recent
جديدنا

الليالي المظلمة ٢ الفصل الثاني والعشرين

Wisso

         الليالي المظلمة الجزء الثاني 

                   بقلم امل محمد الكاشف




ظلت الفتاة صامتة تنظر للمياه بعيونها المنتفخة الدامعة، تبلع ريقها بحلق متحجر ومرارة ما تجرعت من عالمها، يمتلكها صراع داخلي بين خوف البقاء وخوف السقوط،  القرار ليس سهلا عليها فلم يكن هدفها الموت بل رغبتها القوية في التخلص من الألم النفسي الذي دفعها لذلك، وقفت بكتفين منحنيين للأمام ويدين ترتجفان دون أن تشعر بهما وقدمين متشبثين في مكانهما تريد ان تتقدم خطوة للامام وبنفس الوقت تريد أن تتراجع ألف خطوة للوراء.


استمرت سيلين بالتحدث معها وفي محاولة منها لإقناعها بالعودة عن قرار الانتحار.


أعطتها وعود كثيرة بحل مشاكلها و إعادة البسمة إلى وجهها أيا كانت التكلفة والصعوبة.



نظرت الفتاة بعيونها الحمراء المنتفخة نحو المرأة التي تتحدث معها نظرة انطفاء كامل وكأنها اكتفت من خذلان البشر وأصبحت لا تريد سوى التخلص مما تشعر به.


كان المشهد مهيب، شحبت وجوه أفراد عائلة الفولاذ من الرعب لم يتحرك أحد من مكانه تسمروا بقلوب يتدفق الدم داخلها بقوة، العيون  معلقة على الفتاة بثبات وجحوظ دون أن ترمش اجفانهم، أنفاسهم تخرج بهدوء خوفا من إحداث أي صوت او حركة تثير الفتاة وتدفعها للاقدام على تنوي عليه . 


مدت سيلين يدها نحو الفتاة مكرره حديثها:

" أنتِ لا تستحقين نهاية كهذه…


وبهذه اللحظة وقبل أن تفكر الفتاة اسرع تولاي بلياقته البدنية قافزًا للأعلى ممسكًا بها وهو يسحبها للوراء ساقطًا بها أرضا، خفقت قلوب أهله وهم ينظرون نحوهم برعب.


رفع تولاي رأسه ناظرا لوجه الفتاة وهو يدقق بها متسائلا:

 " هل تألمتي، هل أنتِ بخير؟"


 رفعت الفتاة نظرها بضي وجهه المضيء وشعره الليلي الناعم ومظهره الرائع دون صوت منها.


اقترب يوسف من ابنه وهو يمد له يده كي يسحبه ليوقفه بجانبه وهو يحسن له طقمه الرسمي بعين تتفقد يده ووجهه خوفا عليه.


بينما اقتربت سيلين جالسة أرضا بجانب الفتاة هي وابنتها التي بدأت بفحصها والاطمئنان على نبضات قلبها والتنفس، متسائلة:

 "هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بأي ألم؟".


لم تجب الفتاة بأي حرف تحركت أرضا وهي تجر نفسها بواسطة مقعدتها هاربة منهم لتعود مجددًا للجسر القديم لتكمل ما بقي ناقصًا، اوقفوها مجددًا لتهم هي بالوقوف كي تهرب منهم دون استطاعة حين سقطت أرضًا مغشيًا عليها .


اسرعت لي لي بفحصها من جديد كما اقترب يوسف منهم بعد ان احضر زجاجة العطر من حقيبة السيارة وأعطاه لزوجته التي وضعت منه على كف يدها وهي تمررها على أنف الفتاة  لافاقتها برائحتها النفاذة.


و بعد ان اطمئنوا على وضعها رفعها تولاي من الأرض حاملها على ذراعيه ناظرًا إلى رأسها التي ارتطمت بصدره بقوة جعلت شعرها القطني يتطاير على وجهه ليلامس فؤاده وروحه.


وضع يوسف يده على كتف ابنه كي يحثه على الحركة جهة السيارة بخوف وترقب الطريق المظلم من حولهم، وضع تولاي الفتاة على المقعد الخلفي ومن ثم صعدت أمه من جهة واخته من الجهة الأخرى بينما وقف يوسف اعلى الجسر ثم نظر للفضاء حوله ثم صعد سيارته بجانب ابنه الذي تولى قيادتها عوضا عنه.


وبعد أن جلس وتحركت السياره نظر للخلف نحو الفتاة التي تمركزت بحضن زوجته قائلا بنبرة قلقه:

 " علينا أن نسلمها لأقرب نقطة أمنية، وجودها معنا خطر علينا وعليها، نحن لا نعرف حكايتها ولا وضعها الصحي بكل الأحوال هذا هو الصحيح".


نجحت سيلين بغلق حجاب الفتاة على رأسها حين لاحظت وجوده على اكتافها وهي ترفض تسليمها للنقطة الأمنية قبل معرفتها مشكلتها ومحاولة حلها كما وعدتها، غضب زوجها على حديثها وهو يخبرهم عن تخوفه فهم لا يعلمون من هي؟.


وأمام إصرارها على الرفض، أخفض يوسف صوته مكملا حديثه:

  " من الممكن ان تكون فخًا لنا، وقوفنا من الاول كان خطأ كبير".


وافقت لي لي أباها مؤكدة على ضرورة تسليمها لأقرب مشفى واستدعاء الأمن لها لشعورها أنه أسلم حل لحالتها.


صادق على حديث ابنته قائلا:

 " حسنا وأنا معك فيما قلتي لا اعترض على المستشفى ما دمنا سنستدعي الأمن ".


رفضت سيلين من جديد متمسكة بالفتاة وهي تحنو على ظهرها و وجهها قائلة:

" لا يمكن ذلك قبل أن أفي بوعدي لها ألم تروا حالتها، ألم تروا وجهها".

 

نظر تولاي بصمت نحو الفتاة عبر المرآة الأمامية وهو مهتم بقيادته في طريقهم المظلم.


لم يستطع أحد إقناع سيلين بتسليم الفتاة ليكملوا طريقهم الطويل بهذا الجدال، انتهى الأمر بيوسف انه اصبح يتمنى توقيفه في أي نقطة أمنية يطلبون منهم هوياتهم ولكن حتى هذا لم يحدث على غير العادة في هذه المناطق والطريق المظلمة الطويلة. 


وقبل طلوع الشمس وصلت سيارتهم سالمة إلى قصر الفولاذ، نظر يوسف إلى الخلف مجددًا ليجدهم لا زالوا نائمين جميعًا، عاد ونظر لابنه قائلا:

" لا يمكنني إدخالها القصر سأضعها بالملحق الصغير واضع عثمان حارس عليها حتى نستيقظ ونفكر في وضعها".


اومأ تولاي رأسه قائلا بصوت مجهد:  

" هذا أفضل حل حتى نرى ما ستفعله أمي معها".

 

نزلا من السيارة بعد ان ايقظا لي لي  وسيلين التي تحركت وهي تتحدث للفتاة: 

"هيا انزلي معنا لترتاحي ومن ثم نتحدث"


الغريب بالأمر صمت الفتاة واستجابتها لهم دون فتح فمها او تحريك جوارحها المنهكة كما يظهر عليها.


وقع الأمر على عاتق تولاي الذي اقترب وحملها مجددا فور وقوفها وقبل سقوطها الذي أصبح اكيدًا بعيون الجميع.


أسرع بها نحو الملحق الخلفي الصغير واضعها على الفراش الصغير داخله، لم يطمئن قلب لي لي في تركها قبل أن تضع لها محلول طبي لرفع ضغطها للنسب الطبيعية وحين تحقق مرادها في استقرار نسبها تركوها بالملحق تحت الحراسة المشددة ذاهبين إلى غرفهم ليرتاحوا بعد يوم ثقيل.


عاتب يوسف على زوجته قائلا دون رضا:

 " ما فعلناه خطأ كبير كان علينا تسليمها لأقرب نقطة أو مشفى".

 

لم ترد ،دخلت غرفتها بقوة وإصرار على موقفها، بينما بدلت لي لي ملابسها ودخلت اسفل غطائها بوجهها المبتسم وعيونها التي كانت تقرأ رسالته الأولى لها بعد التكريم:

 " الان فقط تفرغت من عملي اعتذر كثيرا لأنني لم أستطع الوقوف بجانبك في هذه اللحظات السعيده وافتخر بكِ".


كتبت له:

 " أعلم هذا جيدا لا عليك أتمنى قريبا ان نفرح بالاحتفال بك".


ضحك كاتبًا لها رساله جديدة:

 " لا يوجد احتفالات اخبرتك من قبل انا لستُ بقدرك أين يذهب طبيب تحاليل طبية بجانب طبيبة تشريح".


ابتسمت مجيبه برسالة:

 " هل تشتكي من طبيبة التشريح!". 


وبنفس فرحته كتب لها:

 " رغم استمرار فوبيا خوفي من هذا القسم إلا أنني لا زلت اشكر الله على الصدفة التي جمعتنا واكرمتني بشريكة مثلك".


سألته بفضول:

 " متى ستعود ؟".


أجاب سؤالها بسؤال آخر 

 " هل صحيح ماشعرت به هل اشتاق احدهم لي".


خجلت لتتوقف عن الكتابة ليعود هو كاتبا:

" اقترب موعد عودتنا جميعا، تبقى عدة ايام لإنهاء المؤتمر الطبي والعودة بعدها بسلام ".


أغمضت عينيها مبحرة بأحلامها دون إكمال المحادثة الكتابية.


ابدل تولاي ملابسه ليبدأ بعدها إجراء تمارينه الصباحية ومن ثم أخذ حمامًا دافئًا ليستلقي بعدها على فراشه وهو يغمض عينيه متذكرًا تلك الفتاة وهي بحضنه.


مرت الساعات الأولى من الصباح بهدوء وسكون كبير استيقظوا بعدها واحد تلو الاخر، تحضرت لي لي مسرعة بخروجها كي لا تتأخر على المشفى.


حان وقت ذهاب يوسف وسيلين إلى الملحق كي يحظوا بالإجابة على التساؤلات الكثيرة التي دارت برأسهم منذ لحظة رؤيتهم لها وهي تحاول الانتحار بالأمس.


 بدأ يوسف حديثه لزوجته وهما بطريقهما للملحق:

" لا زلت معترضًا على وجودها نحن نرتكب خطأ كبير".


ردت سيلين عليه:

 " كما اتفقنا سنسمع منها أولا و نرى صدق ما ستقوله، يثير فضولي معرفة ما ارغم هذه الزهرة على انهاء حياتها بهذه الطريقة، ما الذي جعل وجهها يفارق الحياة قبل روحها".

 

أومأ يوسف رأسه:

 " سنذهب ونرى أتمنى أن لا تراوغ وتزيد بالحكايات المصطنعة والأكاذيب".


ردت عليه زوجته بضيق:

" ألم تعطي أبي هويتها؟، كي يستعلم هو عن ذلك بواسطة الجهات الأمنية بمعنى وإن كذبت واخفت أمر خطير سيكون لدينا علم به".


اومأ رأسه قائلا:

  " نعم وهذا أكثر ما يريحني".


رد السلام على  عثمان متسائلا عن أي خطب جديد،  رد عليه الآخر:

" أدخلت إليها طعام الفطور قبل قليل ولكنها على حالتها صامته مغمضة العين لا ترد ولا تفتح عينها رغم تأكدي من استيقاظها".

 

تسائل يوسف:

  " وكيف تأكدت من استيقاظها وهي مغمضة العينين".


اجابه :

 " تشتد قبضة يدها الممسكة بغطائها وتغلق عينيها بقوة ويرتعد جسدها كلما فتحت الباب لانظر واطمئن عليها".

 

حزنت سيلين حين تأكدت من ظنونها فهي أكثر من يعلم بهذه الحالة، فتحت الباب لتدخل هي أولا دون انتظار سماع المزيد.


تحرك يوسف خلفها وهو يترقب الحالة التي اصبحت عليها الفتاة فهي كما وصفها عثمان د بالضبط. 


دخلا واغلقا الباب خلفهم تحدث يوسف وهو ينظر نحو حقيبتها التي وجدوها على الجسر بجانب هاتفها المحطم لأجزاء صغيرة بوجه مضطرب، قائلا:

 " مرحبا جئنا لنطمئن عليكِ".


رفعت الفتاة الغطاء عليها متشبثة به اكثر، تحدثت سيلين قائلة بصوت حنون:

  " لا تخافي انا ايضا هنا، افتحي عينيكِ لنتحدث قليلا وعدتك امس أنني ساساعدك وها قد أتيت لأجل هذا".


