الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم امل محمد الكاشف
بالصباح استيقظ يوسف على رأس تتحرك برفق ودلع على صدره فتح عينه ليتفاجأ بها بحضنه تضمه بنومها وهي تحرك رأسها بسعادة بالغة، تنفس عطرها الذي اشبع وتغلغل بصدره وهو لم يعد يتحمل المزيد خوفا من حركتها بحضنه التي كانت تدغدغ قلبه و تحرك فؤاده، حتى تبقى القليل لجعلها زوجته من جديد دون ان يتذكرها.
جاء ليتحرك و لكنه لمح عينيها تُفتح ، اغلق عينه من جديد لعدم مواجهتها ولكنه لم يتوقع ازدياد احتضانها له و اقتراب وجهها من عنقه بعد استيقاظها، ليزيد هذا من تلعثمه وعدم استطاعة تحمله أكثر من هذا.
تحرك وهرب من حضنها للحمام دون ان ينظر لها، ضمت شعرها الجميل وجمعته كله على كتف واحد وهي تنظر للحمام بسعادة لم تراها عيونها منذ زمن..
امسكت وسادته وضمتها لصدرها بقوة وهي تستنشق عطره داخلها
ارتدت على عجل وخرجت من الغرفة لتتركه براحته ، نزلت للأسفل لتجد اورهان ينتظرها بجانب الأولاد الذين تجهزوا للخروج لمدرستهم
ارادوا ان يقبلوا والدهم قبل خروجهم ولكن جدهم رفض تأخرهم وقال
" ستأخذونها بأثر رجعي عند عودتكم"
خرجوا بعد ان ودعوا امهم و جدهم الذي تحدث فور ذهبهم
" هل الامور على ما يرام. أرى المياه قد عادت لمجاريها من جديد"
( عيب هو ده سؤال يتسأل يا راجل دا ابن امينه يا جدع🤣🤣 الضحك ممنوع 🏃♂️🏃♂️)
ردت عليه بخجل وهي فرحة
" نعم الشكر لله، ياليتك رأيتهم وهم بحضنه كيف ناموا بوجوه فرحة "
سُعد وهو يتحدث من جديد ليُخبرها انه حجز موعد عند الطبيب الذي تواصل معه بالأمس و سيذهبان إليه بعد الفطور
ردت بتخوف لتقول " ماذا ان؟"
قاطعها ليقول " انا متفائل اتركيها على الله هو سيكرمنا و سيكمل فرحتنا "
نظر للأعلى نحو الصوت الصادر من فتح باب الغرفة ليتحرك بها ليجلسا بالصالون كي لا يتفاجأ بهم اسفل الدرج.
كان الجميع حريص جدا على تركه براحته دون ضغط..
جاء الموعد وذهبا للطبيب الذي استقبلهم بحب وترحيب. تحدث ليطمئن يوسف انه سيكون بخير وسيعود كل شيء كسابق عهده ولكنهم بحاجة لإجراء فحوصات و صور مقطعية للرأس اضافة الى صورة رنين مغناطيسي لتوضيح إذا ما كان هناك ضرر بسبب الحادث و ما عايشه بعده ومن ثم سيتحدثون
سألته سيلين عن سبب عدم تحدثه لينظر له الطبيب ويقول
" سنعلم كل شيء بعد الفحوصات..."
ارهق يوسف كثيرا طوال اليوم بالتحاليل و اكثر من نوع اشعة بجانب فحص شامل كامل طلبهُ أورهان لإجراءه للاطمئنان عليه فما مر به بهذه الحياة والبلد النائية جعلته يقلق بشأنه..
عاد يوسف للقصر وهو منهك تناول طعامه بصعوبة ثم صعد بصمت لينام على فراشه دون ان يبدل ملابسه وبدون ان يشعر بأحد حوله.
اراد اولاده ان يناموا بجانبه اليوم ايضا ولكن هذه المرة جدتهم من رفضت ليرتاح ويسترخي أبيهم بنومته بعد يوم مرهق..
مر يوم كاملا كان نعمان قد وصل به لحد الذروة من غضبه لعدم توصله لمكان زوجته وابنه..
اما يوسف فكان الطبيب قد طمئنهم على وضعه واخبرهم انه ليس بحالة سيئة لحد كبير ولكن عليه ان يصبر و يداوم على الفيتامينات و الجلسات النفسية لحل مشكلة اللسان التي من المؤكد أنها كانت عضوية بعد الحادث ولكن مع مرور الزمن زال السبب العضوي ليصبح نفسي فقط لاعتياده على الصمت وعدم التحدث مع الآخرين ، وأكد الطبيب أن عزلته عن الناس وتهربه منهم كانت لسبب عدم تفهمه عليهم وضياعه الداخلي الكبير و الصدمات التي تعرض لها مع صعوبة الاعتياد على كل هذا في ظل الظروف القاسية للبلد ما جعله يتهرب من الجميع كوسيلة للحفاظ على نفسه و محاربته بحياة مظلمة ليس لها أي ملامح حوله...
وأضاف ليقول
" بعد ذهابكم من عيادتي بالمرة السابقة بحثت قليلا عن هذه البلد لانصدم مما قرأته فعليكم أن تشكروا الله كثيرا على عودته وعدم استخدامه من قبل العصابات المرعبة هناك طبعا بخلاف الصعوبات ووضع البلد المزري"
تأملت سيلين الخير بحديث الطبيب لهم وطمأنت زوجها انها بجانبه وستساعده حتى أنها ستروي له تفاصيل حياتهم السابقة واحدة واحدة.كما سيذهبان سوياً لنفس الأماكن السابقة ليعيدا نفس الحدث ونفس الأحاديث والذكريات كي تساعده على سرعة التذكر كما أوصاهم الطبيب.
هز رأسه بحركة لا تلمس استجابة لحديثها وتحرك ليتركها وينام
وقفت بملابسها الناعمة الجميلة بمنتصف غرفتها لتفكر قليلا بوجه مبتسم قائلة له قبل ان يصعد على الفراش
" وجدتها "
ألتفت لها باستغراب لتقترب منه وهي تكمل
" لا اعرف كيف نسيتها "
ضحكت بفرح وهي تكمل
" سأقول لك شيئا، كنت بالسابق قد مررت بحادث صعب اثر علي وجعلني بحالة سيئة ، وعند تعرفنا وتقاربنا من بعضنا البعض اشرت علي أن أذهب لطبيبة نفسية لأتعالج واتحرر من أثر هذه الحادثة "
نظر لها باستغراب اكثر وكأنه يتساءل عن سبب هذا الحادث التي تعرضت له، ولكنها لم ترد على هذه التساؤلات التي برزت بأعينه بقوة و اكملت كلامها لتقول
" حينها طلبت منا الطبيبة ان نرقص سوياً بمكتبها كي اتحرر مما اصابني، وكانت هذه أول رقصة هادئة وتقارب بيننا، اوصتنا يومها ان نكرر الامر كل ليلة وكلما شعرت بالضيق، و حدث ما قالته كنا كل ليلة نرقص سويا قبل نومنا وبعدها يذهب كلا منا لغرفته"
(ارجع يا زمان حن يا ماضينا)
تعجب من حديثها لتزداد تساؤلاته بأعينه، ولكنها مرة اخرى لم تهتم بها اقتربت منه ومدت يدها وقالت
" هل نبدأ من جديد. هل تسمح لي ان اكون سببا بعلاجك كما كنت انت سببا بشفائي سابقا"
تردد بمشاركتها الرقصة و خاصة انه كان حريص على البعد عنها و الاستيقاظ قبلها للهروب من حضنها كي لا يضعف امام جمالها وعيونها المحبة التي تتبعه بكل مكان يذهب إليه ..
ولكن مع اصرارها و قولها انه يمكنه تذكر اي شيء ولو بسيط ، رضخ لها و رفع يده ليضعها بيدها ناظرا نحوها لتقترب منه بوجهها الفرح قائلة بصوت خجل و وجه اعتلته حمرة الخدود
" من جديد لا يحلو لنا إلا بثياب النوم "
كان صوتها و ضحكتها الخجولة وحركتها بين يديه يدويان بأعماق قلبه الذي تسارعت ضرباته. توترا من قربها و جمالها، بل ومن جمال شعرها الذي تزاحم على وجهها ليخفي خجلها، رفعت يديها و حاوطت رقبته لتداعب اصابعها أطراف شعره من الخلف وهي ترقص على نغمات قلبها..
رغم عدم تذكره لأي شيئا إلا أنه استمتع كثيرا لدرجة عدم توقفه عن التحرك معها والاستجابة بالتمايل كما كانت تفعل هي.
ليزيد هذا التجاوب من فرحتها بين يديه التي تحركت على ظهرها برقصهما الهادئ الساحر الذي سلبهما عقليهما
ارادا ان لا ينهياه لولا طرق الباب ودخول تولاي وهو يحك عينه طالبا النوم بمنتصفهما ، ابتسمت له أمه وقالت رافضة
" ولكن لا يمكنك.. "
لم تكمل كلامها حتى فتح يوسف ذراعيه لابنه وهو يميل للأمام معبرا عن قبوله لطلبه
فتحت فمها من المفاجئة و استجابته لابنه لم يصل تولاي لحضن ابيه حتى وجدت سيلين ابنتها لي لي تركض هي ايضا لاحتضان والدها .
تحدثت لهم
" هل اتفقتم علينا "
اجابوها بضحكهم و سيرهم بجانب والدهم الذي اخذهم بحضنه وقبلهم برأسهم ومن ثم تحرك بهم نحو الفراش ليناموا سويا.
أخذ الجميع مكانه إلا هي لا زالت بمكانها صامتة تراقبهم بفرح.
نظروا إليها لينادي عليها ابنها قائلا
" هيا انتِ ايضا يا أمي نامي بجانبنا قبل أن يغلبنا النعاس"
تحركت بفرح لتحتضنهم بقوة وهي تمد يدها لتصل لابنها بالجهة الاخرى.
اصبح الوضع جميل وفرح بقصر الفولاذ على عكس ما يحدث بالحي الهادئ حين وصلت اخبارية لبينجو أنها عليها ترك المكان سريعاً فقد تم معرفة مكانهم.
وبسرعه شديدة تبادلا الملابس مرة أخرى لتخرج فيروزة هذه المرة بملابس الشرطي واضعة كاب الجاكيت عوضا عن الحجاب و خرجت بينجو بملابسها وحجابها ودمية شبيهة بطفل بحضنها.
أرادوا ان يقوموا بعملية تمويه ويجتمعوا بالطريق الخلفي ان اطمئنوا باستقرار الوضع، حدث ما ارادوه و لحنكة وحكمة بينجو استطاعوا النفاذ و الخروج من الحي الهادئ بهدوء و بدون الإمساك بهم.
جن جنون نعمان الذي اكتشف وصول رجال فواز لنفس المكان بنفس الوقت، اشهروا أسلحتهم بوجه بعضهم لولا سماع دوي صوت سيارات الشرطة تقترب، ليهرب الجميع من المكان.
اتصل الشرطي مارت بخطيبته ليطمئن عليها، لتخبره انهم نجوا بصعوبة وبآخر لحظات سألها عن موقعهم لتأمينهم، اعطته اسم الطريق الذي سيذهبون اليه ليختبئوا بمنزل صغير للعائلة بأطراف المدينة.
طمئنها و وعدها انه سيكون بجانبهم بأقرب وقت وسيجلب معه الدواء واغراض الطفل عوضًا عن الذين تركوا بالمنزل أثناء خروجهم السريع..
لم تشك بينجو للحظة بخطيبها الذي استأمنته على ارواحهم و الذي أغلق الهاتف وظل يفكر لمن سيبيع بيعته الثمينة اولا واي منهم سيكون الرابح معه، بالأخير وقع الاختيار على فواز لقوة موقفه و لأنه بوضع افضل من نعمان المطارد..
تم ملاحقتهم من قبل رجال فواز لاختطاف الام والابن، اسرع دكتور هازار بقيادته وهو يحاول أن يهرب منهم.
جاهد وجاهد حتى ضيقوا عليه بسيارتهم و بطلقات الرصاص حتى أصيبت أحد دواليب السيارة. ليختل توازنها الذي كان سبب بسقوطها من أعلى هضبة كبيرة سقوطاً مدوياً. تقلبت مصطدمة من أكثر من جهة حتى تمركزت بالهاوية.
فمن الواضح كما قالت لهُ اخته ان السوء لابد ان يعود بالسوء على صاحبه بيوم من الايام
