حُــبّ بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة
بقلم أمل محمد الكاشف
بعض الأبواب لا نعود إليها لأننا اشتقنا للمكان، بل لأننا لم نعد نملك مكانًا آخر نلجأ إليه حين تنكسر أرواحنا
✦ ✦ ✦
عاد وليد إلى ذكرياته مجددًا، رغم محاولاته الهروب منها معاتبًا نفسه على تعلقه بامرأة أصبحت زوجة رجل آخر، بينما هو أيضًا بات مرتبطًا بتسنيم.
ولكي يشغل نفسه عن تلك الأفكار قرر فتح بث مباشر يتحدث فيه مع متابعيه بدون طبخ أو مجهود بدني .
عاد للذكريات بالوقت الذي قرر أن يهرب منها فها هو يتحدث مع متابعيه عن ذكرى شواء الدجاج في منزل القاهرة حين اجتمع بعمه جلال وتبادلا الحديث حول الحياة والزواج:
ـ حدثني إحدى العظماء ..
ضحك وليد ممازح متابعيه :
ـ هل كانت بداية عميقة زيادة عن اللزوم، شعرت اني بالغت بالوصف ولكني أشعر أنه حقا عظيم هو كذلك بالنسبة لي ، بصراحة هذا الرجل قدوتي بالحياة رغم حرماننا منه لسنوات طويلة إلا أنني كنت انتظر مكالمته مع أبي صباح الجمعة تحديدا قبل الصلاة بساعة ، كنت انتظره كي استمتع بصوته الحنون وطيبته وشعوره أن كل الناس يحملون قلوب نقيه لا يخدعون ولا يذهبون…
تنهد وليد بصدر مليء بالحب والحنين:
ـ لم يلتصق أحد بياقته كما التصقت أنا
وعاد ليضحك مجددا مكملا:
هذا العظيم علمني درسا جديدا بالحياة الزوجية حين قال لي :
' للجمال ضريبة لا بد أن يدفعها كل زوج '
توقف مبتسما بحنين الذكريات، ثم تابع حديثه مسترسلا موضحًا ما يقصد بضريبة الجمال الروحي وليس الشكلي.
توالت التعليقات المشيدة بكلماته، بينما واصل وليد حديثه مع متابعيه عن أهمية احتواء الرجل لزوجته، خاصة في بداية حياتهما معًا، حين تكون في أمس الحاجة إلى الشعور بالأمان والاهتمام.
وأوضح أن الكلمة الطيبة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة قد يصنعان فارقًا كبيرًا في قلب المرأة، وأن الزوج الذكي هو من يمنح زوجته الثقة بنفسها، ويُشعرها بأنها جميلة ومميزة في عينيه، لا بالكلمات وحدها، بل بتصرفاته أيضًا.
وأضاف بنبرة هادئة تحمل الكثير من القناعة، أن الرجل يستطيع أن يُغير زوجته إلى الأفضل وأن يساعدها على تجاوز عيوبها وتهذيب طباعها، لكن ليس بالعصبية والشدة وفرض السيطرة، بل بالدعم والحنان والصبر فالمرأة حين تشعر أن زوجها سندها، وأنه يرى فيها ما يستحق الحب رغم أخطائها، تصبح أكثر استعدادًا لمراجعة نفسها والتغيير من أجله.
أما القسوة فلا تصنع التغيير بقدر ما تزرع الخوف والعناد، وقد تدفع المرأة إلى الصمت، لكنها لن تجعلها بالضرورة تقتنع أو تتغير من الداخل فهناك فرق كبير بين امرأة تتغير لأنها تخشى رد فعل زوجها، وأخرى تتغير لأنها تشعر بحبه وتريد أن تكون أفضل معه.
واختتم حديثه قائلًا:
ـ لا تحاول أن تكسر طباع زوجتك لتُشكلها كما تريد، بل احتويها حتى تشعر بالأمان معك، وادعمها حتى تؤمن بنفسها، وامنحها من الحنان ما يجعلها ترغب في التغيير من تلقاء نفسها فبعض القلوب لا تصلحها الشدة، وإنما يصلحها الحب الذي يمنحها القوة لتصبح أفضل.
وحين أقدم على إنهاء البث وجد تعليقا من مجهول الهوية
' هل يمكن للصمت والتنازل والتغاضي عن كل ما يؤلمنا أن يغيّر من طباع الرجل مع مرور الوقت؟ أم أن الرجل المتحكم يزداد تمسكًا بفرض سيطرته علينا كلما صبرنا وتنازلنا؟، هل علينا أن نقف بحزم أمام ما يؤذينا حتى لو هدد ذلك استقرار حياتنا، أم نتنازل ونصبر على أمل أن يأتي يوم يدرك فيه الطرف الآخر ما نتحمله من أجله ويتغير؟ '
قرأ وليد التعليق بصوت مسموع مجيبا عليه بعد تفكير عميق :
«التنازل من أجل استمرار الحياة لا يعني أن نتنازل عن أنفسنا، والصبر لا يضمن أن يتغير الطرف الآخر، بل قد يجعله يعتاد على تنازلاتنا… لنفعل كالاتي امنحوا من تحبون فرصة للتغيّر و لكن رجاءً لا تجعلوا خوفكم من خسارته سببًا لقبول ما يؤذيكم فالحب احتواء متبادل وليس سيطرة من طرف وصمتًا من الآخر… والآن اترككم في امان الله لا تنسونا من دعائكم».
أغلق البث وقد سيطر عليه شعور مضطرب جزء ما يخبره أنها هي وجزء آخر يرفض هذه الفكرة كونها عروس جميلة هادئة مليئة بالحب والعطاء والحيوية والعفوية مستحيل لمن يعرفها أن يتم كسرها بسهولة.
ورغم تأكيده نفي كونها هي صاحبة التعليق إلا أن عقله وقلبه قادوه بأن يدخل في التعليقات باحثا عنها ليجد عدة ردود من المتابعين على ذلك التعليق، استوقفه رد مجهول الهوية على أحد المتابعين:
«لكن ماذا لو كان التنازل في كل مرة يبدو أهون من خسارة البيت، وماذا لو كنا نتمسك بالأمل في أن يتغير الطرف الآخر»
تنهد وليد وهو ينظر بعمق وثبات للكلمات، كاتبا ردا على هذا التعليق :
«المشكلة أننا نخلط بين الصبر الذي يمنح العلاقة فرصة والتنازل الذي يجعل الطرف الآخر يعتاد إيذاءنا دون أن يخشى خسارتنا التغيّر لا يأتي لأننا تحملنا أكثر، بل لأن الطرف الآخر يدرك خطأه ويريد إصلاحه، لذلك امنحوا الأمل فرصة وترقبوا التغيّرولكن نصيحة مني لا تجعلوا أعماركم رهينة إنتظار تغيّر لن يأتي».
رن هاتفه مجيبا على اتصال خطيبته التي خالط العتاب الغيرة بنبرة صوتها :
' لم اعد اتحمل ضحكك مع الفتيات ، ما هذا جميع متابعينك من النساء ، وأنت ترسم لوحات جماليه عن العلاقات الزوجية …. انتظر كريم يناديني ساعود اليك اياك أن تنام قبل عودتي.
أغلق الهاتف ليجد صفحة التعليقات لا زالت مفتوحة أمامه ، قرأ رد من مجهول الهوية منشورا من دقيقتين :
« ببعض الأوقات لن يصبح الصبر اختيار بل واجب علينا أداءه لأجل الحفاظ على منزلنا و الحفاظ على عدم كسر اهالينا بعدما تمنوا وحلموا لنا بحياة سعيدة »
كتب وليد :
« بالعكس تماما … فرحة الأهل لا تبنى على حطام سعادة ابنائهم »
خرج من صفحة التعليقات عازما على عدم العودة إليها، ولكنه عاد بعدها بثواني ليقرأ ذلك التعليق الذي صدمه :
« لا يا وليد الحقيقة وارض الواقع مختلفين تماما عن الشعارات التي كنا نرددها قبل الزواج ، يمكننا أن نتحدث من الآن للصباح عن الوجبات والمفروضات ولكننا لا نستطيع القيام بأي واحد منهم ليس لأننا ضعفاء ولكن لأننا اصبحنا نحمل مسؤولية كبيرة والتزامات.
تسارعت ضربات قلبه وارتفع صدره بتزايد أنفاسه وهو يعيد قراءة التعليق الذي لم يكمله صاحبه، ثبتت عينيه على اسم وليد … للحظة وكأنه يسمع صوتها وهي تناديه … عاد ليقرأ التعليق والتعليقات التي سبقته وكأنه يرى وجهها ودموعها المتجمعة بعينيها…
عاد ليبحث عن آخر تعليق كي يتأكد من وجود اسمه من عدمه وكأنه شعر للحظة أنه يتخيل رؤيته لاسمه، لينصدم بمسح صاحب الحساب للتعليق والتعليقات التي سبقته خوفا من حرق حقيقة شخصيته أمامه…
وهنا تأكد وليد أنها هي من كتبت هي من كتبت بالمرة السابقة وهي من كتبت هذه المرة..
هي
نعم هي
لا ليس هي
من المؤكد أنها سعيدة
لا تهذي يا وليد ليست هي ، هي سعيدة مع زوجها لا تجعل الاوهام تسيطر عليك
يا وليد ! من سيكتب لي بهذا الشكل؟ ولماذا استخدم مجهول الهوية؟
لا تهذي ، اغلب متابعينك نساء كما قالت تسنيم قبل قليل ، من المؤكد أنهم شعروا بالقرب مني حتى بدأوا ينادوني باسمي
استلقى على الفراش عندما شعر بانخفاض ضغط الدم ، أغمض عينيه وهو يردد
ـ لا تهذي ، ليست هي ، من المؤكد أنها سعيدة بحياتها.
نام وهو يتعذب بمشاعره متمنيا أن تعيش حياة مستقرة هادئة مليئة بالحب، عن فكرة أنها تعيسة حزينة مقهورة.
✦ ✦ ✦
كان وليد يكذب شعوره الحقيقي، فهي حقا أخطأت كونها تحدثت بشكل فضح شخصيتها أمامه ، لذلك مسحت عبير التعليق الاخير وكل التعليقات بسرعة خوفا من وصول الأمر لنادر أو شعوره بشيء كهذا، خافت أن يكشف وليد أمرها ويرفض ظلم زوجها لها وحينها سيعلم الجميع ما تعيشه مع زوجها.
فلم يمر على زواجها إلا عدة شهور صبرت وعانت بهم كما لا يصبر ويعاني من تزوج لعدة سنوات.
لم ينكر أحد محاولات عبير في أن تتمسك بما تبقى من البدايات، كانت دوما حريصة على أن تستقبله بابتسامة جميلة عند عودته من عمله، تسأله عن يومه، وتعد له الطعام الذي يحبه، حتى اصبحت تفكر طويلًا قبل أن تتحدث خشية أن يفهم منها ما لم تقصده.
كما حاول نادر أن يحسن من حياته معها يعود بعد كل مشكلة وكأن شيئًا لم يحدث حاملًا لها قطعة حلوى تحبها، يجلس بجوارها يتحدث بهدوء، وفي بعض الأحيان يعتذر عن انفعاله وتعنيفه لها متحججا إنه مضغوط في عمله وإنه لا يقصد احزانها .
تعلقت بالنسخة اللطيفة منه كما يتعلق الغريق بطوق نجاة، تتمنى أن يتغيّر يوما ما، تنتظر وتترقب عودتها كلما ارتدت فستان جديد ، طبخت أكلة جميلة ، حضرت سهرة رومانسية لا تعرف كيف ستنتهي وهذا يتوقف عن ردة فعله ومزاجه المتقلب وهذا أكثر ما أضعف ثقتها بنفسها مع الوقت .
لم يفهم نادر مصالحتها له بشكل صحيح ، كل خطوة تخطوها نحوه للحفاظ على السلام النفسي والألفة بينهما كان هو يتجبر ويزداد إخراجها مذنبة مخطئة دائما.
لكنها لم تكن تدرك أن لطفه لم يعد يمنع قسوته، وأن اعتذاراته لم تكن تعني بالضرورة أنه أدرك خطأه ما دام يعود إلى التصرف نفسه كلما فعلت شيئًا صغيرا لم يوافق هواه.
كما حدث تماما بيوم زيارة صديقه وزوجته التي انتهت الزيارة برؤية وجه زوجها بشكل جديد عليها فقط لأن صوتها علا قليلا بالحديث مع المرأة، وبيوم طلبه أن تطبخ له الملوخية وطبخت هي البازلاء الخضراء لعدم وجود غيرها بالبراد، حتى جاء يوم رؤيته لها وهي تشاهد إحدى مقاطع الفيديو تخص وليد وهو يحضر السمك المشوي بعدما اشتهته وارادت طبخه.
مع الأسف عاد يومها بوقت مبكر، دخل يتسلل بخطواته البطيئة وكأنه يريد مفاجأتها ولكن بالحقيقة لا أحد يعلم هل كان الغرض مفاجأتها حقا ام رؤية ما تفعله بغيابه .
✦ ✦ ✦
ووسط ازدحام المسؤوليات الملقاة على عاتق وليد إلا أنه قرر التحدث إلى جمال زوج شقيقته بعيدًا عن تدخلات العائلتين، اتصل به ليتفق معه على موعد بالاجازة المقبلة كي لا يتحجج كالمرات السابقة، من حسن حظه وجده بالقاهرة فرح وتحمس طالبا منه أن يأتي إليه كي يذهبا لتناول الطعام مع بعضهما اخر اليوم.
اتفقا واجتمعا الاثنان في أحد المطاعم البسيطة يتناولان الطعام بهدوء أحاديثهم المتفرقة حتى وصل حديثهم للوضع الحالي بينه وبين شادية، بادر وليد بالسؤال:
ـ إلى متى ستظل إيمان بعيدة عن أمها؟ جمال أنت تعلم أن شادية لم تترك المنزل ولم تفكر في وصول الوضع لهذا الحد، كما تعلم تعلقها الكبير بابنتها.
أجابه جمال بحدة مكتومة:
ـ أنت لا تعرف كل ما حدث يا وليد ، شادية تريد أن تسير الأمور بالطريقة التي تناسبها وحدها فقط وعندما لا تحصل على ما تريد، تترك المنزل وتعود إلى أبيها.
ـ ولكنها يا جمال محقه ببعض الأشياء ، كل امرأة تريد أن تشعر بخصوصيتها الكاملة في حياتها الزوجية، طالبت بحقها دون أن تطلب منك أن تبتعد عن أهلك أو تقطع علاقتك بهم؟
ـ لم تقل ذلك صراحة لكنها لا تتقبل تداخلهم معنا، تريد أن يكون كل شيء بيننا كما تراه هي.
مال وليد إلى الأمام قليلًا، طارحا عليه سؤالا واضحًا:
ـ وهل ترى أن تدخلهم في قرارات تخص بيتك وابنتك أمر طبيعي؟ لا أحد يطلب منك أن تتخلى عن أهلك، لكن حين تتفق مع زوجتك على أمر، ثم تتراجع عنه لأن والدتك لم توافق فمن الطبيعي أن تشعر شادية أن رأيها لا قيمة له.
تغيرت ملامح جمال وهو يدافع عن نفسه:
ـ أنا لا أتراجع عن قراراتي من أجل أحد ولا أسمع رأي أهلي وأسير خلفهم دون عقل، حسنا استمع لنصيحتهم ، لكنني في النهاية أفعل ما أراه مناسبًا.
نظر إليه وليد طويلًا قبل أن يقول:
ـ إذن أجبني عن سؤال واحد:
لو اتفقت أنت وشادية على أمر يخص صغيرتك إيمان ثم اعترضت والدتك عليه، فهل ستتمسك باتفاقك معها أم ستغيره ؟
صمت جمال ثم قال بعد تردد:
ـ الأمر ليس بهذه البساطة.
