف التعليق
      • غير معرف7 أكتوبر 2026 في 12:46 ص

        روعة كالعادة حبيبتي سلمت اناملك

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent