recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاته|الفصل العاشر

 حُــبّ بــطَــعــمِ الــشــوكــولــاتــة

بقلم أمل محمد الكاشف 



الزواج ليس حياة بلا خلافات، بل مودة تتسع للاختلاف، ورحمة تجعلنا نتمسك ببعضنا رغم عثرات الطريق فبعض البيوت لا يحفظها الحب وحده، بل يحفظها عقل حكيم وقلب يعرف متى يتنازل ومتى يتمسك. 


──────── ✦ ────────


رغم الإجهاد الشديد إلا أن نجلاء أكملت حديثها، قائلة :


_ الثقة يا اولاد ، الثقة في النفس اهم من اي شيء اخر ، على الإنسان إن يقف بقوة بوجه من يفتري عليه ، مع الأسف بعد محاولات سنين طويلة فشلت في إن أعلم ذلك لابنتي بالوجه الذي تمنيته.


_ انا اثق بنفسي، وافعل كل ما تعلمته منك، ولكنه دمرني ، كسرني…. لا اعرف كيف كان يخرجني مذنبة باخر اليوم …. كيف كان يقلب الطاولة راسا على عقب حتى يضعني موضع المنذب الذي توجب عليه الاعتذار، انظري يا امي لعمي فارس وعمي فهمي بل لأولادهم كيف ضحك عليهم واكل عقولهم بحديثه حتى اخرجني مذنبه فاسقة وهو بمكانه هناك… فماذا إن حقق وعده وعاد وجلس بينهم يشتكي ويحلل ويربط ويتذكر ادق التفاصيل من رمشة عين وحركة فم ونفس خرجت نبرته اقوى من الذي سبقه.


_ آآآآه يا بنتي…. كيف سقطنا به 


_ نصيب يا زوجة عمي نصيب ، المهم الان انها تخلصت منه وعادت إليكم ولن تعود إليه مهما حدث ومهما قال.


نظرت نجلاء لابنتها وهي تستمع لحديثها:


_ مستحيل أعود إليه 


طُرق الباب ثم دخلت الممرضة لتزف لهم خبر سماح الطبيب بخروج جلال من العناية ، تبقى بعض الدقائق حتى يأتي إليهم.


وقفت عبير مسرعة بتناول ما تبقى من الفلافل ، بينما جمعت نجلاء الفوارغ ملقى بهم في سلة المهملات.


لم تمضي سوى دقائق قليلة حتى انفتح الباب مجددًا، وظهرت الممرضة تدفع أمامها سرير جلال الذي بدا شاحب الوجه من آثار الإجهاد الواضحة على ملامحه رغم استقرار حالته.


تقدمت عبير خطوتين نحوه ثم توقفت حتى تفسح المكان للممرضين.



نظر جلال نحوها وهو يرسم على وجهه ابتسامة واهنة، اقتربت منه منحنية عليه كي تقبل يده:


_ حمد لله على سلامتك يا ابي.


خرجت الكلمات مختنقة بالبكاء، رفع جلال يده بصعوبة وربت على رأس بنته بحنان.


ابتسمت عبير من بين دموعها، بينما وقفت نجلاء إلى جوارهما تحمد الله على سلامة زوجها ، وعودة الطمأنينة لحياتهم بعد أن غابت عنهم منذ لحظة دخوله العناية.


 وقف وليد على مسافة قريبة، صامتًا، يُراقب المشهد بعينين أثقلتهما مشاعر متداخلة، لم يكن يريد أن يقتحم لحظة اجتماعهم لكنه لم يستطع الابتعاد أيضًا.


رفع جلال عينيه ناظرا الى وليد بوجه لا يزال يحتفظ بابتسامته الباهتة:


_ كيف حالك يا بني؟


اقترب وليد ، قائلا بفرح:


_ حمد لله على سلامتك يا عمي، ربنا يتم شفاك على خير.


_ الله يسلمك يا حبيبي تسلم يا غالي، يا ابن الغالي.


ظل جلال ينظر إليه لحظات، ثم التفت إلى ابنته التي كانت لا تزال تمسك بيده، قبل أن يعود ببصره إلى وليد مرة أخرى ، وقد تبدلت ملامحه وخفتت ابتسامته، وهو يتنفس ببطء تحدث به :


_ أنا آسف يا وليد.


حزنت نجلاء وعبير ، بينما ضمت وليد حاجبيه في دهشة:


_ لا تتحدث وترهق نفسك يا عمي، كل ما نريده الان هو ان نخرج من هنا وانت بصحة جيدة.


خفض جلال برأسه متحدثا بصوت أثقله التعب والندم:


_ اعتذر يا ابني عن كل مرة حملتك فيها فوق طاقتك، وعلى كل مرة أشعرتك فيها بأنك مسؤول عن أمور لم تكن من مسؤوليتك، رأيت بك من القوة والرحمة والحكمة ما جعلني أطمئن إلى وجودك بقربي، وأعتمد على مساعدتك لنا، دون أن أدرك أنني أثقلت كاهلك بأكثر مما ينبغي.



صمت جلال للحظة اخذ به انفاسه بهدوء، حاول وليد تأجيل حديث عمه لوقت اخر، ولكن جلال اكمل : 


_ اعلم جيدا إنك كنت تحاول مساعدتنا بدون ناويه خاصة، لذلك كنت اتمسك بوجودك في كل خطوة تخص بنتي ، ولكني ما كنت أريد ان أظلمك ولا أحملك فوق طاقتك.


ظل وليد ساكنًا وهو يشعر بانقباض قلبه أمام اعتذار رجل لم يعتد منه إلا الاحتواء والمودة، بالاصل لم يكن ينتظر منه اعتذارًا، ولم يخطر بباله يومًا أن يوضع بهذا الحرج.


تحرك بهدوء وحب مقتربا أكثر من عمه أكثر، لتتراجع عبير للوراء مفسحة له المكان وهو يمسك بيد عمه قائلًا بهدوء:


_ انت عمرك ما ظلمت احدا منا، كنت دوما تحدثنا بحب وحنان حتى اصبحت بمكانة أبي في قلبي ، عبير يا عمي مش مجرد مسؤولية وقعت على عاتقي بل هي…..


 طُرق الباب وفتح ليدخل الطبيب وهو يقول لهم بوجه مبتسم:


_ كيف حالك يا سيد جلال اليوم.


_ الحمدلله اشعر انني بخير.


_ الحمد لله 


وبينما كان الطبيب يفحص جلال ويوصي عائلته به، كانت شادية تجلس بجانب والدتها تتحدث معها عما حدث بالحفل.


_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله على سترك يا رب


اخفضت شادية صوتها وهي تحكي لامها بحذر:


_ ليس هذا وحسب ، دخلت لاجدها تريد رفع البطانة وتظبيط حجابها في الظلام….


ضحكت شادية ضحك هستيري لم تضحكه من قبل:


_ لو رايتي حال وليد يا أمي وهو يلتصق بحائط الشرفة.


ضحكت حفيظة واضعه يدها على فمها:


_ من الجيد استاعنته بكِ وقطع التيار الكهربائي وإلا كان لاحظ احدهما خروجهما من نفس الغرفة بعد وقت قصير….


_ والله يا امي إن الله انزل ستره علينا وإلا كانت ستكون فضيحة لا لها اول من اخر ، بدون شيء سمعتي ما يقولونه عنه.


_ نعم سمعت، وغضبت، ولكن ما رأيك أنتِ بما يقال على أخيكِ


_ كيف ما رأيي؟ هل صدقتي يا امي كلام عمي عنه .


تحركت حفيظة مقتربة من ابنتها مخفضة صوتها اكثر ، هامسه :


_ اشعر وكأن قلبه يميل لها.


_ المرآة لا زالت على عصمة رجل آخر، و وليد مرتبط يا امي .


غضبت حفيظة:


_ وهل اقصد ذلك يا غليظة العقل، انا اشعر بابني، اعلم انه لن يفعل ما يخيب ظننا او ظن عمه به، ولكن بأمانه ألم تشعرين بشيء كهذا من قبل.


تغيرت ملامح ونظرات شادية، مردفة بهدوء:


_ هل أحدثك بصدق 


_ لا كذبي علي كي افتح راسك نصفين.


اخفضت شادية صوتها وهي تحكي لامها:


_ كنت الاحظ حالته المرتبكة كلما كانت تخرج أمامه قبل الزواج ، حتى انني كنت شاهدة على موقف حدث أمامي حين رايته يحمل عنها اكياس المشتريات كي يساعدها، وهو يا امي لو تري وجهه يومها كم كان فرحا، حتى إنه بقي سعيدا يضحك بتخفي طول اليوم ، بخلاف مناداته علينا كي نساعدها كلما ذهبت لتحضر شيء أو تقوم بتنظيف المكان في التجمعات ، وجميع ما مضى بكفه ولحظة اخذه قطعة الشوكولاتة منها بكفه ، اقسم انني كنت ارى القلوب تخرج من عينيه ، توقعت أن تكون من قسمته ولكن النصيب كان له رأي آخر.


_ كيف لم انتبه له .


_ لا انتبهتي يا امي ، ولكنك كذبتي حدسك، تتذكرين حديثك معي عقب خطوبتها حين تغير حاله وجمع نفسه وعاد إلى القاهرة بليلة الخطبة.


_ نعم اتذكر ، حتى انتظرت فسخ خطوبتها حتى احجزها له، كان قلبي يشعر بسوء نادر وتمنيت لو يتركها واخذها انا لإحدى اولادي.


_ ألم تري حاله و وجهه بيوم زفافها يا امي، والله لم استطيع تخطي حالته لعدة أيام حزنا عليه.


تنهدت أمه حزنا عليه حتى غرغرت عينيها قائلة:


_ متى تعلق بها لهذا الحد ، الفتاة تمت خطبتها بعد عودتهم من الغربة بشهور قليلة.


_ اعتقد هذا ما يسمونه حب من اول نظرة .


ابتسمت شادية مضيفة:


_ أم كان من اول قطعة شوكولاتة، الله يا امي ' حب بطعم الشوكولاته ' كم هو جميل.


حزنت الأم أكثر ، مردفه بكلماتها الأخيرة:


_ بل الحب المستحيل يا شادية، كل شخص يأخذ نصيبه بالاخير هو مرتبط وهي بوضع لا يصلح له ، الشاب لم يدخل دنيا بعد وهي المسكينة.


_ امي رجاء لا تتحدثي بمرجعية، وايضا بعيدا عن عبير انا لا اعرف كيف إلى الآن متمسك بتسنيم.


_ اصمتي قلت لكِ اكثر من مرة لا تتدخلي كي لا نتحمل وزرها.


_ وزر ماذا هل تزوج منها وأريد له إن يطلقها، الخطبة يامي بمثابة امتحان مبدئي يقيم كل طرف الآخر قبل السقوط بدائرة لا خروج منها.


_ شادية بما أن الحديث وصل الى هنا ، ما رأيك يا بنتي فيما اقترحته عليك قبل عدة أيام، الرجل أسرع بزيارة وليد في المستشفى وأرسل الواجب إلى منزلنا رغم كان بودي أن يأتي بنفسه.


_ لا يمكنني الاتصال به ، تتذكرين ماذا كان جوابه حين فعلتها من قبل.


_ كانت القلوب مشحونة حتى أنتِ كنتي تتحدثين بعصبية وغضب كلما تحدثنا عنه، اقول لاجل ابنتك ألا تستحق التنازل لأجلها.


✦ ✦ ✦


كانا يتحدثان وهم لا يعلمون بما فعله وليد وهو جالسا بمحل عمله بعد تركه المستشفى فور معرفته بقرب وصول اعمامة إليهم.


فلقد أرسل لزوج اخته رسالة قوية مفادها:


« تركت لك اكثر من فرصة لأجل العشرة والمودة والرحمة التي لامستها بكم ، ولكن اعتذر منك ، إلى هنا وحسب يا جمال ، من بعد اليوم المحامي والقاضي هو من سيقول كلمته الاخيرة في أمر حضانة الطفلة وعودتها لامها، وأمر الطلاق التام الذي لا رجعة به، هذا ما وصلنا له بعد الاتفاق مع ابي و كبار رجال العائلة».


مسح وليد جملة كبار رجال العائلة ثم عاد وكتبها كي تعطي للرسالة قوة ، لم يتحدث مع والده فلقد كان القرار نابعا من عقله وقلبه رافضا إن تهان وتذل وتبكي اي فتاة تخصه من بعد الان .


ولكنه مع الأسف لا يعلم ان قلب شادية المعذب بفراق ابنتها حن ورق من حديث والدتها التي الحت عليها حتى أرسلت له رسالة مفادها :


_ اشتقت كثيرا لرؤية ايمان ، هل ممكن ان ترسل لي صورة لها أم هذا ايضا ممنوع.


صُدمت حفيظة بعدما علمت بمحتوى الرسالة ، كانت تريدها أن تسأل عن ابنتها فقط كي تفتح حوار بينها وبين زوجها لعله يحن لها، ولكنها انصدمت بما طلبته خوفا من تلبية جمال الطلب، فإن رأت شادية صورة ابنتها دون ان تلمسها او تشم رائحتها ستعود النار لتشتعل بقلبها من جديد.


قلق جمال حين راى اسمها بالاشعارات، كان اكثر ما يخشاه أن يجدها تتوعد باستعادة ابنتها والافتراق عنه للابد، ليتفاجئ بمحتوى مختلفا تماما عما كان يعتقده.


تاكد ان زوجته لا علم لها بقرار والدها، اراد ان يكسب ودها مرسلا إليها عدة صور وفيديوهات انتهى شحن هاتفه بعد أرسلهم إليها دون أن يقرأ طلبها في ان تراها وتحدثها ولو عبر مكالمة هاتفية.


نام جمال محتضن ابنته من شدة إرهاقه في العمل طوال اليوم، مسحت شادية رسالتها بعد أن طال جوابه عليها، سابحة بنومها وهي محتضنة هاتفها تبكي بحرقة قلبها و اشتياقها لابنتها.


عاتبت نادية امها ووضعت الخطأ عليها، كيف تضغط على شادية كي تفعل امر كهذا دون العودة لوالدها.


مر ثلاث ايام على خروج جلال من المستشفى وقد تحسن صحيا بقدر يجعل الأطباء مطمئنين عليه، كان قد اتخذ قراره وابلغ الجميع به 

' لا رجعة لابنته لهذا الرجل أيا كانت الأسباب والمعطيات والتنازلات والوعود '


فاجأتهم حسناء بزيارتها لهم وهي تحمل معها العديد من خيرات الشرقية.


_ ماذا كان اسمها يا امي


نظرت نجلاء لاستمتاع ابنتها بتناول الفطير قائلة:


_ فطير مشلتت 


_ فطير ملشتت 


ضحكت نجلاء واختها على نطق عبير الخاطئ، تحدثت حسناء :


_ تذوقيها بالجبن القريش ستعجبك استمعي لي ولم تندمي.


ردت نجلاء بضحك:


_ لا تتعبي نفسك ، هي لا تحب الجبنة القريش، ضعيها هي وابيها في اي طعم مسكر واتركيهم.


_ صحة وعافية ، لو علمت كنت احضرت لها المزيد من العسل .


_ يكفي مجيئك إلينا يا اختي ، لا تعرفي قدر سعادتي لرؤيتي لكِ.


طُرق باب المطبخ المطل على الحديقة الخلفية، ارتبكت عبير وشعرت كان قلبها نبض بقوة فجاة، لم تتحرك ولم تصدر اي تعابير لكونها سمعت الصوت، قامت نجلاء لتذهب : 


_ من المؤكد انه احد افراد عائلة عبدالعزيز 


وما لبثت نجلاء إلا دقائق سمعوا بعدها صوتها وهي تقول :


_ سملت يداكم من المؤكد أن عمك سيفرح به ، هيا تعالي معي للصالون كي تسلمي على خالتك حسناء.


تحركت شادية خلف زوجة عمها بعد أن وضعت طبق الأرز بالحليب على رخامة المطبخ، وما أن وصلا تحدثت بلطف:


_ السلام عليكم، حمدالله على السلامة ، سررت بمعرفة حضرتك.


_ كبرتي يا شادية ، سبحان الله اخر مرة رأيت بها كنتي صغيرة تلعبين مع البنات، الله يرزقك يا بنتي بزوج صالح عادل يحافظ عليكِ.


تحدثت نجلاء بخجل :


_ شادية متزوجة يا اختي ، مع الاسف لديها بعض المشاكل مع زوجها كما هو الحال مع عبير.


_ لا جمال مختلف عن نادر ، ادب اخلاق ذوق هو فقط يستمع لوالديه.


نظرت نجلاء لدفاع ابنتها عن جمال ، ثم نظرت لشادية ، قائلة:


_ اجلسي يا بنتي .


_ ساذهب كي لا اتاخر على امي .


_ اجلسي يا بنتي قليلا معنا وانا ساخبر امك .


_ حسنا ولكن لا داعي لاخبار امي ، إن قلقت ستتصل بي.


نظرت نجلاء نحو هاتف شادية بوجه مبتسم، بينما تحركت عبير بصينية الطعام مقتربة من شادية :


_ تذوقي معي جمال طعمه.


شاركتها شادية الطعام وهي تتحدث مع الخالة باريحية وحب ، فكان أبناء حفيظة مثلها تماما يغلب عليهم الطيبة وحب الناس وعدم التحفظ امام الغير يظهرون بطبيعتهم دائما دون تكلف او تحفظ وهذا ما كان يميزهم ويحبب الناس بهم.


حزنت حسناء حين سمعت حكايتها وعلمت بوجود طفلة صغيرة لشادية التي فتحت هاتفها بحماس لكي تريهم الصور الجديدة:


_ انظروا كم كبرت صغيرتي .


قالتها ناظره بعدها لعبير لتحذيرها ، قائلة :


_ وليد لا علم لديه بالصور 


نظرت نجلاء لابنتها التي خجلت ، مسرعة بردها :


_ وما دخلي بوليد .


اعتذرت شادية حين أدركت خطأها قائلة بسرعة:


_ كي لا تخبري عمي وعمي جلال بالخطا يقع بلسانه امام وليد


تحدثت نجلاء بحب :


_ لا تخافي منها ، ربنا يستر من حماسي انا ، تعلمون حين افرح او اتحمس انسى نفسي.


نبهت وشددت شادية على عدم تحدثهم امام احد حتى تستطيع التفكير بشكل جيد، فلقد راسلها جمال عدة مرات منذ صباح اليوم الذي تلى ارسله الصور لها، كانت محتواها 

' ايمان ترسل لك السلام'

و في المساء يرسل صورتها وهي نائمة

' نامت للتو'

وأشياء من هذا القبيل 


ردت الخالة حسناء :


_ وبماذا كنت تجيبين.


اخفضت شادية صوتها الملغم بالبكاء:


_ لم اجيبه فكلما قرأت اسمها او رايت صورتها اشتعلت النار بقلبي من جديد.


اقتربت عبير منها لتحتضنها بذراعها من الخلف، عادت حسناء لحديثها ولكن هذه المرة كان موجها لاختها نجلاء:


_ من الواضح انه يعشقها ولكن عزة نفسه لا تسمح له ان يخرج منكسر أمام الاهلي، ينتظر إشارة منها كي يركض لها.


_ نعم ولكن حتى باحلامه لن يرى تلك الإشارة منها.


_ ولماذا يا اختي ، ألسنا بشر نخطئ ونصيب!


_ لا يوجد من يستحق انكسار بناتنا لأجله.


_ استهدي بالله يا نجلاء من يسمعك يعتقد انك خبيرة بهذه الأمور، هل احكي لهم مواقفك باول الزواج.


تحمست عبير بفرح :


_ نعم احكي لي يا خالتي


ابتسمت خالتها مردفه:


_ وانا من يتساءل لمن خرجت هذه الفتاة.


قالتها بضحك ثم التفتت موجهه الحديث لشادية بنبرة هادئة تحمل خبرة السنين:


_ اسمعيني يا ابنتي بعين العقل ، الزواج نعمة من الله وليس ساحة معركة نتنافس فيها على من تُمضى كلمته على الآخر، المرأة الذكية هي من لا تفكر في تسجيل الأهداف بمرمى زوجها ، بل هي من تستطيع بحكمتها وصبرها وفطنتها أن تدير بيتها وتحتوي من حوله.


صمتت حسناء لحظة لتلتقط انفاسها مكملة بصوت مجهد وابتسامة خفيفة تابعت بها:


_ ما دام الرجل صالح، يحبك ولا يتعمد إيذاءك فلا بأس ببعض التنازلات التي تحفظ الود.


تدخلت نجلاء بضيق تحدثت به:


_ حرمها من ابنتها لما يقارب على تسع شهور او يزيد وتقولين لم يتعمد ايذاءها 


_ اصمتي يا نجلاء ، هناك طفلة في الوسط ، علينا مراعاة الافضل لها، لا التفكير بحقوقنا..


وجهت الخالة حديثها القوي لشادية:


_ إن كان اهانك او ضربك او في يوم أساء لاهلك او حرمك من الذهاب إليهم او انه بخيل في شراء احتياجاتك هنا سنقف ونفكر 


نفت شادية بحركة رأسها، لتغضب حسناء :


_ وهل تترك المرأة رجلا كهذا خلفها تسعة أشهر، حسنا إن كنتي تريدين ابنتك انتظري حتى يتم زواجه ومن ثم زوجته الجديدة ستجعله يعيدها لكِ برغبته .


نظرت نجلاء وعبير لشادية متسائلين في نفس واحد:


_ هل سيتزوج جمال 


نظرت شادية إليهم بخوف ناظره للخالة منتظرة جوابها على سؤالهم، لتبتسم حسناء وهي تكمل:


_ لا تنظري إليهم واستمعي لي ، إن كنتي تريدين كسب قلب زوجك؟ اكسبي قلب أهله أيضًا، تقربي من حماتك، أرسلي إليها شيئًا من صنع يديك، واسألي عنها، ادعيها للخروج معك، وأشعريها أنها غالية في قلبك، ببداية الأمر قد تبدئين ذلك رغبة في كسب ودها، ثم شيء فشيء تجدين نفسك مع الأيام تحبينها بحق وحقيقي ، وتبادلك هي المودة ذاتها.


نظرت شادية إليها باهتمام وقد بدا الكلام يلامس قلبها بقوة وهي تستمع لكمالة حديث الخالة:


_ لا تجعلي كل خلاف مع أهله معركة تخوضينها وعليه انصافك بها لا تضعيه بالمنتصف بين ام ربته وكبرته وزوجه امتلكت قلبه، لا تتمسكي برفضك وعنادك لمجرد أنك لا تريدين التراجع… استخدمي حكمتك، وابحثي عن طريقة تحفظ راحتك ورضا زوجك معًا، فليس كل ما نريده يُنال بالمواجهة، ولا كل ما نتنازل عنه يُعد هزيمة.


صمتت لتأخذ نفسها من جديد ثم مالت نحوها قليلًا وقالت بجدية:


_ كما سمعت منك الرجل يحبك ويريدك إلى جواره، فلماذا نخسر بيتًا يمكن إصلاحه؟ أنا لا انصحك بهذا إن كان زوجك ظالمًا أو مؤذيًا، فذلك أمر آخر، لكن حين يكون الرجل جيد يستحق أن نحافظ عليه، لماذا لا نكون أذكى في التعامل معه؟ لماذا نتركه حتى نفقد رصيدنا بقلبه وحينها سيبحث عن من تملأ قلبه و حياته من جديد.


_ لا يمكنني العودة له دون ان يطلب هو ذلك، لا يمكنني نسيان حزني والليالي التي قضيتها وانا ابكي على ابنتي.


تنهدت، ثم أردفت بتعب:


_ احسنتي ، لا تنسيها لانك قريبا ستضيفي عليها ليالي إضافية ستعيشها وانت تبكين عليه وهو بحضن امرأة أخرى.


دمعت عيناي شادية دون ان تبكي، مستمعة لكلمات الخالة الاخيرة:


_ اصنعي اولا لنفسك رصيدًا من الحب والمواقف الطيبة في قلب زوجك، ومن ثم ستجدينه إلى جوارك دون ان تطالبيه بذلك، اعطيه فرصة في ان يتذكر مودتك ويحرص على إرضائك كما تحرصين على إرضائه، عودي يا بنتي هذه المرة بعقل مختلف، وكوني حكيمة في اختياراتك، ولا تجعلي كبرياء لحظة يهدم استقرار سنوات، عودتك لبيتك ليست خذلانًا وليست اعترافًا بالهزيمة بل قد تكون انتصارك الحقيقي حين تنجحين في الحفاظ على بيتك، وتكسبين قلب زوجك، دون أن تخسري نفسك أو تتنازلين عن كرامتك ، تكبر ابنتك بوسط دافئ تنجبين صبيان وبنات تفرحين بالاعياد وهم يجتمعون حولك ، والله يا بنتي صبرك على كل ما حدثتيني عنه يهون عندما تجلسين وسط اولاد تشهدين على فرحتهم وهم يكبرون بخير والدهم ، فهناك يا شادية الكثير والكثير من النساء اللواتي يعانين من تجبر الزوج وفساده لاجل أولادهم كي يجمعوا شملهم ويحافظون على استقرارهم وحمايتهم من التشتت بينها وبين زوجة جديدة لوالدهم.


رن هاتف شادية ، وقفت وهي تمسح عينها شاكره للخالة اهتمامها ، قائلة:


_ ستفرح امي بقدوم حضرتك من البلد، كانت تنتظرك بأيام زفاف عبير ولكننا نعلم الظروف الصعبة التي مررتي بها شفاك الله وعافاكِ يارب.


_ امين ، شكرا يا بنتي ، اخبري امك انني انتظرها 


_ بالتأكيد إن شاء الله 


تحركت عبير خلف شادية لتوصلها حتى الباب، تحدثت نجلاء لاختها :


_ ساصمت رغم ان الحديث لم يعجبني بشكل كامل .


_ اعلم ان ليس كل الأزواج تستحق السعي للحفاظ عليها وخصوصا شباب هذا الجيل، ولكني شددة عليها لاني لمست بها العناد والكبر وحب السيطرة وهؤلاء إن وجدوا في امرأة افسدوا حياتها وليس بيتها وحسب، ببعض الأحيان يتوجب علينا الضغط على ابنائنا ليخرجوا أفضل ما لديهم، إن وقف والدها قبل تسع اشهر وأعادها لمنزلها قائلا راحتك واستجمامك بحضن بنتك وزوجك ما كانت وصلت لهذا الحد، ولكنهم تكبروا وعاندوا منتظرين عودته منكسرا متنازلا عن أهله، وهذا حتى بأحلامهم لم يروه ، وإن رأوه فلنترحم على رجل كهذا ، فإن وضع حسام ابني كلمة زوجته على كلمتي لتبرأت منه ومن نسله….


_ اهدئي يا اختي، التقطي انفاسك، كثرة الكلام أنهكتك… يا عبير … يا عبير … اين الحليب الدافئ الذي طلبته خالتك.


أجابت عبير من المطبخ :


_ حاضر يا امي دقائق واحضره  


جلست شادية بالحديقة فاتحه هاتفها لتنظر لصور ابنتها بشرود كبير ، تنقلت بين الصور باحثة عن صورة لزوجها اخرجتها لتنظر لقربه منها وفرحتهم في الصورة بحزن….


جاءتها الفرصة حين وصل لهاتفها رساله من زوجها مفادها :


« تركت المحل وذهبت لشراء بعض الملابس لايمان ولكني لا اعرف من اين ابدا ، نحن بمطلع الصيف الطقس متقلب ، ملابس الشتاء صغرت عليها بينما الصيف لم يدخل بعد ».


وجدتها شادية فرصة باختبار حبه لها ، كاتبه: 


« يا ليتك أخبرتني قبلها كنت ذهبت وبحثت عن ما يناسبها ثم اخبرتك المكان كي تذهب لشرائهم».


« ومن أين ستعرفين مقاسها ، لقد كبرت صغيرتنا يا شادية ».


دمعت عيونها وهي تكز على طرف شفتها بين اسنانها ، كاتبه:


« نعم كبرت حبيبتي بعيدا عني »


استغل جمال تجاوبها معه كاتبا :


«ماذا تقترحين عليّ»


مسحت دموعها ، كاتبه


« افعل ما يملي عليك قلبك يا جمال ، اذهب للمحلات وستجد من يساعدونك بالشراء يكفي أن تخبرهم بعمرها ، حتى اقول لك اذهب واختار شريكه جديدة تساعدك فيما تعجز قدرتك عليه»


وقف جمال بمكانه وقد هزت الرسالة كل جوارحه كاتبا : 


« لا يمكن لأي امرأة ملأ مكانك ».


لم تراى شادية الرسالة حين غلبها بكائها مختبئه في مجلس الضيافة بالطابق الاول لمنازلهم.


انتظر رؤيتها للرسالة دون ان يحدث، ليتجرأ باتصاله الاول لها ، كان جسده لا يزال يرتجفا دون ان يعلم السبب تملكه الخوف والقلق من فقدانها ، فتحت شادية هاتفها بيده المرتجفة مجيبة على زوجها بصوت بكائها :


_ لماذا اتصلت ، ماذا تريد مني ، اذهب وجد لك من يحبك ويملا حياتك من جديد اذهب وافعل ما تريد ، حتى اقول لك لا تعطيني ابنتي ولا ترسل لي صورها ، لاحترق بجهنم كي يرتاح قلبك.


_ شادية ماذا تقولين ، لا يمكنني النظر لامراة غيرك أنتِ تعلمين ذلك جيدا 


_ لا… لا اعلم اي شيء … لا اعلم اي شيء ولا اريد اي شيء … يارب اموت كي ترتاح من شادية للابد ….


قالتها مغلقة الهاتف منهمرة ببكائها الذي كاد أن يتحول لصراخ من شدة نباحها به .


اسرعت نادية للنزول وهي تقول لأمها: 


_ نعم هي… صوتها يا امي 


اسرعت حفيظة بوضع الحجاب على راسها وهي تنزل الدرج بسرعة وحذر من سقوطها 


_ بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم بردا وسلاما على قلبها ، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم اربط على قلبها .


اقتربت امها منها وهي تحتضنها :


_ اهدئي يا امي اهدئي ، الله لا يسامحني على فكرتي التي اشعلت النار بقلبك من جديد


_ قلبي يؤلمني يا امي ، قلبي يؤلمني ، اريد ان اموت ، لا اريد العيش بهذا الإحساس ، قلبي يحرقني يا امي .


لم ينتظر احدا وصول جمال لمنزل عبد العزيز في غضون ربع ساعة من إنهاء زوجته المكالمة، تفاجأت حفيظة به وهو يدخل عليهم المجلس حاملا ابنته بيده ليعطيها لزوجته التي انهارت بشكل كامل فور رؤيتها لطفلتها.


اسرعت نادية بالصعود للأعلى كي ترتدي ما يقل عنه سيدال الصلاة ملتقطة هاتفها كي تتصل بوالدها عدة مرات دون ان يجيبها، فكرت قليلا ثم اتصلت بوليد دون أن يجيبها هو ايضا.


نزلت للاسفل مرة اخرى لتجد شادية تقبل ابنتها وهي بحضن زوجها.


صمتت حفيظة حين وجدت ان الصمت اقوى من اي عتاب بهذه اللحظة ، الغريب رؤيتهم لشادية وهي تتحرك لتنفيذ طلب زوجها في ان تأتي معه لشراء ملابس لابنتها.


لم تعترض امها ظلت على صمتها ، نظرت نادية لهاتفها من جديد :


_ لا اعرف اين اختفى أبي ووليد … رأفت ، نعم لعل رأفت يعلم مكانهم .


سحبت الأم الهاتف من ابنتها ، قائلة :


_ اصعدي حضري لزوج اختك واختك عصير ليمون، حتى تتجهز اختك.


تحدث جمال لام زوجته :


_ لا داعي للعصير، بالاصل ملابسها مناسبة للتسوق ، لنخرج على الفور كي لا نتأخر.


نظرت نادية لعباءة استقبال الضيوف التي كانت ترتديها شادية متسائلة بدهشة:


_ من أين خرج انها مناسبة للتسوق!.


أجابت شادية لتزيد دهشتها:


_ اعرف مكان سنذهب إليه مباشرة، نشتري حاجتنا دون التنقل بين المحلات .


ثم نظرت لزوجها متسائلة وهي تمسح اثار الدموع :


_ معك السيارة أليس كذلك ؟


_ نعم… نعم معي هيا ، هيا كي لا نتأخر. 


كانت حفيظة اكثرهم سعادة وبهجة تمسك هاتف نادية بيد والاخرى تمسك بها هي شخصيا كي لا تذهب لمكان و تخبر أحد بما يحدث ، فلقد استجاب الله لدعائها بعد طول انتظار.


بكت شادية من جديد فور جلوسها بالمقعد الأمامي وهي تحتضن ابنتها ، اغلق جمال باب سيارته مسرعا نحو حفيظة الواقفة بجانب البوابة الحديدية ليقبل يدها عائدا لسيارته ليقودها دون كلام.


_ امي ماذا فعلتي ، سيغضب ابي واخوتي عند معرفتهم بما حدث ، كيف تركتيها تعود إليه بدون وعود ولا شروط .


مسحت الأم دموعها ، مجيبة على نادية بعد أن حررتها من قبضتها :


_ مجيئه بهذه السرعة حاملا ابنته، ومن قبلها صوت اختك ببكائها لا يعني إلا شيء واحد. 


_ وما هو هذا الشيء؟


_ استجاب الله لدعائي الحمدلله. 


_ امي ما هو هذا الشيء .



تحركت حفيظة لتدخل وتصعد الطابق الثاني دون الرد على نادية التي اغلقت الباب وصعدت خلف أمها وهي لا زالت تسألها وتعاتبها…..


──────── ✦ ────────


عادت شادية إلى بيتها وزوجها، متخذة قرارًا يستحق التقدير، بعد ان اختارت منح زوجها وبيتها فرصة أخرى، وهي تسعى للحفاظ على أسرتها بما يرضي الله.


فالزواج ليس علاقة تخلو من الخلافات، ولا طريقًا مفروشًا بالراحة دائمًا، بل هو ميثاق غليظ، يحتاج إلى الصبر والتفاهم والتغافل والتكافل، يحتاج إلى قلبين يدركان أن الحياة الزوجية ليست ساحة للانتصار والخسارة، بل هي شراكة تقوم على المودة والرحمة.


ولا عيب في أن يتراجع طرف خطوة حفاظًا على بيته، ما دام هذا التراجع لا يجعله يتنازل عن كرامته ولا يواجه ظلمًا أو أذى من احد.


فطوبى لكل قلب يسعى للإصلاح، ويختار ما يرضي الله دون أن يظلم نفسه أو اهل بيته.


عادت وهي تحمل بقلبها عتابًا طويلًا دام لعدة شهور، عادت وهي تنوي على استرداد جميع ما فقدته وأولهم الاستقرار بمملكتها مع طفلتها وزوجها الذي توعدت له ان تجعله بالحب والاهتمام يندم على كل لحظة تركها في منزل والدها .


✦ ✦ ✦


غضب وليد عندما سمع من نادية ما حدث، عاد متجها لمنزل عمه جلال طارقًا بابه بغضب وضيق، أسرعت نجلاء بفتح وهي غاضبه :


_ ما بك لماذا تطرق الباب بهذا الشكل.


انتبه وليد لحالته، مجيبا بصوت منخفض:


_ اعتذر منك لم انتبه على نفسي، ولكن إن سمحتي اريد التحدث مع امي هل تناديها لأجلي، اخبريها أنني انتظرها بمنزلنا على وجه السرعة.


حدثه عمه :


_ ادخل يا وليد .


رفع صوته كي يصل لعمه في ممر المنزل:


_ بالمرة المقبلة إن شاء الله، انا في عجلة من امري واريد امي بشيء مهم.


_ ادخل يا وليد لن تذهب امك لمكان قبل ان تدخل أولا .


فهم وليد ان وجود امه وعدم ظهورها أمامه حتى الآن لم يكن صدفة عابرة، تحرك ودخل المطبخ ومن ثم وصل للممر ملقي السلام على عمه بعينه التي كانت تبحث عنها.


تحرك جلال للصالون ومن خلفه وليد ، تحدثت حفيظة فور رؤيتها لابنها وكأنها تفاجأت :


_ وليد ! متى جئت ؟


وقف بجانبها بضيق وعصبية مكتومة قائلا :


_ تعالي معي اريد التحدث معكِ في موضوع خاص.


تدخل جلال ليتحدث عوضا عن حفيظة :


_ كن مهذبا والقي السلام على ضيفتنا اولا.


دارت عينيه حوله باحثا عن الغريب وسطهم مندهشا من وجود امرأة مسنة مستلقية بجلوسها على الأريكة الكبيرة ، نظر لعمه وهو يستمع :


_ خالتك حسناء أتت صباح اليوم من الشرقية لتطمئن عليّ .


وضع وليد يده على صدره منحنيا للأمام قليلا وهو يلقي عليها السلام ويرحب بها ، صدمتهم حسناء بحديثها:


_ اانت وليد ! 


ابتسم وهو يلقي ببصره نحو أمه ثم عاد بنظره للخالة قائلا :


_ لنعرف اولا ما الذي فعله هذا الذي يسمى وليد كي اقرر بعدها إن كنت أنا او غيره.


ابتسمت عبير الجالسة تحت قدم خالتها واضعة طرف الغطاء على أرجلها .


تحدثت حفيظة بفخر من الخلف :


_ نعم هذا هو وليد ابني الاكبر، كبير عائلتنا. 


_ ولماذا تحجبون الطعام عن كبير العائلة!.


صُدم وليد ناظرا لنفسه رافعا نظره للخالة، بينما ضحك الجميع على ما سمعوا، مازحها بجوابه المهذب :


_ هذا ما يسمى بالرشاقة.


_ النحافة اصبحت رشاقة ، لطفك يارب.


تحدث جلال:


_ اجلس يا وليد اريد التحدث معك بامر شادية.


عاد وجه وليد للجدية جالسًا بجوار عمه وعينه على امه قائلا :


_ وصلك خبر عودتها لزوجها! وبهذه الطريقة المهينة لنا .


ثم نظر لأمه موجه لها الحديث بنبرة عتاب:


_ كيف توافقين على هذا ، كيف سمحتي له أن يأخذها دون العودة لنا .


_ وليد ابني انظر إلي….


_ عمي لا تقنعني بما فعلوا .


بكت حفيظة باولى كلماتها :


_ قلبي لم يستطيع منع عودتها لمنزلها، لم اعد احتمل بكائها المستمر على ابنتها، كلما استفردت بنفسها نجدها تبكي ، لقد دعيت الله كل ليلة بقيام الليل وهو استجاب لي ، هل أرفض استجابته.


_ لا ، ولكن كنتي انتظرتي عودتي حتى اضع شروط وروابط تحكمه وتحفظ اختى هناك ، بالأصل فعلها بعد أن هددته بالمحكمة ، كنت انوي بشكل جاد أن أخذ منه الطفلة واجعله يدور خلفنا بالمحاكم.


سأله جلال باهتمام :


_ هل اليوم هددته، انت هددته وهو اتى واخذها؟!


_ للامانة ليس اليوم ، كتبتها اول امس او من ثلاث ايام.


ردت نجلاء باستسلام:


_ الله سبحانه وتعالى قدر رجعتهم، قلوبهم حنت لبعضها، بالاصل حدثتها خالتك حسناء وبعدها تفاجئنا بما حدث، لا أحد منا يعلم التفاصيل وما جرى جعله ياتي إليها أثناء بكائها ويصر على إعادتها بسرعة كي لا يعرقل أحد ذهابها معه ، حتى إنه لم ينتظر تبديلها لملابسها كي تفهم امك واختك منها ما حدث.


_ كيف هذا هل اتصلت به تبكي وتتوسل عودتها له، هل فعلت شادية ذلك يا امي؟


_ لا يا ابني ، شادية لا تفعلها ، ولكن عند مجيئه كان يعتذر منها ويقبل يدها وهي تضربه بيدها على صدره بقوة كي يبتعد عنها ويذهب ليتزوج بغيرها ، كانت قوية تصرخ بوجهه كي يذهب ليتزوج وياتي بمن تهتم به وبابنته.


نظرت حفيظة لمن حولها وهي تكمل حديثها:


_ للحظة اعتقدت ان ابنتي فقدت عقلها ، كيف تلقي بابنتها في حضن زوجها وهي تدفعه للخارج كي يذهب ويبحث لهم عن امرأة غيرها تهتم بهم وتراعيهم، والطفلة تبكي في منتصفهم، لم يتركها احتضنها وطفلته في منتصفهم وظل يقبل يدها وراسها معتذرا منها، حتى هدات اختك فجأة واصبحت توافق على كلامه ثم ذهبت معه.


_ وانتِ يا امي تركتها!


_ ما بك ، وكأنك مختلف عما سمعته عنك، اهدا قليلا، وجعت قلبي، من لحظة دخولك وانت غاضب ونحن نحاول تهدئتك 


نظر وليد للخالة مجيبا بدهشته:


_ انا…!


_ ولا كلمة ، اصمت واستمع للكبار اولا، ما بك اختك اختارت زوجها وبيتها ، هل ذهبت لرجل غريب، بالاخير زوجها ، واعتذر منها كما اخبرتك امك ، ماذا تريد اكثر، هل تذهب لتحضرها من جديد كي تشهد على حزنها…


صمت وليد مخفض رأسه دون رد، اكملت حسناء حديثها لتفاجئ عبير :


_ احمد الله انها لم تعد مضروبه ومهانة ، كل ما فيها اختلافات تافهه .


لم يستطيع رفع نظره كي لا يخجل عمه أو أحدا منهم، تحدثت حفيظة :


_ إلهي تنكسر ايدك يا نادر ، لا ترى خير ولا سعادة في عمرك يا ابن سنية .


تحركت عبير لتخرج من المكان ، رفع وليد نظره عليها بقلق تساءل به :


_ إلى أين ؟.


نظر الجميع نحوه مندهشين من سؤاله وسرعة طرحه عليها، خجلت عبير مجيبة بتوتر:


_ اشرب ماء… عطشت.


ارتبك هو أيضا حين لاحظ ما خرج منه بلحظة خوف عليها، قائلا بنبرة مزاح في غير محله :


_ وانا ايضا جف حلقي من حديثهم ، هل لي أن أشرب بعدك.



_ فليجف حلقك، ما بك يا وليد ، لأول مرة اخاف من قدومك بهذا الشكل، ماذا تفعل لهم بالمنزل أخبرني كي اكسر راسك ، هل ترفع صوتك على امك وتصب عليها غضبك .


أسرع بدفاعه عن نفسه أمام عمه، لولا رد حفيظة الاسرع منه 


_ وليد! …. بحياتي لم ارى أحد بحنانه وطيبته وأخلاقه .


ابتسم وليد ، قائلا :


_ لا مهرب مني يا امي .


_ لا تزيد كي لا تندم .


ضحكت نجلاء:


_ عادت حفيظة لقواعدها ، لا تقل لم نحذرك.


كانت حسناء تراقب نظرات وليد وعبير بصمت وعيون ثاقبة من يرى ثبات وشرود عينها يشعر وكأنها تقرأ ما بداخلهم، يأخذ وليد منها كاس الماء وهو يشتكي من اجتماع عائلته عليه ، وهي تخفض عينيها بخجل وابتسامه لا تتمكن من اخفائها.


وقفت حفيظة وهي تستأذن منهم كي تعود لمنزلها قبل عودة عبد العزيز، تحدث جلال :


_ وانا ساتصل باخي كي احكي له ما حدث قبل عودته كما وعدتك الأمر عندي من بعد الان.


تحركت حفيظة لتسلم على حسناء شاكره لها فضل ما فعلته مع ابنتها:


_ لقد ارسلك الله لها بالوقت المناسب، فليرضى الله عنك ويعطيك الشفاء التام الكامل .


امن الجميع على الدعاء متبعين حفيظة وابنها حتى اوصلوهم للباب الخلفي للمنزل.


وقف وليد بمنتصف المطبخ متحدثا مع زوجة عمه بنبرة مزاح:


_ أين ذهب حقي بالمحشي؟


ضربته أمه على كتفه :


_ ألم تأكل بالأمس حلة محشي كاملة.


تألم وليد من كتفه لدرجة منعته عن استكمال مزاحه، اعتذرت أمه منه بينما اكملوا خروجهم وهو ممسك بكتفه الايسر .


وما إن اصبحا وحدهما تحدث وليد :


_ اخبرتك اكثر من مرة إنه يؤلمني .


_ سامحني يا ابني اعتدت على فعلها دون ان انتبه ، هل تذهب للطبيب كي تكشف عليه.


_ يحتاج لراحة يا امي ، لا للضرب وحمل الاجهزة بالمحل.


_ وصيت اباك ان لا يضغط عليك.


_ على من سيضغط ان لم يضغط علينا.


_ هذا هو والدكم اعتادوا عليه .


_ على ماذا نعتاد ، طلبت منه تشغيل فردين إضافيين معنا كي يحملوا البضائع للزبائن ويضعونها بسياراتهم ، ويرتبون المحل ويهتمون في حين قصرنا نحن ولكنه رافض .


_ لاجل المصاريف يا ابني ، يحاول جمع المال لاجل زواجك ومن بعدك زواج رأفت ، اصبحت بعمر السابعة والعشرون ولم تتزوج بعد  


_ أنا سأتكفل بنفسي ، اهتما برأفت ونادية فقط


_ نادية جهازها كامل مثلها مثل اختها تماما.


_ الحمدلله ليكتب الله لها السعادة 


_ اشعر ان زياد مختلف تماما عن كل الرجال الذين عرفتهم قبله


ضحك وليد :


_ ماشاء الله خبرة يا امي


_ الشاب هادئ ورومانسي مع الجميع .


_ ربنا يستر انا لا اخاف إلا من الهادئ .


نظرت له أمه نظرة خبيثة تحدثت بعدها :


_ كم تمنيت شاب لطيف كهذا لعبير، فلتتخلص من نادر وانا سأزوجها بأحسن منها حتى يمكنني اعطائها زياد ، مناسبين جدا لبعض كلاهما هادئ ورومانسي، الطيبة تخرج من عيونهم قبل لسانهم.


_ اتركي الفتاة لحالها يا امي يكفيها ما رأته من زوجها.


أرادت حفيظة اختبار ابنها، قائلة بخبث:


_ معك حق ساتركها يكفيها ما تقوله خالتها .


_ ماذا تقول لها ، هل يرغمونها على العودة.


_ اهدئ يا بني ما بك ، لا احد يرغمها على شيء ، هي فقط كانت تتحدث عن محمود ابن عبدالله جارهم بالشرقية ، لو سمعت مميزاته لندمت كما ندمت انا ونجلاء ، هو ايضا لديه بعض المشكلة طلق زوجته من وقت قصير على إثرها.


_ ستجعلوني اجن...

عريس جديد وهي لم تتخلص من زوجها، ومطلق ولديه مشاكل ايضا.


_ لا تقلق مشكلته في زوجته اعوذ بالله كانت عكس ما يظنون ولوثت سمعة اهلها بليلة زفافها، يعني الرجل لم يدخل دنيا بعد وستكون هي أول دنيته ….


جن وليد قائلا :


_ امي ماذا تقولون ، كيف تتحدثون امامها عن زوج اخر قبل طلاقها و شفاء جروحها.


_ لا تقلق كنا نتحدث سويا بصوت منخفض كي لا تسمعنا، تتطلق وتتلخص من احزانها خلال فترة العدة ومن ثم نزوجها نحن قبل فرحتنا بك و بنادية ، الرجل فرصة لا تعوض فمن المستحيل ان يتقدم لها شاب لم يسبق له الزواج او….


زفر وليد بضيقه قاطعا لحديث امه:


_ انا جائع ماذا طبختي اليوم.


_ طبخت ! لا اليوم نحن إجازة ستاكلون بواقي الكشري .


_ رضا ونعمة …


_ يا نادية سخني لي الكشري الى ان ابدل ملابسي واصلي فرض المغرب قبل أن يضيع عليّ.


وقفت الأم تراقب ابنها من الخلف بقلب قلق. .. فلقد تأكدت مما تخافه… لن يتركها لرجلا اخر بسهولة، حدثت نفسها :


_ لا يمكنك الفوز بها من بعد الان، اصبحت لا تناسبك يا ابني ، كما انك خاطب وستتزوج قريبا ، لايمكنك قلب الطاولة علينا جميعا.


ليس حفيظة من تأكدت من مشاعر وليد فقط ، فها هي حسناء تتحدث مع اختها قبل النوم بصوت منخفض:


_ تعالي اغلقي الباب واجلسي بجانبي 


أغلقت نجلاء الباب واقتربت من اختها لتستمع لحديثها:


_ كيف لا تنتبهين لوليد من قبل.


_ ما به وليد يا اختي!


_ لا تغلظي عقلك، الشاب مغرم بابنتك.


_ لا اله الا الله حتى أنتِ يا حسناء ، ام لاني اخبرتك بما قاله فارس و فهمي.


_ اوقات اشعر وكأنك اذكى امرأة على الكوكب ، واوقات اخرى تشعرينني بالغضب حيال عقلك الغليظ، افتحي عقلك وانظري لما يحدث حولك، حسنا ابن عمها يخاف عليها ومن الطبيعي وقوفه بجانبها ودفاعه عنها حتى إنه يحدث أكثر من ذلك بالشرقية عندنا ، ولكن…


_ ولكن ماذا؟ …


_ هذا الشاب مغرم بها ، يتنفس بحبها .


ضحكت الأختين ، لتعقب نجلاء:


_ من اين اتيتي بكل ذلك؟


_ عيب عليكِ، المرض لا يغير القلوب ، انا حسناء اشتم رائحة الحب والغرام أينما هبت رياحه.


_ لا تحلمي ، حتى وإن كان كذلك، الشاب مرتبط ، وابنتي لا تفكر بشيء كهذا الآن.


تنهدت نجلاء :


_ اتمنى لو اعود بها للمجر بعد طلاقها، اشتقت لحياتنا الهادئه هناك.


_ ربنا ياتيكِ بما فيه الخير ، ولكن لا تثقي كثيرا باحساسك ، فلقد لمست بعبير اثناء وجود وليد ما لم المسه بوقت اخر.


وقفت نجلاء بحزن :


_ ساذهب لارى جلال قبل ان ينام ، لعله يحتاج لشيء وأنتِ نامي وارتاحي…. تصبحي على خير.


_ وأنتِ من أهل الخير .


خرجت نجلاء من الغرفة لتجد ابنتها امامها، نظرت إليها للحظات تحدثت بعدها بصوت منخفض:


_ لماذا لم تنامي حتى الآن.


_ اخشى ان تتعب خالتي في الليل ولا نشعر بها.


_ لا تقلقي سابقى بجانب والدك لبعض الوقت ، ثم أعود لأنام بجانبها دون ان تشعر ، بالاصل سايرتها ووافقت على طلبها كي لا تعاند بالعودة للبلد .


_ حسنا تصبحين على خير .


توقفت عبير للحظات ثم استدارت ناظره لامها ، انتظرت نجلاء بدأها الحديث ولكن لم يحدث استكملت عبير طريقها جهة غرفتها، ولم تسأل الأم اي سؤال رغبة بإنهاء اليوم الثقيل …


انتهى اليوم بنوم الجميع ما عدا وليد الذي كان على موعد مع عتاب خطيبته التي كانت محقة بعتابها هذه المرة أيضا .


الغريب إنه لم يحاول مصالحتها وكأنه يرغب في زيادة المشكلة وتفاقمها ، بل والغريب اكثر انها تسامحت في حقها لأجل إرضائه .


نام وليد بقلب مضطرب لا يعلم ما يريد وما ينتظره بالمستقبل القريب ، فهو حقا لم يعد يتحمل مسؤولية احزان فتاة لديها أحلام وطموحات لم يقدر على تحقيقها لها وملاحقتها بها، بجانب لا يمكنه اخذ اي خطوة بالوقت الحالي بعد كثرة الأحاديث عنه هو وعبير .



لم تكن عبير السبب الوحيد وراء اضطراب مشاعر وليد، التي لم تكن نتيجة يومين ولا نتيجة موقف عابر أو شعور مفاجئ ، فهي مشاعر يحاول منذ وقت طويل تجاوزها، أو تغيير مسارها، وربما إقناع نفسه بالاعتياد عليها.


لكن مع مرور الأيام بدأ يدرك أن المشكلة أعمق مما ظن فلم يعد يشعر بالانتماء إلى خطيبته، ولم يجد في علاقتهما ذلك الشعور الذي يُفترض أن يرافق فترة الخطوبة، لا شوقًا ينتظره، ولا حماسة للقاء يجمعهما، ولا ذلك الارتياح الذي يجعله يرى فيها شريكة عمره القادمة.


كان يحاول أن يمضي في الأمر كما ينبغي، لكنه في كل مرة كان يكتشف أنه يؤدي دورًا لا يشبهه، وأن شيئًا في داخله لا يستجيب كما يجب.


مر الصباح بهدوء وسكون، وبالظهيرة ذهب وليد للمخزن كي يخرج بعض الأجهزة الكهربائية الخفيفة ويأخذهم معه للمحل بجانب بسكوت البرتقال الذي حضرته والدته لأجلهم.


نظر جهة منزل عمه ليجد الخالة حسناء جالسة بالخارج ، رفع يده ملقي عليها السلام مكمل سيره تجاه المخزن 


تحدثت حسناء لاختها:


_ يا له من عمل مرهق  ياتي كل يوم ليأخذ الاجهزة الكهربائية ويضع الأجهزة الكهربائية.


_ حسناء لا تدخلي براسي الان، بدون شيء ضغطي مرتفع.


ضحكت الخالة وهي تتحدث بصوت منخفض:


_ اعجبني الوضع ، حتى يمكنني الانتقال لديكم والعيش بالحديقة ، سيكون مسلسل الموسم 'العاشق الولهان' ، اعتقد ان صحتي ستعود إليّ بمجرد متابعته من على قرب .


──────── ✦ ────────


وتوته توته توته ولا خلصت الحدوته دي بدأت من جديد ، حدوتة بيت جميل كان مليان بالحب والحنين دخل الشيطان فيه ، فسد بين قلبين ، رشق وعشش بعقول الناس، دا رافض ودا عاجز ودا مظلوم ، يا قلبي ايه قصتك قولي وريحني ،امتى القلب هيرتاح من همه ويبدا الحدوته، يا ترى لسه للفرحة و للحب في قلوبنا أمان؟ ولا هنفضل نحكي في نفس الحدوتة، ونستنى بكرة… يمكن تتغيير الحدوتة.

 لا انا قادر أكمل من غيره ولا قادر اتحمل ، يا قلبي قولي مغزى الحدوته ، فين راحت الفرحة وايه الي مستخبي ورى كل حدوته ، وتوتة توتة توتة… ولا خلصت الحدوتة؟ 

 دي لسه هتبتدي من جديد…..


──────── ✦ ────────


google-playkhamsatmostaqltradent