لم تستجيب لهم ظلت صامته مغمضة العينين بيدين متمسكين بغطائها بخوف كبير حتى خرجا وتركها وحدها شفقة عليها مما كانت عليه.


ذهبا لصالون القصر حاملين حزنهم بقلوبهم، جلسا بجانب ابنهم الذي كان منشغلا بهاتفه وهم صامتين متأثرين بما رأوه.


تحدث يوسف قائلا:

 " نعم أنتِ محقة بظنونك، لا تفسير لهذه الحالة سوا…. 


صمت شاردا متذكرًا أول لقاء بينه وبين سيلين في منزل أمه أمينة بالحي الفقير قبل عدة سنوات، حين علا صراخها وخوفها و ارتعاد جسدها و ندائها على والدها لينقذها من الوحش بمجرد اصطدامها به، ليس وحده من تذكر بل تذكرت هي كوابيسها التي لا زالت تصطحبها حتى بعد مرور كل هذه السنوات.


رفع تولاي نظره عن شاشة هاتفه ليراقب حالة الصمت التي أصبح عليها والديه باستغراب.


 فتح يوسف هاتفه ليرد على اتصال اورهان مستمع إليه:

 " الو بني هل تسمعني".


رد يوسف باهتمام :

" نعم اسمعك يا أبي بوضوح تفضل" 


تحدث أورهان قائلا:

  " حدثني المأمور قبل قليل، الحمد لله لا يوجد أي مسائلات قضائية على هذه الفتاة، انها تعيش بمنطقة مجاورة للمكان الذي وجدتها به ليس لها عائلة امها وابيها فهم متوفيان منذ عدة سنوات، تعيش مع عمها تاجر معروف بالمدينة ولكنه قوي وصعب الخصال حسب ما فهمت انه شديد وحازم ، اعتقد ان المسأله تنحصر بين فتاة وعمها المتسلط لا تخرجي لا تفعلي لا تشتري والشباب بهذه الايام يختارون الموت على أن يعيشوا حياة كهذه ".


صمت يوسف ليكمل اورهان:

 " علينا ان نعيدها لعمها ونتدخل بصلحهم لأجل وعد ابنتي لها بهذا القدر فقط".


اومأ يوسف رأسه قائلا:

 " تمام لنكمل حديثنا عند عودتكم فأنا اسمع نداء خالتي الذي لم يتوقف".


 رد أورهان متذمرا:

"اتركهم لينادوا والله انني اصبحت اكره يوم التحاليل السنوية هذا أكثر من كرهي لعمك يونس، ما بي لافعل كل هذا؟ هل اشتكى أحد لكم؟".

 

ابتسم يوسف وهو يستمع لقرب صوت خالته فضيلة من اورهان وتحدثها معه بعد أخذه منه الهاتف لتنهي المكالمة التي اطالها زوجها تعمدا وتعنتا برفضه بإتمام التحاليل والفحوصات والأشعة.


تحدث تولاي متسائلا:

" هل هناك جديد بأمر الفتاة ؟".


رد يوسف وهو ينظر لزوجته:

 " تولى جدك أمر الاستعلام الأمني عنها وقد جاءه رده بالإيجاب ".


 ادار وجهه ناظرا لابنه مكمل حديثه:

" ليس عليها شيء يقتضي المحاسبة الأمنية ، حتى ان والديها متوفيان وعمها هو من رباها،  تاجر معروف بالمدينة شديد الخصال يعتقد جدك أن فرارها واختيارها الهرب والانتحار بسبب هذه الشدة ".


رد تولاي على أبيه:

 " كان واضحا على ملابسها وهيئتها انها ليست فقيرة أو لديها مشاكل من هذا القبيل ".


تحدثت سيلين قائلا بقوة:

 " لا الأمر ليس كذلك انا اعرف جيدا هذه الحالة هذه الفتاة تحملت ما لا يستطيع إنسان حمله لدرجة اختيارها الموت عن البقاء على قيد الحياة فهي تصارع كابوسها الذي انتهى او لا زال يضغط عليها لا احد منا يعلم ".


وضع تولاي طرفي السبابة و الإبهام على شفتيه وهو ينظر نحو أمه بعمق يفكر بما سمعه، تحدث يوسف مجددا: 

" وانا معكِ حالة الفتاة ليس لها تفسير آخر سوا أنها تعرضت لهجوم وحشي من حيوان بشري و اختارت الموت عوضا عن مواجهة عمها ".


رد تولاي:

 " إذًا هي بحاجة لمساعدتنا ومصارحة عمها بالوضع وخطورة ما هي به على حياتها ومستقبلها حتى يمكنه مساعدتها والوقوف بجانبها لاسترداد حقها ".


وبقوة ردت سيلين لتصدمهم بسؤالها:

 " وماذا إن كان عمها هو ذلك الحيوان البشري ؟ هل سنكون سبب في استمرار جحيم الفتاة وتسليمها بأيدينا للوحش ليكمل وحشيته".


اتسعت أعينهم مستنكرين ما قالته ليدافع يوسف عن عمها:

" قالوا انه معروف و ذو شأن لا اعتقد انه يفعل شيء شنيع لهذه الدرجة ".


وبنفس قوتها ردت سيلين:

" لم انتظر منك هذا التبرير، نحن اكثر من سمع ورأى من هذه النماذج ، نحن أكثر من يعلم أن هؤلاء الحيوانات البشريه لا يختلفون عن بعضهم أيًا كان وضعهم غني او فقير  كبير أو صغير قريب ام بعيد ".


و بصوت متعاطف مع هؤلاء المتضررين تحدث تولاي ردا على امه: 

" اي ظلم هذا كيف يعطون لأنفسهم حق هدم وإنهاء حياة غيرهم بداعي نزوة مقززة يقترفونها في لحظات مليئة بالصراخ والمقاومة والنهر والقوة، مالذي يستفيدونه من كل هذا؟، اقسم انهم من يستحقون علاج نفسي أكثر من ضحاياهم ".


 وبضيق تراجع عن اخر كلماته، قائلا:

" لا ، لا يستحقون العلاج بل رجم وعقاب كبير يعيشون ألمه مدى الحياة ليشعروا بما يشعر به ضحاياهم ".

 

حاول يوسف ان يلمح لابنه بعينيه كي يصمت قلقا على زوجته واستعادتها لذكرياتها ولكن تولاي كان مكمل بحديثه القوي وثورته على تلك القضية الذي كبر بكنف عائلة عانت وكافحت وتبنت الضحايا التي تنتج من ورائها:

  "  العيب على الدولة. نعم الدولة هي من تتخاذل في معاقبة هؤلاء الحيوانات البشريه المستذئبة، فلماذا لم يطبقوا قانون الإخصاء الكيميائي او حتى الجراحي لمعاقبة هؤلاء المجرمين كباقي الدول التي تحترم شعبها".


قاطع حديثه صوت رنين هاتفه ناظرا له قائلا:

" من إدارة النادي علي ان ارد".


تحرك من مكانه وهو يفتح هاتفه ليرد على المدرب الخاص بفريق المحترفين .


أخذ يوسف نفسه قائلا داخله الحمدلله أن جائه الاتصال قبل أن يقضي على ما تبقى من أمه.


في مستشفى إسطنبول العام كانت  لي لي تتحرك بجانب الاستاذ الدكتور عصام وهي تلقي عليه تقرير وضع الحالات الخاصة التي تشرف عليها. 


اقترب منهم دكتور زين قائلا:

 " لقد اتيت، واخيرا تم الامر بعد كل هذه الساعات المتعبه ".


وبفرح ردت لي لي:

 " هل نجحت العملية؟" 


ابتسم زين مجيبا عليها:

 " نعم نجحت هل كنتي تنتظرين خلاف هذا ".


اسرعت باجابتها:

" العفو منك استاذي. انا فقط تفاجأت لصعوبة ودقة العملية بجانب وضع المريض المنتهي". 


تحدث دكتور عصام:

 " نعم كانت صعبة ولكنها ليست كذلك على الطبيب زين، تهنينا شكرا لأنك لم تخيب ثقتنا بك".


 مد يده ليتبادلوا المصافحة والفرحة مع بعضهم البعض، نظرت لي لي بوجهها السعيد لساعة يدها قائلة:

" بالإذن منكم علي أن أشرف على حالة العمة أفنان تعلمون ان تأخرنا عليها ستقلب المشفى كلها رأسا على عقب قائلة اهملوا بي".


ضحكا متمنين لها يوم سعيد وتحركا ليكملا حديثها وهما بطريقهم لغرفة دكتور عصام. 


تساءل زين عن دكتور قدير وسر اختفائه هذا الأسبوع ليرد عصام عليه: 

" اقترب موعد عودته مع الوفد الطبي من امريكا تبقى ثلاث أيام على الأكثر".

 

 رد زين عليه رافعا رأسه للأعلى:

" نعم تذكرت انه رُشح للذهاب معهم لأجل نسبه من حفيدة الفولاذ".


رفض عصام سماع ما يقال مجيبا:

" لم يحدث ذلك انت تظلم إدارة المستشفى "


رد زين :

" نعم لم يتدخل أحد لأجله ، ولكن يكفي صلته بحفيدة ملك الفولاذ ليحظى بالأولوية في كل شيء دون أن يطلب أحد"


دخل عصام الغرفة قائلا:

" أخشى أن يُسمع صوتنا في مرة من المرات و….


قاطعة زين بجوابه:"

" لا تقلق الجميع يتحدث عن ذلك، أن أرادوا ليلقوا بالجميع على أعتاب المشفى".


دافع عصام عن الطبيبة ليقف زين مؤكدا على نزاهة واجتهاد لي لي معترضا على استغلال قدير لها ولنسبها مستعرضا حبه الكبير لها.



أنهى تولاي اتصاله ثم عاد إلى والديه قائلا:

 " تم تقديم موعد سفرنا إلى هذا المساء على الساعة العاشرة والنصف بمطار أتاتورك الدولي".


حزنت سيلين قائلة:

 " لم اشبع من وجودك أنت وعدتني أنك ستبقى معنا دون سفريات".


ابتسم وهو يجلس بجانب امه ممسك يدها ليقبلها قائلا بحب:

 " نعم وانا لا زلت عند وعدي ولكنها سفريه سريعه ثلاث اربع ايام على الأكثر واعود إليكم بعدها، اخبرتك انتهى زمن السفريات طويلة الأجل على الاقل بالوقت الحالي تبقى فقط التنقلات قصيرة المدة، علينا ان نذهب لأكثر من نادي و نلاعبهم بمباريات ذات نطاق ضيق لاكتساب الخبرة وبنفس الوقت ليتم تقيمنا على المستوى العالمي ".


رد يوسف عليه بفخر:

 " ليكن طريقك مفتوح يا بني انا فخور بك وانتظر منك المزيد والمزيد من التميز، لا تنسى هذا انت وعدتني بتخليد اسمي بجانب اسمك بقائمة اللاعبين المميزين بتركيا والعالم كله".


احتضنته أمه وهي ترد على والده:

 " لا تحمله فوق طاقته يكفينا ما وصل إليه أنا فخورة بهذا القدر".


رن هاتف سيلين لتفتح مجيبه عليها:

" حبيبتي أين أنتِ اتصلت عليكِ ولكنكِ لم تجيبيني".


ابتسمت لي لي قائلة:

 " ألم تعتادي حتى الآن، لا اعتقد انك بحاجه لشرح يومي وما أنا به لتصدقي ضيق وقتي".


وبرضا ومحبه ردت سيلين:

 " أعلم ياروحي ومع هذا اقلق عليكِ اقول ماذا حدث وأين هي".


ضحكت لي لي:

 " كبرت طفلتك يا أمي هوني على نفسك".


ردت سيلين بخوف:

" حفظك الله وبعد عنك الشر وأصحاب الشر".


تذكرت لي لي أمر ما تحدثت لتخبره امها به قائلة:

 " نعم تذكرت كنت سأغلق قبل ان اخبرك شيء".


وباهتمام  سألتها سيلين:

 " خير ماذا هناك؟"


: " كنت سأذهب مع بورجو لتناول العشاء بمطعم فُتح حديثًا " 


استغربت أمها متسائلة:

 " هل عاد قدير لاسطنبول؟"


ضحكت لي لي خجلا:

 " دائما تظنين بي السوء، لا لم يعد وان كان هنا كنت سأخبرك بوجوده معنا من عدمه، ولكن بصراحه المطعم عائد لابن عمه واليوم الافتتاح الخاص به وعائلة قدير ذاهبة بشكل جماعي الى هناك دعاني دكتور عادل وبورجو لأكون معهم بهذه المناسبة ولكن ان رفضتي ذلك…


قاطعتها سيلين :

" ولماذا أرفض! تعلمين أنا لا أرفض شيء دون وجه حق، حسنا اذهبي معهم ولكن عليكِ ان تأتي لتتجهزي أولا قبل ذهابك " 


وبفرحه ردت على أمها:

" لا داعي لقدومي لدي طقم خاص بهذه المناسبة وضعته بخزانة المشفى للطوارئ سأرتديه".


وبحزم وجديه ردت سيلين:

 " لا اقبل بهذا الطقم التي تشابهت صورك كلها ببعضها بسببه، ان كنتي ترغبين بالذهاب حقا عليكِ ان تأتي وترتدي ملابس تليق بكِ وبتميزك في هذا الاحتفال، اما ان كنتي ستغيرين رأيك ولا ترغبين في الذهاب فهذا يعود لكِ" .


أسرعت لي لي قائلة:

 " حسنا لا يوجد تغير. سأتي إليكم لابدل ملابسي واعود إليهم".


 أنهت الاتصال سريعا لأجل ان تكمل عملها، نظر يوسف لابنه قائلا:

 " هل رأيت وكأني غير موجود ".


ابتسمت سيلين مقبلة وجنة زوجها قائلة بعدها:

 " لا يمكننا الاستغناء عنك ولكني ان تركتها لك…..


قاطعها يوسف بضحك:

" انا لا اشتكي أنتم تسيرون على الطريق الصحيح استمروا، ولكني أخشى أن تتصل بعد زواجها تستأذن منكِ كي تخرج مع زوجها " 


ضحك تولاي وقال:

" والله إن حدث لن استغرب "


وقفت سيلين وهي ترد على مزاجهم:

 " بدأنا من جديد، ولكني هذه المرة لن ارد عليكم ساترككما تحدثان أنفسكم".


سألها يوسف بفضول :

" إلى أين؟''


التفتت مجيبة:

 " سأذهب لأرى الفتاة بالملحق، سأحاول التحدث معها من جديد".


تساءل تولاي:

 " هل  سترسلها يا أبي إلى دار غدًا مشرق؟".


وقبل أن يرد يوسف بالايجاب على ابنه صدمته زوجته بقولها:

 " ليس قبل معرفة همها ومساعدتها به والاطمئنان على سلامتها بشكل كامل" 


أنهت كلماتها مبتعدة عنهم بسيرها جهة باب القصر. 


حرك يوسف فمه بغير رضا قائلا لابنه:

 " من جديد، يمر العمر ويتغير الجميع وهي كما هي لا تستطيع الوقوف ثابتة دون مساعدة أحد وخاصة إن كان في هذا الوضع".


فتح تولاي هاتفه بعد وصول إشعار جديد ، تغيرت ملامح وجهه قائلا لأبيه:

" في بعض الأحيان أشعر وكأنهم يدعونها معهم لأجل الشهرة وما سيعود عليهم من وجودها"


نظر يوسف تجاه هاتف ابنه قائلا :

" لا تفكر بهذه السطحية، نشرت الترويج للمطعم من نبع فرحتها ومساعدتها في إنجاح المشاريع الجديدة، اختك وتعرفها الحمد لله الذي أعاننا على زرع الخير بقلوبكم"


هز تولاي رأسه بدون رضا :

" نأمل ذلك"

 

وتوقف ليصعد غرفته ، تحدث يوسف قائلا:

" دعك من هذه الأوهام التي أصابتكم من كثرة الأضواء المسلطة عليكم الرجل جيد وهذا ما جعلني أشعر بالطمأنينة جهته".



دخلت سيلين الملحق من جديد لتجد الفتاة على حالتها، تحركت بهدوء مقتربة من المقعد القريب للباب جالسة عليه لتبدأ حديثها بصوت منخفض قليلا قائلة:

 " قبل عدة سنوات ما يقرب على ثلاثون عاما تقريبا كانت هناك فتاة شابة كل ذنبها انها اصبحت طعم لوحش بشري لا يخاف الله، فتاة كبرت وسط عائلة الجميع فيها يكذب عليها ويمثلون حبهم لها، كانت الفتاة وحيدة لدرجة أنها طُعنت ممن نعتتها بأمي والاكثر أنها ظلت لسنوات تصرخ مستغيثة بأبيها اعتقادا أنه هو والدها وسندها وحاميها، ولكن لا هذه امها ولا ذلك الشخص أباها، للاسف كُتب على الفتاة أن تعيش سجينة تتحطم كل ليلة دون ان يصدقها احد، تصرخ وتصرخ وتقاوم دون فائدة، كُسرت ودمرت وعصفت من خوفها كل يوم يحل الليل ويبدأ الوحش بالدخول عليها ليلا بعد أن نوم امها بالعقاقير ليستمتع بنزواته الدنيئه على حسابها،  تهتز وتتزلزل كل ليله وهي في قبضته مكبلة الأيدي. مكممة الفم مقيدة من شعرها الطويل، ترتعش وتهتز بجسدها القليل المنهك المنتهي الذي لا حيل له، يغشى عليها ثم تعود لوعيها لتجده مكمل ما هو عليه حتى تنقضي الليلة وتشرق شمس النجاة ساقطة الفتاة في نومها هاربة من الواقع المرير الذي لم يصدقها احد به، كلما تحدثت وحكت ينعتونها بالكاذبة ويبدأ تعنيفها بالحبس والحرمان،  احتجزوني في غرفتي فريسة ضعيفة لهذا الحيوان البشري دون أن يشفقوا علي، نعم تم احتجازي وتعذيبي النفسي والجسدي كل ليلة، تحملت ما لا يتحمله بشر على وجه الأرض كل ليلة".


فتحت الفتاة عينيها بحذر وترقب بوجه سيلين التي أكملت ناظرة في عينيها:

 " لا احد منا يختار قدره، كما لا أحد يختار عائلته، من يجلس أمامك شخص يعلم جيدا مدى ألمك وجرحك، شخص عايش ما أنتِ به، حتى أني رأيته بعينك وخوفك وارتعاش يدك بنومك دون أن تفصحي عنه".

 

استقامت سيلين على مقعدها قائلة:

 " اسمحي لي ان اساعدك، اسمحي لي ان اخفف عنكِ ما أنتِ به ".


اغمضت الفتاة عينيها بقوة من جديد تاركة سيلين دون حيلة أمامها، خرجت من الملحق كي لا تضغط عليها أكثر.


وفور خروجها والابتعاد عن الملحق قليلا اقترب عثمان ليحدثها قائلا:

 " سيلين هانم حدث شيء لا اعرف هل هو مهم ام لا ولكني لاحظت شيء على الضيفة وتأكدت منه".


سألته باهتمام كبير:

 " وما الذي لاحظته ؟"


:"سمعت صوت تقيئها لعدة مرات"


وبخوف سألته:

" هل هي مريضه ؟".


صدمها بجوابه قائلا:

 " إما أن تكون مريضه ام ان تكون…


اقتربت سيلين منه خطوتين متسائلة بعدها باهتمام أكبر:

 " إنها ماذا ؟".


طلب مني يوسف بيه ان اراقب الداخل من الحين للأخر لنرى ماذا تفعل بخلوتها ولاحظت عليها بكائها بعد كل تقيء و وضعها يدها اسفل بطنها، أنا لم أبالي بأول الامر ولكن عندما رأيتها تلكم بطنها بقبضة يدها تارة وتحن عليها تارة اخرى شككت ان تكون…

 

لم يكمل حديثه حتى قاطعته سيلين:

" لا تكمل ولا تحدث أحد بالأمر اتركه لي، كن منتبها أكثر".

 

تركته سيلين مسرعة نحو القصر محدثه نفسها بحزن:

 " حامل! يا روحي كيف حامل؟ من أفسد حياتك واوصلك لهذه الحالة".

إلى هنا وحسب انتظرونا في حلقة جديدة بأحداث جديدة 

ياترى ما سر هذه الفتاة ومن هو والد الطفل؟ 

تذكروني بدعوة لعلي أجبر معكم 

ربنا يرفع عنا وعنكم كل هم وكرب بحق لا إله إلا الله 

الليالي المظلمة بقلم أختكم أمل محمد الكاشف 

google-playkhamsatmostaqltradent