recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاته| الفصل الخامس

حُــبّ بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة

بقلم أمل محمد الكاشف 


بعض الغياب لا يُنهي الحكايات، بل يتركها معلّقة في القلب، تظهر في أبسط التفاصيل، وتوقظ مشاعر ظننا أننا تجاوزناها… وبين قلبٍ يحاول الهروب من ماضيه، وحياةٍ جديدة تكشف طباع أصحابها، تبدأ الحكايات في اتخاذ مسارات لم يتوقعها أحد.
✦ ✦ ✦

تغير وليد بشكل كبير منذ أن سافرت عبير حتى وصل لمرحلة كبيرة من اللامبالاة لا شيء مهم لديه ، لا طموح لا احلام ولا حماس في العمل بالمحل الجديد الذي طالما تمنى كثيرا نجاحه .


لم يعد يرغب في السؤال عنها كالسابق، ولم يحاول معرفة أخبارها، وكأنه أقنع نفسه أن أفضل ما يستطيع فعله هو أن يدفن كل ما يشعر به في داخله ويمضي قدما في أن يعيش حياته كما كتب له قدره.


بينما كانت عبير قد بدأت تتأقلم تدريجيًّا مع حياتها الجديدة في السعودية، كانت تحاول إقناع نفسها بأنها اعتادت البُعد عن أهلها، وأن الاشتياق الذي يثقل قلبها كل ليلة ليس سوى أمر طبيعي سيخف مع مرور الأيام.

كان كل شيء مختلفًا عن بيت أهلها المكان، الناس، اللهجة، وحتى تفاصيل يومها التي اعتادت أن تكون محاطة فيه بأمها وأبيها.

كانت تحاول أن تصنع لنفسها عالمًا صغيرًا داخل منزلها الجديد، اهتمت بزوجها، رتبت المنزل بعناية كبير، انتظرته كل يوم وهي تظن أن وجوده وحده كفيل بأن يجعل الغربة أهون بكثير عليها.


كما كانت تحرص على الاتصال بأمها باستمرار، تسألها عن أحوال الجميع، وتستمع إلى أخبار البيت الصغيرة وكأنها تحاول أن تعيش معهم ولو من خلف شاشة الهاتف.


 أما عن نفسها فكانت تختار كلماتها بعناية، تخبرهم بأنها بخير وأن حياتها تسير على ما يرام متجنبة الحديث عن أي شيء قد يثير قلقهم.

في إحدى الليالي، وبينما كانت تجلس على طرف الفراش تتحدث مع أمها التي تحركت مكان جلوس لوالدها كي تتحدث معه ومع عمها عبد العزيز، ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها:

ـ أبي كيف حالك طمئني عليك.

جاءها صوته هادئًا، وإن بدا عليه شيء من الإرهاق:

ـ أنا بخير يا ابنتي لا تقلقي قلت لكِ في الصباح أنها مجرد نزلة برد بسيطة وستزول خلال يومين إن شاء الله.

اختفت ابتسامتها سريعًا واعتدلت في جلستها بقلق:

ـ ولكن صوتك بالصباح كان أفضل من ذلك، هل تتناول أدويتك في مواعيدها ام لا زلت تجهد امي معك.

ضحك جلال بخفة، محاولًا تهدئة مخاوفها :

ـ لا تقلقي أخذ ادويتي وااكل طعامي بشكل جيد.

ـ أشعر وكأنك تخفي شيء عني.

مد جلال يده نحو وليد الجالس بجواره ، قائلا:

ـ امسك يا بني أخبرها انت أنني بخير لعلها تصدق ما أقوله لها.


وما إن التقط أذنه صوت عبير عبر الهاتف حتى توقفت الكلمات على لسانه، ورفع رأسه نحو عمه جلال بعينيه المصدومتين دون أن يشعر.

ذلك الصوت!

كم مضى من الوقت منذ سمعه آخر مرة،  
لم ينتبه جلال إلى شرود وليد، تجمدت ابتسامة عبير للحظة، كما شعرت بقلبها يخفق على نحو مفاجئ:

ـ وليد!

لم تكن تتوقع أن تسمع اسمه في تلك اللحظة، ولم تكن مستعدة لذلك الاضطراب الذي اجتاحها لمجرد أن والدها ذكره.

وفي الجهة الأخرى ناول جلال الهاتف لوليد قائلًا بابتسامة:

ـ بني.. تحدث معها يبدو أنها لن تتركني الليلة من كثرة أسئلتها.

أخذ وليد الهاتف بعد أن حاول أن يبدو طبيعيًّا، ثم قال بصوت هادئ:

ـ السلام عليكم يا عبير كيف حالك أنت وزوجك أن شاء الله بخير كما نسمع .

ساد الصمت لثواني قليلة قبل أن تجيبه بصوت خافت:

ـ وعليكم السلام نحن بخير شكرا لك.

كان ردها بسيطًا لكن نبرتها حملت من الارتباك ما جعله يدرك أنها لم تتوقع سماع صوته.

ابتلع وليد ريقه، ثم سألها:

ـ وكيف تسير حياتك في السعودية؟

أجابت بسرعة وكأنها تريد إنهاء السؤال قبل أن يلاحظ زوجها حديثها معه قائلة :

ـ أنا بخير الحمد لله كل شيء على ما يرام.

ـ الحمد لله، ونحن أيضا بخير ، أصيب عمي جلال بدور برد سياخذ حدته ويمر أن شاء الله لا تقلقي نحن بجانبه.

لم ينتظر جوابها حين شعر بوخزة غريبة في قلبه :

ـ أبي أيضا يريد الاطمئنان عليكِ.

مد يده نحو والده ليبدأ عبد العزيز حديثه معها بنكهة كوميدية حنونه.

كان وليد قد جاء لمنزل عمه جلال مع والده للاطمئنان عليه حين علم بمرضه، اعتقد انه قادر على أن يقترب من تفاصيل بداياتهم دون أن يتأثر ولكنه كان مخطئا ، فكل مكان بالمنزل كان يعيد إليه تفاصيل كثيرة ظن أنه تجاوزها، بل واوقظ في قلبه مشاعر كان يحاول إقناع نفسه بأنها أصبحت من الماضي وخاصة حين سمع صوته الذي شرخ بقلبه وصدره بقوة.


أنهت عبير المكالمة ذاهبة لغرفة زوجها بصمت 
لم تخبره بما جرى كي لا يتعكر صفائهم، وضعت الهاتف جانبًا وأسندت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها منتظرة انتهائه من مكالمة والدته.

لم تخبره ولكن كان من نصيبه أن يعلم بالأمر من خلال والدها حين أراد أن يطمئن هو أيضا عنه، منصدما بقوله:

ـ ما بكم يا اولاد انا بخير ، اعطيتها عمها وابن عمها ليؤكدوا عليها أنني بخير ومع ذلك لم تقتنع ماذا افعل لكم حتى تتأكدوا أنني حقا بخير.

غضب نادر وتعكر وجهه وهو يستمع لتبرير زوجته :

ـ حدث فجأة ولم استطع التصرف ، وضعت أمام الأمر الواقع واضطررت للتحدث السريع معه، حقا لم تكمل مكالمتنا عدة ثواني.

أومأ برأسه محاولا امتصاص غضبه وشرح غيرته الشديدة عليها


لا زال وليد صامتًا بينما كان جلال يتحدث عن أمور أخرى ، حاول أن ينشغل بكلامه وأن يقنع نفسه بأن ما شعر به لم يكن سوى حنين عابر.

فلقد أصبحت زوجة رجل آخر، ولها حياتها التي اختارتها وليس من حقه أن يسمح لقلبه بالعودة إلى أماكن كان عليه أن يبتعد عنها.

ومع ذلك ظل صوتها يتردد في أذنيه وظل سؤال واحد يلح عليه دون إجابة:

ـ هل هي سعيدة بحياتها.


نامت عبير بحضن زوجها بعد أن وعدته بعدم تكرار ما حدث مرة أخرى، كان نادر طبيعيًا معها، لم يكن قاسيًا، ولم يكن سيئًا في كل تصرفاته وهذا تحديدًا ما جعلها تتجاوز الكثير مما كان يضايقها في غضبه وتحكماته.

 يعود من عمله يسألها عن يومها بحب يتناولان مع بعضهما الطعام وأحيانًا يجلسان يتحدثان عن الأولاد والمستقبل.

✦ ✦ ✦

مع مرور الوقت لاحظت حفيظة تغيير حال ابنها وليد ، فكرت هي ووالده بالبحث عن عروس له تُحدث تجديد بحياته وتشعره بالمسؤولية تجاه نفسه وعمله من جديد، وبالفعل بدأت والدته تتحدث معه عن الزواج.

الغريب أنه لم يرفض ولم يقبل فكرة أمه ظل صامتا يسايرها ويستمع لها دون ردة فعل منه فهو حرفيا وصل لمرحلة من اللامبالاة لا تحتمل.

ظلت أمه تبحث له عن عروس بجدية حتى لفت نظرها في إحدى حفلات الزفاف فتاة شابة هادئة في مظهرها، جميلة في حضورها القوي وسط اصدقائها فالجميع يلتف حولها ويهتم بها بشكل ملحوظ، يتيمة الام والاب من عائلة بسيطة متدينة، لمعت عين أمه حين بدت لها انها مناسبة لابنها .

عادت والدته إلى البيت وهي تحمل الفكرة في رأسها وكانت الصدفة عودة وليد من السفر بعد اسبوعين من العمل في القاهرة.

انتظرت هدوء الليل لتحدثه على انفراد:

ـ احزر ما وجدته لك؟

رفع عينيه عن هاتفه، قائلا بدون اهتمام:

ـ ماذا وجدتي؟

ـ عروس جميلة أنيقة يلتف الفتيات حولها متمنين رضاها .

ـ متمنين رضاها! هذا ما كان ينقصنا حسنا يا امي كما تريدين؟

قالها بنبرة ساخرة ، ثم عاد لينظر للهاتف مرة أخرى دون روح ولا اهتمام فهو لا يشعر أنه قادر على اختيار امرأة أخرى بقلبه ليبدو له ان أي اختيار دونها سيكون سواء.

ـ إلى ماذا تنظر لهاتفك؟ أهو اهم مني؟

ـ لا ليس أهم ولكن هناك فكرة تشغل ذهني وتفكيري بهذه الأيام، ان نجحت بها ستنقل أعمالنا في اتجاه آخر تماما.

تحمست الام :

ـ ما هي تلك الفكرة؟ 

ـ أرى الكثير من صفحات الفيس بوك ينشرون دعاية لمنتجاتهم ويجمعون الكثير من العملاء جراء ذلك ، تخفيض بسيط ، شرح مميزات الجهاز، كتابة مكان البيع … ومن ثم تتوافد الطلبات.

ـ احدثك عن عروسة جميلة وانت تحدثني عن الأجهزة والمبيعات، اترك الهاتف وانظر إلي، لا يوجد عودة للقاهرة قبل أن نذهب لرؤية الفتاة.

ابتسم وليد لحالة أمه التي عادت بحديثها عن الفتاة التي رأتها، كيف كانت متزينة في المناسبة، واصفة له هدوءها واهتمامها بنفسها ، والاكثر حضورها القوي الذي أبرز شخصيتها القوية وسط اصدقائها، استرسلت بالوصف أكثر قائلة:

ـ انت كبير العائلة لابد أن يكون خلفك شخص قوي يساندك ويساعدك بتحقيق أحلامك وقراراتك بالاوقات الصعبة.

ظل يستمع دون أن يقاطعها حتى شعرت للحظة أنه في عالم اخر ، سألته وهي تترقب جوابه:

هل نذهب لخطبتها.. اقصد هل تريد رؤيتها؟

صمت وليد لحظات، ثم قال:

لا مانع لدي، فلنذهب مدام أعجبتك لهذه الدرجة.

نظرت إليه متسائلة بقلق:

ـ هذا يعني أنك موافق؟

أعاد عينيه إلى هاتفه مجيبا عليها ليصدمها: 

 ـ لا فرق لدي، افعلي ما ترينه مناسب.

كانت تلك الإجابة كافية بالنسبة إليها، تحمست حفيظة وتأملت أن تعيد العروس البهجة والسرور لوجه ابنها الذي انطفأت شمعته من بعد الافتتاح متوقعين أن ما حدث له ناتج عن عين حاسدة اخترقت قلبه وروحه بعد أن تألق بالافتتاح، فهو الأكثر وسامةً من بين إخوته وأكثرهم بطلاقة اللسان بجانب مهارته في إقناع الآخرين بما يريد.

حلمت بفرحتها بابنها، اهتمت وسعت به حتى تمت الخطوبة بشكل سريع لم يمضي عدة أيام على ذهابهم لرؤيتها حتى تم تحديد موعد قراءة الفاتحة وتلبيس الخواتم بنهاية الأسبوع.

لم يعترض وليد…

ولم تظهر عليه الفرحة…

وكأنه كان حاضرا بجسده فقط دون روحه، يبتسم حين ينبغي أن يبتسم، ويجيب حين يُسأل، وكأن الخطبة لشخص آخر بالعائلة.

ساد الهدوء للحظات استعدادًا لقراءة الفاتحة، جلس وليد بين أفراد عائلته مستندًا إلى ظهر المقعد يتابع أحاديث الرجال من حوله بهدوء.

فجأة…

فُتح باب الغرفة الجانبية.

دخلت العروس برفقة والدتها، رفع وليد عينيه إليها بشكل تلقائي يرسم على وجهه الابتسامة والفرح دون أن يلمسا قلبه.

ليحدث ما لا يخطر على البال ففي اللحظة نفسها تجمدت حواسه حين اختلطت عليه الرواية..

للاسف لم يراها…

بل رأى عبير كما كانت تدخل عليهم في ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه العائلتان لقراءة الفاتحة على روحه.

نفس المشهد...

نفس دخول فتاة إلى المكان...

نفس الارتباك الذي شعر به وهو يرفع عينيه نحوها، توقفت الصورة في رأسه للحظات ثم تداخلت مع ما يراه أمامه.

رمش وليد بجفنيه سريعًا لتختفي صورة عبير من أمامه وتظهر العروس أمام عينيه.

حرك قدميه كما حرك جسده فوق المقعد وعدل جلسته كأنه يريد أن يتخلص من الصورة التي علقت أمامه رغمًا عنه.

خفض عينيه للحظات ثم رفعهما من جديد منتظر اقترابها منه، حاول أن يتابع حديث أحد الرجال بجواره، لكنه لم يسمع سوى كلمات متقاطعة لا يفهم منها شيء.

حرك يده فوق ركبته ثم غير جلسته مرة أخرى كأنه يبحث عن وضع يخفي به اضطرابه عن أعين من حوله.

لاحظ رأفت حركته، فسأله:

- ما بك يا عريس؟

رفع وليد راسه بسرعة مجيبا عليه

- ما بي ! لا شيء…

ابتسم رأفت ابتسامة صغيرة، قائلا :

ـ ألم يتوجب عليك الوقوف لاستقبال عروستك.

انتبه وليد لوضعه قام ناظرًا لخطيبته بوجه احمر ابتسم اخيرا لها مفسحا المكان لتقدمها ووقوفها بجانب أخيها الأكبر.

بدأ الجميع بالتهنئة للعروسين ، تحركت الأحاديث من جديد من حولهم، أما هو فظل للحظات ينظر إلى الأرض خوفا من رؤية تلك الصورة أمامه مرة أخرى.

لكنها عادت رغمًا عنه، رآها وهي تدخل عليهم 

وجهها…

ارتباكها…

وذلك الشعور الذي لم يكن يعرف وقتها أنه سيظل معه إلى يومه هذا.

شد وليد من قبضة يده قليلًا ثم أرخاها، رفع رأسه أخيرًا ليشارك من حوله الحديث شيءً فشيء.

لم يلاحظ أحد ما جرى داخله إلا هو فلم تكن إلا ثواني صارع بهم الحاضر والماضي.

كان أكثر ما أزعجه أنه كلما حاول الهروب من تلك الصورة بهذا اليوم يجدها أمامه أسرع منه.


امتلأ المنزل بالأهل والأقارب من الدرجة الأولى فقط، أصوات الضحكات والتهاني تتعالى من كل ناحية، كانت والدته أكثر الجميع فرحًا، تتحرك بين الحاضرات بابتسامة لا تفارق وجهها وهي تستقبل التهاني وترد عليها.

كما بقي هو بين الرجال يجلس بهدوء يتبادل الحديث معهم بشكل طبيعي، اقترب منه عماد ابن عمه فارس وربت على كتفه:

- مبارك يا عريس.

ابتسم وليد:

- وفيك بارك الله .

- أخيرًا سنفرح بك.

ضحك وليد ، وقال:

- بي ام في ؟ .

لم يكن في صوته حماس كبير، لكنه لم يكن باردًا أيضًا ، بعد قليل نادته والدته:

- وليد تعال يا ابني.

نهض واتجه إليها مستمع لها وهي تشير إلى خال العروسة الذي وصل للتو قائلة:

ـ سلم على خالك وزوجته.

صافحهم بابتسامة هادئة وجلس بينهم قليلًا.

كان يتحدث معهم بأدب يسأل عن أحوالهم، ويشارك في الحديث حين يُسأل.

وبعد دقائق، جاءت والدته تحمل علبة صغيرة فتحتها ليظهر بها خاتم الخطوبة، تعالت الزغاريد والتصفيق، ابتسم وليد وهو ينظر إلى الخاتم، ناظرا للبدأ تلبيس أمه العروس الخاتم عوضا عنه بينما اقتربت نادية بضحك وعفوية كي تُلبس أخيها خاتمه، رفعت الخاتم قليلا للاعلى ناظرة جهة كاميرا هاتف شادية كي تلتقط صورة جميلة قبل أن تضعه بإصبع أخيها الذي قبل رأسها وهو يقول :

ـ العاقبة لكِ إن شاء الله.

ارتفع صوت والدته من بين النساء:

- بالرفاه والبنين يا حبيبي.

ضحك أحد أعمامه:

- مبروك يا وليد 

 أجابهم دون أن يشعر :

ـ مبروك.

انفجر الجميع بالضحك.

ـ يا ابني قلتها لنفسك وانت العريس!

ابتسم وهز رأسه أبيه :

بارك الله فيكم جميعًا.

 تحرك بعد تلبيس الخواتم ليجلس إلى جوار خطيبته بشكل متباعد قليلا وذلك وفقا لما أشار له أخيها عبدالله الأوسط.

كانت العروس أكثر اهتمامًا بالتفاصيل، عدلت جلستها ثم نظرت إليه، متسائلة :

ـ أعجبك الفستان؟

تعجب من سؤالها فهو لم ينتظر منها سؤال كهذا في تلك اللحظات الأولى من خطبتها، نظر إلى فستانها بوجه مبتسم:

- نعم انه جميل.

- بهذا القدر فقط ؟

ابتسم بخجل تعرق وجهه به:

- هل كان عليّ أن أقول شيء آخر ؟

ضحكت العروس:

ـ لا عليك يمكنني قبول هذا القدر بالبداية.

ثم التفتت إلى إحدى قريباتها وتحدثت معها بصوت منخفض.

تذكر وليد بساطة عبير بهذه اللحظة، وكيف كان يكفيها كلمة واحدة صادقة حتى تمنحه ابتسامتها العفوية وكأنها لم تحمل في قلبها شيئًا فقط، بل كيف كانت تبادر بالود وتمنح جميع من حولها الاهتمام ما يجعلهم يشعرون بأن الأمور أبسط مما يظنون.

تنهد وهو يبعد صورتها عن ذهنه مستنكرًا مقارنته بين امرأتين تختلفان في الطباع والظروف.

لم يكن وليد قد انتبه في البداية إلى ما يدور حوله من أحاديث، لكن صوت خطيبته وهي تتحدث إلى إحدى قريباتها استوقفه خاصة حين سمعها تقول بابتسامة متكلفة:

ـ نعم كنت أتمنى أن تكون الخطبة مختلفة قليلًا، لكني فضلت ألا أضغط عليهم حتى تسير الأمور كما يريدون.

لم يكن في كلماتها ما يستدعي التدخل، حاول تجاهل الأمر وأقنع نفسه بأنها ربما تتحدث بعفوية دون التلميح بأي تقصير من جهته.

اقتربت شادية منهما بوجهها المبتسم وهي تقول للعروس:

ـ المهم أن تكوني سعيدة يا عزيزتي، فما زال أمامك وقت طويلا تختارين فيه كل ما تحلمين به معه.

التفتت إليها تسنيم، مجيبة عليها ببرود وقوة لم تستطع إخفاءها:

ـ بالتأكيد سيحدث ذلك لكن كان هناك بعض الأشياء يمكننا تنفيذها والاستمتاع بها لولا تدخل بعض الأشخاص بآرائهم ، بصراحة أنا شخص لا يحب أن يتدخل أحد ويفسد أحلامه خصوصًا حين لا يكون مسؤولًا عن تكاليفها.

توقفت ابتسامة شادية بينما أدار وليد راسه ناظرا لخطيبته وقد أدرك أن الحديث تجاوز حدوده.

تحدث بهدوء حاول أن يحافظ عليه أمام الضيوف:

ـ أعتقد ليس من اللائق أن يتحول الحديث مع أختي إلى هذا الشكل، كل شيء كان متفق عليه منذ البداية نحن لا نحب الحفلات الصاخبة وما شابه حتى اخواتك وافقوني الرأي بهذا.


نظرت إليه تسنيم مبتسمة ابتسامة صغيرة محاولة عدم اظهار ما يدور بين ثلاثتهم أمام الحضور ، قائلة :

ـ فهمت كلامي على نحو خاطئ لا بأس، لن أفسد فرحتنا بسبب سوء فهم، لنتحدث عن ذلك لاحقًا.

ثم نظرت بوجهها إلى الجوار لتعود إلى حديثها مع قريبتها، تاركة وليد مندهش من أسلوبها وطريقتها بالحديث معه ومع اخته.


مالت شادية عليه بوجه مبتسم:

ـ ليس وقته الان دعنا نكمل الاحتفال على خير.

لم يرغب في افتعال مشكلة يوم خطبته، فابتلع ضيقه وعاد ينظر إلى الضيوف، لكنه لم يعد قادرًا على الابتسامة بوجههم كما كان قبل دقائق.

تراكمت التفاصيل الصغيرة في رأسه، نظراتها لشقيقته، وطريقتها في الحديث معه ، ومعارضتها لكل ما يقول قبل الخطبة، حتى وصل لتلك الابتسامة التي أنهت بها حديثها معهم وكأنها منحته فرصة للنجاة من خطئه متحدثه مع اقربائها وكأن شيء لم يكن بل وكأنه غير موجود.

ومع مرور الوقت بدأ يشعر برغبة حقيقية في مغادرة المكان لولا أنه أدرك أن انسحابه سيزيد الأمور تعقيدًا.


بقي وليد يتابع أحاديث المعازيم يرد على من يكلمه، ويبتسم حين يكون هناك ما يدعو للابتسام.

لم يكن سعيدًا بصورة صاخبة

ولم يكن حزينًا …

كان فقط هادئًا…

وكأن الزواج بالنسبة إليه خطوة طبيعية مهمة واجبة لاستكمال الحياة لا أكثر.

وحين التقط أحدهم صورة لهما، اقترب منه أحد أقارب العروس وهمس:

- مبروك يا عريس.

ابتسم وقال:

ـ بارك الله فيك 

ثم نظر إلى الخاتم مرة أخرى وأعاد يده إلى جواره دون أن يفكر طويلًا.

في تلك الليلة، لم يكن يعلم إن كان قد اختار طريقه، أم أنه فقط ترك الأشياء تختار طريقها له عوضا عنه.


عكس خطيبته التي ظهرت مختلفة تمامًا عما اعجبه في عبير، فهي ذكية جدا، سريعة البديهة، تعرف ماذا تريد، وبماذا تجيب ، قوية ، تحب أن تشعر بأنها محط اهتمام من حولها، وتغضب بشكل ملحوظ ان حدث عكس ما تريد.


فرحت عبير عندما سمعت عن خطوبة وليد من امها، كانت تتمنى لو تحظى بعدة صور للعروسين ولكنها لم تنجح بسبب بعد والديها وسفرهم إلى القاهرة كي يستعدوا للسفر إلى المجر كي ينهوا بعض الإجراءات القانونية اللازمة وتصفية المنزل قبل العودة النهائية لأرض الوطن.


أغلقت الهاتف بوجه مبتسم ثم تحركت بسرعة لترتدي ملابسها استعدادًا للخروج لشراء بعض الأشياء من البقالة القريبة.


لسوء حظها عاد نادر من عمله ليجدها ترتدي حذائها، نظر إليها متعجبًا:

ـ إلى أين؟

أجابته بعفوية:

ـ من الجيد انك أتيت كي توصلني بالسيارة ، اريد شراء بعض الأغراض لاكمل الطبخ.

نظر إليها للحظات قبل أن يسألها:

ـ ولماذا لم تخبريني؟

استغربت سؤاله:

ـ ومن أين لي أن أعرف موعد عودتك ، وأيضا أليس اليوم هو أول يوم بالاسبوع و الأطول على الإطلاق بين باقي الأيام.

صمتت حين رأت تغيير ملامح وجهه متحدثا:

ـ كيف ستخرجين وحدك بدون اعطائي اي خبر!.


صمتت للحظة مجيبه بعدها بهدوء:


ـ حسنا ، سافعل ذلك بالمرة المقبلة، ساتصل واخبرك قبل ذهابي.


