recent
جديدنا

ملجأ جنة الفصل الخامس

 ملجأ جنة 
الفصل الخامس 
د. سميحة رجب 



قد يفارقنا بعض الأشخاص ولكن تبقى ذكراهم حية بقلوبنا لا يزول أثرها، تغيب الشمس يوميا ولكن ذكراهم واسمائهم تظل محفورة في وجداننا لا تغيب أبدا... 

فهناك فرق بين جسد حي يسير بيننا وبين روح صعدت لبارئها ولكن الأكيد أن عملهم الذي تركوه بيننا أصبح حصنا منيعا لذكراهم ضد رياح النسيان، فلطالما كانوا لنا كالمطر بعد الجفاف، كالكثرة بعد الوحدة، كالوطن بعد سنين الغربة، كأنهم الإطمئنان بعد التشتت، كيف يُمكن لأشخاص مثلهم أن تطوي ذكراهم في حقائب الماضي وحقبة النسيان، فموتهم كشريط الفيلم ينقطع وينتهي ولكن يبقى أثرهم الطيب موجودا كلما اشتقنا لهم نلتمسه فتحيا قلوبنا من جديد و تنعم بالهدوء والاستقرار النفسي والونس..


في الملجأ كانت خديجة سعيدة بل تكاد تطير من فرحتها، تعانق الصغيرة وتعطيها طعامها وأدويتها والشيخ حسن بجانبها يداعب الصغيرة حينا ويتأمل سعادة زوجته حينا آخر. 

جاءت مديرة الدار ناحيتهم لتعطيهم مجموعة أوراق قائلة:

 والآن نرحب بالمعلمة خديجة وسطنا 


ابتسمت خديجة وقالت:

 لا أعرف كيف أشكرك على كل ما تفعلينه معنا ومع جنة، لولاكي لكنا خسرنا صغيرتنا وربما تبنتها أسرة ما وابتعدت عنا

المديرة: 

لم أفعل غير واجبي بل انا من يتوجب على الشكر لما تقدمونه من رحمة وعطف على هؤلاء الصغار، وتضحون بوقتكم وايامكم من أجل إسعادهم 


ثم استأذنت منهم لتذهب وتدير شؤون الملجأ لتتركهم مع جنة علي أن تبدأ عملها مع الأطفال من الغد 


وأثناء جلوسهم وإذا بكرة تصطدم بقدمه بقوة كانت ضربة مفاجأة افزعت حسن فأمسك بتلك الكرة رفع رأسه يبحث من ذا الذي رماه بتلك فنظر للطفل الذي كان واقفا هناك بنظرة غضب ممتزجة بحدة وجدية لكن ذلك الطفل بادله نظرة ببراءة تحولت سريعا لخوف من ردة فعل الشيخ حسن فقد بدت على ملامحه أنه لن يمررها ليتحدث الولد على عجل معتذرا: 

أنا آسف عمو حسن آسف لا تؤاخذني رجاء ولا تضربني والله لم اقصد


نهض الشيخ من مكانه وتحرك صوب الولد لكن لم يستطع تمالك نفسه فضحك وهو لا يزال ممسكا بالكرة ما جعل الولد يأخذ نفسا عميقا حين رآى الشيخ حسن يضحك ليقترب حسن منه ممسكا كتفه قائلا:

لست غاضبا وماحدث شيء عادي لا يدعو للخوف أنت تلعب وأصبتني عادي جدا لكن اعتذارك لن يقبل إلا إذا.. 


الطفل: إلا إذا ماذا يا عمو حسن؟! 


رد الشيخ حسن وهو يلعب بالكرة ويمررها بين يديه يمينا وشمالا والأولاد ينظرون ليكمل:

إلا إذا هزمتني 


الطفل باسما: 

وهل تستطيع لعب الكرة يا عمو حسن أنت شيخ كبير؟


الشيخ حسن بتذمر:

وما هذه شيخ كبير أتراني عجوزا أم ماذا؟! أنا لا أزال في عز شبابي ياولد هيا هيا جربني لترى إلا إذا كنت تخاف الهزيمة.


الطفل:

بالطبع لا عمو أنا أنافس أهم لاعبي العالم دون خوف.


الشيخ حسن وهو يمسح على رأس الطفل:

ليجعلك رب العالمين أهم لاعبي العالم إن شاء الله


الطفل:

اووه دعاؤك هذا جميل جدا عمو حسن


الشيخ حسن:

ليس أجمل من براءتك وضحكتك ولكن اولا ما اسمك ياولد


الطفل: سليم … اسمي سليم يا عمو حسن

الشيخ حسن: يبدو أنك معتز بإسمك ماشاء الله فأنت تؤكد عليه وتعيد ايضا اسم جميل

الطفل: أجل فأنا احبه لان امي هي من سمتني إياه مميز بالنسبة لي


هنا جلس الشيخ علي ركبتيه ووضع يده على رقبة سليم وطالعه قليلا مستفهما ليسأله: 

غريب حقا وهل تعرف امك سليم؟


الطفل: نعم أعرفها طبعا فهي تزورني كل أسبوع منذ أن فتحت عيني وفهمت الحياة فتحتهما عليها


الشيخ حسن مذهولا يخاطب نفسه:

لا يمكن هناك خلل بالتأكيد يستحيل أن تكون أمه ووضعته هنا كيف استطاعت فعلها هناك خطب نعم 


ثم خاطب سليم ليضيف: 

لا أفهم يعني والدتك هي التي وضعتك هنا بني

الصغير سليم: نعم هكذا أعرف.

الشيخ حسن:

غريب حقا لكن دعك من هذا ولنعد لمباراتنا هل ألازلنا على اتفاقنا؟ أقبل اعتذارك ان هزمتني.


سليم:وان هزمتني.

الشيخ حسن:

لم أفكر بها لكن إن هزمتك ستحفظ لي سورة من القرآن والمرة المقبلة حين آتي ألقنك إياها موافق؟! 

سليم وهو يمد يده ليصافح الشيخ حسن: موافق  

الشيخ حسن بحماس:تمام لنبدأ.


انطلقت المنافسة على الكرة بينهما كان الشيخ حسن يراوغ سليم ويتذكر ايام طفولته وشبابه ولعب المباريات مع الفتيان في الحي فيأخذ الكرة حينا ثم يرخي قبضته فيترك الكرة لسليم قصدا ويجعله يأخذها منه ويتظاهر بأنه انزعج ليقول بصوت مرتفع:

ياولد انت تراوغ أحسن من مارادونا لم نتفق هكذا 


 والآخر يركض بها فرحا سعيدا ليرد:

قلت لك أنك عجوز لكنك قلت لا أزال شابا ليس ذنبي يا عمو حسن فأنت فقدت قدرتك على المراوغة

ا

لشيخ حسن:

هكذا إذا تعال انتظر سأريك ما يمكن أن يفعل العجوز.


ركض ناحيته يريد أخذ الكرة منه لكن هذه المرة سليم راوغه فعلا باحتراف وأخذها منه من جديد وتمكن منه وهكذا وهكذا بين أخذ ورد وبين ركض ومراوغة وبين ضحك وصفارة حكم صغير لا يفهم من التحكيم شيء وبين ركض هنا وهناك وضحكات الأطفال الجميلة تلك الضحكات التي تبعث في نفسك شعورا غريبا للراحة ولو كانت كل هموم الدنيا على كتفيك إلى أن انتهت تلك المباراة وهزم الشيخ حسن الكبير بقدم الطفل الصغير سليم 

تقدم سليم من الشيخ حسن ومد يده وسلم ليقول وهو يأخذ نفسه سريعا: هزمتك

الشيخ حسن: وأنا قبلت اعتذارك

سليم:وأنا سأحفظ ما طلبت مني ولو لم يكن اتفاقنا.

سر الشيخ حسن أيما سرور ليلاعب سليم من شعره ثم ضمه إليه ليقول:

بارك الله فيك بني هكذا أنا أفتخر بك والآن تعال سأعرفك على ابنتي جنة

سليم:جنة الجميلة

الشيخ حسن: تأدب ياولد أنت في حضرة أبيها

سليم ضاحكا: ما قصدك عمي

الشيخ حسن: لم تفهمني صحيح؟!

سليم: لا

الشيخ حسن: انسي حين تكبر ستفهم.


وتوجها ناحية جنة التي تلعب بجوار خديجة فركض نحوها سليم صائحا: جنة .. جنة 

ضحكت خديجة وهي تجلسه جوار الصغيرة قائلة: يبدو ان جنة أسرت قلبك انت الاخر يا بطل

سليم وهو يلاعبها: نعم فهي جميلة وصغيرة جدا كما انها ستلعب معي عندما تكبر وانا لن اسمح لأحد أن يؤذيها من باقي الاولاد كما حدثتني المديرة أمل 


ابتسمت خديجة لحسن ثم ظلت تتأمل سليم وجنة ليلفت نظرها لعبه بإحدى العرائس فسألته: هل اعجبتك؟ 

سليم ببراءة: اعجبتني ولكنها للبنات 

خديجة: حسنا يا سليم افندي ان حفظت سورة من القرآن تكرما منك كما وعدت عمك حسن فسأصنع لك لعبة تليق بك 

حسن بحماس: إذا سأحفظ سورتين 

الشيخ بتحدي: وإن لم تفعل؟ 

 حسن: انا بطل كما قالت الخالة خديجة وستري كيف سأحفظهم واكسب التحدي


ضحك الشيخ حزينا على هذا المسكين المفعم بالنشاط والروح المرحة ولكن وجوده هنا ربما يكون أحد أسباب تعاسته ومعاناته في المستقبل 


في المساء كان الشيخ جالسا في شرفة منزله حزينا يفكر في جنة تارة وبسليم تارة أخرى، يشعر بالخوف والحزن والشفقة على هؤلاء الصغار الذين يعانون في ذاك الملجأ بسبب أخطاء غيرهم والمصيبة أنهم ضحية لأخطاء الكبار الناضجين ولكنهم تجردوا من رداء الانسانية والمسؤولية 


دلفت زوجته وجلست بالقرب منه بعد أن قدمت له الشاي فشكرها وبدأ يتناوله بصمت فلامست حزنه وشعرت بما يجول بخاطره فتحدثت بلطف خافت وهي تبتسم ابتسامة بسيطة ربما حزينة على جانب ثغرها:

 لقد رجوت ربي ودعيته مرات لا حصر لها على مدار السنوات منذ أن أودع حبك بقلبي حتى اليوم، لطالما دعوته أن يمنحني القوة لأتمكن من سرقة حزنك لأضعه في جيبٍ خفي من جيوب قلبي، ولكن حزنك لم يسع جيب واحد فعزمت ان اضعه في كل جيوبي المهم ان اظل في حماك أسير في ظلك وبجانبك اضرب كتفي بكتفك


ناظرها الشيخ باسما ثم أردف: 

طبعا فكتفي يعلو كتفك بتسع سنتيمترات 


ردت بضحكة خافتة:

 لا بل لان كتفك يحمل أطناناً من الأحزان، وأنا دائما على يقين أنك لن تتألم من ضربة كتفي الذي يحمل حزني وحزنك 


الشيخ: اااه ولهذا قضيتي سنوات شبابنا وحتي يومنا هذا تسيرين ممسكة بيدي، فلقد شاركتي الاظافر فوحدها من تتمسك بالأصابع وجئتي انت لتشاركيها، فالرِمش يُفارق الجَفن، والشعر يتساقط من الرأس، والروح تغادر الجسد بعد بلوغها الحلقوم، وحده الظفر من يتمسك..


هتفت خديجة بلهفة: 

وسأظل أمسك بكلتا يديك وأشد بكلتا قبضتاي على قبضتيك، ولن تتألم أو تنزعج فيديك موطني الهائل ويداي صغيرتان يغرقان في كفيك فيأمن قلبي وتهدأ نفسي، في كل كفٍ من كفيك، ثمة دموعٌ وتنهداتُ والكثير من الشقوق والحزن والخيبات والحسرات ، رُبما أخفيت يديك عمداً حتى لا أسمع صوت نحيبها ولكن بمسيري بجانبك وسرقة الاحزان من قلبك و كتفك ويديك ولم تكف جيوب قلبي فجعلت قلبي وكتفي ويداي وطنا لاحزانك.  


وضع كوب الشاي واقترب منها  لتستند على كتفه وقبض بيده على يدها مقبلا جبينها وأردف بحب:

 وكتفي ويداي وقبضتاي وقلبي فداءاً لخويدجتي 

مرت السنين وانت ممسكة بيدي ومازلت، رغم شيبتي ولكن مازلت ذاك الطائر في شبابه عندما وجدك فقد وجد السماء بعد معاناة للوصول للنجاة والهرب من عنق الزجاجة


ابتسمت وتنهدت براحة وهي تغمض عينيها تعود إلى الماضي فتحدثت وهي تتذكر أول رسائله لها فأردفت: 

احبك واعترف بجهلي لمعرفة الزمن الحقيقي لوقوعي اسيرا لعينيك، احبك وأنا استشعر أبسط ما يميزك ثم أبتسم، احبك واضحي هذا الحب هو قوتي بهذه الحياة.


 وعندما اخترتني وتركت اهلك لأجل استمرار زواجنا وجئتك اطلب منك تطليقي حينها اجبتني بما اسر قلبي وجعلني استزيد في عشقك ولهفة قربك أكثر وأكثر. 


الشيخ حسن:

 والى الان اتذكر كل كلمه وكل وعد


خديجة: أشهد ربي انك لم تخلف ظني بك يوما 

الشيخ حسن: ولكني مازلت أتساءل نفس السؤال الي اليوم،أتساءل كيف للحبّ أن يعصف بقلوبنا بهذا الحد؟ كيف له ألا يأبه للزمان؟ والمكان؟ والعمر؟ والاشخاص ؟ وبمن نحبّ؟

 لقد جاء هذا الغرام بوقته الصحيح جدا في حياتي لذلك فاستوطن منذ أول ابتسامة بيننا، لا يمكنني التخلي عنك لأنك ببساطة الخلود والبقاء الذي يشعرني بأن الحياة مازالت بخير، انت السبب الوحيد الذي يجعلني أستيقظ في كل صباح وأنا أمتلك من الحماس مايجعلني أستطيع الطيران وتناسي كل احزاني 


خديجة: اتمني ان تنال جنة نصيبها من العشق عندما تكبر فلا تنعم الفتاة إلا بوجود رجل يساندها ويحميها وتستقوي به. 


ابتسم الشيخ وهو يتذكر جنة فقال: 

جنة بحد ذاتها هذه التي لا تتعدى النصف متر تشبه العشق في دهشته بأبسط التفاصيل، كل ابتسامة وملاقاة وكل لحظة معها تشبه كل كلمة وسؤال وكل ابتسامة حب وحتى تأملها يجعلني أتسائل: 

كيف ظهرت بحياتنا وكيف احببناها؟


كيف أنّي كنت خالي الوفاض من أي شعور بالحياة وامتلأت بك اولا ثم بجنة من وراءك، الوجود معكما بنفس الوقت في الملجأ يجعلني أشعر وكأنما كل مشاعر العالم كله لا تنبع إلا من قلبي، أشعر بأن الحياة غير الحياة، والعمر أجمل من العمر، والصباح أدهش من الصباح، وأن العالم كل العالم مبسوط تحت قدماي.. وأن طريقي الوعر صار سهلًا لينًا هينًا ونهايته الوصول إليكما


لم ينتهي حديثهما الى هذا الحد بل نسيا أنفسهما حتى خطفهما النوم وسرقتهما الاحلام ولكن استيقظت خديجة بعد ساعتين لتجده يستند علي كتفها فابتسمت  ثم عدلت وضعه على الأريكة وتحركت لتصلي ركعتين تقربا لربها 


وبعد أن انتهت رفعت يديها لربها داعية:" اللهم اني استودعك نفسي وزوجي وابنتي"


انتهت من دعائها وحين نهضت سمعت صوته من خلفها: هل دعيتي لي؟

خديجة: بالطبع دعيت لك.

حسن: وما كان دُعائك؟

خديجة: قلتُ يارب ان لم تجعلني لقلبهُ السعادة 

فلا تجعلني له وجعاً .. 

فسكتت ولم ينطق بشئ هو الآخر فسألته:

 لماذا لم تقُل آمين؟

الشيخ حسن: لأنني بخيركِ وشركِ أريدكُ.


وكيف للروح أن تنسي الدعاء لحبيبٍ روحه في الروح تقيم.


منذ ما يقارب خمسة عشر عاما كان هناك شاب اسمه حسن وقع بغرام الحسناء خديجة، ومن حسن حظه أن الله قدر أن تكون من احبها هي نفسها زوجته وسكنه وحلاله، وكان هذا العشق بالنسبة له نجاة من الغرق في هوجاء الشباب وربما انقلبت حياتي بسبب هذا العشق ولكن والله لست بنادم ولا حزين بل فخورا بزوجتي فبفضل وجودها بجانبي...استطعت أن أنهض بقوة بعد عثرتي، واستفقت بعد غيبتي واستقمت بعد معاناتي من اعوجاج الطريق

لا أعرف السبب الذي قادني لتسجيل قصتي من اولها ولكن أشعر أن هذا الوقت المناسب، لا اخفيكي سرا يا صغيرتي فأبيك حسن يشعر بمشاعر غريبة واحاسيس وارق يضرب بليله منذ ايام 

ربما حان موعد الرحيل وربما ماهي إلا هواجس ولكن دعيني أخبرك هذه التفاصيل وأودع أمانتي في رعايتك


واولا: وقبل كل شئ اريدك ان تتخذي من قصة ابيك حسن عبرة وعظة لعلها ترشدك يوما إذا هاجت بكِ عواصف الحياة 

وثانيا: استأمنك قلب خويدجتي فلتكونا لبعضكما عونا وسندا وفرحة، أعلم أن خويدجتي لن ترتاح يوما من بعدي ولكن أملي بكِ أن تؤنسي وحدتها وتملأي فراغات حزنها 

وثالثا: لا تضعفي يوما يا صغيرتي وتذكري دوما أنك قرة عين أبيك و مهجة فؤاد أمك ولا يعنيك ما سيقال وما سيتسابق الناس لرميك به من كلم، كلما شعرتي بانكسار تذكري قيمتك فمن يعرف نفسه فما ينفعه كلام الناس 

ورابعا واخيرا: افرحي يا جنتي ولا تستسلمي للحزن يوما بل استغلي أحزانك لتقفي عليها بدلا من حملها على كتفيك، فلا تحنيكِ الاحزان بل ترفعك اعلي واعلي وتعلي شأنك فوق الجميع 


هذه هي وصايا أبيك حسن، ستسمعينها في الوقت المناسب وحينها اريدك ان تخبري خديجة انني احبها وهذا الفراق لم يكن بيدي بل هي مشيئة الرحمن ليستعيد أمانته


ومن أهم ‏وصايا قلبي لكما؟.

ابتسما دائما ولاتظلما ملامحكما بالعبوس، إني معكما حتى بالبعد وقلبي يساندكما رغم الفراق فوالله لن يكون الموت فراق بيني وبينكما بل مجرد فترة مؤقتة حتى نلتقي في جنة الخلاق ياجنتي ومهجتي 


ثم أنهى الشيخ تسجيله ووضعه بجيبه قبل أن تأتي خديجة وتراه وبعدها التفت الى حيث تلعب جنة بعرائسها وسليم يلاعبها ببرائة فتبتسم له، ابتسم الشيخ وتحرك نحوهما وافترش الأرض بجوارهما ليمسح علي رأس سليم وحمل جنة بحضنه يضمها لتتحول الضمة لعناق طوييييييل وكأنه عناق المئة عام الذي لامس ارتاجفة هذا الشيخ وخصيصا عندما مدت جنة ذراعيها الصغيرين لتعانقه فدمعت عينيه تأثرا بهذا العناق، عناق جنة والذي هو أكثر اللغات اطمئنانا ودفنا، تلك المسافة الصغيرة بين ذراعيها فرجت بقلبه ضيق الدنيا واتسع له حضن صغيرته بِهمه وحمله والأمور المعقدة التي ستخلف من بعده ولكن عناق جنة كفيلا بإزالة همومٍ بقدر الجبال 

أجلسها بحجره وظل يقبلها بقوة وقبلات متفرقة.. يقبل عينيها وخديها وجبينها ويديها، تلك القبلات تواسيه وتضمد جراحه وتولي تعبه وكأنها تدعمه في وقت ضعفه دون أن تعي شيئا.


أعاد تقبيل كفها الصغير قائلا وقد ترقرقت الدموع بعينيه مجددا: 

اعذريني يا صغيرتي فوالله لطالما تمنيت ان اكون لك العائلة والموطن والاب والظهر والسند ولكنه القدر المحتوم.


ظل الشيخ معها يلاعبها ويحتضنها وكأنه يريد أن يشبع منها لتمضي عليهم ساعات ‏مختلفة البينين وكأنها محراب بين الذنب والمغفرة، مابين كبوة ونهوض، ما بين دمعة وابتسامة، ما بين عناق وفراق ما بين ظل وشمس وظلمةٍ وضياء


بقي على حاله فترة ينظر إلى ذلك المكان بصره هناك وفكره يأخذه إلى البعيد البعيد عند جنته حين كبرت وهو ليس موجودا حين دخلت الروضة أول مرة وهو ليس موجودا حين حصلت على تقدير ممتاز وركضت عند خديجة أمها التي تنتظرها خارج المدرسة وهو ليس موجودا وحين تخرجت وتزينت بلباس التخرج والكل يبارك لها وفي حسن تربيتها وهو ليس موجودا وحين زفت لزوجها بالثوب الأبيض فكانت أميرة الأميرات في جمالها وهو ليس موجودا كله رسمه بخياله سنين مرت أمامه كلمح من البصر فغص قلبه غص بشدة ليضع يده هناك ولم يتمالك دمعه فبكى بكى بصمت موجع لوحده نزلت دموع حارقة على وجنتيه لكن هناك من كان يراقبه كيف لا يفعل وهو يراه قدوة له ويتخذه عزوة وبمجرد رؤيته على تلك الحال ركض إليه سريعا ووقف أمامه ليتفاجأ العم حسن به فتحدث سليم على عجل وببراءة:

مايبكي عمي حسن هل أغضبك أحد اخبرني فقط وأنا سألقنه درسا لن ينساه


ابتسم حسن رغم حزنه لكلمات سليم الطفولية البريئة ليلامس شعره كعادته ويردف وهو يمسح عيونه:

لا أبكي يا بني طبعا مجرد غبار وقع في عين فآلمني قليلا.


سليم:لكن الجو صحو

الشيخ حسن:دعك من هذا وأخبرني أين كنت بحثت عنك في الجوار ولم أجدك

سليم بسعادة: ذهبت لأكمل حفظي كما وعدتك

الشيخ حسن: وهل حفظت السورتين.

سليم بثقة: طبعا

الشيخ حسن: أأنت متأكد؟

سليم: متأكد

الشيخ حسن:ستسمعني ها وإن أخطأت ستعاقب أنا لا أتهاون في الحفظ وعصاي جاهز دائما.

سليم: ممممم حفظت حفظت

الشيخ حسن: إذا لنبدأ أسمعني فاتحة الكتاب أولا ثم الإخلاص

سليم: ما هي سورة الإخلاص

الشيخ حسن: ماذا؟ قل هو الله أحد

سليم بخجلته: آ صحيح تذكرت

الشيخ حسن: تذكرت ها هيا هيا ابدأ

سليم بكل ثقة: الحمد لله رب العالمين.

فحمحم الشيخ حسن ليتوقف سليم ويفطر قليلا ثم يعيد القراءة "بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين...

فحمحم الشيخ حسن ثانية فتوقف سليم ينظر إليه مستفهما ليقول: ماذا؟

الشيخ حسن بحدية: تذكر 

سليم:ةأعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين،الرحمن الرحيم،مالك يوم الدين،وإياك نستعين


حمحم الشيخ حسن من جديد فتوقف سليم وأخذ ينظر إليه ويحاول التذكر فيما أخط ليشرع في تكرير سورة الفاتحة بين شفتيه بهمس ليبحث عن خطئه لحظات فقط والشيخ حسن يطالعه بجدية فهو لا يمزح في أمور التحفيظ ثم تحدث وقال:ها أنسيت.

سليم:لا لا أحفظ احفظ ليعيد من جديد.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم  

بسم الله الرحمان الرحيم 

الحمد لله رب العالمين(١)الرحمن الرحيم(٢)...

الشيخ حسن مقاطعا سليم :أنت لم تحفظ جيدا يا ولد

سليم: نسيت يا شيخي

اعتدل الشيخ حسن قليلا في جلسته ففهم سليم أنه سيعاقب لا محالة فعاد للخلف قليلا ببطئ ليتحرك الشيخ حسن ثانية يهم بالوقوف وقبل أن يفعل حتى طار سليم من مكانه وركض هاربا وهو يردد:احفظ احفظ 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،بسم الله الرحمن الرحيم

(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7).

آمين.

الشيخ حسن وهو يركض خلف سليم:

تعال ياولد انتظر ماهذا هل طرت تعال سأعطيك فرصة لن أعاقبك ثم إن آمين في الصلاة في الصلاة


سليم: آمين في الصلاة وقل وعد اولا قل وعد اولا.

الشيخ حسن:

وعد يا فلتة زمانك أصبحت اقطع وعودا لطفل عش كثيرا ترى كثيرا.


توقف سليم حينها عن الركض وعاد نحو الشيخ حسن الذي توقف أيضا وأخذ يتنفس بسرعة بعد أن كاد ينقطع نفسه ليقول:

ماهذا تلبس حذاء نفاثا أم ماذا؟

سليم: لا بل أنت أصبحت عجوزا.

الشيخ حسن ضاحكا:ةشكرا على تذكيري

سليم: نحن في الخدمة

الشيخ حسن: هيا تعال وأسمعني سورة الإخلاص ثم الفاتحة هيا. 


بعد ساعة جاءت خديجة نحوهم والابتسامة تزين ثغرها وما ان لمحتها جنة حتى زحفت نحوها فالتقطتها خديجة بحضنها مقبلة اياها بحب ثم توجهت نحو حسن الذي نهض ممسكا بيد سليم قائلا: سأسلم أمانة للمديرة وأستئذنها للخروج في نزهة سوية 

خديجة: وهل يمكن إخراجهم خارج الملجأ؟ 

الشيخ حسن: سأطلب منها وانت جهزي جنة وسليم 

خديجة: حسنا 


وذهب الشيخ لغرفة المديرة فدلف هناك وسلم وجلس.

المديرة: خير يا شيخي أهناك شيء؟

الشيخ حسن: أردت فقط أن أسلمك شيء.

المديرة: ماهو؟

الشيخ حسن: هذا التسجيل لقد سجلته لجنه لكن ستسمعه حين تصبح بعمر أكبر وتعي كل شيء لنجعله في عمر الثامنة عشر إذا لم يتبناها احد قبل ان تخرج من هنا بيوم ولو تبناها أحد لنجعله في عمر الثانية عشر هذا طلبي الوحيد وسأجعلها أمانة على عاتقك إن وافقت سيدتي.


مدت المديرة يدها وأمسكت التسجيل تنظر مستفهمة لتقول: وسأكون عند الأمانة إن شاء الله لكن لم تفعل هذا ستكون معها خلال ذلك العمر إن شاء الله؟

الشيخ حسن: لنقل حاجة في نفس يعقوب قضاها.

المديرة: حسنا كما تشاء شيخي 

الشيخ حسن: وهناك طلب أيضا لو سمحت 

المديرة: تفضل

الشيخ حسن: نرغب في أخذ سليم وجنة في نزهة قصيرة.

فكرت المديرة قليلا وقالت: أنتما تعتبران من أهل الدار وتعملان هنا بالتأكيد ليس لدي مانع فقط حافظ عليهما هما أمانة سأحاسب عليها أمام ربي. 


الشيخ حسن: سليم وجنة أولادي لا تقلقي، ثم سلمها التسجيل الذي سجله وأذنت له بأخذ جنة وسليم لمدة ساعتين، فخرج ليخبر زوجته وتحركا سريعا بالأطفال حتي ينتهزا الوقت ليستمتعا معهما 


في الطريق تحدث الشيخ حسن ليقول:

ها ألم تفكري أيتها الأم أين سنأخذ أطفالك؟


خديجة: فكر أنت في شيء يبهج الأطفال.

الشيخ حسن: وما أدراني برغبات الأطفال؟

خديجة: أولم تكن طفلا يوما؟

الشيخ حسن: وأنت أيضا كنت طفلة يوما.

كل ذلك النقاش وسليم جالس بالوسط ينظر إليها تارة لخديجة وتارة للشيخ ليقاطعهما متحدثا: لنذهب للملاهي.

بعد قليل من الوقت كانوا جميعا بالملاهي بناءا علي رغبة سليم، لم يتوقع الصغير أن يستجيب له حسن ولكنه فعلها حقها، فقفز الصغير فرحا عندما وجد حسن يمسكه من يده ويركبه بإحدى السيارات قائلا: 

هذه مكافئة بداية حفظك لكتاب الله، وان كان في العمر بقية فلك هدية كلما حفظت اكثر، ولكن لأوصيك بجنة لتهتم بها وبحفظها عندما تكبر 


سليم: اعدك اني سأحفظها كل ما حفظته

وجلس الشيخ هو بالسيارة المقابله طالبا من خديجة أن تصورهم سويا 


لحظات من السعادة هلت عليهم، عاد الشيخ حسن لطفل مع سليم يلاعبه ويهجم عليه بسيارته فيصرخ سليم حين يخسر فيرق له قلب الشيخ فيفسح له المجال تارة لينعم بالفوز 

وخديجة تصور كل ذلك سعيدة وجنة محمولة بيدها علي ذراعها الاخر تصفق بسعادة لاتعلم لماذا تصفق ولا لماذا تضحك بل تضحك علي ضحكات حسن وخديجة وسليم وبتلقائية تصفق علي هذه الضوضاء فتضحي وكأنها لوحة ابداعية مرحة مليئة بالجمال والراحة البريئة النقية، فقلبت خديجة الكاميرا لتصورها وهي علي هذه الحال 

وانضم إليهم سليم والشيخ حسن بعد أن فرغوا من اللعب ليلتقط لهم الشيخ عدة صور جماعية وكان حريصا أن يصور جنة جوار سليم، لا يعلم السبب ولكن كان يعتقد انه شعور الابوة تجاهههما وحسب! 


وبعد أن نالا جرعة لا بأس بها للفرح والمرح سألهم الشيخ: إلي أين تريدون الذهاب الان؟


خديجة وسليم بنفس الوقت: نريد مثلجات.


ابتسم الشيخ وامسك يد سليم وتحرك بجانب خديجة هامسا لها:

 هل ترغب خويدجتي بتناول مثلجات فلماذا لم تخبريني اذا؟ 


خديجة: الفترة الماضية كان بك ما يكفيك 

الشيخ حسن: كل الدنيا تهون أمام مطلبك 

تحركت خديجة حاملة الصغيرة بخجل ومضت امامه فتحدث بصوت عالي نسبيا لتسمعه:

 مثلجات وغزل البنات 


وبالفعل بعد دقائق كان الشيخ يشتري لهم غزل البنات فاختار سليم اللون الأبيض له ولحسن اما حسن فاختار اللون الوردي لجنة وخديجة 


خديجة: ولكن جنة لن تأكله 


جلسا علي مقعد جانبي وحمل الصغيرة من يدها واجلسها بحجره وبدأ يطعمها بيده فتفاجئت خديجة بحبها للحلوي وحتي لا تنتظر حسن ليطعمها بل كانت تخطفه بيدها وتشوه به يدها ووجهها ثم تأكل مستمتعة وتضحك فيضحك سليم علي شكلها وكذلك خديجة فأشار لها حسن أن صورينا سويا 

فالتقطت هاتفها لتصورهم متعجبة من نظرات حسن لهم ولكنها حاولت أن تكذب فكرها محاولة تصديق انه سعيد بهم وحسب وان وجوده مع الاطفال يفرحه 


نظر حسن خلفه ليجد تمثالا خلفهم فنظر لها قائلا: كنتي تحبين التصوير بجانب التحف تعالي لاصورك فرفضت متحججة:

 لقد كبرنا علي هذا الكلام 


لم يدع لها الفرصة فأمسك بيدها ليوقفها امام التمثال ثم ركض سليم نحوهم فأعطاه جنة قائلا: اقف هنا بجانبنا واحذر أن تسقط اختك سألتقط صورة لخالتك خديجة سريعا 

سليم: لا تقلق هي بعيني 


وبدأ يصور خويدجته ولكن ليس علي السريع بل تحولت الصورة لعدة صور بل لفيديوهات متعددة لها وهي تقف بكل جوانب التمثال، فعندما رأى هذه الفرحة بعينيها لم يستطع أن يكف علي تصويرها وتأملها اكثر وكأنه يخيط جروحا فيتأملها وكأن كل نظرة منها هي شفاء جرحه فلقد رزقه الله حبها،لقد كان فقيرا وأغناه الله بها، حتي اندمجت وبدأت تعترض علي الصورة وزاوية التصوير فيغير الزاويه عدة مرات ولم يتوقف الا علي صراخ سليم عندما تعب من حمل الصغيرة فبدأت هي الاخري بالصراخ فأخذها الشيخ حسن ضاحكا عليها ليدغدغها قائلا: ااااه منك ااااه ياشقية، ان سمعت ضحكا تضحكين ولو بكاءا تبكين 

فتحدثت خديجة: ابنتي مرهفة الاحساس كأمها 

الشيخ حسن: يا سلام 

خديجة: هل لديك مانع؟

الشيخ حسن: حاشا لله خديجة هانم 

فتحركت أمامه ممسكة بيد سليم متجهين للملجأ مجددا 


وبعد أن أدخلا الأطفال كلا لمكانه واخبرا المديرة ثم تحركا للذهاب وفضل أن يسيرا معا يدا بيد تضرب كتفها بكتفه كما اعتادا فلقد اشتاق لشبابهم سويا، طريق طويل قضوه في الحديث عن عمل خديجة ليسألها: هل مرتاحة في العمل؟ 

خديجة: وهل لي أن أكون غير ذلك؟ 

العمل وسط هؤلاء الملائكة يحيني من جديد، إنه ليس مجرد عمل بل حياة للحياة 

ويكفي اني بقرب جنة طوال الوقت وأعلم سليم الشقي

ابتسم الشيخ ما إن تذكر سليم فقال: اريدك ان تحفظيه القرآن بجانب الرسم

خديجة: وانت؟

الشيخ: يعني لو انشغلت يوما فكوني حريصة ألا يفوته 

خديجة: حسنا لك ما أردت 


واستمر الحديث علي هذا المنوال حتي وصلا إلي البيت ولكن قبل أن يصعدا صدح صوت هاتف الشيخ 

فأجاب ليطلب منه المتصل أن يعود لبلدته حالا، فهي مسألة حياة أو موت!


نهض الشيخ من نومه قبيل صلاة الفجر، نظر الي خديجته بشوق وحب ولهفة فهو سيتركها ليومين، صحيح هي فترة بسيطة ولكنه لا يعتاد فراقها فمنذ خمسة عشر عاما لم يفارقها يوما ولم ينم ليلة دونها، ولم يبدأ صباحا دون بسمتها بل كانت بسمتها هي صباحه ومسائه ونبض يومه 


توضأ وهم بالصلاة عازما علي ركعتين قيام تقربا من ربه ليحفظ جنة وخديجة، يشعر بوحشة غريبة ولم يجد سوي ربه ملجئاً وحصناً، استفتح صلاته وركع وحين سجد لم يتمالك نفسه بل انهمرت دموعه تسابق دعواته في سباق غير عادل بالمرة فبجوفه دعوات كثيرة لا نهاية لها يريد أن يتوسل لربه ولكن هذه العبرات كانت تخنقه وتضيق صدره ولكنه ظل علي حاله يصلي ويدعو بسجوده حتي طرق صوت آذان الفجر لمسامعه فهدأ قلبه وخفت روعه واستكانت نفسه وسلم أمانتيه وديعة لمن لا تضيع ودائعه 


ثم نهض خفيفا من حمله وكتفيه كأنهما بعلو السماء، يشعر بانفراجة صدر رهيبة وذهب ليصلي الفجر فتعجب جيرانه لانه تأخر عن إمامتهم كغير عادته، فاعتذر منهم وقام بإقامة الصلاة وجلس معهم يتحدثون قليلا في مواضيع شتى 

ثم نهض وتركهم ذاهبا للبيت ليشبع من قرب خويدجته قبل الرحيل ولكن وجدها مازالت نائمة، فجلس امامها يتأملها طويلا ويغرق بتفاصيلها ليروي عيناه وروحه بها 


امسك قلما وورقة وبدأ يكتب

أما بعد.. 

السلام لعينيك خويدجتي 

قبل أي شيء يجب أن تعدي حبيبك انك لن تحزني أبدا ولن تجزعي من اي بلاء أو فاجعة وتذكري دائما انك فاتنتي، فاتنة بطريقة لا يـقدر على وصفُـها قلمي، أن قلبك عمر حياتي بالحب والفرح. 

لا تجعلي حزنا مقدرا يهشم قلبك ويحطم ما بين أضلعكِ، لا تخافي من فرقة قد قدرت بتقدير المولي ولاتذرفي دمُوع لؤلؤتيك سوي في تقطيع شرائح البصل، فعيناكِ دائما ينضُب منها الأمل وقلبكِ يُمطر الفرح ويقطر الحب فقط إستمتعي بالقليل من القهوة، وأستنشقي كل يوم وردة مع جنتنا وقبلي خديها مرة لأجلك ومرات لأجلي 

واستقوي وقفي بجانبها وذكريها عندما يضيق بها العالم ان أباها حسن كانت أمنيته الوحيدة هي أن يجعل قلبه قلعة لتحتمي خلفَ أسوارها من بطش الحياة، كنت اتمنى ان اراها تكبر أمامي وتتوسط حجري كل يوم احتضنها وتحتضني وأقرأ لكما فصل من رواية مُحببة ليتسلى بها قلبُك واخبركما ان فاتناتي ما خُلقتا لتجزعا وما وُجدتم لتتعبا وانكما يا ورداتي ما أزهرتما لكي تذبلا 


واخيرا وليس أخرا هذه الرسالة لن تقع بيديك الا اذا كنت في عالمي الاخر والاخير سأتركك مجبرا ولكني سعيدا للقاء ربي 

لقد كنتي لي خير الرفيقة والأنيسة وسكن العمر عشت معك ما يقارب العشرون عاما من ضمنهم خمسة عشر عاما في مغتربا عن أهلي وبلدي ولكني وجدتك دائما جفن عيني الذي أغلق بعد قرة عيني لأستريح، ووجدتك كشعاعِ شمس أحتضن حزني بدفئٍ مريح، ولطالما كنتي لي بحرا استنجد به في محيط أحزاني فما كنت لي الا شراعا نجت به روحي لأطمئن

حبيبتي لا تحزني فما انا الا عابر سبيلٍ بهذه الحياة ولكن القدر جعل من قلبي مكانا فسيحا أسرته عيونك بقهوتها ودفئها فكنتي لي أمانا لا يجتبيه جريح، 

والله لم يبالغ من قال انّ الروح للروح تميل فمال القلبُ لرؤيته رُغم انه بات غريبا لا رأته عين ولكن بالقلب مستوطنٌ مستكين، سبحان من الف قلبي بقلبك لأنعم بشبابي وشيبتي في حضرة غرامك 

لقد كنت فقيرا وأغناني الله بغرامك يا خويدجتي 


أنهى خطابه ونهض ليخبؤه بين ثيابه 

ونظر لها ليجدها مازالت نائمة هادئة النفس مطمئنة كالملاك الهادئ بالأصل هي ملاكه الهادئ الذي يبهجه إن ضحك وإن بكى وإن غضب وإن ابتسم.


تحرك من مكانه سعيدا بها ثم دلف إلى المطبخ ووقف عند بابه وطالعه قليلا ليردف بكل ثقة:

سأحضر لمحبوبتي إفطارا هي تستحق وأيضا ليس بالشيء العظيم كلها مجرد وجبة إفطار لا أكثر خمس دقائق وتحضر والآن من أين ستبدأ حسن أفندي من أين ستبدأ،أها لأحضر بيضا مقليا بالجبن مع الشاي وبعض الطماطم والخيار والبطاطا المقلية،أي بطاطا مقلية على وجبة الإفطار ياهذا.

تحرك نحو الثلاجة وفتحها وأخذ يبحث عن الأغراض اللازمة ثم توقف ليقول:

لم أنا متوتر هل لهذه الدرجة تحضير الطعام مخيف.

والآن أين المقلاة؟

بحث في الرفوف ولم يجدها ليقف بمكانه ينظر هنا وهناك ويقول:

وأين سأجدها الآن أين تخبئين أغراض المطبخ يا خديجة؟

لم يطل به الزمن حتى وجد المقلاة فشرع في تجهيز البيض لكنه ما إن كسر بيضة حتى فلت ما بداخلها ووقع منه أرضا فاضطر إلى التنظيف بالورق الماص يذم الساعة التي فكر فيها في تحضير الإفطار ليكمل بعدها تحضير البيض ثم انتقل لتجهيز الشاي لكنه وضع يده على الإبريق وهو ساخن ليسحب يده سريعا لكن احترق إصبعه ليسرع ويضعه في الماء وهو يردد:يا إلهي ماهذا؟ هل أنا في مطبخ أم ساحة حرب أعلن فشلي منذ الآن وبشكل رسمي ما كان يجب أن تلعب في ملعب غير ملعبك يا سيد حسن،لا بأس اقتربت من الانتهاء بقي تقطيع الطماطم والخيار وبعض التعديلات قبل أن تستفيق خويدجتي.


استيقظت خديجة علي صوت عبث بالمطبخ فنظرت بجانبها لكنها لم تجده فأردفت:

أين هو لم أحس عليه ثم ماكل هذه الجلبة الصوت آت من المطبخ أتراه هو؟ وما شأنه هو بالمطبخ هو لا يدخله إلا لكي يشرب.


تحركت من السرير نحو المطبخ تحك عيونها كي تستفيق وتستوعب ماحولها لتدخل هناك لكن ما إن فعلت حتى جحظت عيونها تنظر لما أمامها.

تحدث بسعادة وقال: مفاجأة يا جميلتي.

نظرت حولها قليلا لتردد ضاحكة: نعم مفاجأة وأحلى مفاجأة أيضا ماذا حدث هنا؟

الشيخ حسن ضاحكا: من المفترض أن تكون وجبة فطور لكنها تحولت لملحمة و أحرقت اصبعي.

انفجرت ضاحكة لتقول: اصبعك فقط؟ لو لم استفق لأحرقت المطبخ كله.

حسن: حضرت بيضا تذوقيه.

خديجة: سأتذوقه وانظف يا الهي ماذا فعلت بالمطبخ؟

الشيخ حسن: حضرت افطارا لزوجتي فقط

خديجة: فقط!

الشيخ حسن: فقط 

اقتربت من المقلاة وحملت شوكة ووضعت لقمة في فمها لتصرخ به ضاحكة: حسن!! لقد وضعت سكرا بالبيض بدل الملح

الشيخ حسن: لا تقوليها

خديجة: قلتها تذوق

أخذ شوكة وتذوقه ليخرجه سريعا من فمه ويقول ضاحكا بخجلته: لنلغي الفكرة.


حان وقت ذهابه وحان أوان الوداع الذي لم يشهداه من قبل لا هو ولا خديجة، عشرون عاما من التآلف لم يفترقا يوما فأينما ذهبت كانت رفيقته لم يتركها يوما ولكن اليوم هو سيذهب للقرية التي تكرهها وتمقتها فلقد شهدت بها أسوأ الذكريات والصدمات


وقفت خديجة امام الباب ممسكة بيده تترجاه: لا تذهب

الشيخ حسن: ألم نتحدث طوال الليل واتفقنا يومين فقط وسأعود، مجرد أن أعرف ماذا حدث وماهو الامر العاجل 

خديجة: ولكن قلبي غير مطمئن أبدا

حسن: بدليل انك تركتني اتحدث وطوال الليل وأنت غارقة بنومك 

خديجة بحزن: تعرفني عندما أقلق واحزن اهرب للنوم لكي أوقف تفكيري من اختلاق الأفكار السيئة التي تصرع قلبي 

قبل جبينها بقوة مغمضا عينيه فطالت هذه القبلة حتى دمعت عيناه فحين ذكرت -تصرع قلبي- خاف عليها بل اشفق على ما سيصيبها دونه، ظل علي هذا الوضع طويلا يشبع قلبه وروحه من عبق ياسمينته، وهي لم تمانع قط بل تتمني لو يظلا على هذه الحالة لا يبتعد عن رؤياها ولو للحظة، تريده هنا بجانبها وتظل أسيرة عيناه للأبد 

يخبرها مرارا انه سيبتعد ليومين فقط ولكنها لا تطيق صبرا أن يبتعد لساعتين


ابتعد عنها مرغما ومسح دمعة هربت من عينيها فخنقته بعبرتها، وقبل يديها قائلا: اااه يا خويدجتي والله إنك لخير الزوجة الصالحة ودودة وأصيلة وقبلهم محبة، انت زوجتي وتاج رأسي عزتي وحنان قلبي، اريدك ان تربي جنة علي هذه الصفات ولا تزوجيها لغير رجل شهم طيب القلب ودود ليحبها ويصونها والأهم أن يكون ذا دين وخلق حسن

خديجة بلهفة: ليعطيك ربي طيلة العمر وتكبرها على يديك وتفرح بها وتسلمها لزوجها بيديك 

أومأ برأسه ليرد عليها: إن شاء الله 

والآن لأتعجل حبيبتي حتى أنهي ما أنا ذاهب لأجله وأعود سريعا، اااه ولا تهملي عملك واهتمي بجنتي جيدا، أردت أن أودعها ولكن لايوجد وقت 

خديجة: سأذهب بعد قليل إلى الملجأ انهي عملي واطمئن علي جنة وبعد أن تعود ستقضي الوقت معها لا تقلق 


تحرك ليخرج وهو يقول بنفسه: ليس كل ما يتمني المرء يدركه فتأتي الأقدار بما لا تشتهي نفوسنا، اللهم اني اشهدك اني آمنت بقدرك خيره وشره 


وظلت خديجة بمفردها بعض الوقت حزينة تشعر بالوحدة والوحشة لذهابه رغم انه لم يذهب الا منذ دقائق معدودة ولكن هكذا الروح العاشقة لا تطوق فراقا ولا بعدا، تريد فقط البقاء معه وبكنفه ولكن ماذا عليها أن تفعل 

فنهضت لتبدل ثيابها لتتجه بعدها إلى الملجأ لتدرس للأطفال دروس الرسم وتقضي باقي النهار مع جنة 


اما الشيخ فلقد وصل الى الموقف واستقل سيارة لتقله إلى بلدته وفي طريقه ظل يفكر بجنة وخديجة ويدعو ربه في سره أن يحميهم بعين رعايته وحفظه ولا يحتاجون من بعده لأحد ولا يسلط عليهم عدوا ولا باغت


وصل الشيخ الي قريته وحين وصل علي مشارفها وقبل أن تتوقف السياره تحدث في نفسه وهو يستنشق هوائها بشوق كبير فلقد عاد لوطنه بعد سنوات من الهجر:

 ‏اللهم صلي وسلم وبارك عليك يامن فقدت أبيك وأمك وماتت زوجتك وعمك وعاداك قومك وأخرجوك من أحب البلاد لقلبه وظللت تقول : " أفلا أكون عبداً شكورا "

فاللهم لك الحمد والشكر على جميع نعمك 

وحين وطأ أرضها واحس بترابها أسفل حذائه تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: والله إنَّكِ لخير أرض الله وأحبُّ أرض إلى ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك 

واكمل: لولا أن اهلك عادوني وزوجتي ماخرجت ولا تركتك أبدا، والله انني كنت اتمنى ان اموت تحت سمائك 


ذهب الشيخ لبيت العائلة ومع كل خطوة يخطوها يشعر بحنين جارف وعشق لتراب هذه البلدة التي نشأ وشب بين سنابل غلالها وتحت سمائها الحارقة التي صبغت بشرته باللون القمحي الجميل، لقد ذكرته بلمعة شعاعها في عين خويدجته حين يراها ترسم ببيتها وتراقب الفلاحين، الفلاحين والأراضي الزراعية! 

لقد تغيرت البلدة كثيرا وعمرها البنيان العالي واستحالت الوان غريبة محل اللون الأخضر وانتشر اليابس وكأنه ابتلع الخضار واخفاه 


وصل لبيته ولكن رغم الشوق كان للحزن النصيب الأكبر قلم يقوي علي دلوف البيت ولا قرع بابه فجلس علي أريكة مجاورة ولكن بالصدفة كان أخاه هناك وحين رآه لم يصدق انه امامه بعد كل هذه السنوات، مازال هو حسن بحسن هيئته وطلته البهية

عانقا الشقيقان بعضهما بلهفة ضمنت شوق الأعوام 

تحدث أخيه بندم: اشتقت اليك يا حسن والله لولا ابي وتحكماته ما كنت انقطعت عنك 

الشيخ حسن: لا عليك اخي والله ليست لدي نية للعتاب فأنا سعيد جدا ولست بحزين فلقد عوضني الله أجمل العوض ولكن اخبرني ماهو الأمر العاجل الذي استدعيتني من أجله 

اخاه جابر: لقد توفي والدنا 

الشيخ حسن بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، انا لله وانا اليه راجعون 

لماذا لم يخبرني احد؟ هل نسيتموني أم أن أبي لم يرغب بحضوري جنازته؟ 

جابر: ليس ذاك ولا ذاك بل هي الظروف المحتمة ولكن بعد وفاة أبي كان يجب أن استدعيكَ 

الشيخ حسن باستغراب: لماذا؟ 

جابر: لتأخذ نصيبك فالورث والأرض وكل ممتلكات أبينا لك حق بها 


تنفس حسن بعمق ورغم حزنه على أبيه فلقد ابتسم على سرعة استجابة دعوته، فلقد دعا ربه ألا تحتاج جنة وخديجة لأحد من بعده 

ابتسم لأنه سيضمن لهم ألا يعانيا من وجع الفقر دونه 


تحدث جابر: إن كنت مستعجلا فيمكنك توقيع الأوراق واستلام نصيبك وغدا يوثق المحامي كل شئ وتعود 

أومأ برأسه قائلا: افعلوا ماشئتم وأنا معكما 

جابر: غدا سيتم كل شئ ويمكنك العودة مع زوجتك الي هنا 

الشيخ حسن: لا يمكننا 

جابر: لماذا؟ لقد كان أبي من يمنعك فلماذا ترغب في استمرار البعد؟ 

الشيخ حسن: لقد أصبح لنا طفلة ولكنها بالملجأ فلا يمكننا البعد عنها

جابر: طفلتك وبالملجأ؟ 

الشيخ حسن: ليست ابنتي ولكنها في مثابتها ولقد تعلقنا بها جدا ولا يمكننا تركها 

وأريد أن اكتب كل شئ قسمة بينها وبين خديجة في الغد حين يأتي المحامي 

جابر: لا يمكنني التدخل ولا يحق لي ولكن لك ماأردت 

والآن لترتاح قليلا حتي أحضر لك الأوراق لتوقعها 

الشيخ حسن: سأتمشي قليلا بالبلد فلقد اشتقت لها وغدا نفعل كل شئ 

جابر: تبدو اكبر مني رغم انك الأصغر ومازلت لم تكمل الخمسين من عمرك يبدو أن الهموم كثرت علي كتفك يا حسن 

ابتسم حسن ونهض قائلا: خمسة واربعين يا أخي ولكنها الحياة وانا راض بها 


في صباح اليوم التالي ذهب حسن الي قبر ابيه وأمه ليقرأ الفاتحة علي روحيهما، وحاول أن يتحدث ولكن لم يقدر فإذا نطق سيلومهما فنهض وقرأ الفاتحة مجددا وقال: لقد سامحتك ياأبي ياأبا جابر 


وخرج وهو يردد: السلام عليكم دار القوم المؤمنين انتم السابقون ونحن ان شاء الله بكم لاحقون 


وتوجه لبيت أخيه ليذهبا سويا الي مكتب المحامي فوقع الشيخ حسن علي استلامه للورث ثم اعطي وصيته للمحامي لكي يوثق كل شئ 


في منتصف النهار كان الشيخ حسن جالسا مع أخيه علي ضفاف المجري المائي والذي كان مكانه المفضل خلفه بيت خديجة القديم وامامه سنابل القمح الذهبية 

ابتسم أخيه قائلا: ماذا فعلت الصغيرة جنة لتحيز حبك بهذا الشكل؟

ابتسم الشيخ وهو يستحضر هيئتها ولعبها ومرحها امامه: انها جنتي اسم علي مسمي 

جابر: طيلة عمرك وأنت بالخير سباق 

الشيخ حسن: والله انها لكل الخير فلقد أحيت بي مشاعر الابوة التي كدت أفقدها والله اني لصبرت حتي نلتها 

جابر: لماذا لم تكفلها اذا؟ 

الشيخ حسن: لم املك المال الكافي لأعيشها حياة هنية ولكن الآن لو كان بالعمر بقية اول شئ أفعله حين أعود سيكون كفالتها 


قاطعهم صوت هاتفه فابتسم محياه وهو يري رقم خويدجته فأجابها سريعا: قبل أن تغضبي طوال اليوم وانا مشغول والا لكنت اجبت من اول اتصال 

خديجة بغضب: لقد قلقت عليك بل كدت اموت من قلقي

الشيخ حسن: لدي خبر سيجعلك تغفرين لي

خديجة: علي حسب

الشيخ حسن: لقد توفي ابي

خديجة بحزن: انا لله وانا اليه راجعون البقية لحياتك حبيبي 

الشيخ حسن: لقد ورثت وعندما أعود سنكفل جنة 

خديجة بفرح: تمزح معي؟

الشيخ حسن: عيب عليك والله لقد كانت مشكلتنا الوضع المالي والآن حلت صحيح مات ابي وحزنت عليه لدرجة ان ثقل قلبي ولكن ما علي سوي التسليم بأمر الله والدعاء له والآن سأجهز أشيائي وأعود مساءا 

خديجة بحماس: خويدجتك وجنتك هنا بإنتظارك لا تتأخر 

الشيخ حسن: إلي اللقاء خويدجتي 


أنهى الشيخ الاتصال ونظر لأخيه باسما ولكن فجأة عبست ملامحه وضاق صدره فشهق شهقة مؤلمة ولكن مع الأسف لم تكتمل واحتبست بين أنفاسه الأخيرة.....


البعض يمرّون من خلالنا بأرواحهم فيتركون أثرًا جميلًا، وبصمة خفيّة، شفرات لا تفكّ ألغازها، 

هم أناس عاديون مثلنا يضحكون مثلنا ويتحدثون مثلنا لكن سبحان من جعلهم يلمعون في سماء ليلنا كالنجوم المتلألئة التي تنير عتمة ليل شتاء قاس.

لكن مصير تلك النجوم أن تذهب وتنحل داخل الظلام يوما لتترك فقط الأثر وذكراها أن ها هنا كانت توجد نجمة لامعة وكذلك هم وإن أحببناهم بقلوبنا وكل جوارحنا سنفارقهم يوما لكن المؤلم أن يحدث الفراق من غير وداع لتبقى ذكراهم محملة في حقيبة ذكرياتنا لكن دائما ما تنغص فرحتنا بها ذكرى آخر مرة....وآخر ضحكة...وآخر كلمة


ونحيا بالذّكريات، حتّى نلقاهم مرّة أخرى. 


الي هنا انتهي الفصل الطوييييييل جدا 🥲 الي اللقاء في الفصل السادس بعد يومين..


google-playkhamsatmostaqltradent