الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم امل محمد الكاشف
سقط خبر الحادث ووفاة جميع ركاب السيارة صدمة كبيرة على ذويهم. انهار جوكهان لوفاة ابنته بينجو كما هو الحال مع أسرة الطبيب هازار و نعمان الذي خسر قطعة من قلبه وروحه، انقهر حزنًا على من حرم نفسه الاقتراب منه كي يحميه من سوءه و ظلامه.
انهار على فراشه يبكي كالأطفال و هو يتذكرها مع طفلهم.
قبض يده ممسكًا بالغطاء بقوة وهو يتوعد لفواز أن ينهيه من على وجه الأرض، دارت عينيه بكل مكان في الغرفة بقلب يشتعل نارًا فلا يوجد موطأ بها إلا و توج بألعابه و مستلزماته و دوائه.
سمع صوت أفراد الأمن يدخلون القصر يبدو أنهم شعروا بحركة في الداخل وجاءوا لينظروا هل هناك أحد أم لا، تحرك ليختبئ بالسرداب المظلم ليتذكر وجودها بذلك المنزل الصغير وهي خائفة من المجهول.
تذكر حضنها له وتمسكها به وفي منتصفهم طفلهم، عاد ليبكي من جديد وهو يقول لنفسه "كيف ستتقبل العيش بدونه، كيف ستتحمل هذا الالم كيف وهو روحها وحياتها وفرحتها"
..............
وبعد شروق شمس السعادة استيقظ يوسف على صوت ابنه وهو يقول له
" أصبحت محبًا للنوم يا ابي"
ابتسم وجهه وهو ينظر لرأسها التي تمركزت على صدره وراحتها بحديثها مع ابنها
"لماذا انت مبكر اليوم، كم الساعة الآن؟ "
جاءت لي لي من الخلف لترد هي على أمها
"باكر! حتى أننا تأخرنا على المدرسه يا أمي"
اقتربت لتقبل وجنة ابيها و من بعده امها وهي تقول" جئنا لنقبلكم قبل خروجنا"
تحرك تولاي وقفز على أبيه مقبلًا إياه ومن بعده امه ثم ركض خلف اخته كي يلحقوا بموعد درسهم الاول.
نظرت سيلين لزوجها متحدثة بعيونها الضاحكة
" انظر الى فرحتهم "
صمتت امام تعابير وجهه و عيونه التي لا تصدق قربها منه لهذا الحد، شردت عيونهم ببعضها لتقترب الوجوه شيئا فشيئا حتى كاد يوسف ان يضعف امام شفتيها القرمزية.
اغمضت عينيها تاركة نفسها لتقربه وغرقه بجمالها لتشعر حينها بأنفاسه تقترب منها، كانت ثواني معدودة جاءتهم بعدها صوت فضيلة وهي تنادي عليهم لأجل الفطور الذي تأخروا عليه.
تراجع يوسف للخلف ناظرًا لأزرار بيجامتها الأولية التي فُتحت وحدها أثناء حركتها المفاجئة، ابتلع ريقه بأنفاسه الغير منتظمة لم تتحرك من مكانها ظلت تنظر له متمنية ان يتذكرها بتلك اللحظات الجميلة.
اتاهم صوت فضيلة مرة اخرى وهي تنادي ومع اقتراب الصوت همت بإغلاق أزرار بيجامتها و هي ترفع شعرها من على وجهها وتكمل تعديل حالة ملابسها.
ظل نظره عالق على جمال شعرها اللامع وهو يأبى أن يبتعد عن وجهها كطفل رضيع متمسك بأمه
تحركت باستحياء لتنزل من على فراشها خجلًا من دخول فضيلة و رؤيتها لهما بهذا القرب، تحرك هو أيضا ودخل الحمام هاربًا من حالتهم، نبض قلبه بمشاعره الفياضة ليقوده للاقتراب منها دون الإنصات لرغبته بعدم خوض أي خطوة ايجابية قبل أن يتذكرها، لم تدخل فضيلة الغرفة فحين لم يأتيها صوتهم نزلت للأسفل مرة أخرى وهي تقول لزوجها
"فليبقوا براحتهم ، نبدأ نحن و هم يتناولون فطورهم وحدهم عندما يستيقظون "
.........
في المشفى وتحت حراسة مشددة تم النجاح بإجراء عدة عمليات لفيروزة بوضع قطع بلاتينية بالساق واليد و الحوض.
بجانب عملية تجميل لأنفها و لوجهها الذي أصبح دون معالم
حاولوا أن يعيدوها لصورتها الاولى ولكن ما ذهب من الصعب اعادته مرة أخرى. نجحوا بتجميل وجهها بشكل ممتاز حتى كادت ان تصبح شخص اخر بملامحها الجديدة.
طالت مدة العملية لتوضع بعدها بالعناية المركزة حتى يطمئنوا على استقرار حالتها و توقف نزيفها الداخلي الذي نقلت للمستشفى به.
هدأ نعمان نسبيًا بعد ان اطمأن قلبه عليها، طلب من مارت ان يؤمن له زيارة ليراها حتى وان كانت بغير وعيها ، ولكنه حذره قائلا "هل انت متأكد من طلبك! كما تعلم الوضع حساس. رغم أنني ضابط الا أن رتبتي لا تتيح لي الدخول لغرفتها انتظر عدة ايام ومن ثم ندبر لك زيارة، لا تنسى فقداننا للضابط بينجو وهذا ما جعل جوكهان بيه ثائر وغاضب متوعد أن يستعيد حق ابنته قاتل او مقتول"
رد نعمان بحزن
" بسلامة رأسكم ، لا تقلق ولا تحملوا هم سآتي انا بهذا الثأر حتى أنني سأجعل البلد كلها تتحدث عن استرداد حقنا لسنوات و سنوات "
............
وصل شاهين بيه لشركة أورهان لصناعة الفولاذ بناء على استدعاء خاص، رأته غمزة وهي تسير بالممر نظرت نحوه وهو يقترب من مكتب أورهان بصمت، تبادلا النظرات الحزينة للحظات اومأوا برأوسهم لبعضهم البعض، عادت غمزة لمكتبها لتدخل به مغلقة بابها عليها وهي تضع يدها على صدرها قائلة لنفسها
" لماذا عاد؟ ماذا يريد؟ كان عليه ان يبتعد أكثر"
تمالكت نفسها وتحركت لتجلس على مكتبها وهي تكمل
"بماذا اهذي انا! ساعدني يا الله "
اغمضت عيونها الحزينة و هي تهتز تأثرًا برؤيته و تواجده بنفس المكان.
رحب أورهان بيه بشاهين الذي بارك له عودة يوسف بيرقدار. شكره وهو يشير له كي يجلس بجانب المكتب.
تحدث شاهين
" ان كان الامر بيدي كنت خرجت من المطار للقصر مباشرةً لأراه، ولكني احترمت رغبتكم و خصوصية الوضع لديكم "
تحدث أورهان متأثرًا بوضع ابنه
" نعم هذا ما حدث، نحن لا نريد الضغط عليه. و كما اوصانا الطبيب سنتركه يتذكر ويتجاوب معنا على مهل و شيئًا فشيئًا حتى يعتاد علينا ومن ثم على المحيطين بنا"
سأله شاهين
" كيف حدث هذا!، عقلي لم يستوعب ما سمعت، اختطاف سيلين هانم ومن بعدها انقاذ يوسف لها، وشعورها به وقيامكم بالبحث عنه و إجراء التحليل "
وضحك مكمل حديثه
" ان كلفنا شركة إنتاج بنصع فيلم تصويري لما تقولون اضمن لك نجاحه القوي قبل بدأ تصويره"
ضحك اورهان و الحزن يظهر على وجهه قائلاً
" ااااخ ماذا اقول لأقول، اكثر من ثلاث سنوات مروا علينا بحزن وثقل لا يعلمه إلا الله. كانت عيوننا وقلوبنا المجروحة تحاول مداواة بعضها البعض دون فائدة، اعتقدت بالبداية ان ابنتي تهذي من شدة حزنها وألمها لدرجة تملكتها الاوهام. ولكن انظر لما وصلنا له اكرمنا الله بأكثر مما نتمناه ونرضاه الشكر لله "
رد شاهين برضا
"الحمدلله على سلامتكم زال البأس"
اجابه اورهان بضيق
" لم يزل كل البأس. لا زال القليل منه متشبث بنا كالنبات الضار لا حل له إلا اقتلاعه وإن كان سيسبب بعض الخسائر"
استغرب شاهين من رده متسائل
" انا لم افهم! ، من تقصد بالنبات الضار؟ "
رد اورهان بقوة
" سأخبرك بكل شيء ولكن عدني انك ستستوعب ما اقوله و توافقني الرأي و القرار أيًا كان"
رد شاهين بسرعة
" ومنذ متى نختلف!، اخبرني انت اولا ما هي علتك، من هو هذا النبات الضار الذي علينا اقتلاعه"
ابتسم اورهان وهو يشيد بذكاءه
"ولهذا السبب احببت العمل معك، ولنفس السبب اتعجب كيف آمنت وصدقت ذئب ماكر كزهير هذا "
تفاجأ شاهين بما قاله اورهان بل تفاجأ اكثر بعد ما سمعه منه تورط زهير بخسارة وتراجع مشروع فجر جديد، و الاكثر تورطه بعدة خسائر سابقة بالشركة كانوا يتغاضون عنها لأجله. وانهى اورهان حديثه وهو يشرح له ما فعله بيوسف و خطته الرخيصة بإنهائه.
صدق شاهين جميع ما جاء بحديث أورهان ما عدى انه يكون صاحب سوابق لهذه الدرجة، عاد اورهان ليشرح له انه تفاجأ اكثر منه ولم يترك نعمان شقيق سيلين حتى تحدث معه ليتأكد من تفاصيل ما حدث.
قاطعة شاهين باستغراب
"هل تثق بحديث رجل كنعمان و تشك برجل خدمنا لسنوات بكل امانة وصدق"
استقام اورهان على مقعده وهو يستند بذراعيه على مكتبه ليتحدث بقوة قائلا
" لقد عايشت و مررت بوجوه كنعمان و زهير وغيرهم واستطيع جيدا التميز من الصادق والمخادع. جميعكم يعلم موقفي من زهير منذ البداية، وايضا ان كان لدي شك للحظة واحدة ما كنت سأتحدث معك بهذا الامر و لا كنت استدعيتك على عجل "
رد شاهين
"العفو منك انا لم اقصد هذا ولكن ما تقوله صعب الاستيعاب، فكيف فعل هذا! ولماذا فعلها!، ما المنفعة التي سيحصل عليها بعدم رجوع يوسف لعائلته "
صدمهُ اورهان حين قال له
" ابنتي. كان هدفه التقرب منها والفوز بها "
استقام شاهين على مقعده باهتمام و هو ينظر كالصقر قائلا
" ان صح حديثك فهذا يعني انه فقد عقله بشكل كامل، ولكن ان كان كذلك فلما صمت ملك الفولاذ كل هذا الوقت، يعني انا اعرفك جيدا انت لست بشخص ضعيف ليتحمل ما قلت "
هز اورهان رأسه بحزن وقال
" الحزن يا بني. الحزن ارهقني و انهكني اكثر من هرمي، تحدثت بالسابق مع يوسف أكثر من مرة ولكن كان شعور داخلي فقط دون أي إثباتات ملموسة، ولكن من بعد الحادث وتفاقم الأزمات سنة بعد سنة و ايضا ما حدث أثناء زيارتنا الاخيرة أكد لي كل ظنوني حتى انني راجعت بعض الاعمال الخاصة بعملكم هنا بشركتي و ثبت لي صحة ما توصلت له "
رد شاهين
" تقصد بما توصلت له أمر حادث يوسف وعدم اهتمامه بالعمل رغم رؤيته للخسارة هنا او بالنيجر "
رد أورهان بقوة
" اريدك ان تفتح أذنيك جيدا وتركز فيما سأقوله. انتبه ما ستسمعه سيبقى بيننا فقط لن يخرج لثالثنا وان كان يوسف "
اقترب شاهين بجلسته من المكتب و استند بذراعه عليه وهو ينظر باهتمام بالغ ، ليكمل أورهان حديثه موقع الصدمة الكبيرة على رأس شاهين وهو يقول
" اسمعت عن ما يدعى بحد السيف "
رد شاهين
" اتقصد بقولك ناجي شاد اوغلوا "
اومأ اورهان رأسه وهو يجيبه
" نعم هو. كما تعلم الجميع يسعى للعمل معه ومشاركته ليحظوا بالمكاسب الهائلة التي تحصدها سلسلة شركته والتي لا علم لنا من أين أتت و بأي مجال حقيقي تعمل "
جاء شاهين ليتحدث مدافعًا عن هذا الرجل ، ليكمل أورهان مقاطعاً إياه
" انا لست صغيرًا او ابن البارحة بالسوق حتى اخدع بهذه الوجوه و بشركته التي تربح كحد السيف، ولا اقتنع بعمل الخير الذي طغى فجأة بالوسط ليصبح من الأسماء اللامعة بفاعل الخير كما انه يسعى لأرباح الجميع على حساب شركاته وهذا اكثر ما لا يدخل بعقلي"
رد شاهين وقال
" هل تصدقني ان قلت لك لا افهمك"
اجابه أورهان وقال
" لا ، انت تفهمني جيدًا ولكن عقلك لا يستوعب ما اقوله ، ولكنك مجبر على استيعابه فهناك من يلعب بنا يريد هدمنا من الأساس لنستيقظ بيوم نجد به أنفسنا ارضًا "
اسرع شاهين برده
"هذا مستحيل من يجرأ على هذا ومعك انت "
ابتسم أورهان بعدم رضا ليجيبه من جديد بقوة "شاء القدر ان اراه معه في مكان بعيد. كنت حينها ابحث عن مكان ابكي واصرخ دون أن يسمعني او يراني او حتى يجدني احد به. قُدت سيارتي وانا لا اعلم إلى اين سأذهب وكأن القدر هو من أوصلني إليهم لأراهم بجانب بعضهما، ولكني لم ابالي فكنت حينها بحالة يرثى لها حتى وان اخذوا ثروتي كلها و وضعوني بعدها امام الباب لن ابالي، تناسيت الأمر رغم انها لم تكن الاخيرة فرأيته بأكثر من أوضاع غير طبيعية كالتحدث بصوت منخفض والارتباك وقت المناقصات المهمة والاكثر كلما دخل بأمر نخسره بشكل غير طبيعي، حاولت ان لا ابالي للشكوك الفارغة و أيضا لأنني بسبب ما حدث لنا اصبحت لا اهتم بالعمل واقول لنفسي لن يأتي بالعمر بقدر ما ذهب "
قاطعه شاهين
" امدك الله بالعمر المديد"
شكره اورهان واكمل حديثه
"يوم بعد يوم كان يثبت لي صدق مشاعري اتجاهه كنت انتظر سقوطه ، ترقبته لعدة أشهر دون أي خطأ واضح منه فهو ماهر كثيرا بإلقاء الخطأ على غيره و الخروج من الواقعة دون أي أثر ، وقفت أمام تقربه الملحوظ لابنتي المكلومة و طمعه بمكان ابني و ثروته حتى جاء امر سفرنا وهناك تأكد بتلاعبه وتعمده خسارة مشروع فجر جديد ، صمت لافهم وضعه ألقيت اللوم على الجميع وبما فيهم هو كي اظهر امامه انه لا زال غامض نقي امامنا، وعند عودتي طلبت بسرية وبشكل عاجل بعض الملفات للتدقيق بها حتى ثبت لي ان التلاعب يحدث بشركتنا ايضا وخاصة بقسم الشراكة الخاصة بك لهذا استدعيتك، لم اقل لك انك المستهدف وان شركتنا لم تتضرر ، حتى انني متأكد من أنه ليس وحده من المؤكد ان معه شركاء يساعدونه ويمدوه بالمعلومات التي تكسرنا دون ظهوره بالصورة "
رد شاهين بغضب وحدة
" وما العمل؟ كيف ستتصرف ؟ طبعا انا اعلم جيدا كيفية التعامل مع مثل هذه الشخصيات فالخائن ليس لديه عندي سوى طريق واحد ، ولكن انا لا ارى ان هذا الطريق هو ما تريده أنت "
اومأ اورهان رأسه وقال بضحكة ساخرة
" نعم اخبرتك انني هرمت ولكن هل ظننت انني وصلت لدرجة ان لا اعرف كيف اتعامل مع امثاله "
اشتدت نبرة صوت اورهان بحديثه وهو يصدم يده على مكتبه بعينيه التي اصبحت تشع بالغضب وتعبر عن القوة قائلا
" سأجعله يندم هو ومن معه على اللعب معي ومن ثم سأجعلهم عبرة و عظة لكل من سولت له نفسه أن يحاربنا ومن ثم سانهيهم بالسجون "
طرق الباب ليدخل بعدها زهير بوجهه المبتسم قائلًا
" حزنت الان. هل انا اخر من يعلم بوجود صديقي المقرب بالشركة "
ضحك شاهين بصوت عالي و وقف ليأخذه بالحضن وهو يربت على ظهره قائلا
" أنت محق ولكن من شدة المفاجأة لم اعد استطيع التفكير بأي شيء جئت من المطار الى هنا دون الالتفات لأي مكان"
شاركهم أورهان الضحك وهو ينظر لشاهين برضا قائلا
" سلمت يا بني ، إن فعلت عكس هذا كنت ستأخذ نصيب غير مرضي مني "
ضحك زهير ليسايرهم قائلا
" وانا لا اقبل بهذا. تنازلت عن حقي لأجل هذه الاخبار المفرحة فعودة صديقي الغالي لا يساويها شيء آخر "
تحرك شاهين و هو يقول لاورهان بيه
" بما اننا اطمئنينا على يوسف سأذهب الان لأحتسي قهوتي بصحبة مدير أعمالي ومن ثم سأعود إليك قبل ذهابي فلا زلت أصر على الفوز بمقابلته حتى وان كان بهذا الوضع"
رد أورهان
" سنتناقش بالأمر عند عودتك ، عملا موفقًا لكم من الآن "
ارتاح أورهان كثيرا لتفهم شاهين للوضع ولحنكته بمسايرة زهير فهذا أمر ليس بجديد على شاهين الذكي القوي الحكيم ذو الحنكة.
وهذا ما ثبت حين غير ملامح وجهه واستطاع التعامل مع الوضع جيدا بمجرد ظهور الجاني.
وصل خبر وفاة الضابط بينجو والطبيب و ابن نعمان افاي لمسامع سيلين عبر نشرة الأخبار الرئيسية على التلفاز. سلط الضوء على العصابات المسلحة و الحروب بينها التي تؤدي دائمًا الى خسائر بالأرواح.
تذكرت سيلين اخاها الذي كان متأثر و خائف على ابنه. دمعت عينيها قائلة
" اخبرته ان السوء يصيب صاحبه، دون ان أتوقع دفع الطفل البريء ثمن سوء لم يقترفه"
نظر يوسف بحزن لها ثم نظر للتلفاز ليستمع لسوء وضع زوجة نعمان وخوضها عملية خطيرة كبيرة خرجت منها قبل قليل.
وقف يوسف و هو ينظر حوله، لتقف بجانبه وهي تمسح دموعها قائلة
" ماذا تريد، هل تبحث عن شيء "
نظر لها مطولًا دون رد، حرك رأسه ونظر للتلفاز ثم نظر لها لتسأله باستغراب
" هل تريد أن تذهب إليه "
صدمها حين اجابها بحركة رأسه الإيجابية، حدثته بصوت منخفض
"ولكنه ليس بشخص تجده بأي مكان، فحياة الأسلحة والعصابات كما سمعنا قبل قليل ليست بسهلة"
هز رأسه رافضًا لما تقوله، لتدمع اعينها قائلة "اعلم انك لمست بقلبه صدقه كما اننا مدينون له بعودتك، ولكن صدقني لا يمكننا الوصول إليه"
فكرت قليلا وهي تلتفت حولها قائلة
" تذكرت معي رقم هاتفه أعطاه لي بالنيجر لنجرب حظنا"
فتحت هاتفها لتتصل به ولكن من الواضح انه غير مسجل بالخدمة.
هزت رأسها بحزن
" علينا ان ننتظر ظهوره أمامنا فان تخفى عن الشرطة مستحيل ان نجده نحن "
اقتربت فضيلة وهي تراقب انسجامهم وحديثهم وتجاوبهم مع بعضهم قائلة
"شاركونا معكم، تُركت كالصبارة وحدي بغرفتي والله لو لم اخرج لن اجد احدا منكم يسأل عني"
أنهت حديثها وهي تنظر لعيونه الغارقة بها، اكملت حديثها وهي تنظر له قائلة
" أمزح، يعني قلتها لأجل المزاح"
لا زال صامت ينظر لها وكأنه تذكرها، لمعت عيونه فجأة ومن بعدها شخصت ومن ثم برزت كانت تعابير اعينه تتغير أكثر من مرة بنفس اللحظة، حتى رفع يده و وضعها على رأسه عند شعوره بدوار شديد.
امسكت سيلين يده لتجلسه على الأريكة التي بجانبهم.
سحب يده منها بقوة اختناقه وضيقه وتخبطه، تحرك وحده وهو يترنح ينظر للدرج محاولًا ان يخطو نحوه خطوات دون ارادة منه فأصبح كل ما حوله يدور أمامه وكأنه بدوامة، ارتفعت اصوات أنفاسه المتسارعة وكأنه يأخذها بصعوبة من صدر مختنق، كانوا ينظرون نحوه بتخوف لا يستطيعون مساعدته من نفوره منهم، رفع رأسه بقوة للخلف وهو يصارع دورانه و تخبطه وأصوات الصراخ و التخبط الداخلي. وضع يده على أذنيه وهو يحرك راسه.
لم تتحمل وضعه جاءت لتقترب منه لتسرع فضيلة وتمسكها محذرة إياها بأعينها ان تبقى صامتة، نظرا له وهو يسقط جالسًا على الاريكة ومن ثم تحرك بعدها بدقائق قليلة ليتمدد عليها رافعًا ارجله لينام بعد أن أنهكه صراعه.
لم يكن نومًا طبيعيًا كما اخبرهم الطبيب بل كان نتاج انهاكه و الضغط الداخلي بمحاولة تذكره، أعطاهم امل كبير حتى انه بارك لهم قائلا
"يمكنني من الان ان ابارك لكم عودته، كما قلت لكم لا شيء عضوي يحتاج فقط ان يبقى بمكانه السابق ومع أشخاص تذكره بماضيه خطوة خطوة سيسترد ذاكرته، ولكن كما اتفقنا دون ضغط عليه او سؤاله لماذا فعل هذا او بماذا شعر وقتها وكأنكم لم تروه "
فرحت فضيلة بحديث الطبيب حتى انها بكت وهي تحتضن سيلين قائلة
" تذكرني! نعم نظراته لي وما حدث بعدها يؤكد انه تذكرني "
ردت سيلين بوجهها المبتسم لتقول
" اسمعتي ما سمعته!، وكأنه حاول التحدث او اخراج صوت أثناء مجاهدته لما هو فيه "
هزت فضيلة رأسها وقالت
" نعم ولكني اشفق عليه فهذا الصوت الذي صدر منه يوضح مدى تخبطه وقوة ما يصارعه "
مر اليوم بنوم يوسف المتواصل وكأنه يهرب من الواقع لم يستيقظ سوى لتناول طعام العشاء معهم بجسده فقط دون اي ردة فعل حتى لأبنائه وكأن عقله بعالم آخر غير عالمهم.
صعد للأعلى بعد تناوله لطعامه كي يكمل نومه، أرادت أن تذهب خلفه لتمنعها فضيلة قائلة
"دعيه وحده، كما اخبرنا الطبيب علينا أن لا نضغط عليه ونتركه وحده إن أراد هو هذا" ظهرت على وجهها تعابير الرفض التي عادت ان تتفوه بها ، ليتدخل أورهان قائلا
"امك محقه اتركيه الان ساعة او اكثر ومن ثم اصعدي، فلربما جلوسه وحده بغرفته يأتي بفائدة "
ابتلعت ريقها بضيق و تحركت لتجلس بالصالون خاضعة لرأيهم ، اقترب منها أباها مرة اخرى وجلس بجانبها وهو يقول لها
" بسلامة رأسك، جعلها الله اخر الاحزان، اتمنى ان يعيد تفكيره بالحياة من بعد الآن فهو حقًا يستحق حياة أفضل مما هو بها "
جلست فضيلة هي في الجهة المقابلة لهم متحدثة
"هل هناك اخبار جديدة عن زوجته "
رد أورهان
" تقصيت عن حالتها واخبروني انها اصبحت بحالة مستقرة ولكنها لا زالت بالعناية المركزة تحت حراسة أمنية عالية "
تكلمت سيلين بحزن كبير
"مع الاسف هو من اختار هذا الطريق "
وبحزن اكثر رد أورهان وقال
" كنت دوما اتعجب كيف لهذا الوحش ان يكون اخ لكِ، حاولت ان اجد بينكم نقاط مشتركة ولكني فشلت في وقتها، اما الان وبعد حديثي الاخير معه علمت كم هو شخص نقي افضل من اشباه الرجال الكثيرين حولنا، أتتني إجابتي التي حيرتني كثيرا فالدم النقي لا يلوث بسهولة"
تحدثت فضيلة بوجه وصوت يستنكر ما يقوله زوجها
" انا لا اصدق هل تدافع عنه، هل أصبح بهذه المكانة لديك "
ابتسم لها بنفس تعابيره الحزينة الشاردة ليقول
" سيأتي اليوم الذي اذكرك بحديثي هذا، لن يكمل شبح الظلام بظلامه وسيعود منه. هذا النور الذي رأيته بقلبه و ينبعث من عينه سيعيده لا محال "
......................
كانوا يتحدثون عنه وهم لا يعلمون ألمه وتخبطه و حزنه و ضياعه، فها هو يقود سيارته بشوارع اسطنبول كالذي ضل طريقه و يأس من إيجاده. حتى أصبح يقود ببطئ دون هدف ولا بوصلة ولا منارة فقط بعيون ترى بصعوبة أمامها من كثرة دموعها.
هذه الدموع التي كانت تكثر حين يأتيه صوتها وهي تقول له
" لأجله، اترك ما أنت به لأجله، فلنرحل فلنترك كل شيء و نبدأ حياة جديدة بأي دولة أخرى لأجله"
تذكر كوابيسه وتألمها بعدها، تهاطلت دموعه عندما تذكر صراخه وتهديده لها ان يطلقها ويتركها، اوقف سيارته فجأة وهو يصدم جبهته على مقودها قائلا
" يا ليتني فعلتها، يا ليتني فعلتها "
..............
وبعد ساعتين او اقل نام جميع من بالقصر، إلا هي كانت تخرج من غرفة تولاي مغلقة بابها خلفها بحذر كبير تخوفاً من استيقاظه، تحركت لتطمئن على ابنتها لتجدها نائمة هي ايضا ابتسم وجهها و اقتربت منها لترفع الغطاء عليها و هي تقبل رأسها لتبتسم لي لي بنومتها و تستدير لتكمل نومها بهناء..
وبحذر أكبر فتحت باب غرفتها لتدخلها دون إيقاظه، كانت تتفقد المكان بأعينها باحثة عنه بعد أن رأت الفراش فارغا..
لمحت ستار باب نافذة الشرفة مفتوحًا على غير عادتها، اقتربت منها و رفعت طرفها لتجده جالسًا بالشرفة شاردًا بسمائها حزنت على وضعه وضيقه و ضياعه بعالمه.
اغلقت الستار و قررت تبديل ملابسها و أن تنام قبل دخوله لتتركه وحده كما اوصاها والديها، اخرجت بيجامتها و هي شاردة حزينة عليه وقع نظرها على جاكته الصوفي ابتسمت وهي تتذكر حديثه السابق لها
"بحثت عنه ونسيت انه اصبح المفضل لديكِ"
سحبته من رفها ونظرت للشرفة ثم نظرت ليدها قائلة " هل سيفيده"
اخذت وشاحها و ألتفت به و توجهت للشرفة لتدخلها بعد ان قررت مشاركته جلسته ، نظر نحوها بنفس شروده لترفع بوجهه جاكته الصوفي الرمادي اللون وهي تقول
" سأسمح لك هذه المرة فقط ولكن لا تعتاد انت تعلم جيدًا مدى حبي له " واقتربت بوجهها الضاحك لتساعده بارتدائه..
كان يحسن من وضع ارتدائه و هو ينظر نحوها. شعر بشيء غريب تحت يده من جهة الجيب نظر إلية ليخرج خاتم منه ، اتسعت اعيُنها وهي تقول له
" أكان هنا، لقد بحثت عنه كثيرًا"
أعطاه لها بنفس نظراته المتجردة المختلطة بالحزن على عدم قدرته على التذكر.
اخذته بفرح و وضعته بيدها وهي تقول له
"بحثت عنه ولم أجده فأنا لم اجرؤ على ارتداء جاكتك منذ الحادث، من سعادتي انني وجدته نسيت ان اخبرك بأمره فهو هديتك الأولى لي اعني انه خاتم زواجنا عائد لوالدتك أمينة "
نظر يوسف للخاتم بصمت رفعت نظرها من عليه خشية أن تبكي أمامه من شدة تأثرها بضياعه، لمحت سيارة تقف بعيدًا من الجهة الشمالية شعرت أنها رأت هذه السيارة من قبل، نظرت بتدقيق أكثر وهي تقول بصوت منخفض
" ايمكن ان يكون هو يا ترى "
تحرك يوسف و وقف لينظر للسيارة باهتمام لتتفاجأ به يخرج من الشرفة و الغرفة ذاهبًا ليتأكد من أمر السيارة
قلقت عليه و تحركت خلفه وهي توصيه ان يتحرك ببطء كي لا يوقظ أحدًا، خرج من القصر واقترب من بوابة القصر ليقف الأمن أمامه يعيقوا خروجه تحدثت من الخلف وهي تأمرهم أن يفتحوا له الطريق، رد احدهم ليقول " ولكن أورهان بيه "
تحدثت بنبرة اقوى قائلة
" اقول لك افتح الطريق"
فتحا البوابة الكبيرة الفولاذية الإلكترونية وهم يقولون " امرك سيدتي "
خرجا ليخرج بعض من أفراد الأمن خلفهم امسكته سيلين من ذراعه وهي تقول له
"انتبه علينا ان نتأكد ان كان هو او لا"
نظر ليدها الممسكة بيده لتنظر هي أيضا لموضع يدها التي انزلتها قائلة
" كما اخبرتك علينا ان نتأكد"
وعند اقترابهم من السيارة وجدوه بداخلها واضعا جبهته على مقودها..
شعر نعمان بحركة بجانبه ولكنه لم يعطيها اهتمام ظل على حالته حتى سمع صوت طرقات على زجاج بابه، وبنفس حالته وانهياره وحزنه وعدم اهتمامه رفع رأسه ليرمقهما بنظراته معيدًا رأسه على المقود مرة اخرى بعدما تأكد منهما
طرقت اخته على الزجاج مرة أخرى وهي تشير له ان يفتح الباب لهم ، و بعد عدة محاولات استجاب لهم وفتح الباب لتشعر سيلين بعدم الارتياح وهم وسط الطريق بهذه الساعة وهذا الوضع
طلبت منه ان يدخل معها القصر وعندما لم يرد طلبت من أفراد الأمن أن يصطحبوه لإحدى ملحقات القصر..
استجاب نعمان وتحرك معهم و هو دون روح وكأنه ذهب وانتهى بكل ما تعنيه الكلمة، ارتمى على أريكة جانبية بالملحق ليجلس يوسف بجانبه باهتمام و حزن على حالته، اقتربت سيلين لتجلس هي ايضا بجانبهم بعد ان امرت الامن ان يذهبوا لأماكنهم واغلقت الباب خلفهم..
تحدث نعمان وهو ينظر للفراغ امامه قائلًا
"يا ليتني اطلقت سراحها منذ وقت بعيد، يا ليتني، ولكن كيف! كيف سأستغني عنها وهي التي تمدني بالحياة! كيف كنت سأستغني عنها وهي كل شيء لي بهذه الحياة!، هي من بحثت عنه لسنوات و سنوات، هي من تحملتني و آوتني حين لجأت إليها، هي من تركت دنياها دون تذمر فقط كي تبقى بجانبي"
اقتربت اخته منه وهي ترفع يدها بتردد وثقل حتى وضعتها على طرف كتفه قائلة
"هي بخير، وضعها مستقر، اطمئن لن تذهب لمكان وتتركك "
نظر ليدها ثم نظر لها بحزن وهو يقول
"ذهب طفلها، ذهب روحها و حياتها، ذهب من كان يرسم على وجهها الضحكة و يدخل بقلبها السعادة، ذهب ذهب دون أن أودعه دون أن استسمحه بحقه. لقد ذهب"
بكى نعمان بحسرة وضيق دون ان يضع اعتبار لوضعه وقوته و الوحش الذي حارب لصناعته منذ سنوات و كأنه كان يتخفى خلف ريش ناعم طار وتبعثر عند انهياره..
لم يستطيعوا مواساته تركوه ليرتاح للصباح و ذهبا لغرفتهم، ليتفاجأ اورهان حين اخبره احد رجال الأمن عن ما حدث أمس
تحدث سائلًا " هل لا زال بالملحق "
تقلبت فضيلة بنومتها لينهي حديثه سريعًا وهو يخرج من الغرفة ذاهبًا للملحق ليجده جالسًا مستند بظهره على الاريكة ينظر للأعلى بشرود، دخل واغلق الباب ليقول نعمان دون ان ينظر له
" توقعت مجيئك ، لا تقلق كنت انتظرك حتى اخرج دون لفت انتباه لأحد، تحدث مع الأمن واعطني الإشارة لأذهب بالأصل ما كان علي أن لا انصاع لرغبتهم ولكن"
اقترب ليقف أمامه وهو ينظر نحوه مقاطع حديثه ليقول
" يمكنك البقاء حتى يستقر الوضع، وانا سأطمئنك عليها أول بأول وأخبرك"
نظر له نعمان وقال
" شكرًا لك لا داعي لهذا، انا استطيع حماية نفسي، لا اعلم كيف جئت بالأمس لهذه المنطقة وكيف انصعت لرغبتهم ولكنها لن تتكرر مرة أخرى كن مطمئن"
تحدث أورهان وهو يجلس بجانبه ليصدمه قائلا
" لا اريد نقاش بهذا الامر قلت لك يمكنك البقاء ضيفًا لدينا، لا احد يخطر له وجودك بالقصر. هنا ستكون بمأمن حتى تطمئن على زوجتك و تستجمع نفسك وتعيد حساباتك فيما تحدثنا به بأخر مرة، ولا تنسى انك لديك دين برقبتنا و بقاءك هنا ليس تفضلا من أحد عليك ولكنه حقك لدينا، والان بالأذن منك سأعود قبل استيقاظ زوجتي فهي اكثر شخص علينا ان نحذر منه. لن تضرك بالتأكيد ولكننا سنتغلب معها إن علمت بوجودك "
و وقف ليكمل
" لنا حديث آخر عند عودتي من الشركة " خرج من الملحق وهو يشدد على الامن ان يتوخوا الحذر..
لم يبتعد من أمام الملحق حتى وجد يوسف آتي و بيده صينية مملؤة بالأطعمة ، نظر له وهو يأمر الأمن أن يذهبوا لأماكنهم دون ان يجعلوا احد يلاحظ وجوده بالملحق وخاصة فضيلة هانم ..
ادنى من يوسف الذي اقترب منه قائلا
" هذا حقه علينا ولكن انتبه لا اريد لاحد ان يعلم بضيافته لدينا لأجل امانه واماننا ، لهذا سيتولى الأمن ادخال الاطعمة له ، سيرسل لهم وكأن لهم وهم سيرسلونه له، و انت ايضا انتبه على مجيئك لا تجعل خالتك تراك وتعرف بالأمر وإلا لن نستطيع جميعنا ابقاءه وإن أردنا هذا بشدة "
هز يوسف رأسه استجابة لما قاله اورهان الذي ابتسم وهو يربت على كتفه متحركًا بعدها ليعود للقصر..
تابع اورهان وضع فيروزة باهتمام كبير وترقب طوال اليوم ، شدد على سيلين ضرورة انتباههم على تصرفاتهم وخاصة أمام فضيلة التي ادهشتهم باليوم التالي حين تفاجأ الجميع بزيارة إيفان هانم عمة سيلين لهم، اعتقدوا انها صدفة و لكنهم صدموا بدعوة فضيلة لها كي تأتي و تساند ابن اخيها وهو بهذه الحالة..
لم يصدق اورهان موقفها، لتنظر لهم بغضب قائلة
" هل تعتقدون أنني سيئة لهذا الحد!، هل سأقابل المعروف بالأذى! هل أنا شيء كهذا بنظركم!"
فرحت إيفان هانم برؤية يوسف امامها من جديد اخذته بحضنها وهي تشكر الله على سلامته وعودته لمنزله و اولاده
من الجيد أن فضيلة فعلت هذا فكان وجود عمته بجانبه خير كثير لتحسن حالته واعطاءه الأمل بالحياة
احتضنته عمته الحنونه وهي تبكي على طفله وتدعوا لزوجته، صعد يوسف الدرج وهو يستمع لصوت غناء ابنته يأتي إليه اقترب من بابها المفتوح ليجدها جالسة و أمامها استند خشبي معلق عليه رسمة جميلة تحاول اكمالها..
وقف ليشاهدها وهي ترسم باستمتاع، شرد بها ليأتي أمام عينيه صورة امرأة بشعر اصفر قصير تجلس نفس الجلسة وهي ترسم.
حدق نظره بقوة ليتأكد مما يراه أمامه هل ابنته فقط أم هذه المرأة الشابة.
ألتفتت لي لي لتجد ابيها فرح وجهها وهي تقول " ابي حبيبي " ثم نظرت لرسمتها لتقول " ما رأيك بلوحتي؟ "
لم يكن يراها أمامه بل كان يرى تلك المرأة وهي تلتفت إليه وتضحك بوجهه قائلة
"يوسف حبيبي هل أعجبتك لوحتي الجديدة"
ارتفع صوت انفاسه وهو يحاول ان يفصل بين الحقيقة التي يراها امامه والخيال الذي يأتي أمامه ليحيره من هذه المرأة ..
اقتربت لي لي لتسحبه للداخل. انتابه شعور بالهرب من تلك المرأة التي اقتربت لترفع نفسها لتقبل وجنته وهي تسحبه للداخل قائلة
"انظر ماذا فعلت الفنانة الموهبة هوليا يلماز صاحبة اجمل لوحات فنية بتركيا والعالم كله"
استجاب لابنته بحالته الغريبة. اقتربا من اللوحة لتقول له ابنته
" ابهرتك من جديد أليس كذلك، أنت كنت تقول لي هذا عندما تندهش من جمال لوحتي"
أتت سيلين خلفه باحثة عنه لتجده جالسًا ا امام ابنته بهذه الحالة الغريبة.
اقتربت وهي تراقب حالته وعيونه المحدقة لتجلس بجانبه مستمعة لابنتها التي كانت تقول لأبيها
" ولكنها ليست رسمتي رأيتها على صفحة امي هوليا نشرتها ضمن أحدث اعمالها و انا اردت ان ارسم شبيهتها لإعجابي الشديد بها"
استغرب يوسف من اسم هوليا الذي تشابه مع اسم تلك المرأة التي تزاحم خياله عند رؤيته لابنته.
نظر لسيلين التي لم ترد أن يصل الحديث لهوليا وخاصة بالأيام الأولى بعلاجه ، ولكنها لا تعلم أن القدر هو من آتى بها وقذفها امام اعينه ليتذكرها وهو ينظر لابنته التي تشبه امها الحقيقية بضحكتها وحديثها و حركاتها حتى بشعرها مع اختلاف الطول..
تحدثت سيلين وهي تقول على مضض
"هوليا يلماز زوجتك الاولى وهي أم لي لي الحقيقة، انها موهوبة بالفنون و ابنتي تشبهها بهذا"
اقتربت لي لي من سيلين واحتضنتها بقوة وكأنها ترفض هذه الحقيقة قائلة
" ولكني اشبهكِ أنتِ بباقي الامور"
ونظرت لأبيها بضحك قائلة
" ألم تقل لي اني اشبهها بأفعالي و حديثي اكثر من تولاي "
استغرب يوسف من حب ابنته لسيلين اكثر من والدتها ، نظر للوحة مرة اخرى وهو يصارع صورة هذه المرأة التي تتمايل بحضنه، وقف فجأة وبقوة تخبطه لتنذعر سيلين من حركته السريعة خارج الغرفة..
أسرعت خلفه وهي توصي ابنتها أن لا تخرج خلفه وتكمل رسمتها..
دخل يوسف غرفته وهو ينظر للفراش ليتذكر تلك المرأة التي يدعونها هوليا بحضنه ابتلع ريقه وتحرك لينصدم بسيلين أمامه نظر لها مطولا وهو لا يرى سوى هوليا وهي بجانبه و بحضنه تضحك و تتمايل حتى انه حدق بقوة وهو ينظر لتلك الفراشة التي تتراقص بين يديه بحفل صاخب تدور و تدور أمامه وهو ممسك بطرف يدها.
كانت تدور بفستانها الشبيه بوردة الحمراء امامه. في لقطات اصبحت سريعة شيئا فشيئا حتى أصبح يغمض عينيه من سرعة دورانها أغمض عينيه أكثر وأكثر وهو يقول
" اااااااا، اااااا" علمت سيلين انه يصارع ذكرياته من جديد وقفت دون تدخل للحظات لا أكثر فحين ترنح وهو يمد يده للفراغ محاولًا التمسك بأي شيء جانبه قبل سقوطه كانت هي قد مدت يدها لتسنده داخل حضنه..
امسكها بقوة الغريق الذي يتشبث بمنقذه ضغط بقوة وكأنه يختبئ بصدرها كانت ترفع نفسها لتكون بقامته وتستطيع ضمه كله داخلها وهي تحنوا عليه دون صوت خوفًا من أذيته وهو بعالمه الضائع، قبلت كتفه القريبة من رأسها عدة قبلات متتالية تحاول بها ان تشعره بقربها، ولكنها لا تعلم بأنه يصارع ذكرياته مع زوجته الاولى وهم بعرسهم و بلياليهم الجميلة اول زواجهم ..
.......
في المشفى و بغرفة العناية استطاع الضابط مارت ان يدخل غرفة فيروزة مع طبيبة شابة مسؤولة عن حالتها، نظرت لارا للأجهزة و لوضع المريضة التي تم لف وجهها بشاش طبي بعد عمليات التجميل اثر تدمر ملامحها وهي تقول له
" تبقى القليل على افاقتها حتى انها تأخرت بهذا "
اقترب مارت من لارا وهو مبتسم
" هل ستتحول للأميرة النائمة وتمكث لسنوات بهذه الحالة "
ردت عليه باستغراب قائلة
" وما الذي جعلك تقول هذا"
كانت تستمع لحديثهم وهي على فراشها الطبي تحاول فتح عيونها و استرداد وعيها.
اقترب مارت من لارا وهو يجيبها
" اعتقدت هذا لان شخص مثلها سيكون لديه رغبة بالتمرد على الحياة والتخلص منها بنوم وثبات طويل "
نظرت الدكتورة لارا لها لثواني دون ان تلاحظ تحرك رأسها البسيط ثم نظرت لمارت وهي حزينة على وضعها قائلة
" ستحزن وتجن المسكينة على طفلها ، سمعت من إحدى الطبيبات بالمشفى الأخر مدى تعلقها وحبها له "
اقترب منها وهو يقول
" نعم وانا ايضا رأيت هذا ولكن ليس بقدر جنون اشتياقي لكِ "
ابتعدت عنه وهي تقول
" لا يمكننا هنا، لا تجن سيدخل أحدهم "
اصبحت الرؤية واضحة امامها تعرفت على صوته و من بعدها على صورته هو والطبيبة.
اقترب مارت من لارا مرة اخرى وهو يحدثها بصوته المغلف بالحب ونظراته المهيمنة بأساطير الحب ليقول
"بالسابق كنتِ تتهربين مني لأجل خطيبتي اعني صديقتكِ والان لأجل المكان احترت بكِ ام انكِ لا تريديني "
اسرعت بالرد عليه قائلة
" ماذا تقول أنت، تعلم مدى حبي لبينجو رحمها الله و مع ذلك كنت لا أجيد الهروب منك ، فكلما هربت أجد نفسي ساقطة بين يديك مستسلمة لقلبي و شباكك التي تأسرني بجانبك "
اقترب اكثر وهو يحتضنها ليقبلها بقوة وكأنهم بغرفة خاصة وحدهم دون أحد ..
حزن وجهها على صديقتها لتقول من جديد
" هل تصدق ان صورتها لا زالت أمامي بآخر لقاء بيننا "
رد عليها ليقول
"يحدث هذا لأنكِ لم تحافظي على امانتها "
و تملكها بين يديه دون اي اعتبارات لخطيبته التي لم يمر على وفاتها سوى سويعات ليقبلها من جديد قائلا "عليكِ ان تهتمي بامانة صديقتك لكِ" وأكمل قبلته
ولم ينتبها لتلك العيون التي تنظر لهم وهي مصدومة باكية ..
يا ترى ما الذي جعل فيروزة مصدومة و منهارة بهذه الحالة فور استرداد وعيها؟
ماذا تخبئ الأيام لأميرة الفولاذ، وهل تذكر يوسف لزوجته الأولى سيتحول لواقع ملموس أم أنها ستستمر على انها أضغاث أحلام ..