ـ بل هو بهذه البساطة إذا كنت تعرف حقًا ما تريده، المشكلة يا جمال ليست في أن تسمع رأي أهلك وإنما في أن تجعل زوجتك تدفع ثمن كل اختلاف بينك وبينهم.
لم يجد زوج أخته ردًا مباشرًا، فاكتفى بالقول:
ـ عندما تعود شادية إلى بيتها، يمكننا أن نتحدث في كل شيء.
أجابه وليد بحزم:
ـ ولكن عودتها لا تعني أن تتنازل عن حقها في أن يكون لها رأي في حياتها وإذا كنت تريد إنقاذ زواجك فعليك أن تبدأ بحل المشكلة التي أوصلتكما إلى هذا الوضع، لا أن تنتظر منها العودة وكأن شيئًا لم يحدث، أما ابنتكما، فلا تجعلها رهينة لهذا الخلاف.
ـ يكفي أن تعود لنتحدث ونتفق سويا ما ستفعله بحياتنا.
انتهى اللقاء من دون اتفاق محدد، لكن وليد خرج منه أكثر اقتناعًا بأن المشكلة الحقيقية ليست في الخلافات اليومية وحدها، بل في رفض زوج شقيقته الاعتراف بأن عليه أن يتخذ قراراته بنفسه ويتحمل مسؤوليتها.
اختارت تسنيم الوقت الخطأ الذي تتحدث به مع خطيبها، فبينما هو غاضب من سلبية جمال حزين على وضع أخته التي لم تكف عن البكاء طوال اليوم اشتياقا لابنتها ، اتصلت هي لتحتويه وتهون عليه ثقل اليوم، بل لتعاتبه :
ـ انتظرتك اتصالك الذي وعدتني به لعدة ساعات ، ولكن النتيجة للأسف كالعادة اعود انا لاتصل واسال عنك.
ـ أنتِ لا تعرفين شيء ، حللنا أمر مسؤولي الضرائب بصعوبة ثم بعدها…
لم تعطيه فرصة لاستكمال حديثه :
ـ نعم ثم ماذا… استمع إليك… ولكن عليك قول حجة قوية تجعلني اسامحك هذه المره
مسح وليد جبهته وهو مغمض عينيه من شدة إرهاقه:
ـ ستسامحيني حتى وإن لم تكن قوية.
ـ هل تلعب على نقطة ضعفي.
ـ لا ليس كذلك وان اعجبني اللعب عليها، ولكني حقا معذور ، شادية تبكي طوال اليوم حزنا على ابنتها حاولت أن أجلس مع جمال وإصلاح ما بينهما أو الوصول لحل وسط يجعلها ترى ابنتها ولكن مع الأسف باءت كل المحاولات بالفشل، أشعر بضيق كبير ، كيف تحملت اختي رجل سلبي لهذه الدرجة.
ـ ليست معضلة تحملته كما اتحمل انا رجل غير مهتم بي.
بدأ ألم رأسه يضخ فوق عينيه ووراء أذنيه بقوة، وضع جبهته على مقود السيارة متحدث بصوت منخفض:
ـ أعدك أن اهتم واحظى بمسامحتك فور بدأ عمل المسكن
ـ تريد أن تغلق حسنا كما تريد
ـ لا فهمتي كلامي بشكل خاطئ انا لم اقصد هذا
ـ أنا لا أحب ان أكون ثقيلة على أحد أن لم ترغب بالحديث معي يكفي أن تخبرني دون أن تخشى حزني.
ـ ليس كما فهمتي، انا فقط متعب اقسم بالله أنني أشعر وكأن كل كلمه اسمعها أو تخرج مني يعود صداها للطرق براسي .
كان صوته خير شفيع وشاهدا على حالته، أرفقت به داعيه له بالشفاء ، ليشكرها وليد وهو يعدها أن يتصل بها فور بدأ المسكن وإن كان الوقت متاخر سيتصل ، كانت هذه نيته الحقيقية ولكنه مع الأسف فشل في ذلك حين غلبه ألمه الجسدي والنفسي وسيطر عليه بشكل كلي تاركه طريح الفراش مغمض العينين يتمنى أن يسبح بالنوم دون الشعور بكل تلك الألام.
ولكنه اتصل فور استيقاظه وصلاته لفريضة الفجر لأنه يشعر بتقصير كبير بحقها، قائلا فور جوابها عليه:
ـ صباح الخير، كيف حالك الان.
اجابته من نومها:
ـ الحمدلله ، انت كيف حالك.
ـ أصبحت بخير الان، هيا انهضي لصلاة الفجر ومن ثم نستكمل حديثنا حتى تتعبين مني.
ـ حسنا سأفعل
ـ وانا ساغلق كي لا اضيع الوقت عليكِ.
أغلقت تسنيم الهاتف لا لتصلي بل لتكمل نومها الذي استمر إلى قبل موعد اذان الظهر، وحين عاتبها على انتظاره لها كان جوابها:
ـ عليك أن تختار وقت مناسب عن بعد الفجر، أن لاحظ أخي كريم تحدثنا بهذا الوقت سيغضب عليّ من غير شيء يحدثني كل يوم عن حرمانية التحدث بأريحية مع الخطيب وما يتوجب فعله معك من الجهة الشرعية.
ـ رغم صعوبة ما يقول إلا أنه محق، ان اردتي تنفيذ ما يقول…
ـ هل بهذه السهولة ستستغني عن مكالماتي ، هل انا ثقل كبير على قلبك كي تستغنى عنه بأول محطة تقابلك….
لم يجيبها أغلق بسرعة بحجة وجود عميل مهم ، أخذ نفسا أخرجه بضيق وتذمر ملقي هاتفه على المكتب :
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، أصبح علينا أن نفكر مئة مرة قبل أن نجيب عليكِ، ما هذا وكأنك تتربصين بإخراجي مذنب وأنتِ الضحية.
مرت الأيام على هذا المنوال ، لم يستطع وليد إرضاء خطيبته والاهتمام بها كما يتمنى، عاد للمنصورة هذه المرة عازما على إرضاءها حاملا لها بعض الهدايا البسيطة والحلويات.
عكس ما حدث في السعودية عندما زاد الأمر تخبطا حين غضب نادر على زوجته كونها تتحدث مع والدتها في إحدى الأمسيات، ضحكت عبير وهي تستمع لما روته نجلاء من موقف محرج حدث مع زوجة فارس.
ـ هل شربتي كأس العصير الذي ضايفتيها به .
ـ لا أعرف كيف حدث اندمجت بالحديث عن سفرنا وأخذت اشرب واشرب حتى انهيته، المصيبة ليست هنا فإن كنت أدركت الخطأ وقتها كنت اصلحته ولكني لم انتبه لما فعلته حتى ذهبت حسناء وبدأت بجمع صواني الضيافة.
ضحكت عبير أكثر:
ـ هذه المرة غيّر يا أمي .
ـ تضحكين على امك وانا اغلي من خجلي ، أشعر وكأن حرارتي ارتفعت بشكل سيء.
دخل نادر بهذه اللحظة الغرفة ناظرا إليها نظرة قوية ثم نظر إلى الهاتف متسائلا بعين حادة:
ـ مع من تتحدثين ؟
ـ اتحدث مع امي، ألم أخبرك بذلك؟
مدت له الهاتف بوجهها المبتهج من الضحك:
ـ هل تريد التحدث معها
لم يأخذ الهاتف، متحدثا بوجه حاد :
ـ ليس وقته الآن
اختفت ابتسامتها جراء رده الثقيل، شعرت امها بحالتهما فقررت الانسحاب قائلة لابنتها:
ـ والدك يناديني، سأتحدث معك غدا
أغلقت دون أن ترد على أمها التي أسرعت هي أيضا بإنهاء المحادثة دون انتظار .
نظرت عبير لزوجها قائلة بصوت اختنق ببكائه:
- ما بك يا نادر لما هذا الغضب.
ـ ألم أنبه عليكِ أن تنهي الاتصالات قبل عودتي.
ردت بهدوء ملغم بنبرة البكاء:
ـ حسنا ، افعل ذلك مع صديقاتي وأقاربي ولكن هذه أمي يا نادر تحدثني وقتما شاءت، لا يمكنني رؤية اتصالها وحاجتها لي دون أن أجيب، أو أن أؤجلها للصباح.
ـ وأنا زوجك ولي الحق بك، ألم يكفيكِ تركي لكِ طول النهار في المنزل وحدك ، تأتي وتنشغلي وقت عودتي أيضا.
صمتت حينما كانت تتمنى لو تخبره بعودته في الصباح عدة مرات يطمئن عليها ويكلفها بعدة أعمال منزلية كالتنظيف والطبخ والكي، ويعود للمدرسة التي تبعد خطوات قليلة عن المنزل، توقفت الكلمات على شفتيها، لم تكن تعرف لماذا شعرت أن الجملة أثقل مما تبدو عليه.
خرج نادر من الغرفة بينما بقيت عبير مكانها تنظر إلى الهاتف وقد اختفت الضحكة من على وجهها.
لم تبكِ.
لم تغضب.
فقط شعرت بوخزة غريبة في قلبها.
خيبة أمل خيمت على صدرها ضاقت بها أنفاسها.
كأنه يتعمد إفساد علاقتها بأهلها إذا اتصلت بأمها يتضايق، وإذا طلبت منه شراء بعض الأغراض والهدايا لأمها وأبيها يتذمر ويرفض بحجة الأولويات.
انتظرت امها الصباح بفارغ الصبر مسرعة بالاتصال بابنتها كعادتها قائلة:
ـ ما به صوتك يا عبير، هل ضغط عليكِ زوجك بسبب حديثنا ليلة أمس .
أجابت سريعًا:
ـ لا يا امي ما به صوتي وايضا لماذا يضغط نادر أو يغضب بسبب اتصالاتنا.
ـ هل أنت متأكدة؟
ـ الأمر غير متعلق بك، طلب مني بعض الاشياء وانا نسيت القيام بها والتهيت بالحديث لأجل…
قاطعتها أمها:
ـ في هذا هو محق، حتى أنني فكرت بأن تجعل اتصالاتنا الطويلة في الصبح والمساء فقط للاطمئنان السريع حتى يمكننا أن نتواصل بالرسائل يكفي أن اطمئن انكما بخير.
ابتسمت عبير رغم أن أمها لا تراها قائلة :
ـ اشتقت اليكم، اشتقت لمنزلنا في المجر، كم تمنيت أن آتي إليكم.
ابتسم وجه نجلاء:
ـ نحن بها، ما رايك في أن نحجز لكِ تذاكر الطيران تأتي لتقضي معنا عدة أيام ثم تعودي لزوجك من جديد، طبعا أباكِ سيتكلف بكل مصاريفك.
رحبت وفرحت عبير بالفكرة معترضة على تحمل والديها مصاريف السفر، ليتدخل أباها بالحديث مصرا على أمر تحمله كل المصاريف يكفي أن يراها وتبقى معهم لعدة أيام كالسابق.
أضافت امها :
ـ من الجيد مجيئك كي ترتبي اغراضك بنفسك وتري ما تحتاجين له وما ستستغني عنه.
ـ تحمست من الآن
ـ عبير تتذكرين فستان زفافك الذي اشتريناه من قبل.
فتحت عبير فمها واضعه أطراف أناملها عليه وهي تبتسم:
ـ تذكرته الان، كيف نسينا أمره يا أمي
ابتسمت نجلاء بجوارها:
ـ وماذا كنا سنفعل أن تذكرنا! لا تحزني ساضعه في حقائبك ترتديه لزوجك إن شاء الله، حتى إنكِ لن تحتاجي للقماش الذي اشتريناه كي تغطي الضهر المفتوح والاكمام الشفافة، كم سيكون رائع عليكِ
صدمتها عبير بجوابها الفاتر:
ـ لا تغلبي نفسك بشحنه ، اعطيه لسارة كذكرى صغيرة مني، افترقنا دون سابق موعد فليكن لتذكار مني لها .
ـ حسنا كما تشائين، ولكني ساخذه معي مصر لربما اعطيه هدية لابنة خالتك أو هدية لعروسة وليد
غيم على صوتها الحزن :
ـ فليكن لعروسة وليد هو أحق به ، فليكتب الله لهم السعادة.
ورغم شعورها بنبرة الحزن في صوت ابنتها الا انها سايرتها بالحديث:
ـ آمين… الشاب جميل بأفكاره وشهامته ، انتظر البث المباشر الخاص به كي أشعر بالفخر وانا استمع له ، وكأنه ابني الحقيقي ، والدك يقول لانك حنون ودائما في مساعدتنا ، تصدقي يا عبير لم يتركنا منذ سفرك كلما أتى للمنصورة يأتي بنصيبنا من الحلويات يهتم ويساعد .
ـ ليس بجديد عليه منذ عودتنا وهو يهتم ويساعد
دخل جلال الغرفة متحدثا مع زوجته :
ـ اتركي الهاتف وتعالي ساعديني.
أغلقت نجلاء الهاتف مع ابنتها ذاهبه لمساعدة زوجها، تاركة ابنتها تشرد بلقائها الاول بابن عمها، وضعت يدها على عينيها بخجل قامت به كي تبدأ بالطبخ متحمسه للسفر، انتظرت طوال الصباح عودة زوجها كي تحكي له ، ولكنه صدمها برفضه الفكرة ، أسرعت عبير بشرح
التفاصيل بنبرة سريعة :
ـ والدي سيحجز لي ذهاب وعودة، هناك أغراض كثيرة عليّ فرزها واختيار ما اريد منها، كما أنني أريد شراء بعض الأشياء لأجل منزلنا الجديد ، كما أنه حجز حاوية كاملة لاغراضنا وأنا ارى أنها فرصة جيدة لشراء بعض قطع الأثاث من هناك.
استرسلت عبير بحديثها بنبرة حماسها وعفويتها:
ـ الاثاث هناك جميل بشكل يذهل العقل، كثيرا ما حلمت أن أشتري أثاث منزلي من هناك، هل تعلم تحمست من الآن، كم سيكون منزلنا مميز وأنيق .
ـ لا طاقة لي بهذا الان.
ـ هل تقلق من الأسعار! لا تخف الاثاث هناك بربع سعر الاثاث في مصر، حتى امي ستشحن غرفة السفرة والصالون ودواليب المطبخ ، لا تصدق انها ستشحن أيضا طقم الحمام ، ذهبت بالأمس واختارت واحدا كان قد اعجبني الشتاء الماضي ، وايضا ستشحن غرفتي ، انت لا تعلم يا نادر كم احب هذه الغرفة ، لم استطع تبديلها مهما اغرتني امي بالديكورات والأشكال الجديدة بقيت أصر عليها دون غيرها.
ـ فرحت لأجلك.
فتحت ذراعيها مقتربة منه لتحنضنه وهو جالس بجانبها يتناول طعامه:
ـ شكرا لانك لم تعترض على سفري.
ـ ومن قال إنني لم اعترض.
تجمدت فرحتها على وجهها :
ـ كيف! هل سترفض سفري؟
ـ ليس وقته الان
ـ بالاصل ليس أمامنا إلا هذا الوقت أنها فرصة ذهبية سأذهب لارى امي وابي ، واودع أكثر مكان أحببته وتعلقت به ، واشتري اثاث منزلي..
ـ أنا غير مستعد لشراء الاثاث الان.
ـ ولماذا ! ألم تقل أن الأموال موجودة والمقاول هو من اخر شرائه لعدم وجود مكان له! .
ـ كان كذلك قبل أن أدفع كل ما معي في قسط اول لشقة جديدة في نفس المنطقة.
ـ ولماذا لم تخبرني أو تستشرني بأمر كهذا؟، بالكاد انتهيت من تقسيط الشقة الاولى كما حكيت لي، كيف تضع نفسك في التزام جديد قبل استسلام الشقة وفرشها؟.
ـ هذا ما حدث وجدت أنها فرصة جيدة لذلك لم أتردد، وبالنسبة للشقة سيتم فرشها لا تقلقي الحياة طويلة ، هناك فرص وقرارات أن لم تأخذ بقوة وبسرعة ستندمين عليها طوال حياتك.
نظرت له بعين الندم قائلة بهدوء:
ـ نعم أنت محق، حسنا نلغي أمر شراء الاثاث، سأذهب عدة أيام بجوار امي وابي وأعود إليك.
تفاجأت برفضه الفكرة متحججا بصعوبة بقائه وحده بعد أن اعتاد على وجود زوجته في المنزل تنتظره فور عودته وتهتم به وبطعامه، بجانب أن طاقته المالية لا تتحمل سفرها وعرقه الصعيدي لا يسمح لوالدها بالصرف عليها وهي على عصمته.
كان نادر يُخفي خلف هدوئه غيرة دفينة من حياة عبير ومستواها المعيشي الذي يفوق ما عرفه يومًا، فهي اعتادت السفر والانفتاح على عوالم مختلفة، بينما حياته لم تتجاوز رحلات حدود انتقاله من مصر إلى السعودية لأجل عمله وهو ما جعله يشعر في قرارة نفسه بفجوة لم يكن مستعدًا للاعتراف بها، تلك الغيرة التي كانت تدفعه إلى فرض سيطرته عليها والتضييق على حريتها، وكأنه يحاول تقليص عالمها الواسع ليصبح تحت سيطرته فلا تشعر بالفارق الكبير بين حياتها وحياته.
صمتت بضيق كبير وهي لم تنتظر ردة فعله القوية بعد أربعة أيام من واقعة رفضه لسفرها ، حين عاد قبل موعد الانصراف بساعتين منصدمًا من وجود ضيوف في منزله….
وقف أمام الباب رافضا الدخول قبل خروج النساء ، أصبحت عبير في موقف حرج تحدثه بصوت منخفض:
ـ كيف سأطرد الجيران من منزلي
ـ ماذا قلت لكِ من قبل؟
تعجبت متسائلة وهي تتلفت تجاه الصالون خوفا أن يسمعها أحد:
ـ ماذا قلت؟ أنا لم اتذكر ؟
ـ نعم معك حق فأنتِ تتذكرين ما تريدين وتنسين ما لا تريدين .
ـ حسنا ادخل الان وسنجلس ونتحدث بعد انصرافهم، أعدك أنني سأفعل وانفذ كل ما تطلبه.
ـ لا…
لن أدخل حتى تذهبي وتخرجيهم من منزلي، قولي لهم زوجي نبه عليّ عدم إدخال أحد المنزل أثناء غيابه ولكني عاندت وكسرت كلامه وخنت ثقته بي.
ـ ولكني لم افعل ذلك، مستحيل أن تنبه عليّ بذلك وانا افعل العكس، وايضا أتوا دون دعوة بمحض رغبتهم الكبيرة في التعرف عليّ، جمعوا انفسهم واشتروا الهدايا وأتوا ليرحبوا بي.
أصر نادر على إخراجها المخطئة مؤكدا على تنبيهه عليها من قبل ولكنها تحب كسر كلامه وفعل عكس ما يريد.
دخلت عبير بحزن وانكسار وخجل ظهر على ملامح وجهها وهي تتحدث معهم معتذرة منهم :
ـ اعتذر منكم كان زوجي قد نبه عليّ بعدم استقبال أحد في غيابه وانا نسيت ذلك والآن عندما جاء بوقت مبكر غضب ….
وقفت جارة طيبة ذات خلق ودين مقتربة منها وهي تضع يدها على كتفها كي تهون عليها ما هي به بعد أن ظهر على وجهها ما تحمله في صدرها قائلة:
ـ لا عليكِ يا اختي ونحن تأخرنا على بيوتنا سنذهب الان وسنعطيكِ خبر قبل مجيئنا في المرة القادمة.
تحركت وهي تشير لباقي الجارات كي تلحق بها، بهذه اللحظة شعرت عبير بدخول زوجها لغرفته قبل خروج الجيران ، وقفت الجارة الطيبة منتظرة ذهاب باقي الجيران قائلة لها:
ـ لا تحزني نفسك يحدث ذلك بالغربة لعله يخشى من سوء أحدنا، لا تفسدي مزاجك .
ثم تحركت مبتعدة عنها لتغلق عبير باب المنزل ذاهبه لغرفتها حامله بقلبها كل ما مضى من تحكمات في المال والخروج والكلام وتقليل الذات والتضييق عليها وإفساد ضحكتها وجعلها دائما المخطئة .
فتحت الباب ودخلت بغضب تحدثت به:
ـ لقد زاد الوضع عن حده كيف تحرجني بهذا الشكل أمام الناس ، وايضا متى نبهت عليّ انا لا اتذكر ابدا.
تعجبت من ابتسامته وقوله:
ـ الغضب والصوت العالي لا يليق بك
الغريب أنها كادت أن تتنازل رغبة منها في عيش لحظات هادئة رؤية ابتسامة عابرة او أطرا ولو بسيط، ولكنها أكملت في غضبها مُصرة على حقها وإخراجه المذنب هذه المرة .
اقترب منها ليقبلها من خدها متحدثا بعدها بنبرة لطيفة شارحا لها همه :
ـ استطعت الهروب من الشغل والعودة إليكِ وانا أحلم بكل ما هو جميل مع زوجتي ، كنت أرغب بحملك من الباب لغرفتنا دون أن أسمح لك بتضيع لحظة واحدة من سعادتنا ، ولكنك من جديد تفعلي ما لا أحب و تضغطي علي بشكل يثير غضبي
ـ انا مُصرة انك لم تنبه عليّ بشيء غريب كهذا من قبل.
ـ اخفضي صوتك وتحدثي مع زوجك بأدب.
ـ انا لم اتعدى حدود الأدب
ـ لا إله إلا الله، من جديد هل يجب عليّ إعادة كلامي مرة أخرى، انا لا افهم لما العند يا بنت الحلال ، هل الاعتذار صعب عليكِ لهذه الدرجة ، هل تعتقدين أن غضبك وصوتك العالي سياتون بنتيجة معي، بالاصل عزمت على قبول اعتذارك لأجل حبي للعيش معك كل ما هو جميل…
قطعت حديثه بغضب وصوت يرتفع أكثر بحدته لأول مرة بهذا الشكل:
ـ انا لم أخطأ لكي اعتذر ، انت من عليه الاعتذار هذه المرة .
أمسكها من منتصف ذراعها الأيسر حين أرادت الابتعاد محذرها:
ـ إياكِ أن ترفعي صوتك بوجهي مرة أخرى
ـ سأرفعه إن كنت محقة .
جاءت لتبتعد من جديد ولكنه سحبها نحوه بغضب :
ـ لا تتحدثي معي بهذه الطريقة ، لم تعدي الطفلة المدللة اصبحتِ متزوجة ومعك زوجك يفترض أن يرى منك الاحترام والتقدير والطاعة ، ولكنك بكل مرة تقفين امامي تغضبي وترفعين صوتك بوجهي وكأنك لا زالتِ بأوربا.
ـ طفلة مدللة! هل من جديد كلما أردت حقي بالرد والمناقشة تتحجج بهذه الحجج الفارغة، انظر يا نادر انا مصره هذه المرة انك لم تؤكد عليٌ ، وايضا سأتحدث كما أشاء ما دمت على حق
تلك الجملة زادت غضبه، فحين كان ينتظر أن تعتذر لتنتهي الحكاية كما يريد هو ويأخذ بعدها ما جاء لأجله، وجدها تزداد غضبا واقفة بوجهه بهذه القوة دفاعا عن نفسها.
عاقبها ممسك معصمها بعنف وشده وهو يهددها أن يزيد من عنفه ان كررتها مرة أخرى.
صرخت متألمة:
ـ اتركني ، اترك يدي .
دفعها بقوة تاركا لها الغرفة بغضب كبير، ألقت نفسها على الأريكة منهمرة بالبكاء تضم ذراعيها إلى صدرها تحاول أن تفهم كيف يمكن لدقائق مع الجيران أن تتحول إلى غضب وتعنيف بهذا الشكل .
عاد نادر بعد ثلاث ساعات إلى غرفة المعيشة كي يسحبها من معصمها مرة أخرى ولكن هذه المرة لأجل أن يأخذ ما يريد رغمًا عنها.
أخبرته أنها حائض ولا يمكن حدوث ما أراده، نظر إليها بقوة :
ـ ألم أوقظك لصلاة الفجر اليوم!
ـ حدث بعد ضغطك عليّ ودفعي بقوة بباب الغرفة.
ـ من جديد أنا المذنب ، لا وهذه المرة مذنب ووحش ظالم.
صمتت بعيون عادت للبكاء ، لينظر لها بقوة أكثر:
ـ وكيف جاءت من جديد كيف ونحن نفعل كل ما يفعل كي لا تأتي، ألم تشربي الفيتامينات والخلطة التي أخبرتك عنها أمي.
ـ نعم ومع ذلك جاءت ما عساني ان افعل.
ـ ما عساني ان افعل! لا تفعلي شيء يا عبير، ولا تفكري بشيء يخص حياتنا ، يكفي أن تفكري في حقك بالرد و السفر والملهيات والضحك مع الجارات ، واتركي لي التفكير بمستقبلنا وحياتنا.
مسح نادر جبهته مستغفرا الله، قائلا بعدها:
ـ لنذهب للطبيبة لنرى ما السبب في عدم حدوث الحمل حتى الآن.
لم تجيبه …
امسكها مرة أخرى من معصمها ذاهبا بها للغرفة وهو يقول بقوة :
ـ لن يرحمك اي عذر مني هذه الليلة.
صرخت :
ـ هل ستتعدى حدود الله
ـ يمكننا فعلها دون أن نتعدى حدود الله اتركي نفسك لي وانا ساريكِ كيف…..
اقتربت من الأرض تحاول أن تمنع جره لها نحو غرفتها وهي تتألم من معصم يدها :
ـ اتركني بطني تؤلمني
يدي تؤلمني
نادر اتركني
نادر ابتعد
اقول لك ابتعد
بطني تؤلمني …
حاولت أن تدفعه عنها بقوة بعدما أصبحت رافضة لاقترابه منها ، بل ورافضة بقوة مد يده عليها وتعنيفها بهذا الشكل، مطالبة بحقوقها ….
سبحان من يؤلف القلوب ويجعلها تشعر ببعضها، ففي هذه اللحظة تحديدًا كان وليد ينظر جهة منزل عمه باستغراب ، وكأنه سمع صوت ندائها، وكأنه شعر أنها بحاجة لمساعدته ، شعور غريب تملكه حتى أصبح يقوده خطوات قليلة تجاه منزلها وكأنه سيجدها هناك.
هرب مما يشعر به صاعدا لمنزله تاركا الصناديق بالخارج أمام المخزن، دخل إلى المطبخ مقتربا من إحدى أخواته قائلا :
ـ حضري لي سندوتش جبنة بطماطم.
جلس ينتظر نادية التي لبت طلبه دون اعتراض ، ناظرا لشادية:
ـ هل يمكنني طلب الشاي منك .
ابتسمت نادية:
ـ عندما يأتي الطلب لي يكون بصيغة الأمر، وحين يذهب لها يكون بصيغة الرجاء، يا لها من مساواة وعدل.
ظل جالسًا يسايرهم بالأحاديث ويداعب نادية بشكل يثير غضبها وهو يشد مشبك شعرها ويحرك نظارة العين الخاصة بها، كانت عينيه تتحركان بينهم وهو يبحث عن أي كلمة، أي شيء يطمئنه أنها بخير ، ولكن لم يقل أحدا منهما شيئًا.
كانتا سعيدتان به ، فهو أكثر من يهتم بهما ويضحكهما ويقف بصفهم أمام والديهم، شرب وليد الشاي بسرعة ثم نهض ، خرج من المطبخ وبعد لحظات عاد مرة أخرى وهو يحك لحيته القصيرة:
- هل تم غسل ملابسي ؟.
قالها بلا سبب واضح فمن الطبيعي قيامهم بهذا العمل كلما عاد من السفر، نظرت شادية إليه باستغراب:
ـ ما بك يا وليد طبعا فعلنا.
ارتبك وكأنها قرأت بعينيه ما أراد السؤال عنه، تحدثت نادية من الجوار:
ـ اخي متى سنخرج سويا كما وعدتنا.
نظر لساعة يده قائلا:
ـ أن تجهزتما بسرعة ساخذكما بالسيارة في جولة قصيرة نشرب العصير ونتناول السينابون كما اشتهيتما ونعود كي اتحضر للسفر بعد الفجر.
أسرعت نادية بفرح إلى غرفتها ، بينما تحركت شادية ببطئ خلف اختها وهي تستمع لصوته:
ـ لا تخبرا أحد بخروجنا ، ولا اريد صور على اي موقع كي لا نجبر على إلغاء المشوار.
ابتسمت أمه :
ـ هل عليك ثأر وتخشى أن يعرف احد مكانك.
ـ شيء من هذا القبيل، فإن علمت تسنيم أننا سنخرج دونها ، سيُفتح تحقيق طويل لا طاقة لدي لمجابهته
ـ ولما لا تخبرها بنفسك لقضاء وقت جميل معا.
ـ فعلناها بالأمس ، وايضا لابد من خروج أخيها معها وأخذ الإذن المسبق وانتظار تجهزهم، بالاصل وافقت لأجل شادية كي تخرج من حالتها ولو بشيء بسيط كهذا، وإلا فلا طاقة لي بالخروج.
ربت حفيظة على كتفه:
ـ أنت مثل خالك أحمد حنون على الفتيات لا تقبل كسرهن أو احزانهم فليبارك الله لك في حياتك وزوجتك وأولادك يا ابني .
قبل وليد يدها :
ـ ما اجمل ان يحظى المرء بدعاء الخير من أمه حبيبته.
ـ ما رايك يا وليد في أن نكتب عقد قرانك بالاجازة المقبلة كي تكون على راحتك مع خطيبتك، علمت أنهم ذو خلفية دينية من ملابسها ولكني لم اتوقع تشدد إخوتها ، وبصراحة لا اعرف أمر زواج اخواتها من اثنان ، كيف نجحوا في ذلك
ـ بصراحة يا امي يضيق صدري من أحاديثهم وتشددهم الغير منطقي ببعض الأوقات، لا أتحدث عن تسنيم لأنهم محققين فيما يفعلوه، ولكني أتحدث عن نظرتهم للحياة والمعاملات مع الناس
ـ نصيب يا ابني ما دخلك بهم المهم الفتاة ذات خلق ودين وأدب وانتم متفاهمين… أليس كذلك!
صمت وليد لحظات:
ـ رغم صِغر عقلها واتساع أحلامها، فهي ليست سيئة، وإن كان أكثر ما يعيبها حاجتها الدائمة إلى اهتمام يفوق الحد، ورغبتها المستمرة في أن تكون محور حياتي.
ضحكت أمه :
ـ اعلم انك مشغول طوال الوقت ، ولديك الكثير من المسؤوليات هنا وهناك لذلك شعرت أنه زائد عن الحد، ولكنه طبيعي يا ابني هذا حال كل فتيات الجيل، وايضا هل ما يحدث عندما تقرر الارتباط بفتاة قوية ذكية مسيطرة .
تنهدت حفيظة حين تذكرت حال ابنتها الشابة ، ناظرة لابنها :
ـ لا اعرف كيف ساقولها، ولكني تمنيت لو تحدثت مع جمال من جديد، انا لا انقص من ابنتي لا تفهمني بشكل خاطئ وتغضب كابيك ولكني…
قبل وليد يد أمه مجددا :
ـ أشعر وافهم ما يجول بعقلك يا امي، لا تقلقي سأفعل ما يتوجب فعله لإعادتها لمنزلها وابنتها وهي محتفظة بكرامتها.
ـ اشتقت لحفيدتي قلبي ينغزني عليها ، هذا أنا فما بالك بامها، الشيطان يوسوس لي أن نذهب ونرفع قضية حضانة شادية لابنتها والله سنكسبها في يومين..
ـ نعم سنكسبها في يومها ، محضر صغير سنذهب بعده بقوة أمنية مشددة لناخذ ايمان ونكتب محضر بالواقعة وعدم تعرض أحد لأختي وابنتها … ولكني يا امي أرى في جمال الخير ولا اريد خراب البيت وحرمان الطفلة من عيش حياة مستقرة مع أبويها.
خرجت نادية وتليها شادية بعد أن تجهزا بوقت قياسي، لتبدأ جولتهم القصيرة الجميلة الهادئة بسعادة كبيرة.
على عكس ما كانت عليه عبير من بكاء صامت في ظلمة غرفتها وهي ممددة بحضن زوجها النائم.
عاد وليد وهو يحمل بصدره الكثير والكثير من الاسئلة، إجابة واحدة تطمئنه عليها كانت كافية بالنسبة له، أو لربما لا تكون كافية لقلبه.
نزل للاسفل ليكمل ما تركه ناقصا، حاول أن ينشغل بالعمل، فتح الصناديق، ترتيب البضاعة، مراجعة الحسابات.
كان كل شيء يتحرك أمام عينيه دون أن يستقر في عقله :
ـ كيف حالها؟ هل هي سعيدة في حياتها؟
هل هي حامل؟.. ماذا إن كانت هي صاحبة ذلك التعليق؟ ماذا إن كانت تعيسة بحياتها.
عدة شهور لم تتم السبع أشهر وصلت عبير بهم لحد من الفتور والحزن والغضب لم تصل إليه من قبل، لم يعد صمتها كافيًا لإنهاء الخلاف، ولا غضبها قادرا على مجابهة قوته وعنفه، بل ولم تعد ابتسامته قادرة على حل الأمور البسيطة، فهناك ألم دفين كسر قوتها وزعزع ثقتها في نفسها.
كلما تحدثت معه رافضة ما يفرضه عليها ، واجهها هو بتهمة تحديها لسلطته لا محاولتها للدفاع عن كرامتها وحقها في عدم تسلطه أو تجبره عليها.
لم تتوقع بهذه اللحظات أن يكرر فعلته ممسكها من معصمها بعنف كبير وهو يهددها بألا ترفع صوتها في وجهه مرة أخرى.
ـ أترك…
لم تستطع استكمال حديثها الصارخ حين أصبح ألم معصمها الذي بقبضته اقوى من اي شيء اخر.
أدركت عبير هذه المرة أن غضبه تجاوز الخلاف والكلام، وأن الرجل الذي اعتذر أن لا يفعلها بعد كل مرة ، عاد و فعلها من جديد بشكل اقسى واصعب حتى كاد أن يخلع معصمها من مكانه.
ازداد نادر غلظة حين كسر هاتفها عن عمد أمام عينيها كي لا تتحدث مع والدها وتخبره بما فعل معها هذه المرة ، فعندما هددته بقول كي شيء والديها ثار وغضب وتحاول لشخص مخيف.
اعترضت على كسره لهاتفها ورفضه لحديثها مع امها حتى يعود هو من العمل كي يسمع ما يريد أن يُقال ويُرسم عن حياتهم الزوجية.
ازداد الأمر سوءا يوما بعد يوم حين نفذ صبرها وخرجت عن صمتها وأصبحت تصرخ بوجهه بكل مرة يغضب عليها أو يعنفها بها.
ليصل نادر لأسوأ صوره حين دخل الشك لقلبه ووسوس له الشيطان باحتمالية وجود هاتف اخر لديها، من الممكن أن تكون اشترته من وراءه تتحدث مع اهلها وتشتكي لهم أو تتحدث مع وليد فهو بدون اي سبب كان يعلق أي شيء على عاتق ذلك المسكين منذ أن رأى نظراته لزوجته بحفل الافتتاح.
ألغى اشتراك الانترنت المنزلي وجعله عبر هاتفه فقط حين يعود ليفتح لها بيانات الهاتف الخاصة به تتحدث بالكم والكيف الذي يريده ومن ثم يغلقه متحججا بانقطاع الخدمة عن المنطقة من أجل التحديث والتطوير بشبكات الانترنت.
طلبت منه أن يشتري لها هاتف بدلا من الذي كسر أثناء غضبه، ويفعل لها خاصية انترنت خاص بها ولكنه رفض لأجل المصاريف الزائدة عن طاقته، غضبت بقوة أكبر مما سبقها مطالبه حقها في الاتصال بوالدتها كلما ارادت دون ضغوط أو قيود، لتنال يومها من الضرب والتعنيف ما لم تناله بعمرها كله، وكيف ستناله من قبل وهي مدللة والديها ووحيدتهم .
مع الأسف صار العنف وسيلة يفرض بها نادر كل ما يريد، بينما أصبحت هي تقيس خطواتها وكلماتها بمدى قدرتها على تجنب ضربه لها.
لم تكن تعرف متى يتحول صوته الهادئ إلى صراخ، ولا متى تنقلب ملامحه الودودة إلى قسوة تخيفها.
لم تخبر أهلها بالحقيقة تقول لأمها إنها بخير، وتخفي آثار ما يحدث تحت ملابسها، وتتحجج بضعف شبكة الإنترنت كلما طلبت منها أن تفتح الكاميرا وهي تنظر بوجهه المخيف أمامها كي لا تحزنهم منتظرة نزولها إليهم بأقرب فرصة كي تحكي كل شيء دون تهديد أو خوف من عواقب ما سيفعله بها.
صمتت حتى جاء يوم ضربها ضرب مبرح بوجهها وبطنها وبكل ما يأتي أمامه حتى كادت أن تموت بين يديه، عاد ليعايرها بعدم استطاعتها الإنجاب وتحمله لها دون أن يرى مقابلا من الشكر والاحترام:
ـ اصبحتي تشبهين الارض البور مهما وضعنا به من ثمار ومهما رعيناها وصرفنا عليها لا تثمر ولا تشكر صاحبه جاحدة قحلاء لا فائدة منها
صُدمت مما سمعت فرغم سوء معاملته لها واعتدائه عليها بالضرب في المرات السابقة، إلا انه لم يسبق له أن عايرها بالإنجاب حتى جاء اليوم ليطعنها في أكثر أمنياتها ألما.
كانت كلماته تنزل على قلبها كسكاكين حادة، لا لكونها تتمنى الأمومة فحسب بل لأنها لم تتخيل أن يتحول الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها إلى شخص يستغل وجعها ليحطم ما تبقى من كرامتها.
أجابته وهي تمسح أنفها ، صارخة :
ـ أنت لست رجلا كما أنني لست أرضًا بورًا فكوني لا انجب لا يعطيك الحق في…
لم تنتظر عبير تلك الركلة القوية التي استقرت بمنتصف بطنها، اهتزت بقوة نحافتها وضعف طاقتها ، حتى أصبحت طريحة الأرض غير قادرة على الكلام.
وهنا بدأت عبير فهم الحقيقة القاسية وهي أن زوجها لم يكن يعاقبها لأنها أخطأت وحسب كأول أيام الزواج ..
بل كان يعاقبها لأنها لم تستطع تحقيق حلمه في أن يصبح أب.
كما أدركت أن الصبر لم يعد يحمي زواجها و لن يغير نادر بل جعلها تواجه تماديه في أذاه وحدها.
للأسف بعد هذه الحادثة الصعبة أصبح رفع اليد والضرب لغة سائدة لفرض رأيه وتحكماته ورغباته ، بل كان العنف طريقته الوحيدة في توجيهها وأخذ ما يريد منها باخر اليوم.
ظلت تفكر طوال هذا الأسبوع المظلم متخذه قرارها الأخير، انتظرت خروجه باليوم التالي لتهرب إلى منزل جارتها طيبة القلب طارقة بابها بقوتها المنتهية .
شهقت الجارة حين رأت وجهها الشاحب والكدمات التي تعلوه ولم تعد عبير تستطع إخفاءها، أدركت الجارة أن تلك المرأة التي عرفتها قبل أشهر لم تعد تحتاج إلى نصيحة بالصبر، بل إلى يد تمتد لمساعدتها وإنقاذها.
فقد اعتادو على رؤية وجهها جميلا منيرا لتجدها اليوم شاحبة ببقع زرقاء بخدها الأيمن وهالات سوداء تحت أعينها بعد شهرين من آخر لقاء بينهم .
طلبت عبير من جارتها المساعدة في حجز تذاكر طيران لها بأقرب وقت:
ـ ساعطيكِ هذا الخاتم الكبير اذهبي لبيعه من المؤكد أنه يكفي لشراء ثمن التذكرة، وأنا سأقول له أنني اضعته .
ربتت على كتفها متسائلة عن سبب الخلاف وما جعله عنيف بهذا الشكل كما أخبرتها أنها تستمع لصوت صراخه دون أن تتوقع فعله ما رأته.
كانت حالة عبير وخوفها من عودة زوجها للمنزل قبل عودتها تحكي ما عاشته اخر شهور دون أن يتحرك اللسان بالكلمات.
اعطتها الجارة الخاتم وأخبرتها أنها ستحجز لها التذكرة من مالها الخاص على أن تأخذ منها ثمنها عند عودتها للقاهرة من خلال إعطاء المبلغ لأحدى أقاربها هناك، كما نصحتها أن تأخذ ذهبها ومالها وكل ما هو ثمين عائدا لها قبل سفرها.
عادت عبير من عند جارتها لتواجه مصيرها الأصعب وكأنه كان يعلم بسفرها ويودعها الوداع الأخير، متخذا من عدم تحضيرها الطعام بسبب تعبها حجة لضربها بقوته الخارقة.
انتظرت عبير خروج زوجها باليوم التالي والاخير بحياتها في السعودية، حتى أسرعت بتنفيذ الخطة التي اتفقت عليها مع الجارة التي حجزت لها تذكرة سريعة على أول رحلة عائدة للقاهرة.
كانت تجمع ملابسها بيدين ترتجفان، تحشر ما استطاعت من ثيابها داخل حقيبتها دون أن تهتم بترتيبها أو حتى معرفة ما أخذته وما تركته.
لم يكن أمامها وقت كانت عينها معلقة بعقارب الساعة، وقلبها يرتجف كلما تخيلت صوت مفتاح زوجها وهو يدور في قفل الباب.
فتحت الخزانة لتتأكد أن ما جمعته لم يؤثر بالشكل العام أو يوضح شيء غريب له ان عاد بوقت مبكر، أغلقت الحقيبة بكل قوتها وجلست للحظة على حافتها تلهث بأنفاسها المتقطعة.
لم تبكِ عينيها
ربما لأنها بكت ما يكفي حتى جفت دموعها، أو لربما لأن القلب لم يعد يحتمل المزيد.
رفعت عينيها إلى الغرفة من حولها وهي حزينة، تذكرت كم كانت فرحة عندما دخلتها لاول مرة تحمل أحلام فتاة عروس واليوم تخرج منها كأنها تهرب من سجن، عدة ثواني فقط قامت عبير بعدها تجر حقيبتها بيد واليد الأخرى تحمل جواز السفر، خرجت بخطوات حذرة تحمل معها ما هو أثقل من كل الحقائب.
نجحت عبير في أن تهرب من رجل أطفأ فيها كل جميل شيئًا فشيئًا حتى أصبحت هزيلة شاحبه جسدها متلون بكدمات تسلطه وتجربه.
هربت من يد كثيرا ما ارتفعت عليها حتى جعلتها تخاف من اقتراب أي صوت أو حركة منها.
وقبل أن تنزل الدرج التفتت لتنظر إلى الباب للمرة الأخيرة بدون ان تشعر بالحزن بل شعرت فقط أنها نجت من كابوس مظلم.
أقلعت الطائرة ليهدأ تسارع قلبها وخوفها من لحاقه بها وإعادتها لمنزله، كانت تنظر من النافذة إلى الغيوم أسفلها وهي تتذكر نفسها يوم صعودها الطائرة للذهاب إليه يومها كانت عروسًا تضحك بعينها اللامعة بالأحلام وقلبها الممتلئ بالامنيات.
تتخيل منزلها الجديد، وحياتها القادمة، وعودتها يومًا إلى أهلها وهي تحمل أطفالها بيدها تحكي لهم أجمل الحكايات.
أما الآن...
فكانت تجلس في المقعد نفسه تقريبًا، لكن شيئًا فيها لم يعد كما كان لم تكن هي تلك الفتاة الممتلئة بالحياة والطاقة والعفوية والطيبة اللانهائية، كانت مكسورة، شاحبة، صامتة، تحدق أمامها بعينين أرهقهما البكاء والخوف وكأن كل شيء في داخلها وصل إلى نهاية المطاف.
فقدت كل المشاعر لدرجة جعلتها لم تشعر بفرحة الوصول حين هبطت الطائرة، تسير بحقائبها خارج المطار بلا روح ترغب فقط أن ترى باب منزل أبيها، أن تسمع صوت أمها، أن تعود إلى المكان الوحيد الذي لم تكن تشعر فيه إلى الخوف والقلق.
وقفت عبير أمام باب منزل أهلها رفعت يدها بصعوبة وحزن لتطرق الباب بصعوبة بالغة.
لم تمضي سوى لحظات حتى فُتح الباب وظهرت أمها أمامها ، توقفت عقارب الساعة للحظة، وكأن الزمن تجمد بينهما، حدقت امها فيها وهي غير مصدقة تحاول أن تقنع نفسها إنها ليست ابنتها.
ولكن قلبها الذي تعرف عليها صرخ صرخة ممزقة:
ـ عبير ابنتي
شهقت الأم ومدت يديها إلى وجه ابنتها لتتحسس ملامحها وكأنها تحاول التأكد أنها أمامها فعلًا.
ما بكِ …
ماذا حدث معك…
من فعل بكِ هذا…
كنت أشعر إنك لستِ بخير…
كنت أشعر واحلم بكِ وأنتِ تبكين بين يدي…
لم تستطع عبير أن تجيب عن كل هذه التساؤلات التي امطرت عليها وهي بحضن امها فقط كانت تنظر للامام بوجهها الذي كان وحده كافيًا للإجابة.
انفجرت نجلاء بالبكاء، أما عبير، فبقيت بين ذراعيها ساكنة، مغمضة الأعين دون روح ، فقط شيء جديد عاد ليتسلل داخلها يشعرها بالأمان.
خرج الأب من الداخل على صوت زوجته، توقف حين وقعت عيناه على ابنته.
لم يقل شيئًا نظر طويلًا وهو يشعر وكأن أحدهم طعنه في قلبه.
اهذه وردته!
اهذه ابنته التي رباها بعناية وسقاها من حنانه، وأحاطها بلطفه ورحمته ودلاله!
اهذه هي زهرته التي كان لا يسمح للريح أن تقترب منها!
ذبلت وردته و تساقطت أوراقها واحدة تلو الأخرى ولم يبق منها إلا جذع رفيع، خاويًا من الروح ومن البهجة التي عرفها فيها، بل أصبحت خاوية من ذلك الجمال الذي كان يملأ كل مكان بمجرد دخولها إليه.
تقدم نحوها ببطء وانكسار لم يسألها ماذا حدث ولم ينتظر تفسيرا لما وصلت له كان فقط يقترب منها وهو يفتح ذراعيه.
وهنا انهارت عبير ببكائها مندفعة نحوه كطفلة عادت أخيرًا إلى حضن أبيها، دفنت وجهها في صدره منفجره في بكائها، بينما أغلق هو ذراعيه حولها بقوة ثم بدأ يمسح بهما على جسدها المرتجف بحنان.
──────── ✦ ────────
إلى هنا ينتهى الفصل السادس بكل ما يحمله من مشاعر، لكن حكاية عبير لم تنتهِ بعد…
برأيكم، هل ستتمكن عبير من استعادة قوتها والوقوف من جديد بعد كل ما مرت به؟
أم أن القادم سيحمل لها ما هو أصعب؟
منتظرة تفاعلكم وآراءكم في التعليقات.
قولوا لي بصراحة:
لو كنتم مكان عبير، ماذا كنتم ستفعلون؟