ظنت عبير أن الأمر انتهى عند هذا الحد ولكنها فوجئت بعصبيته وهو يكمل :

ـ لا يمكنك الخروج دون إعطائي خبر لاي سبب كان.

ابتسمت محاولة تخفيف الموقف:

ـ حسنا سافعل ولكني أردت شراء بعض المستلزمات الضرورية لاستكمال الطبخ.

لم يبادلها الابتسامه بل قاطع حديثها : 

ـ لن يحدث ما تريدين بكل مرة، حضرتك أصبحتي كبيرة ومسؤولة من رجل المفروض تستأذنيه قبل خروجك.

صمتت بعد أن جف الكلام بحلقها ولم تجد ما تقوله أمام غضبه، تخشى أن تلفظ بكلمة تزيد من لهيب غضبه المنبثق من عينيه.

نظر لملابسها بضيق أكمل به:

ـ وايضا عليكِ تغيير نمط ملابسك الذي لا يلائمك ابحثي عن أشياء تناسبك أكثر من هؤلاء، كما أنني لا أحب الألوان الناصعة والملابس المنقوشة، نحن لسنا بمصر كي ترتدي بهذا الشكل .

ـ وما الذي يليق لارتديه هنا.

ـ يكفي أن تكون عبايات بألوان سادة جميلة وهادئة.

ـ ولكني أرى الكثيرات يلبسن مثلي تماما .

ـ نحن مختلفون، ليس كل ما تريه جميل، عليك أن تظهري بمظهر لائق بوضعك كونك زوجة مدرس ومربي أجيال، الوقار والاحترام والتقدير لا يكتسب إلا ببعض الانطباعات عن الشخصية التي أمامك ومن أهم هذه الانطباعات المظهر الراقي الأنيق الهادئ المحتشم.

كان دفاعها عن نفسها على طرف لسانه يريد أن يخرج ولكنها أوقفته حين شعرت بعدم أهميته أمام كل هذا العناد والغضب .

انتظرت نومه في المساء حتى ذهبت إلى غرفة المعيشة لتتصل بأمها متحدثة معها بما حدث على سبيل الحكاية لا الشكوى محتفظة بتعليقه على ملابسها لنفسها بعد أن خجلت بنقل هذا القسم من حديثهم لأمها .

ضحكت نجلاء وقالت:

ـ بصراحه نادر لديه حق يا عبير، يا ابنتي لا زال الرجل عريس جديد، هذا طبيعي يحب أن يعرف اين أنتِ وماذا تفعلين، بجانب أنتم في بلد غريبة يمكن أن يكون غضبه عليكِ من دافع خوفه من حدوث مكروه معك لا قدر الله.

طال حديثها مع امها الذي تنقل لأكثر من موضوع حتى هدأت وضحك وجهها من جديد،
أغلقت عبير الهاتف وهي تبتسم قائلة لنفسها:

ـ امي محقة ما كان عليّ فعل ذلك.

وضعت الهاتف جانبًا، ولم تفكر في الأمر مرة أخرى.

✦ ✦ ✦


بهذه الليلة فتح وليد صفحة عامة على الفيس بوك سماها بإسمه الخاص ' وليد الجوهري '

اختار عدة فيديوهات ليوم الافتتاح وبدأ ينشرهم واحد تلو الآخر مغلق الهاتف بعدها.

فكر دقائق ليفتح الهاتف كي يتصل بخطيبته ليخبرها بضرورة عودته إلى القاهرة بعد انتهاء إجازته التي امتدت لأسبوعين، إذ حان موعد تبديل أماكن العمل مع شقيقه رأفت، وفقًا للنظام الذي اعتادت الأسرة أتباعه، بينما ظل باسم مستقرًا في الفرع الرئيسي بالمنصورة.

لم تعترض خطيبته على سفره بينما أصر أخو خطيبته أن يأتي إليهم ليأكل معهم في تجمع عائلي هو واخوات تسنيم المتزوجون قبل سفره.

قبل الدعوة بصدر رحب فكان اخوها الكبير على قدر كبير من الاحترام واللسان المزين بالكلام الجميل، بجانب التدين الشديد.

ارتدى جلباب ابيض جديد واضعًا عطر العود الاصلي مخرج مسبحة فضية بلون ساعة يده الجديدة ومن ثم وشاح الأبيض مخرجا بعدهما الحذاء الجديد من الحقيبة ليرتديه هو أيضا.

وقف أمام المرآه يهذب شعره الأشقر ويمشطه بعناية، انبهرت ناديه باخيها كما فرحت شادية وامها بحالته وكأنه عاد لحيويته من جديد، صلى وليد ظهر الجمعة وذهب بعدها ليشتري الفاكهة والحلويات استعدادا لتلبية الدعوة.

جلس مع العائلة بعد أن حاز على ترحيب الجميع، أخبرهم عن صفحته التي أنشأها ليفتح كلا منهم هاتفه ليشترك بها وينشر على صفحته الخاصة توصية بها، اندمج وليد بمشاركتهم الأحاديث ببهجة وفرح لم يطرأ عليه منذ ثلاثة أشهر

وبعد مرور الوقت فرغ المكان عليه هو وخطيبته بشكل مقصود من زوجات اخواتها الذين استغلوا خروج أخيها الأكبر لأمر هام ودبروا هذا بينهم .


التفتت تسنيم إليه قائلة بصوت منخفض يعلوه نبرة التذمر :

ـ لماذا لم تتصل بي عند استيقاظك؟ أيضا حزنت منك كثيرا، هل ساعرف اخبارك مع الآخرين كأني شخص عادي ليس له أحقية الاستشارة والمعرفة الأولية .


نظر إليها باستغراب، مجييا بنبرة مازحة:

ـ هل كان علي أن اتصل بكِ قبل فتح صفحة العمل على الفيس بوك.

ضحك بسخرية على ما قاله، لتكمل هي بجدية:

ـ حسنا كما تريد عملك وانت حر به، ولكن هل ترى أن قدومك إلينا يعطيك الحق في اهمال السؤال عني بالصباح، لقد انتظرت اتصالك ولكنك لم تتصل وايضا ألم تلاحظ عدم تحدثك معي والاهتمام بي زائد عن الحد المتعارف.

ظل ينظر إليها للحظات يحاول استيعاب ما يقال له، ابتلع ريقه بصعوبة بالغة متحدثا:

ـ هل أنت مدركه لما تقوليه! لم يمر على خطبتنا ثلاث أيام؟! …

صمت لثواني تحدث بعدهم:

ـ ومع ذلك حقك عليّ.. طمنيني عنك هل أنت بخير؟

ابتسمت برضا أجابت به :

ـ حسنا سأسامحك هذه المرة ولكن لا تنتظر أن افعلها مجددا، ستتصل بي كل صباح وكل ساعة وكل دقيقة.

مازحها قائلا:

ـ ومن سيدفع ثمن الفواتير.

 عادت زوجة أخيها الأوسط وبيدها صينية بها كأسين من العصير قائلة:

ـ تصبيرة صغيرة حتى يأتي موعد الغداء.

ضحك وليد شاكرا اهتمامها بهم وأخذ كأس العصير نظر إليه ثم ارتشف منه رشفة صغيرة اعادته لحيث لا يتمنى عودته إليه، فكان عبارة عن ايس كريم بالشكولاته وبسكوت الاوريو المتعارف عليه حديثا في قائمة عصائر المطاعم.

أغمض عينيه مستنشق رائحته بحركة عفوية خرجت منه دون قصد.

عادت ذكرياته لمن ملكت قلبه بدون طلبات أو اهتمامًا مبالغًا فيه، عاد ليتذكر من كانت تفرح بأبسط الكلمات، من كان يكفيه أن يرى وجهها حتى تعود روحه للحياة.

فتح عينيه هاربا من ضحكتها العفوية وطيبتها التي كانت تنتشر بكل مكان تذهب إليه.

ـ وليد ما بك؟ 

بهذه اللحظة وقف العصير بحلقه حتى اختنق به، سعل لعدة مرات محاولا إخراج قطع المكسرات التي تعثرت بالقصبة الهوائية.

ـ أصبحت بخير الحمد لله 

ـ الحمد لله خفت عليك .

ـ لا تقلقي أصبحت بخير.

ـ لنعود لحديثنا إذا، اعتذر منك كوني صريحة منذ البداية ولكني أردت أن أخبرك بما أحب كي يفهم كلا منا الاخر على نحو يرضيه.

رفع وليد نظره إليها، وهو يأخذ نفسا هادئا ليبدأ حديثه :

ـ نعم من الجيد أن نتحدث بصراحه وان يقول كلا منا ما بداخله، ولأجل هذا أردت أن أخبرك بعدم رضائي عن حديثك مع اختي شادية بهذه الطريقة أمام الضيوف، لقد اتفقنا منذ البداية على كل شيء ، وايضا ما دخل التكاليف المادية، هل تعتقدين أننا لا نقيم الحفلات الصاخبة لأجل المصاريف والتكاليف.

استمعت إليه حتى انتهى ثم قالت بنبرة تحمل عتابًا واضحًا:

ـ انتهيت؟ الآن دعني أخبرك بما شعرت به أنا، بالاصل منذ بداية الخطبة وأنا أحاول أن أبدو سعيدة رغم أن أشياء كثيرة لم تسري كما تمنيت، وحين عبرت عن ضيقي بطريقة عفوية، لم تفكر في سؤالي عما أزعجني بل سارعت إلى الدفاع عن شقيقتك وكأنني تعمدت إهانتها أمام الجميع.

عقد وليد حاجبيه وقال:

ـ لم أطلب منك ألا تعبري عن رأيك، لكن كان بإمكانك أن تقولي ما تريدين بينك وبينها على انفراد دون إحراجها أمام الضيوف.

ـ وهل أحرجتها فعلًا؟ أم أنت من رأى الأمر بهذه الطريقة؟ لماذا لم تمنحني فرصة لأشرح لك ما أشعر به قبل أن تحكم عليّ؟.

صمت وليد للحظة ثم عاد للحديث يحاول أن يوضح وجهة نظره، لكنها استمرت في المدافعة عن شعورها بأنه لم يمنحها مكانتها التي تستحقها، وأنه انحاز إلى أسرته دون أن يحاول فهمها.

ومع كل جملة وجد نفسه يتراجع خطوة حتى بدأ يتساءل إن كان قد بالغ فعلًا في رد فعله!

وحين أنهت حديثها بقولها إنها لم تكن تنتظر منه سوى أن يشعر بها، لم يجد ما يقوله سوى:

ـ حسنًا ربما كان من الأفضل أن نتحدث في الأمر بهدوء بدلًا من أن نصل إلى هذه النقطة.

عقدت حاجبيها وهي تجيبه بفتور:

ـ حين تشعر بأنك ظلمتني سنتحدث.

 لم يتوقع وليد ما وصل إليه حديثهم فهو الذي بدأ الحديث معاتبًا، وانتهى به الأمر بوجوب تفكيره في كيفية مصالحتها وكسب رضاها.

لم يكن معتادًا على هذا النوع من الخلافات، وبالأخص هذا النوع من النقاش، ولم يتخيل أن محاولة إصلاح موقف بسيط قد تتطلب كل هذا الجهد، ولسبب لم يفهمه وجد عبير تقفز إلى ذاكرته دون استئذان.

تذكر بساطتها وكيف كان يتحدث معها دون حسابات أو قلق .


انتهى الخلاف بضحكة من وليد وهو يطلب منها المزيد من الوقت كي يعتادا على بعضهما البعض ، سامحته وهي تحرك كتفها ناصبه حاجبيها للاعلى :

ـ حسنا ، سأسامحك هذه المرة أيضا حتى نعتاد على أسلوب و حياة وتفكير بعضنا البعض.

ابتسم لها بذهن بقي يتساءل كيف يمكن لخلاف صغير أن يترك كل هذا الثقل في نفسه.


عاد الأخوة للصالون عند عودة أخيهم الأكبر، مهتمين بالعريس بشكل كبير، كما مر باقي اليوم بهدوء وصمت كبير، وفي المساء، تحدثت تسنيم لخطيبها ، بنبرة تعجب :

ـ أنت قليل الكلام! .

فكر وليد متسائلا:

- وفي ماذا تريدين أن نتحدث؟

ـ أي شيء المهم لا تصمت بجانبي.

قالتها تسنيم محاولة خلق حديث جميل بينها وبين خطيبها الذي أجابها بفتور قائلا:

- ولكني غير معتاد على أن أتحدث لمجرد الحديث بأي شيء، اسالي أنتِ أو افتحي اي موضوع لنتحدث به

نظرت إليه باستنكار:

- من الواضح أن عملي سيكون صعب معك، سأطلب وأبدا أنا كل شيء؟

ابتسم بهدوء:

ـ ماذا نفعل، نصيبك جاءك على هذا النحو، هل لديك اعتراض؟

كان ينظر لها بوجه مبتسم، ينتظر أن تجيبه بالرضا عنه بكل حالته، ولكنها اجابته عكس أحلامه:

ـ العلم بالتعلم ، من بعد الان عليك أن تتعلم كيف تبدأ الحديث وكيف ترضيني..


لم يجب عليها ظل ينظر لوجهها لثواني خفض عينيه بعدها للحظة صمت كبير، اعترف خلاله داخل نفسه بشيء كان يحاول الهرب منه، وهو أن المشكلة الحقيقية ليست أنها مختلفة عنه أو عدم استطاعته فتح أحاديث معها ولكن المشكلة أنها مختلفة عنها تماما، مختلفة عن تلك الفتاة التي لم تكن تطلب اهتمامه، ومع ذلك كانت تستحوذ عليه، ينطلق لسانه فور رؤيته لها محاولا ابقائها بجواره أكبر قدر ممكن، لم تحاول أن تلفت نظره إليها، ومع ذلك كان يبحث عنها بعينيه حتى ينشرح قلبه برؤيته لها، لم تكن تعرف كيف تقول إنها تحتاجه ومع ذلك كان يشعر بحاجتها قبل أن تتكلم.

رفع عينيه إلى خطيبته، فوجدها قد بدأت تتحدث بحماس عن شيء آخر استمع إليها بشرود وحزن كبير.

كان يحزن من نفسه لأنه بدأ حياة جديدة وهو ليس بقادر على بدأها في هذا التوقيت، فلم يمر على زواج من ملكت قلبه الثلاث أشهر حتى يتعافى ويعود للحياة من جديد.

أومأ وليد برأسه مبتسما ابتسامة هادئة بقلب كان يبحر في مكان آخر تمامًا.

ومع حلول المساء استأذن منهم لأهمية نومه مبكرا لأجل السفر قبل الفجر، خرج من منزلهم بوجه معكر لا ملامح له ، كان أكثر ما يؤلمه أنه لم يعد يعرف ما يشعر به، لقد فعل كل شيء منذ الصباح حتى يعيش معها فرحة البدايات ولكنه شعر بفراغ وفتور كبير جعله يعاتب نفسه أكثر وأكثر.

تساءل من جديد هل خطب هذه الفتاة لأنه يريد أن يبدأ حياة جديدة فقط ؟ أم لأنه كان يحاول إقناع نفسه أنه تمكن من نسيان الماضي؟


وبينما كان هو يتخبط بالذكريات، كانت عبير تحارب لتعيش حياة هادئة بسيطة كما اعتادت دائما.
سافر وليد وهو يحمل بقلبه ضيق كبير ، انشغل بالعمل وتكبير الصفحة بنشر منشورات متتالية عن القطع الكهربائية المنزلية والغير منزلية، التعريف بها وكيفية تشغيلها والحفاظ عليها ومميزاتها، كان يبذل مجهود كبير دون مقابل ، شخص أو اثنان ينضمون إليه كل يوم او كل اسبوع ، مما أصابه بالفتور مرة أخرى.

استيقظ جلال الساعة العاشرة مساءً كي يتحضر هو وزوجته للسفر إذ جاء يوم موعد حجز الطيران الخاص بعودتهم للمجر ، اوصلهم وليد بسيارته الخاصة ودعا لهم بالسلامة الكاملة ثم وقف بعدها ينظر جهة دخولهم باب صالة الدخول حتى اختفائهم وهو يقول في نفسه :

ـ كم خشيت هذه اللحظة ، كم قلقت جراء سفرها مع والديها وعودتها للغربة لتعيش مزيد من السنوات بعيده عني، سبحان الله انظروا للقدر أراد الله أن تذهب هي لمكان آخر إلى الأبد.

أخذ نفسا عميقا متحركا بعدها ليصعد إلى سيارته وقلبه مملوء بكل ما يضغط عليه ويرهقه ، من حب لم يكتمل وخطيبة لم ترضى عنه وأعمال لا تنتهي وشتات سقط به بين السفر هنا وهناك .

وصل للمنزل دون روح ، أراد أن يحدث تغيير بحاله قبل النوم ، دخل المطبخ وهو يفكر ماذا سيفعل، تذكر وصفة كريب قد رآها على الانترنت ، ابتسم قائلا :

ـ هل افعل مثله…

ابتسم وجهه أكثر وهو يبحث عن المكونات قائلا لنفسه :

ـ ومن اين سأجد البيكنج بودر في منزل شبابي كهذا.

وقع عينه على الخبز ضحك من جديد قائلا:

ـ لن نخسر شيء ، نفعل شيء نحبه ونجدد حماسنا في هذه الدنيا الغير راضية عنا.

فكر لثواني ذاهبا للغرفة مرتدي ملابس جميلة ، ممشط شعره الأشقر الجميل ثم عاد للمطبخ، ثبت الهاتف في احدى زواياه وفتح كاميرا البث المباشر على صفحة العمل:

ـ مرحبا لا اعرف كيف سأبدأ لكني أشعر بالجوع، وفكرت أن اخذكم معي في رحلة قصيرة مختلفة عن الأجهزة الكهربائية..

ضحك :

ـ أعدكم أن تكون ممتعة.

شعر وليد للحظة أنه غير مستعد كيف سيبدأ ، لم يخرج ما يلزمه ، ولم يفكر في الخطوات ، وهذا ما جعله يضحك بعفوية وهو يحدث جمهوره الصغير بروح فكاهه وضحك هستيري كلما سقط شيء منه أو فشل بشيء ، لأول مرة يعود وليد لروحه بهذا القدر الذي جعله يمازح الفلفل الاسمر والجبن والمعالق ويترجى جهاز التوستر أن يكون سليما ….

انتهى من تحضير شطيرة خبز البيض بالجبن الرومي وقطع الزيتون الاسود والفلفل الرومي.

لف الشطيرة بمنديل كبير مخصص لامتصاص الزيوت ، اخذ الهاتف من مكانه ليقرب الكاميرا على السندويش وهو يأكل أول قطعة منه حيث كان الجبن مطاطي بشكل مثير للجوع والشغف، ضحك عندما سقط نظره على ما أحدثه بالمطبخ ، غير اتجاه كاميرا ليشاهدوا كم الفوضى التي أحدثها هاتفه قائلا بنبرة مازحة:

ـ وها هي النتيجة البائسة ولكن لا عليكم ، شطيرتي جميلة على قلبي، اترككم لاستمتع بها ومن ثم أعود لأرتب هذه الفوضى ، وبالختام إياكم أن تفعلوا كما فعلت هذه الوصفة مضرة بالصحة والراحة…

أغلق الهاتف وأكمل تناوله الشطيرة بوجه ضاحك فرح، ثم نام بعدها دون أن يفتح الهاتف او يرتب المطبخ مكانه.

استيقظ وليد بعد ساعتين على صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن الاهتزاز فوق الطاولة المجاورة لفراشه.

مد يده بتثاقل وامسكه محاولًا إسكات الإشعارات المتتالية، و ما إن فتح الشاشة وعقد حاجبيه حتى يتمكن من رؤية المكتوب في استغراب وتعجب.

فكان هناك الكثير من إشعارات الإعجاب والتعليقات والمتابعات الجديدة، تحرك ليستقيم بجلسته على الفراش، فاتحا تطبيق الفيسبوك ليتفقد ما يحدث، مندهشا بأن هناك الكثير من الإشعارات تأتيه من صفحته الجديدة:

ـ ما هذا؟

فتح منشور البث المباشر الذي نشره ليلًا، واتسعت عيناه وهو يحدق في الأرقام الظاهرة أمامه.

لقد تجاوزت المشاهدات مئة ألف مشاهدة، بينما وصل عدد المتابعين الجدد إلى عشرون ألف متابع.

ظل صامتًا لثواني يتنقل ببصره بين الأرقام بوجه قد انطلق بفرحه، فتح التعليقات، فوجد الناس يتحدثون عن جمال شكل الشطيرة، وعفويته بالضحك ، كما لمعت عينيه حين رأى كثير من التعليقات على جمال مظهره وصوته وضحكته، بينما كتب آخرون تعليقات طريفة عن جوع آخر الليل، وبدأ بعضهم يشارك المنشور مع أصدقائه.

مرر إصبعه على الشاشة بذهول :

ـ كل هذا بسبب شطيرة بيض وجبن؟!

نهض من سريره، انزل قدميه ووقف ثم عاد وجلس مرة أخرى، وكأنه يخشى أن يستيقظ من حلم جميل.

 لم يتوقع أن تكون أولى خطواته نحو الانتشار بسبب شطيرة أعدها لنفسه في منتصف الليل،
تأمل المنشور مرة أخرى، ثم قال مبتسمًا:

ـ يبدو أنني كنت بحاجة إلى أن أجوع حتى أتعلم كيف أستخدم الفيسبوك!

وبينما كان يضحك على ما حدث، جائه اتصالا من خطيبته تعاتبه بغيره كبير بعد أن قرأت كم التعليقات والفتيات اللتي يتغزلن به.

ضحك وليد ضحكة خرجت من قلبه :

ـ هل هذا كل ما لفت انتباهك! 

صمتت تسنيم ، ليكمل وليد:

ـ وايضا هل يكذبن، الفتيات تقلن الحقيقة.

ـ وليد لا تغضبني حتى لا أصر على إغلاق تلك الصفحة وعدم ظهورك بها مجددا.

ضحك مرة أخرى:

ـ حسنا صمت ، والان ساتركك كي اصلي فرضي وأبدأ اجهز للخروج.

وما أن أغلق الهاتف جاءته فكرته الجديدة ، صلى فرض الفجر ودخل المطبخ بدأ تنظيف بشكل جيد ملتقطا صورة جديدة له نشرها على صفحته كاتبا أعلاها توقيت الساعة وأسفلها عبارة
' ها قد أتممنا المهمة على أكمل وجه' .

ترك هاتفه وبدأ يرتدي ملابسه مهتما باختيارها عازما على القيام ببث مباشر من داخل العمل في منتصف اليوم، وقد كان بثا مباشرا ناجحا بشكل كبير حين طلبت المتابعات أن ينشر لهم ما سيتناوله بوجبة العشاء .

فرحت أمه وأخواته به كما افتخر أبيه بنجاح البث الأخير للأجهزة الكهربائية 

انشغل مع العملاء واستسلام البضاعة الجديدة وتدوينها، منصدما باخر اليوم بوجود خمسين ألف متابعا على صفحته، فتح فمه قائلا :

ـ ليس لهذا الحد…

فكر وليد فيما سيحضره هذا المساء ، لم يجد في الثلاجة سوى سمكتين كانوا قد زادوا من وراء مشتريات عمه جلال.

أخرجهم :

ـ السمك غير مقبول اخر الليل ، ومع ذلك ليس أمامنا سواه ، سنجرب حظنا 

عاتب نفسه على عدم الاهتمام وشراء المستلزمات الضرورية لصنع المزيد من الوصفات عازما على فعلها باليوم التالي.

فتح بث مباشر مرة أخرى منطلقا هذه المرة وكأنه معتاد على الأمر من سنوات ، كان يتفاعل مع المتابعين ويجاوب عليهم، كما أخبرهم أن يقللوا من تعليقاتهم كي لا تثور خطيبته عليه.

كان ببعض الاحيان يخفض صوته وكأنه يسررهم دون أن تسمع خطيبته، وببعض الاحيان يرفع صوته كأنه يسن القوانين ، مما جعل المتابعين يضحكون معه ويدعون له.

حضر صينية بطاطس بشرائح السمك المقرمش، وبدأ يأكل أمام الجميع بالشوكة وهو يتلذذ بطعمه.

وقبل أن يغلق البث توقف لثواني كي يقرأ التعليقات ويجيب عليها، حتى سقطت عيناه على تعليق من مشارك مجهول الهوية 
 ' مبروك يا وليد صفحتك الجديدة، أشعر وكأني اتذوق طعمه الجميل من جديد'

للحظة وكأنه قرأ التعليق بقلبه وسمع صوته بإذنه بل ورأى الوجه الفرح وهو يتناول من السمك.

أغلق البث دون أن يختم أو يستودع أحدا منهم ، أخذ نفسه بصعوبة مبتلع ما بفمه وهو ينظر للطبق وكأنه يراها أمامه.

لم يكن بحاجة للتأكد من كونها هي من كتبت التعليق ام لا ، فعلقه وقلبه واذانه وعينه وكل جوارحه أقسمت أنها هي من امتلكت روحه.

✦ ✦ ✦✦ ✦ ✦

إلى هنا مابعيني الاعزاء نكون قد انتهينا من الفصل الخامس انتظر ارائكم هنا بالمدونة وعلى صفحاتنا الأخرى 

اتمنى ينال إعجابكم 



author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • امانى احمد21 أكتوبر 2026 في 8:47 م

    مش معقول يالولو ماشاءالله الحلقة جميلة قوى والأحداث كثيرة وسريعه فجأة بس حزينة على وضعهم كل واحد فى حياتة تعبان مجند من الظلم له

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent