recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاته| الفصل الثالث

     حُــب بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة

          بقلم أمل محمد الكاشف 



بعض البدايات تأتي محملة بالفرح، والبعض الآخر يأتي بصدمة لم تكن في الحسبان… وبين خاتم يزين إصبعًا، وحلم يحمله القلب، يتدخل القدر ليقول كلمته الأخيرة.

──────── ✦ ────────


تحرك وليد بخطوات بطيئة ليجلس بجانب البقية في الصالون وهم يتحدثون عن الحالة الصحية لعمه، 

قالت نجلاء :


ـ الطبيب طمأننا الأمر بسيط الحمدلله 


ابتسم جلال ابتسامة خافتة، ثم أضاف:


ـ الحمدلله هذا جيد ولكني أفكر بجدية فيما قاله الطبيب.


التفت إليه وليد مستفسرًا:


ـ وماذا قال؟


نظر جلال إليه ليجيب بنبرة هادئة:


ـ إنني بحاجة إلى الراحة، مع ضرورة تخفيف ساعات العمل والجهد الزائد لأن وضع القلب لم يعد يتحمله، وما يطلبه الطبيب لا يمكن حدوثه مع طبيعة عملي في المجر.


ـ ألم تقرر الاستقرار في البلد هكذا قال أبي لنا.


ـ لا اعرف يا وليد كلما اتخذت هذا القرار تراجعت عنه من جديد ، تغيير حياتك والمكان الذي اعتدت عليه لخمسة وعشرين سنة ليس بشيء سهل 


ردت عبير :


ـ نعم لا اعرف كيف سنترك منزلنا وحياتنا هناك ونبقى بالمنصورة للأبد.


ضحكت نجلاء بخفة:


ـ يمكننا العودة دون إجهاد في العمل.


ـ سأحاول.


قالها الأب بدون رضا، رفعت عبير حاجبيها معترضة:


ـ سأحاول! هذا يعني أنك يا أبي لا زالت متردد في أمر عودتنا.


أضافت نجلاء على ما قالته ابنتها:


ـ لا يوجد تفكير ، بكل الاحوال سنعود لترتيب أوضاعنا هناك وإن لزم الأمر نعود للاستقرار.


ضحك جلال لأول مرة منذ خروجهم من العيادة:


ـ إن كان على الأمر المنزل يمكننا حل أمره.


غضبت نجلاء :


ـ اغلق الموضوع يا جلال، ليس وقته الان


 تبادلت نجلاء وعبير نظرة قصيرة، ثم صمتت كل منهما أمام وليد كي لا يزداد النقاش والتوتر بين جلال وزوجته التي لا تتمالك عصبيتها أمام هدوء جلال ببعض الأوقات.


تحدث جلال لابن أخيه متسائلا باهتمام:


ـ أخبرني يا وليد، هل طرأ جديد بشأن شادية وابنتها؟ هل توصلتم إلى حل مع زوجها؟


تنهد وليد قبل أن يجيب عمه بحزن:


ـ ليس بعد يا عمي نحاول أن نصل إلى حل يرضي الطرفين، لكن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا مما توقعت.


سأله جلال مستنكرًا:


ـ ما الذي يعقد الأمر إلى هذه الدرجة؟ توقعنا عودتها لمنزلها قبل عيد الاضحى إنها زوجته وأم ابنته ، لا أفهم كيف يسمح لنفسه بحرمانه وحرمان طفلته من عيش أجواء العيد مع أمها بشكل جميل وهادئ.


أجاب وليد شارحًا:


ـ المشكلة لم تبدأ بين شادية وزوجها فقط يا عمي، للاسف طالما أهله مستمرون في التدخل بقراراته وفي كل صغيرة وكبيرة سيظل الحال كما هو عليه وإن أراد جمال العكس.



تدخلت نجلاء قائلة بحزن:


ـ فعلا سمعت من حفيظة أن أمه تتدخل بكل شيء في حياته من طريقة إدارتها للبيت إلى تربية الطفلة، حتى زيارات شادية لهم كانت تعود بمشاكل، حاولت المسكينة مسايرتهم قدر استطاعتها، لكن الأمر لم يعد يحتمل.


أومأ وليد رأسه بأسف مؤكدا على ما قالته زوجة عمه، نظرت عبير له متسائلة:


ـ وأين عقل زوجها من كل هذا؟ أليس من المفترض أن يكون بينهما حوار متبادل من المفترض هو من يحمي بيته ويحافظ على خصوصيته؟


ابتسم وليد ابتسامة خالية من الفرح، مجيبا عليها:


ـ هذه هي المشكلة، هو لا يعترف بأنه يسمع كلامهم بل يقول دائمًا إن قراراته نابعة من تفكيره وإن أختي هي من تبالغ في حساسيتها، ولكنه في كل مرة يتفق معها على شيء، يتراجع عنه بعد زيارة لأهله أو مكالمة هاتفية مع والدته.


نظرت عبير إليه باهتمام، وسألته:


ـ ألم تجد حل خلاف تركها منزلها وابنتها، شعرت وكأن زوجها جيد و المشاكل تأتيهم من الخارج فقط.


ـ مع الأسف يا ابنة عمي جمال شخص رائع لكن مشكلته الوحيدة أمه ، لم تعد شادية تحتمل أسلوب والدته في السيطرة عليها بجانب طلباتها الزائدة لتضغط عليها في وقت تعبها ، ورغبتهم الدائمة بتركها ابنتها لديهم لعدة أيام ، وحين تعترض لا يناقشها زوجها في سبب اعتراضها بل يبدأ في اتهامها بأنها لا تحب أهله ولا تريد أن تكون جزءًا من عائلته.


هز جلال رأسه بأسى، وقال:


ـ لا أحد يطلب منها عدم مساعدة أهله أو حرمانهم من الطفلة، لكن احترام الأهل لا يعني أن تفقد حقها في اتخاذ القرارات الخاصة ببيتها، كان يستطيع أن يجمع بين بره بوالديه وحفاظه على زوجته.


أكمل وليد:


ـ حاولت شادية أن تشرح له ذلك مرارًا، هي لا تريد أن تمنعه من أهله وإنما تريد أن يكون لها خصوصية في حياتها، لكنه كما قلت لكم ينكر أن لهم أي تأثير عليه، حتى تعبت و أصبحت تشعر أنها تناقش شخصًا آخر غير زوجها الذي عرفته في بداية زواجهما.


أضافت نجلاء بحزن:


ـ وهذا الشعور زاد من حالة الاحتقان والفتور بينهما مما جعلهما يبتعدان عن بعضهم بهذا الشكل.


سكت وليد للحظة، ثم قال:


ـ نعم بالاخير عند أول خلاف كبير بينهما و تدخل والدته مما زاد الوضع اشتعالا ، أصر جمال على تنفيذ ما اقترحته أمه رغم اعتراض شادية، احتدم النقاش بينهما، ومع الأسف اختي أخطأت حين طلبت منه أن يختار بينها وبين أمه.



توقف قليلًا، ثم أضاف:


ـ ولكن الحق يقال لم يختر جمال ظل صامتا، لتطلب اختي الابتعاد والبقاء بمنزل ابي لعدة أيام كي تفكر بشكل هادئ بعيد عن الخلافات، عادت إلينا تاركة سمر الصغيرة لدى جدتها لليلة واحدة بناء على نومها وخوفهم الخروج بها في الطقس البارد كي لا تمرض، كان الأمر يبدوا طبيعيا دون أن تتوقع ما حدث لاحقا حين رفض أن يأتي لها بابنتها باليوم التالي، بحجة أنها تركت منزل الزوجية بإرادتها، وأنها لا تستطيع العودة متى شاءت ثم المغادرة كلما اختلفا.


ردت عبير بحزن:


ـ لكنه يعرف أنها لم تتركه أرادت فقط أن تبتعد كي تستطيع التفكير بشكل سليم واستعادة قوتها لاستكمال حياتها.


أجابها وليد:


ـ هو يعرف ذلك، لكن أسرته أقنعته بأنه إذا أعاد الطفلة إليها الآن، فسوف يثبت أنها تستطيع فرض رأيها عليه كلما غضبت وهكذا تحولت المسألة من خلاف بين زوجين إلى معركة لإثبات من يملك القرار.



ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول جلال بحزم:


ـ إذن عليه أن يفهم أن الزواج ليس ساحة لإثبات القوة، وأن ابنته ليست وسيلة للضغط على أمها، حاول أن تتحدث معه مرة أخرى يا وليد، لا تسمحوا للخلافات البسيطة بأن تنسيكم مصلحة الطفلة وحقوق شادية.


أومأ وليد موافقًا:


ـ تحدثنا يا عمي ، ولكني كنت أنوي أن أعيد المحاولة واتحدث معه مرة أخرى ، سأحاول أن اصطحبه لمكان بعيد كي يتحدث معي بعيدًا عن تدخل أهله، أريد ان أعرف ما يريده فعلًا.



نظرت عبير إلى وليد، وقد شغلها سؤال لم تستطع تجاهله:


ـ وإذا كان يحب زوجته فعلًا، لكنه لا يستطيع الوقوف أمام أهله من أجلها، فهل يكفي الحب وحده لإنقاذ زواجهما؟


التفت وليد إليها، ثم أجاب بعد لحظة تفكير:


ـ الحب وحده لا يكفي يا عبير، إذا لم يصاحبه موقف واضح، ليس مطلوبًا منه أن يعادي أهله من أجل اختي لكن عليه أن يعرف أن هناك خصوصية لبيته، وأن حب و احترام أهله لا يعني أن يسمح لهم بإدارة حياته بدلًا منه.


لم تجب عبير بقيت كلماته تتردد في ذهنها، بينما عاد جلال إلى الحديث عن ضرورة إيجاد حل يحفظ لشادية حقها في ابنتها.


تدخلت نجلاء لتحنن قلب وليد :


ـ شادية لا زالت صغيرة كما أن زوجها شاب محترم يحبها ويحب ابنته كثيرا، حاول يا ابني أن تجد حلا بعيد عن هدم البيت ، لا ذنب للطفلة أن تعيش حياة بين أب وأم متفرقين.



ـ الله المستعان سنحاول .


وقف جلال ليذهب الى غرفته وهو يقول:


ـ غلبني نعاسي وايضا علينا أن نرتاح لأجل طريق العودة في الصباح، حاولت عبير إقناعه في البقاء يومين إضافيين كي تشتري هي وامها متطلباتهم .


وافق جلال على طلبهم بالبقاء ولكن ليوم واحد فقط، بشرط أن لا ينزل معهم في رحلة التسوق خاصتهم، كما تعمد وليد عدم ترك عمه بمفرده طوال اليوم التالي ، ذهب لعمله أنهى بعض الاشياء الهامة ثم عاد إليه بعد منتصف اليوم حاملا بيده كيس مملوء بالموز والتفاح الأحمر، ليجد عمه يقف بالمطبخ يتبل الدجاج.


 بينما كانت رائحة الدجاج المتبل تنتشر في أرجاء المكان.


تولى وليد أمر الشواء ، أخذ يقلب قطع الدجاج بحذر تحت رعاية جلال الذي تابعه بعين خبيرة متمكنه بهذا العمل:


ـ اتركها قليلًا قبل أن تقلبها، وإلا ستلتصق بالشواية.


ـ ظننتها نضجت.


اقترب جلال يتفقدها، قائلا :


ـ بدأت تأخذ لونًا فقط خفض الحرارة قليلًا كي تستوي من الداخل ولا تحترق.


نفذ وليد ما قاله عمه وهو يتحدث:


ـ من الواضح أنها ليست تجربتك الأولى يا عمي.


ضحك جلال قبل أن يجيبه:


ـ هكذا تكون الحياة حين تختار أن تعيش مع امرأة جميلة.


رفع وليد حاجبيه متسائلًا:


ـ وهل للجمال ضريبة يا عمي؟


ـ لا يا وليد أنت لم تفهم قصدي فانا لا أعني الجمال الشكلي بل جمال الروح يا أبني، فحين تشعر المرأة بالسعادة والاهتمام ستجدها تتعامل معك وكأنك كنز ثمين تحافظ عليه بعينيها، ضعها قاعدة زوجية ثابتة يا بني كلما أسعدت المرأة منحتك من الحب ما يجعلك تشعر بأنك أسعد رجل في الدنيا، و أخرجت لك من جمال روحها ما لم تكن تتخيل وجوده فيها.


ابتسم جلال وهو يقلب إحدى قطع الدجاج، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:


ـ لا تستمع لهؤلاء المتعصبين الذي ينشدون بنصائح هاوية تسقطك بصدام دائم أو فراغ عاطفي فادح ، يقولون اجعلها تخاف منك ، عليها سماع كلامك وان كنت مخطا ، عليها أن تتبع خطاك في كل شيء ، لا تجعلها تعتاد عليك.


التفت جلال لابن أخيه وكأنه يريد التأكد من وصول المعنى إليه، مكملا:


ـ هناك يا بني أشياء صغيرة قد لا تعني لك الكثير، لكنها تعني للمرأة الدنيا بأكملها.


آثار الأمر فضول وليد متسائلا:


ـ مثل ماذا ؟



ترك جلال الشوكة من يده مجيبا عليه:


مثلا أن تسألها عن يومها عند عودتك من العمل، أن تتذكر شيئًا أخبرتك به منذ أيام وتسألها عنه، هذه التفاصيل الصغيرة تولد المودة والمحبة وتُبقيها حية طوال الوقت.


تحدث وليد بفرح واستمتاع:


ـ وكأني استمع الى رواية خيالية ، هل يوجد زوجين بهذا الشكل يا عمي ، بصراحة جميع القصص الواقعية مأساوية طبعا إلا من رحم ربي الاغلب يعيش دون روح لأجل تربية الأولاد واستكمال الحياة الزوجية.


ـ مع الأسف يا وليد، أصبح كثير من شبابنا يدخلون الزواج دون أن يفهموا معناه الحقيقي، يظن الشباب منهم أن الزواج مجرد بيت يجمع رجلًا وامرأة، يهتم بتوفير الطعام والملبس ودفع الفواتير ليشعر انه زوج ناجح، يتعامل مع المرأة على انها جسد يعيش معه تحت سقف واحد وليس انها روح تحتاج إلى من يفهمها و يحتويها، يستمع لاحلامها ومخاوفها واحتياجاتها التي لا تقل أهمية عن احتياجاته.


أومأ وليد رأسه باذان صاغية، بينما توقف جلال قليلًا، ثم أضاف بأسى:


ـ والبعض يخلط بين الحب والسيطرة، كونه رجل البيت يعني أن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون له حتى وإن كان مخطئًا حتى وإن كان به عيوب الدنيا وما فيها.


تحدث وليد :


ـ وكأن النساء ملائكه يا عمي، انت لا تعلم شيء فهناك حكايات نسمعها من اصدقائنا تجعل الواحد منا يضرب عن الزواج


ـ هل تعرف السبب ؟


صمت وليد حين بدأ عمه باستكمال حديثه:

 

ـ لأن بعض الفتيات يقدمن على الزواج وهن ينتظرن من الرجل أن يحقق لهن كل أحلامهن، رحلات، تصوير، مشتريات، رومانسية طوال اليوم، كل طلباتهم مجابه ، لا ربط ولا حزم ولا قواعد ولا مهام عليهم إتمامها، يردن عيش حياة زوجية رومانسية يعيش فيها الطرفان في سعادة دائمة دون صبر أو تفاهم او تنازلات من الطرفين.


ابتسم وليد ابتسامة خفيفة وهو يقول:


ـ تحمست للزواج ببداية حديثك ولكني خفت بنهايته.


ضحك جلال وأجابه:


ـ لا داعي للخوف، اتقي الله واظفر بذات الدين تربت يداك، ابحث عن الام والاب قبل الزوجة ، الأخلاق يا بني تبني كل شيء ، طبعا الحب بداية جميلة لكنه وحده لا يكفي لابد أن يصاحبه احترام، وصدق، ورحمة، واستعداد للاعتراف بالخطأ وإصلاحه، وهذا كله لا يمكن حدوثه دون اخلاق.


 أشار جلال إلى الشواية مضيفا بنبرة مازحة:


ـ هل تنوي إحراق الدجاج بينما نحاول إنقاذ بيوت الآخرين؟


ضحك وليد وهو يسرع بتقليب قطع الدجاج التي بدأت تكتسب لونًا داكنًا، قائلًا:


ـ يبدو أنني بحاجة إلى دروس في الزواج والطهي معًا يا عمي.


ضحك جلال وخرج ليتصل بزوجته كي يستعجل عودتهم، بينما ظلت كلماته عالقة في ذهن وليد تدفعه إلى التفكير في كيفية أن يكون المرء شريك حياة حقيقيًا، لا مجرد زوج يحمل لقبًا ومسؤوليات.


وفي الجهة الأخرى، كانت عبير تسير إلى جوار امها تحمل كل واحدة منهما بعض الأكياس.


ردت نجلاء على زوجها:


ـ نحن بالقرب منكم ، سنصل للسيارة ونعود إليكم بعدها على الفور لن نتأخر.


توقفت عبير أمام أحد واجهات المحلات مشيرة إلى فستان سهرة جميل :


ـ أمي ما رأيك بهذا؟ 


نظرت نجلاء إلى الفستان، ثم قالت مبتسمة:


ـ هيا تأخرنا على والدك .


ضحكت عبير وهي تمسك بذراع امها:


ـ لكنكِ دائمًا تقولين إنني صاحبة ذوق.


ـ صاحبة ذوق ومُسرفة في الاختيار.


ضحكتا معًا وأكملا طريقهما وسط حديث خفيف عن احتياجات المنزل، بينما كان في انتظارهما في البيت هذا الطعام الذي أعده الرجال على غير عادتهم.


مر الوقت بشكل جميل ودافئ، تناول باسم الطعام بشكل سريع واستاذن لضرورة نومه لأجل موعد مهم صباح الغد، بخلاف وليد الذي فرح واستمتع باندماجه مع عمه وأسرته المحبة البسيطة بهذا الشكل الغير مسبوق، وقبل أن يخلد إلى النوم اقتربت عبير منه وهي تحمل علبة صغيرة وضعتها أمامه على الطاولة التي تنتصف الصالون قائلة:


ـ هذه لكم داخلها بسكويت التفاح جميل جدا أن شاء الله يعجبكم.


ابتسم وليد وهو ينظر إلى العلبة:


ـ ولكنك صنعتيه لأجل عمي.


هزت عبير رأسها معترضة:


ـ لا فليبقى لكم، نحن سنعود غدًا وسأصنع له غيره، احتفظ به لتفطر أنت وباسم منه.


ثم أخرجت بعض الشوكولاتة ووضعتها بجوار العلبة مضيفة:


ـ وهذه لك.


نظر وليد إلى الشكولاته بفرح، متسائلا بوجه مبتسم:


ـ لما كل هذا؟ ابقي القليل معك.


أجابته ببساطة:


ـ هذه لأنك تساعدني كثيرًا، لا أريد أن اشعر بأنني مدينة لك أو أن لك عندي حق لم تحصل عليه. 


خرجت ضحكة جميلة من قلب وليد، مستمتعا بكلماتها الاخيرة.


ـ امزح معك، اعتبرها هدية صغيرة مني لك.


أومأ برأسه بالموافقة بينما أسرعت هي بالانصراف قبل أن يتحدث.


ظل ينظر إلى العلبة بوجه مبتسم فرح سعيد مبتهج وقلب شعر للحظة أنه امتلك الدنيا وما فيها.


عادت عبير إلى المنصورة برفقة والدها، بينما بقي وليد في القاهرة لمتابعة تجهيزات المحل، محاولًا الانشغال بالعمل حتى لا يترك لنفسه فرصة للتفكير فيها.


لكن الذكريات التي كانت تلاحقه مع كل لحظة هدوء أصبحت تضغط عليه وبقوة، ضحكتها، عفويتها، وحديثها البسيط الذي لم يكن يدرك أنه سيشتاق إليه بهذا القدر.


ظل محتفظا بعلبة الشوكولاته دون الأكل منها خوفا من انتهائها، ومع مرور الأيام والأسابيع لم يعد الصمت يطاق ولا البعد أمرًا يستطيع التعايش معه كما أقنع نفسه في البداية.


وفي إحدى الأمسيات أغلق وليد هاتفه بعد أن ظل يتفقده دون هدف نهض بحسم وبدأ يجمع أغراضه استعدادًا للعودة إلى المنصورة.


لم يجد سببًا مقنعًا يخبر به الآخرين عن استعجاله لكنه لم يعد بحاجة إلى سبب فقط اشتاق إليها، ولم يعد يحتمل أن يظل بعيدًا عنها.


لتأتي اللحظة المنتظرة بعد أن أشعلت المشاعر بقلبه لهيب الشوق الذي سيطر عليه وجعله يصر على العودة رغم قرب الافتتاح وزيادة المسؤولية هناك.


ترك أخاه باسم وعاد لمدة يومين فقط على أن يعود إليهم بعدها لإنهاء اخر خطواته ببدا الحلم الكبير كما يسمونه.


لم تمحى الابتسامة من على وجهه طوال الطريق، كان يقود سيارته بعقل شارد بلقائهم الاول بعد كل هذا الغياب، هل يذهب ليسلم على والدته اولا ام يختبر حظه ويذهب للحديقة الخلفية لعل وعسى أن تكون بحاجة للمساعدة ، هل يذهب إلى منزلهم اولا كي يعطي عمه الحلوى والمكسرات التي اشتراها لأجلهم، ام يتريث ويذهب لمنزله اولا ويجعل الأمور تظهر طبيعيه لأجل أن لا يفضح بعد خروج طلبه للعلن.


 استقر وليد على هذا الرأي يذهب لمنزله يسلم على الأهل أولا ومن ثم يعطي لأمه الحلوى الخاصة بعمه جلال كي تذهب هي وتعطيهم إياها، تحمس أكثر بتفكيره ليقرر فتح أمه بأمر خطبته لعبير طالبا منها الذهاب بالحلوى لتطلب يد العروس له.


تحرك على مقعده بفرحه كبيرة وكأنه أخبر عائلته وهم لم يعارضوا ذاهبين بسرعة البرق ليخطبوها له، هذا ما ظهر على وجهه المبتسم وحالته الفرحة، فما الذي يجعلهم يرفضون عروس كهذه ، حتى أنه توقع فخر ومدح أبيه له كونه متحيز لعائلته ويتمنى دائما لو لم يناسب بناته وأولاده لأحد من خارجها 


ارتفع الأدرينالين كلما زادت الأحلام والأفكار والتخيلات وبدأت الخطط المستقبلية ترتسم بشكل أكبر من الخيال، حتى وصل وليد لمنزله منصدما بالحالة التي كان عليها الجميع.


فرح أبيه به بشكل غير مسبوق قائلا:


ـ جئت بوقتك، لأول مرة تفكر بشكل جيد لهذا الحد


تابعت عيونه تجهز ناديه واهتمامها بادق التفاصيل متمنيه لو حظت بما حظيت ابنة عمها.


اقتربت أمه منه واضعه يدها على كتفه قائلة:


ـ تجهز انت ايضا ما دمت شبعان ، اذهب معنا وعند عودتنا سأحضر لك طعامك، ولكن لا تكثر من الحلويات هناك كي لا تشبع بطنك.


احتضنته مرة أخرى :


ـ كم اشتقت إليك، اعدك سأحضر لك اللحم المحمر الذي تحبه فور عودتنا ، ولكن كما قلت لك إياك أن تلتهي مع الرجال بالضحك كعادتك وتكثر من الحلويات، يا ليتك أخبرتنا كنت حضرته لك منذ الصباح.


كان يجيبهم بإيماء رأسه فقط دون جواب فآخر ما كان يتوقع عقله وقلبه أنه بصدد حضور حفل خطوبتها على رجل اخر، وكأن القدر قاده ليكون شاهدا على أولى خطواتها بحياتها الجديدة.


اقتربت نادية منه لتضع يدها على جبهته متسائلة:


ـ وكأن حرارتك مرتفعة قليلا.


اقتربت أمه هي أيضا :


ـ وأنا شعرت بذلك.


تحدث أباه من بعيد :


ـ لا توهموه من غير شيء يتحجج بألم رأسه كي لا يحضر معنا .


ردت شادية بضحكه مبطنة:


ـ كالعادة لا مفر لك سياخذك معه حتى وإن كنت تلفظ أنفاسك الأخيرة، اسالني انا عن ذلك.



تحرك بخطوات مثقلة ذاهبا لغرفته كي يبدل ملابسه، سألته أمه وهي تتفقد حالته:


ـ ألن تذهب للحمام أولا.


 ولكنه لم بجيبها متوجها لغرفته مغلقا الباب واقفا خلفه بصمت وصدمة كبيرة ، ينظر جهة الشرفة بوجه شديد الحمار .


خرج إليها رغم قلبه وعقله كانا يهربا من هذا القرار ، اقترب من السور منحنيا للخارج ناظرًا جهة منزلها بالأخص نحو باب المطبخ الخلفي لمنزلها متمنيا لو أن ما يعيشه كابوسا لا صلة له بالواقع.


ارتفع صوت نداء أبيه باسمه حين تأخر عليه، فهو لا يعلم كم من الوقت مضى وهو ينظر نحو منزلهم.


حضرت الأم جميع الحلوى لتكون هدية قيمة للخطبة، تحضر الجميع حتى وليد الذي ادهش والده بارتداء قميص وبنطلون باللون الاسود.


دافعت نادية عن اخوها كالعادة :


ـ اللون الأسود موضة يا أبي .


سب الاب الموضة والحداثة وهو ينزل اولى خطواته على الدرج ومن خلفه زوجته وابنه ومن ثم اخواته البنات.


فرح جلال وباقي أعمامه بوصول وليد من السفر وحضوره الحفل وخاصة بعد أن قال عبد العزيز:


ـ اصريت على عودته وحضوره معنا لا يمكنه ترك عمه بيوم كهذا، قلت له حتى وإن تغيبوا اخواتك أنت كبير العائلة لا يمكن أن تغيب.


ربت جلال على ظهر وليد شاكرا مجيئه إليهم 


جلس بين الأهل يستمع لحديثهم عن مميزات العريس ونسبه وما عرفوه عنه وعن أهله حين سألوا عنه بحسرة كبيرة ظهرت بعينيه وعلت بصمته المميت، لا زالت الاحلام تدور أمام عينيه ولكن هذه المرة بغصة كبيرة.


فجأة بدت حالة من الهرج على من حوله حين أُعلن عن وصول العريس وأهله، هناك من أدخل فناجين القهوة المطبخ ومن أسرع بترتيب المفارش التي سقطت وبالاخير وقف الجميع للاستقبال، وقف وليد وداخله يصرخ راغبا بالهروب ينظر جهة المطبخ متمنيا لو يهرب من خلاله للحديقة الخلفية ومن ثم منزله.


ولكن مع الأسف لم يحدث فهو كما ينعتوه كبير العائلة وعليه الوقوف لأداء واجبه، رفع يده ليسلم على العريس بعين دارت عليه ولسان حاله يقول:


ـ اانت سعيد الحظ الذي وقع عليه الاختيار.


لم تسقط عينه عنه، دقق بضحكته وحركاته وكلامه حتى تعرقه الذي كان يمسحه بشكل مستمر.


وصلت العروس للصالة الكبيرة، ليزداد اضطرابه وتسارع ضربات قلبه حتى كاد أن يفضح أمام الجميع.


ظهرت عبير بابهى صورة لها كأي عروس سعيدة بيوم خطبتها، كانت تسير بخطوات وعيون خجلة جالسة بجانب والدها ليبدأ الجميع بقراءة الفاتحة وعيون الفتيات والنساء ينظرن من الطرف البعيد على استحياء وتخفي.


قام الجميع ليبدأوا السلام مجددًا ولكن هذه المرة أهل العريس يباركون لاهل العروسة على إتمام الخطبة.


وقفت عبير متنحيه جانبا بخجل تنتظر انتهاء سلام الجميع ، رفعت نظرها للأمام بشكل تلقائي لتجده أمامه ينظر لها بصمت وثبات.


علقت عيونهم لبضع ثواني ، ارتبكت وتسارعت ضربات قلبها فور رؤيتها له ، هي لا تعرف ما حدث لها ولماذا شعرت بهذا الشعور الغريب ، خفضت نظرها هاربه منه مقتربة من العريس كي تجلس على المقعد المجاور له كما قال لها والدها.


تحدث نادر مع جلال بعد أن اوصاه على ابنته الوحيدة قائلا:


ـ ضعها بعينك يا نادر وإياك أن تحزنها.


كان يوكد له أنه سيبذل كل ما في وسعه لإسعاد عبير، وأنها ستكون دائمًا موضع اهتمامه ورعايته.


استمع جلال إليه بارتياح، فقد بدا له شابًا مسؤولًا يعرف ما يريد ويقدر العائلة التي ستصبح جزءًا منها.


وحين اقترب موعد التقاط الصور، وقف نادر إلى جوار عبير وهو يمد يده إليها كي تقف بجانبه. 


وبخجل اقتربت عبير خطوتين فقط ثم نظرت للكاميرا، انحنى عريسها قليلًا نحوها وهمس بصوت لا يسمعه سواها:


-ابتسمي كي تخرج صورنا احلى صور في الدنيا.


ابتسمت عبير بخفة، فالتقطت الكاميرا ابتسامتها، وبدت الصورة مثالية كما تمنى نادر.


تحرك وليد ليخرج من المنزل بعد أن تحطم داخليا بشكل كبير ، نداه أباه :


- إلى أين.


إجابه وخيال العروسين يأتيه من الجوار قائلا:


ـ لدي اتصال مهم سأنهيه وأعود من جديد.


خرج مسرعا هاربا يلتقط أنفاسه بصعوبة كبيرة تاركا فرحته وقلبه وسعادته تنهار من خلفه .


اختفى من الوسط بعض الوقت عاد بعدها ليجد أبيه يقف وسط أعمامه أمام منزل عمه جلال، اقترب منهم دون روح ينظر إليهم بعينه الحمراء من الإجهاد والحزن محاولا رسم ابتسامته على وجهه كي لا يفضح ما بقلبه.


وكأن الجميع أصبح يقرأ ويرى ما بداخله وعليه إظهار عكس ما يرون، تحدث عمه فهمي :


ـ سررت لرؤيتك يا بني أخبرنا متى سنحضر الافتتاح.


ـ هل ستأتي الافتتاح 


قالها عبد العزيز متفاجئ برد إخوته مؤكدين سفرهم وحضورهم الافتتاح لمساندته بحلم أولاده.


تحدث جلال خاصة قائلا:


ـ ستكون فرصة جيدة لاصطحاب عبير وأمها معي ، تعلمون قرب موعد الزفاف وضيق الوقت، سآخذهما معي لعلهما تقومان بشراء ما تريدان من هناك.


ضحك فارس :

ـ عملك صعب يا اخي ما ننهيه نحن في سنة عليك انهائه انت في شهر.


وهنا علم وليد قرب وسرعة موعد زفافها على أستاذ لغة عربية يعمل بدولة السعودية نزل بلده اجازة كي يخطب ويتزوج ثم يعود هو وزوجته ليستقرا بمكان عمله.


تحدث فهمي قائلا :


ـ فرحت من أجلها، الفتاة معتادة على حياة الخارج ، لا يمكنها التعايش بعالمنا المختلف تماما عن الرفاهية هناك.


أراد أن يبتعد عنهم بعد أن عاد حديثهم للزفاف والعروسين، ولكنه لم يفعل بعد أن أجبره فضوله على البقاء وسماع تفاصيل الزواج لعل أحدا منهم يتطرق لبداية التعارف والقبول ولكن لم يحدث.


انتهت الأمسية وسط الدعوات والتهاني، غادر الاهل واحدًا تلو الآخر، لم يكن هناك ما يدعو للقلق ولا ما يثير الشك في نفوس الأعمام فقد بدا نادر خطيبًا مثاليًا، وبدت عبير عروسًا تبدأ حكايتها الجديدة بخطوات هادئة.


كان من نصيب نادية أن تقص على مسامع وليد بداية الحكاية، حين روت عليه بعيون تتلألأ متمنية لو ينالها حظ عبير ، رأتها أم العريس بإحدى محلات القماش قائلة لنفسها:


ـ هذه هي عروسة ابني .


تحدثت حفيظة لابنها لتصدمه :


ـ لا اعرف يا ابني ماذا اقول ولكني أشعر بحسرة كالذي ضيع فرصة كبيرة من يده، كيف فرطنا بفتاة جميلة طيبة نعلم أصلها ومنبتها لرجل غريب، كان أولى أن نجمع شملها معك أو مع رأفت .


ابتلع وليد ريقه بصعوبة متعثر بكلماته التي تأخرت حتى خرجت منه بصوت متعب مجهد حزين:


ـ نصيب يا امي ، أنه النصيب .


أغمض عينيه لينام على الكنبة دون تبديل ملابسه، عجز والديه في إيقاظه مكتفين بوضع الغطاء عليه، عزمت أمه على الاستيقاظ مبكرا لتحضير الفطور وبعض المعجنات المحببة إليه، بحثت عنه بعد الفجر دون أن تجده في المنزل، استعاذت بالله من أفكارها التي راودتها وأسرعت بفتح النافذة لتتأكد من وجود سيارته ولكنها غير موجودة.


بحثت عن هاتفها لتجده في حقيبتها منذ خروجها من المنزل للحفل، أخرجته واتصلت به ليفاجئها وليد بعودته للقاهرة لأجل بعض الأعمال الهامة والطارئة.


تبعثر وغرق بحزن كبير، ألقى بنفسه في العمل حتى أصبح يخرج بعد الفجر ويعود بوقت متأخر لينام ، ليأتي اليوم الافتتاح المنتظر الذي أبهر كل من حضره من شدة الازدحام.


 فلقد تبين أن رأفت وباسم كانا على حق حين أصرا على تخفيض الأسعار، وعمل إعلانات ممولة جذبت العملاء بشكل كبير في يوم الافتتاح.


وصلت نجلاء وعبير إلى الافتتاح بعدما أنهتا تسوقهما سلم جلال على أخيه مباركا له وداعيًا أن يكون فتحًا مبينًا في الرزق عليهم. 


سلم وليد على عمه وهو يؤمن على الدعاء، واضعًا يده على صدره وهو يرحب بزوجة عمه و عينيه كانتا تراقبان اقتراب نادر من عبير فور وصوله هو أيضًا إلى الحفل.


انسحب دون أن يلاحظ أحد تغيير حاله، أبتعد عنهم حتى لا يعكر صفوه، ابتعد بجسده لكن قلبه وعينيه بقيا يراقبانها في تخفي بين الحين والآخر، يسترق بعض النظرات محاولًا فهم مدى الترابط والتفاهم والتقارب بينهما.


اقترب منهم بعد أن أشار إليه عمه من بعيد كي يأتي إليهم، كان أكثر ما يضغط على قلبه أن يستمع إلى صوت عريسها وهو يمازحها بشأن اختيار الأجهزة.


امتلأ قلبه ضيقًا، مجيبًا على نادر:


ـ ولما لا؟ هي لا تحب المواقد الكبيرة، وأيضًا ألم تشعر أنها أصبحت عادة قديمة؟.


ثم نظر إلى عمه مكملًا حديثه وهو يشير جهة الشمال:

ـ الأفضل أن تشتري هذا الموديل من هذه العلامة بالتحديد،انه أكثر من رائع من حيث الجودة والحداثة كما تريد عبير، مسطح كهربائي، والفرن الخاص به يتم وضعه حسب الرغبة، بالأعلى أو بالأسفل داخل أثاث المطبخ.


تحدث نادر بقوة رافضًا أن يملي عليه أحد رأيًا آخر:


ـ كلام فارغ يخرب بعد عدة سنوات، الأصلي أصلي، أريد موقد غاز طبيعي من علامة ممتازة، يعمل لسنوات وسنوات دون أن يشتكي.


أجاب وليد إحدى العميلات بالجوار، مقتربًا منها كي يساعدها في اختيار المناسب لها.


 انشغل مع الزبائن وهو يراقبها من بعيد، يسترق النظر إليها بين الحين والآخر محاولا فهم عريسها ، وبعد وقت ليس بكثير اقترب منها مجددًا وهو يشير إلى شاب صغير يعمل معهم، قائلًا دون أن ينظر إليها:


ـ خذها من يدها وضعها بغرفة المكتب.


مدت عبير يدها لتعطي علبة جهاز الفشار للشاب، قائلة لابن عمها على استحياء:


ـ وهنا أيضًا يوجد بعض الأكياس 


نظر وليد إليها لثواني ثم نظر إلى موضع إشارتها مبتسمًا رغمًا عنه وهو يستمع إليها.


ادخلهم هم أيضا كي لا يسقط ذنبهم عليّ.


رد عليها بعفوية وضحك:


ـ هل ذنب؟ أي ذنب سيسقط عليكِ ؟ فليحملهم عريسك عوضًا عنك.


خجلت مجيبة بضحكتها:


ـ لا أعرف خرجت مني على هذا النحو ، يداي انتفختا من حملهم دون أن ينتبه أحد إليّ، من الجيد ملاحظتك لما أحمله.


ضحك أكثر وهو يجيبها:


ـ هل انتفخت يدك بحمل جهاز الفشار؟ حتى حقيبة يدك أكبر منه


نظرت عبير إلى حقيبتها قائلة:


ـ لا تنظر لحجمها، اشتريتها لأجل أن أدخل لأرتاح داخلها إن تعبت من…


 تذكرت اخر قطعة شوكولاتة المستوردة كانت قد احتفظت بها في حقيبتها خصيصًا له، ليس بشكل صريح ولكن هذا ما رغب به القلب دون الإفصاح للعقل عنه، مدت يدها إلى حقيبتها، وأمسكت بها بين أصابعها ، للحظة تخيلت أنها ستضعها في يده، هامسة ببساطة :


ـ خبئتها لك.


و لكن.. تغير كل شيء قبل أن تفعلها عندما وصل إلى مسامعها صوت خطيبها نادر وهو يناديها.


تجمدت يدها وتوقفت تلك اللحظة الصغيرة التي كانت تجمعها بوليد في هدوءٍ لم يكن يحتاج إلى كثير من الكلمات.


أدارت رأسها لتنظر إليه وهي تسقط الشوكولاتة في حقيبتها من جديد، تركتها من بين أصابعها

لتسقط بهدوء إلى الداخل، ارتطمت أولًا بحافة الحقيبة، ثم تدحرجت بين أغراضها حتى استقرت في قاعها مختلطة بمقتنياتها الصغيرة وحيدة من جديد.


حتى الشكولاته حزنت على حالها، وكأنها شخص قد وصل إلى نهاية رحلته قبل أن تبدأ.


فلم تكن تفصلها عن يد وليد سوى لحظات.


لحظات قليلة وكانت ستصبح مكافأة صغيرة على ما فعله و لربما كانت ستصبح سببًا لابتسامة ستشرق على وجهه رغمًا عنه.


لكنها عادت إلى مكانها في الحقيبة بل وعادت إلى وحدتها بدونه.


ظل وليد بمكانه ثابتًا ينظر لمن حوله بصمت وفي داخله رغبة بسيطة لم يستطع قولها:


ـ ولكن يكون هناك مقابل لهذه الخدمة


لكنه لم يفعل، أسرها في نفسه دون أن يستطيع البوح بها، ليس لأنه لا يريد، بل لأن وضعها الاجتماعي الجديد لم يعد يسمح له بتلك الجملة البسيطة.


لحظة واحدة فقط...


كانت كافية لأن تفصل بين هدية كانت في طريقها إلى صاحبها، وكلمة كانت على وشك أن تُقال.


ثم عاد كل شيء كما كان…


بقيت الكلمات حبيسة صدره، وبقيت الشوكولاتة في حقيبتها دون صاحبها، بينما تكرر صوت نادر ليقطع ذلك الصفاء الذي كان بينهما'


ـ عبير، تعالي معي من فضلك.


──────── ✦ ────────


إلى هنا سيداتي آنساتي سادتي ينتهي فصلنا لهذا اليوم، تاركين وليد مع صدمته، وأمنيته التي ظن أنها اقتربت من التحقق، فإذا بها تصبح أبعد مما تخيل…


فليس كل ما يتمناه القلب تدركه الأيام، وليس كل حلم نخبئه في صدورنا كُتب لنا أن نعيشه، فبعض الأقدار تأتي على غير ما نشتهي تضعنا أمام حقائق لم نكن مستعدين لها.


والآن…

 أخبروني… ماذا تتوقعون أن يفعل وليد بعد هذه الصدمة؟ وهل تأخر في الاعتراف بمشاعره، أم أن للقدر حكاية أخرى لم تُروى بعد؟ 


لا تحرموني من آرائكم وتعليقاتكم، فبكلماتكم وتفاعلكم تحلو الحكاية ويزداد شغفي بأن أروي لكم ما تخبئه الأيام لأبطالنا.


إلى أن نلتقي في الفصل القادم، دمتم بكل الحب.


هذه الرواية بقلم أختكم أمل محمد الكاشف 





author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • Amany Ahmed photo
    Amany Ahmed14 أكتوبر 2026 في 12:26 ص

    اناااا 😲😲😲😲

    حذف التعليق
    • غير معرف14 أكتوبر 2026 في 7:35 م

      ابدعتى حبيبتي سلمت اناملك ياعينى عليك ي وليد

      حذف التعليق
      • غير معرف15 أكتوبر 2026 في 1:09 ص

        يا لولو كفاية بهدله 🥲🥲🥲 الواد خلاص رايح يفرح تكسرى قلبه بخطوبتها وكمان الشيكولاتة ترجع وحيده في الشنطة مثل قلبه
        كنت عارفه أن في احزان في الحلقة دى من لما ركب سيارته وفرحان
        منال قاسم

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent