recent
جديدنا

متى يكون الابتلاء نعمة.. بقلم أمل محمد الكاشف




ماذا إن كان ابتلائك نعمة أنعم الله بها عليك؟

تشعر باستغراب عندما تقرأ العنوان، لوهلة تعتقد أنه خاليا من المشاعر، كلام مرسل من قلب ام يذق مرارة الابتلاءات من قبل.


ولكنه ليس كذلك أصحاب الابتلاءات الكبيرة هم فقط من يستطيعون التصديق على هذا العنوان ولمس معناه الحقيقي.


 وما النعم في الابتلاءات..؟


الواحد منا يمضي في حياته معتقدا أنه بخير، يسعى ويحاول جاهدا النجاح بكل شيء حوله دون إعطاء نفسه الحق الكامل في التقرب من الله، يرضى عن نفسه بصلاة الفروض وقراءة ما تيسر من القرآن والذكر، لتأتي بعدها أرادت الله في التطهير فيبتلى المرء في أعز ما يملك ويحب، تهتز دنياه ويصبح كل شيء أمامه بلونين ابيض واسود فقط كل شيء باهت لا لون ولا طعم له، كل ما كان يسعده من قبل يمر أمامه وبقربه دون الشعور به، تحمل العيون الدموع الراكدة الساكنة بالقلب قبل الروح، غصة وثقل وضيق يضغط على الصدر بشكل غير مسبوق، يكاد عقلك أن يهج من مكانه لولا لطف الله عليك، بهذه اللحظات الفارقة الصعبة بحياتك تبدأ الرسائل الربانية تتوالى أمامك هناك من يستطيع تلقيها وترجمتها والأخذ بها والبعض اعوذ بالله يتجاهلها بكبر وسوء وهؤلاء بالذات في أغلب الوقت يفتح لهم الأبواب سريعا حتى يشعرون أن الله استجاب لهم وهو ليس كذلك بل ران على قلوبهم فاعطاهم الله الحياة وزينتها كما يشاؤون وترك حسابهم للاخرة (طبعا ليس كل من يرفع عنه البلاء يكونوا كذلك ولكني اتحدث عن البعض الذي ران على قلبه فلم يستطيع القلب فهم الرسائل الربانية)، عكس من يتلقى الرسائل الربانية ويبدأ طريق الابتلاء في نجاته لحظة بلحظة لتجد نفسك تتعلم ذكر جديد يريح قلبك وهذا من أعظم نعم الله عليك، تساق لصلاة تقيمها بدموع عينيك تقربك من ربك وهذه لذة لا يمكنك الوصول لها دون ابتلاء، يفتحها عليك الله بدعاء قوي يخرج من اعماق قلبك يعلقك بربك ويزيد من يقينك وثقتك في الواحد الجبار وهذا القرب يترك بقلبك ما لا يتركه غيرك.


يزيد الله من ابتلائك ليزيد النعم عليك لتجد نفسك أمام معاني أعمق لكيفية الصلاة الصحيحة وكيفية الدعاء بها، يرسل لك مقطع أو شخص يحدثك عن افضل صيغة للدعاء المستجاب وتبدأ الصيغ تتوالى لن تأتيك دفعة واحدة ولكنها ستتسرب لقلبك رويدا رويدا حتى تصبح ركن من ندائك وحديثك اليومي وانت تناجي ربك، يرسل أمامك من يحدثك عن قصص الانبياء ليثبت فؤادك ويخبرك مهما طال ابتلائك وعظم فهو هين على الله ، يعلمك الله في رحلة الابتلاء من السنن ما جهلته دون قصد، تبدأ الآيات القرآنية تتضح أمامك بمعاني ومشاعر جديدة وكأن الله أراد أن ينعم عليك بالامتلاء ليزيل الستار والغشاوة عن عينك وقلبك فيصبح الحرف والآية لها صدى بقلبك كبير، تكفيك قراءة 

يا موسى 'إنني أنا الله' كي تبكي بكاء الأطفال بقلب يستغيث بعظمة ربه، تقرأ الفاتحة التي تقرأها منذ سنوات وكأنك تقرأها لأول مرة وأنت تستمع لرد الله عليك وكأنه حقا يحدثك فتزداد انهيارا وبكاءا وخشوعا لعظمته، حتى سبحان الله العظيم الركوع للعظيم سيصبح لها طعم مختلف، السجود سيكون راحة للقلب لم تشعر بها من قبل فكيف لا ترتاح بعد أن بكيت وشكيت وفوضت امرك لله في كل من ظلمك واهمك.


 ورغم أن الجميع يعلم الآية الكريمة 

{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}


دون أن نستشعر الراحة الحقيقية التي يُعلمها لك الابتلاء فمع استمرار الدعاء والصلاة والتقرب من الله سيصبح السجود هو ملاذك وراحتك وملجأك الحقيقي ليس لي سواك، تسجد وأنت تسبح ملقي همك وضيقك وخوفك وظلمك بين يدي الله، سجدة طويلة مليئة بالبكاء والإلحاح والضعف والانكسار مفادها ليس لنا سواك تعيد الروح لقلبك وإن لم يرفع البلاء عنك، في رحلة الابتلاء تبحث عن مواطن إجابة الدعاء دون ان تتعلمها إلا على مراحل يرسلها الله لك رويدا رويدا كل مرة تتعلم موطن جديد وتعمل به وتثبته في حياتك يظهر غيره حتى تصل إلى حد كبير من الرضا على الابتلاء شعور وكأنك ترى الفرج وهو يقدم نحوك.


في رحلة الابتلاء والتقرب من الله للنجاة منه تراودك الأحلام رؤى حقيقية صادقة وأخرى من الشيطان تخيفك، ولكن قلبك من كثرة لجوئه لله أصبح لا يخاف وكأنه يحدثك كما قال موسى عليه السلام لاصحابة

{كلا إن معي ربي سيهدين}


ثقة ويقين كبير بأن الله معنا ومن معه الله لا غالب له.


بعد فترة طويلة من الابتلاء القوي العاصف تنظر لحياتك قبله ثم تتفكر بأول أيام الابتلاء وما مررت به وصولا لحالك الان ستعلم جيدا أنه لم يبتليك إلا ليطهرك وينجيك من نفسك، وهنا يجتمع الرضا على الابتلاء وشدة الإلحاح على الله أن يرفعه عنه فلم يعد القلب قادر على تحمله.


احيانا حين تبكي تتذكر قول أبو عبيدة ابن الجراح وهو يواسي عمر بن الخطاب قائلا:

يا عمر مالي أراك حزيناً ؟! أحُرمتَ من الجنّة أم بُشّرت بالنار ؟ هوِّن عليك فما هي إلا دنيا..


يزداد بكائك وأنت تحمد الله على نعمة قربك منه وفي نفس الوقت تستغفره لعدم استطاعتك تحمل الابتلاء أكثر من ذلك.


من لطف الله ورسائلة الرحيمة لعباده أن يرسل لك مقطع صوتي أو رساله على لسان أخ، صديق، حبيب يقول لك اصبر لكل شدة وقت ستفرج وتعود حياتك افضل من قبل حتى تعتقد أنك لم تبتلى من قبل.


او كلما فتحت هاتفك تجد أمامك الآية القرآنية 

{قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.


لا أخفيكم سرا كلما بكيت وأغُلقت الأبواب بوجهي اجد هذه الآية تخرج امامي وكان الله يحدثنا ويصبرنا 

أقسم أن هذه الآية كفيلة برج ونسف قلبي حين اسمعها بعد الدعاء أنا وكل مبتلي مهموم 


لا يمكن لشخص مبتلي ابتلاء كبير سماعها دون أن يبكي من شدة حلاوتها…


استمع لها بعين مغلقة رددها بقلبك لتشعر براحة كبيرة، هذه راحة الاستماع لها فما بالك حين يجعلها الله حقا بحياتك…


أيها المظلوم المغلوب المريض المبتلي صبرا والله ما ابتلانا إلا ليطهرنا وينجينا..


أيها المبتلي لا تحزن ان الله معنا، ما كتبته لك ليس مجرد سرد مرسل ولكن يشهد الله أن كل كلمة كتبتها خرجت من قلب يشعر بما تشعرون به لا اذكي نفسي على أحد ولا أعظم ابتلائي دون الاخرين، ولكني على الأقل أشعر بغصة القلب وكسر الفؤاد الخاوي والدموع الراكدة الساكنة بالعيون المنهكة في وجه كل مبتلي، ولكني جئت اليوم لاقول لكم لعل هذا الابتلاء الذي نحن به نجاة لنا من أقدار أكبر لا يمكننا تحملها، لعل لنا درجات في الجنة لا يمكننا الوصول لها إلا بهذا الابتلاء، لعله حب من الله أراد أن يستمع لصوتنا ويرى تقربنا منه، لعله طريق مظلم لباب كبير نخرج منه على خير ونعم كثيرة لم تكن في الحسبان، لعل اجر الابتلاء يجعلنا نعيش باقي حياتنا فرحين بما أتانا الله، لعله اخر ابتلاء يمتحن الله به صبرنا وإيمانا به وبعده يعطينا ما تتمناه قلوبنا.


كثير من الناس اكتشفوا بعد انتهاء البلاء وحلول الفرج أن ما كانوا يظنونه كسرًا كان باب فتح كبير، و ما بكوه يومًا كان سبب تحول حياتهم للأفضل فقط الصبر.. 


{اللهم صبراً على ما لم نحط به خبرا}


الابتلاء نجاة المبتلي فعلا، تخيل معي أن تضع نفسك في الطرف الآخر أن تكون انت الظالم أو الفاسد أو الحاقد أو المؤذي أو... 


أقسم أنك ستستعيذ بالله من ذلك لما وصلت له من نضج فأنت أصبحت تعلم جيدا جزاء الظالم من شدة ما تمر به ويقينا أن الله مستحيل أن يترك حقك دون أن يرده لك ويحاسب من ظلمك وقهرك واذاك وغلبك واصابك بسوء، مستحيل أن يترك الطرف السيء بالقصة دون عقاب يليق بعظمته وجلاله فهو العدل الجبار الحي القيوم.


مستحيل أن يرى جهادك كل يوم وانت تقنع عقلك أن ينام دون أن يبالي بدموع عينيك واعتصار قلبك، مستحيل أن يرى الله حزنك وضعفك دون أن يحاسب عليه من تسبب في ذلك، كن راضيا على حالك فوالله سيجدك من ظلمك في كل دعوة تُرفض له وكل عسر يمر به وكل مصيبة تصيبه وكل ضيق صدر يمر به دون معرفة سببه، سيجدك في كل ضياع وتشتت وعذاب نفسي، أنت تتقرب من الله وهو يتقرب من جزائه المكتوب له.


{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}


نعم مع طول الابتلاء يبدأ النضج في التفكير وتتغير نظرتك لكل شيء حولك وكأنك ترى وتسمع وتشعر لأول مرة في حياتك.


الابتلاء نجاة وتطهير ونعمة ومحبة من الله.


نحزن ونبكي ونتوسل ونلح على الله بكل لحظة ودقيقة أن يرفعه عنه ونحن راضين عن أقدار الله لنا متأكدين أنها الخير وإن لم نستطع تحملها والعيش معها.


.الابتلاء نجاة.


{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.



اللهم ارفع عنا البلاء وفرج همنا ويسر أمرنا واصرف عنا ما أخافنا واجعل لنا من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا ومن كل عسر يسرًا يارب العالمين.


وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

جزاكم الله خير الجزاء 


author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • غير معرف18 نوفمبر 2025 في 10:46 م

    بسم الله ماشاء الله ربنا يبارك عمرك وصحتك وعافيتك يارب موهبة من الله أن تكتبى ما فى أنفسنا أقسم بالله كلام ابكانى من عظمة الله وقدرته على تخفيف آلام فى كل أمر صعب
    الحمد لله رب العالمين أن وهبنى اخت مثلك
    جزاكى الله خيرا الدارين 🤲☘️ اللهم امين
    منال قاسم

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent