recent
جديدنا

الليالي المظلمة ٢ الفصل الثالث والعشرين

Wisso

        الليالي المظلمة الجزء الثاني 

                   بقلم امل محمد الكاشف


    

 

مضت عدة ساعات حل الليل بظلامه الذي ساد المكان، عاد نعمان من مدرسته كما عاد أورهان وفضيلة من المشفى بعد يوم مجهد في التحاليل والفحوصات السنوية، حان موعد سفر تولاي ودع والديه وجديه الذين كانا يستلقيان على فراشهم ثم خرج من القصر وهو يقول لأمه:

 " قبلي لي طبيبتنا الجميلة حتى أعود وافعلها بنفسي".


احتضنته أمه داعية الله أن يحفظه ويحميه ثم ودعته مغلقة باب القصر خلفه، جاءه حدسه الغريب ليدق خاطره ويحرك قدميه متوجها به للملحق الخلفي، لا يعرف لماذا هو ذاهب إلى هناك فقط ينظر بثبات نحو بابه الصغير متذكرا وجودها بحضنه وتطاير شعرها القطني على وجهه.


اقترب منه الحارس متسائلا:

 " سيد تولاي اؤمرني".


نظر حوله لثواني قليلة تحدث بعدها بذكاء:

 " أظن أنني نسيت رابطة معصمي المميزة في الملعب الأخضر الكبير هل تذهب لتحضرها لي كي لا أتأخر عن موعد سفري، وأنا سأبحث عنها داخل حقيبتي من جديد من المحتمل أن أكون وضعتها من ضمن باقي أغراضي دون انتباه ".


تحرك قائلا:

 " امرك تولاي بيه ".


 اخبره انه من الممكن إيجادها اعلى المقاعد الجانبية. 


وبعد ذهاب عثمان تحرك ليدخل الملحق متوقعا رؤيتها نائمة على الفراش كما قالت أمه ولكنه سمع صوت تألمها وبكائها أثناء تقيئها في الحمام.


حزن على وضعها ظنا منه انها مرضت من رياح ضفاف النهر في ليل منتصف حزيران، ظل ثابت مكانه حتى خرجت هي من الحمام منصدمة بوجوده أمامها.


 ذعرت متراجعة للوراء بسرعة  اختل توازنها، مدت يدها لتتشبث بالحائط البعيد عنها قبل أن تسقط ارضا، اسرع بهذه اللحظة ممسكا بها قائلا:

 " لا تخافي لم أتي لاذيتك أردت الإطمئنان عليكِ فقط".


دار راسها اكثر حتى ظهر هذا بمقلتيها المجهدة، لاحظ سقوطها وفقدها لوعيها بهذه اللحظه، ساعدها وهو يتمسك بذراعها بقوة واجلسها على الفراش متسائلا:

" هل انتِ مريضة؟".


تراجع عن سؤاله قائلا:

 " كيف اسأل هذا السؤال! من المؤكد انكِ مريضه فهذه الملابس الخفيفه و وجودك ليلة أمس أعلى الجسر يمرض أي شخص طبيعي".


بكت بقلة حيلتها وضعفها وكسرها بكاء صامت رق قلبه لحالتها جلس على قدميه أمامها دون ان ترتكز ركبتيه أرضا ناظرا لها وهو يحدثها بصوته الحنون:

 " لا تبكي، رجاءا لا تبكي ستتعافين أنتِ بمأمن هنا".


 نظر لساعة يده متذكرًا موعد الطائرة، وقف وهو يحسن من ملابسه الشبابيه قائلا:

 " اعتذر منك لا يمكننا التحدث باستفاضة الآن، اقترب موعد طائرتي ولكني أعدك إن كان لنا نصيب للقاء مرة أخرى عند عودتي، اعني ان كنتي لا زالتِ في القصر لهذا الوقت سنجلس ونتحدث".


قاطع حديثه وصول الحارس وبيده رابطة معصمه أخذها منه وهو يوصيه على الفتاة ثم خرج بسرعة ليلحق بطائرته.

 


كما خرج عثمان غالقا الباب من خلفه تاركها بالداخل تتقوقع وتبكي ما هي به مجددا.


بينما كان السيد خليل يتحدث مع ابنه في مدينة ادرنة، قائلا:

 " ألم تُطلقها ما همك الآن ؟".


نظر إبراهيم حوله وهو يرد على أبيه بصوت منخفض:

 " لماذا تتحدث هكذا ستسمعك اسيا الآن ".


 اعقب والده بقوة صارمة:

" فلتسمعني منذ متى وانا اخاف من احد، ما علتك بعد أيام ستتزوج من أعالي القوم بادرنة سقطت على كنز لم يسقط عليه أحد قبلك، لماذا تنبش الماضي الآن."


اقترب من أبيه متحدثا بصوته المرتبك:

" لا اريد شيء، اردت فقط ان اطمئن عليها ، أخشى أن تذهب وتبلغ عنا فهي لا زالت".


وقف والده متحدثا بقوة:

 " ألم تكن زوجتك أمام الله ".

 

أومأ إبراهيم رأسه:

 " نعم كانت كذلك انا لا اقصد حكم ما حدث بيننا ولكني…


اقترب من ابنه قائلا:

" امتلأت عينيك بجمالها وانا حققت لك مرادك واشبعت رغبتك بها، وبعدها حدث ما حدث طلقتها واطلقت سراحها وذمتك منها أمام الله، وها أنت ستتزوج صاحبة النسب والحسب بعد عدة أيام ماذا تريد بعد كل هذا،  هل تنتظر مني ان ابحث عن هذه الحثالة كي آتي بها لتجعلها عشيقه لك بالخفاء ".


رد إبراهيم على أبيه:

 " ماذا كان سيحدث أن استمرت زوجتي أمام الله بحكم الشيخ، وآسيا أمام القانون على الاقل كنا قد امنا نفسنا من غدرها".


نظر خليل نحو الباب وهو يمسك ذراع ابنه بقوة:

 " هل اشتقت لهذه ال….! ألم يكفيك صراخها وبكائها ورفضها لك؟، ان كان الامر بيدي كنت جعلتها عبده لك وليست زوجه ولكنك لم تخرج مثلي تركت شهوتك من تذلك لها، استمع لي جيدا من بعد الان لا اريد فتح أي موضوع يتعلق بزبيدة من جديد اعتبرها صفحة اكتفيت منها وطويت وإن عادت او فتحت فمها ساعرف جيدا كيف اقص لسانها و اخذ روحها".


أتت آسيا المزينة للصالون لينزل خليل يده ويبتسم لابنه وهو يحنو على كتفه قائلا:

 " ابني الأسد،  حبيب والده ، عريس ادرنه و تركيا كلها،  كم حظيت بعروس جميلة وكأنها دعوة أمك لك بليلة قدرية ".


ابتسمت العروس بخجل وجلست بمكانها ليدخل ابيها وأهلها من بعدها مرحبين بالعريس وابيه.


مر ثلاث ايام ساءت حالة زبيدة مما أضطر سيلين ويوسف باستدعاء مختص لسحب عينة تحليل من الفتاة للاطمئنان على وضعها، رغم معرفتهم علتها بعد كشف الدكتوره لي لي عليها وتاكيدها شكوكهم، انتظرت سيلين النتائج التي تعلم محتواها بفارغ الصبر.


مرت عدة ساعات دخلت بعدها سيلين على الفتاة الغرفة قائلة لها:

 " أنتهى وقت الصمت عليكِ ان تتحدثي لاستطيع مساعدتك أنتِ وطفلك، اعتذر منك لا استطيع استضافتك بالقصر لمدة أطول لهذا عليكِ أن تتحدثي للوصول لحل سريع".


فتحت الأوراق بيدها مكملة:

 " بجانب الحمل الذي شكينا بامره الا ان نسبك ضعيفه بشكل كبير تحتاجين لفيتامينات مقوية لأجل صحتك واستمرار وقوفك على ارجلك، تحدثت معك أكثر من مرة وانا احاول ان اجعلك تشرحين وضعك بمحض إرادتك ولكن الآن اعتذر وبعد هذه النتائج أنت مخيره بين الحديث او الرحيل ، ساتركك تفكرين للصباح الموضوع معك لا احد سيفرض عليكِ شيئا عليكِ ان تعلمي بأن خوفك وتسترك على هذا المجرم المغتصب لا يفيد بل يضر نحن بدولة قانون ان تحدثتي ساعدك ان اقف ورائك واحميكِ حتى أعيد لكِ حقك وان صمتي فالخيار خيارك" .


تحركت سيلين بنفس قوتها لتفتح الباب كي تخرج من الغرفة قائلة:

 " ليلة سعيدة لكِ ".


تحدثت الفتاة قبل خروجها قائلة بصوت منخفض متعب:

 " لم يكن اغتصاب ".


استدارت سيلين بعيون ملأت بعلامات استفهامية تعجبية قائلة:

 " كيف ، هل تحملين من عشيقك وبعد أن خذلك قررتي الانتحار ؟".


 نظرت سيلين ليدي الفتاة المرتجفه قائلة:

 " هل تهربين من عمك كي لا يعلم فضيحتك وما اقترفتيه من إثم ؟".

 

هزت الفتاة رأسها بالنفي وهي تدافع عن نفسها قائلة بجسدها الذي ازداد ارتجافا ويدها التي ساءت حالتها من رعشتها:

 " كان زوجي ، أنا لم أفعل ما يغضب الله عني".


تركت سيلين الباب من يدها وعادت لتقترب منها قائلة:

 " كيف زوجك انا رأيت هويتك عزباء، كما أن أمامك عدة أشهر لتكملي السن القانوني للزواج".


 صمتت سيلين لثواني تحدثت بعدها:

 " هل زواج على يد شيخ بالاجبار، هل كان بالاجبار ؟".


كان البكاء أوفى جواب مصاحب بإيماءة الرأس مؤكدا إجبار الفتاة على الزواج.


 غضبت سيلين متسائلة:

 " من اجبرك هل عمك من اجبرك؟، طبعا هو ولأجل المال زوجكِ من شخص غني لأجل الطمع بثروته  ".


نفت الفتاة بحركة راسها ما سمعته والدموع بعينها، جلست سيلين بجانبها قائلة:

 " همك أهون بكثير من غيرك استطيع مساعدتك ما دام الأمر شرعي و بمعرفة العائلة".


بدأت الفتاة حديثها بعينيها التي تنذرف منها الدموع الحارقة قائلة: 

"رغم كل الضغوط والمضايقات التي كانوا يمارسونها عليّ و رغم تخوفي من نظرات ابنه التي كان علي تحملها كل يوم وهو يأخذني معه في الصباح كي يوصلني للمدرسة القريبة من عملهم إلا أنني فزت بجامعة فنون جميلة كما حلمت، طلبت زوجة عمي إرسالي إلى سكن جامعي كي لا يتقيد ابنها بي في الذهاب والإياب فرحت يومها فرحة لم افرحها قط بحياتي".


 ازداد بكاء الفتاة وهي تكمل بصوتها المتقطع:

 " نمت ليلتي وأنا أحلم باللحظة التي أجمع بها اغراضي وانتقل للعيش دون قيود وفروض واذلال لاستيقظ على جحيم منتظر حين عارض ابراهيم ابن عمي والديه ورفض ان يرسلني وحدي إلى هناك، ليس هذا وحسب بل وطلب من ابيه الزواج مني لينتفض المنزل عليه كيف يتزوج بي ويترك آسيا تلك التي يخططون لزواجه بها كي يرتفع شأنهم وتزداد تجارتهم، كنت أتأمل ان يبقى عمي على رأيه ويعتقونني من شره، ولكنه لم يحدث ازداد كرههم ونظراتهم المخيفة والمهينة لي، أصر ابراهيم على الزواج مني رفض النزول للعمل وزاد من شربه وسهره حتى  قرر عمي ان يزوجنا سرا على يد شيخ بحجة التجربة هل سننجح سويا أم سيثبت لابنه حقيقة ما قاله وانني غير كفء له، لم يكن أمامي خيار اخر أمام ضغطهم وتهديدهم لي، فلا احد يعلم جبروت عمي خليل وقوته وظلمه الذي تجرعته منذ وفاة والديٌ".

 

توالت شهقات أنفاسها المتسارعة من جهش بكائها مكملة:

 " وصل به الحال لتهديدي بالسلاح، كنت ابكي وانا اقول لا اريد لا أتزوج منه اريد ان اكمل تعلمي. ولكن ما أراده عمي هو ما حدث بالأخير، لأجد نفسي زوجه لرجل يكبرني بإثنى عشر سنه رجل كنت شاهده على نزواته و قصصه الغرامية والنساء اللاتي كان يحضرهن للغرفة القبلية أثناء سفر عمي وزوجته".


حاولت سيلين تهدئتها اخذتها بحضنها وهي تحنو عليها مستمعه لصوتها الذي علا ببكائه:

 " زوجني منه كي يشبع مني ثم يطلقني ليتزوج بعدها ممن اختارها له".


اتسعت عين سيلين متسائلة :

 " كيف هل زوجك عمك لأجل أن يوافق ابنه على عروسته الاخرى؟، يعني تزوجتي ابن عمك الذي من المفترض انه سيتزوج من عروسه أخرى".


أجهشت الفتاة ببكائها الحارق وهي تجيبها 

 " تزوجني ليشبع رغبته بي على أن ننفصل بعدها ليتزوج الاخرى دون ان يعلم احد بي، رفضت وصرخت وعارضت بكل مرة ارادني بها رغم ضربه لي و إجباري".


سألتها مرة أخرى:

" وهل طلقك وأنتِ حامل لأجل الاخرى ام انه لا يعلم بأمر الطفل".


اجابتها بصوتها الباكي:

 " لا أحد منا كان يعلم بأمر الطفل حينها، ألقى اليمين عليّ بحضور والده الذي طلب مني بعدها تحضير القهوة للجميع ليحتفلوا باقتراب زواج ابنه وكأنني جماد لا قيمة له لا يشعر دون قلب، تجرأ وتفشى ظلمة وهو يخبرني بأن أحد العاملين معه سيأتي لخطبتي و زواجي وان زوجة عمي ستأخذني لطبيب كي أعود بكر كحالتي الأولى قبل زواجي من ابنه"


 وبخوف تسائلت سيلين داعية ربها أن تكون الإجابة بالنفي :

" وهل سمحتي بهذا ".


هزت الفتاة رأسها المرتجفة:

" الموت أهون عليّ من أن أعيش حياة كهذه، اخترت الموت أنا وطفلي الذي لا يعلم أحد بأمره على ان اعيش حياة كهذه ، كيف اخدع رجل بريئ واكمل حياتي معه؟ ماذا سأفعل بطفلي هل سأجهضه من أجل تكملة هذه التمثيلية الرخيصة؟ ".


أكملت الفتاة حديثها وبكائها قائلة:

 " يا ليتك تركتيني لاموت كي ارتاح من حياتي انا وابني سيكون الله ارحم والطف بي من عباده الظالمين ".


ابتعد يوسف من أمام باب الملحق متراجع للوراء بخطوات هادئة مشيرا لعثمان أن يأتي مكانه ، بعد أن ضاق صدره مما دار بين الفتاة وزوجته ومعرفته علتها وظلم لياليها المظلمة.


ذهب مسرعا تجاه باب القصر ناظر للبسفور أمامه وهو لا يصدق ما سمعه، وبعد وقت ليس بكثير نصف ساعة على الأكثر عادت سيلين للقصر لتجده على حالته.


اقتربت منه وهي تحدثه:

" أريد أن أحدثك بشيء مهم"


أجابها بضيق صدره:

  " عقلي لم يستوعب ما قالته، بأي جهة يمكننا تصنيف هذا الرجل وابنه".


دمعت عين سيلين بجوارها:

  "  لا أدري إن كان من صنف البشر ليصنف ام لا ".


حاولا ان يفكرا بجدية لمساعدة الفتاة التي قضت ليلتها وهي تبكي حالها وطفلها.


وفي صباح يوم جديد قررت سيلين مع زوجها أن يأخذوا الفتاة للمشفى العام برعاية الدكتورة لي لي للكشف عليها ومعرفة وضع الطفل وبأي شهر اصبح عمره.


وبعد الكشف في العيادة الخاصة بالحمل أوضحت الطبيبة سمر عدم استقرار وضع الطفل بجانب صغر حجمه، سألت الطبيبة الأم عن نزول دم أو الشعور بتقلصات في الفترة الحالية أم لا.


أجابت الأم مؤكدة على نزول الدم المصاحب بتقلصات أسفل البطن، وهنا أخبرتهم دكتورة سمر عن احتمالية فقدان الجنين.


بكت الأم وهي تقول للطبيبة:

 " انا اريد طفلي، انه عائلتي. هو كل شيء بحياتي".


نظرت الطبيبه لزميلتها لي لي قائلة: " سنفعل ما بوسعنا، دون وعود فالوضع غير مستقر".


اخذت لي لي الفتاة إلى غرفة خاصة بالمرضى كي تضع لها المحلول الطبي المغذي الغني بالفيتامينات، انتهت من تركيبه ناظرة بعدها لأمها قائلة :

" هل تأتي لمكتبي لبعض الوقت حتى إنتهاء المحلول أريدك بأمر مهم"

نظرت سيلين للفتاة مستأذنه منها على ان لا تتأخر عليها ثم تحركت بجانب ابنتها وهي تقول:

 " منذ الصباح وأنتِ تلحين عليّ ما بكِ ما المهم الذي تريدين؟".


دخلت لي لي غرفة مكتبها واغلقت الباب خلف أمها قائلة:

 " لقد زاد الأمر عن حده، أول  شيء طال بقائها في القصر وايضا اتضح انها حامل وبالأخير تحزن و ترغب بطفل غير شرعي ناتج عن علاقة بالإكراه وعمل غير اخلاقي وتقول لكِ طفلي و عائلتي دون خجل".


صدمتها سيلين وهي تخبرها وضع الطفل الشرعي وما حدث لها من عمها وابن عمها مبررة احتفاظها به نابع من شعورها انه كل ما تملكه بحياتها وهذا نتاج طبيعي جدا.


تسائلت لي لي " ولماذا أقبلت على الانتحار من قبل ولماذا غيرت رأيها الان".


جلست سيلين وهي ترد على ابنتها :

" تحدثت معها لعدة أيام شرحت لها حرمانية وحكم المنتحر عند الله وإنها ستخسر اخرتها قبل دنياها، انا من رسم لها حياة جميلة وبداية جديدة  مع طفلها حتى اني اعطيتها وعدا بأني سأقف بجانبها ودعمها حتى اسجل طفلها على اسم والده بعد والدتها، اعلم ما يدور بعقلك ولكن ساجيبك دون سؤال منك، سئل والدك عن ابن عمها واتضح انه كما وصفته بجانب اقباله على الخمور والمشروبات بشكل كبير".


ردت لي لي بعقلانية مجرده من المشاعر:

 " وماذا إن كان جميعه قد رتب بشكل دقيق كي يثبت ضدنا في دعوة قضائية تعصف باسمنا، من المتوقع ان تكون ممثلة بارعة فعلت كل هذا لأجل استعطافنا بصراحة أنا لم أتعاطف معها تعلمين انني افكر بعقلي دائما وليس قلبي ولم أرى أنها مظلومة".


ابتسمت سيلين دون كلام لتكمل لي لي:

" أعلم ستقولين كما تقول جدتي فضيلة أنت مثل أمك ، اعترف قد اكون مثلها في الأمور العاطفية ولكني محقة في تخوفي".


تنهدت سيلين وهي تجيب عليها:

  " من المؤكد أن تتوارثي بعض الجينات من امك، كونك تستخدمين عقلك هذه ميزة وليست عيب، كانت بها عيب حين تنحي قلبها وتختار مصلحتها فقط، ولكنها ليست بعيب لديكِ فاستخدام العقل بجانب القلب الذي لا يمكنه أن يظلم أحد شيء جميل يتمناه الكثيرون ".

نظرت سيلين لساعة هاتفها وهي تقف في مكانها قائلة:

 " تأخرت عليها واخرتك عن عملك  سأذهب لأراها كي نعود للقصر ".


تحدثت لي لي بتذمر:

 " كيف سمح جدي وجدتي ببقائها في القصر والتعاطف معها لهذه الدرجة".

 

نظرت لابنتها بضيق:

" يرق ويضعف القلب مع مرور الزمن و مرور الكثير من الحالات المشابهة علينا، الفتاة ليست أول فتاة نهتم بها و نحل مشاكلها".


ردت لي لي:

 " ولكنها الأولى التي جلست كل هذا الوقت بالقصر، بالسابق كان من النادر دخول هذه الحالات لقصرنا وإن حدث على الأكثر يبقون لساعات".


و باستغراب تساءلت سيلين:

 " كنتي معنا و رأيتي كيف جرت الأحداث، كوني رحيمة يا ابنتي ولا تظلميها فوق ظلمها".


: " أنا فقط أخشى أن يلحق بنا…


قاطعتها امها:

 " لا تقلقي سأكون حريصة ولكني قلقت على وعدك لي أشعر انكِ تخليتي عنه بعض الشيء".


اقتربت لي لي من امها واضعة يدها على كتفها متحدثة بوجهها الجميل:

 " لا تقلقي الرحمة والمساعدة وتقديم حاجة الغير على حاجتي لا زالت أولى اهتماماتي".


مالت سيلين عليها مقبلة وجنتيها قائلة:

 " فاليرضى الله عنكِ استمري على هذا فوالله لن تجدي نجاح ولا نجاة إلا بهم ".


تحدثت لي لي بخجل قائلة :

" سيصل قدير الليلة".


فرحت سيلين:

 " هذا جميل فليكتب الله له السلامة الكاملة، اشتقنا كثيرا لرؤيته".


ردت لي لي بفرح:

" وهو ايضا اشتاق إليكم ".


تحركا سويا وهما يتحدثان عن قدير ورحلته الطبية حتى وصلا لغرفة المرضى منصدمين بهروب الفتاة، بحثا عنها دون أن يجدوها.


نظرت لي لي للكاميرات الخارجية متأكدة من خروجها فعليا من المشفى واستقلالها سيارة أجرة مبتعدة بها عن المكان.


حزنت سيلين معاتبة نفسها على عدم انتباهها عليها أو حتى  الاحتفاظ بحقيبتها وهويتها معها كي لا يسهل عليها الهروب.


عادت للقصر بخيبة أمل وحزن كبير استمرا معها ليومين، حاول الجميع إقناعها كذب الفتاة عليها وخداعها لها باختلاق القصص كما شكروا الله على ابتعادها فلعلها شر ازاحه الله من طريقهم، كانت تستمع لهم وداخلها يحدثها بعكس ذلك، يراودها صورة الفتاة وبكائها بحزن كبير ظلت تحلم بها و تتخيلها وهي تبكي في مكان مظلم لا مخرج له لعدة أيام.


عاد تولاي من سفره ليزيد من فرحة العائلة التي كانت تحظى باستقبال دكتور قدير الذي قام ليتبادلا السلام

 : " و اخيرا التقينا "

 ضحك تولاي :

 " نعم واخيرا ".

  

تحدث يوسف بفرح:

 " هيا بنا حان الوقت لتناول عشائنا أولا ومن ثم نكمل احاديثنا فلقد تأخرنا كثيرا بسبب تأخرك علينا" .


رد تولاي:

 " لا ذنب لي انت تعلم ازدحام طرق اسطنبول الكبيرة بهذا الوقت ".

 

تحدث أورهان بصوته المتعب:

 " ان لم تسرعوا سأبدأ قبلكم ".

 

اقتربت فضيلة منه لتهتم بوضع الطعام بطبقه قائلة:

" قلت لك لا تنتظرهم لأجل علاجك ونومك الذي اخرته".


رد أورهان باستنكار:

" كيف تريدين مني ان انام قبل رؤيتي له اقسم ان تأخر عن هذا القدر كنت سأسافر لرؤيته".


اقترب تولاي ليحتضن جدة من الخلف مقبلا رأسه، تحدث يوسف:

 " من الجيد نوم نعمان باكرا اليوم وإلا ما كنت سمعت عن شوق جدك لك".


 ردت فضيلة على ابنها:

 " لا يوجد فرق بينهم جميهم غاليين بقلوبنا لا تشعل فتيل الغيرة أعلم ما تريد الوصول له ".


قالتها ناظرة نحو حفيدتها مما جعل يوسف يضحك مدافعا عن نفسه:

 " هل تتهميني انني أبرز حب أبي اورهان لحفيده تولاي كي تغير ابنتي لي لي ، لا ابدا ابدا بالأصل هي لا تحتاج لكلامي كي تغير ".

 

ابتسمت لي لي معقبة عليهما:

  " لا تضغطوا كثيرا تبقى القليل لأبكي "


رد خطيبها من جوارها:

 " هل تبكين وانا موجود ؟".

 

التفت يوسف نحوه ناظرا بقوة غيرته، تحدثت فضيلة محاولة إنقاذ الموقف: 

" سنحترق الان هيا اجلسوا و تناولوا طعامكم دون كلام".


بدا العشاء جميل بأجواء مرحة كالعادة سعد الجميع بوجود تولاي و قدير و لي لي  في نفس الوقت لأن هذا لا يتكرر كثيرا لكثرة الانشغالات.


في نفس الوقت كانت زبيدة تجلس بإحدى المباني  المهجورة محتميه بزواياها خوفا وإجهادا اثر حالتها الصحية.


انتهى التجمع العائلي وذهب كلا منهم إلى قبلته حين النوم والراحة، تحدثت سيلين لزوجها:

 " لم يأتيني النوم افكر بها ماذا إن أقدمت على الانتحار من جديد ".


: " لا تخافي لن تفرط بطفلها قلتها لكِ اكثر من مرة لا تقلقي ".


و بقلق وخوف أجابته :

" قلبي غير مطمئن،  أين ستذهب وكيف ستكمل وهي بهذه الحالة".

 

رد عليها بعدم اهتمام:

 " وما يدريكِ من المحتمل ان تكون بجانب عمها الان تخبره بوضعها الجديد لتمنع الزواج المنتظر".

 

و باستغراب اجابته :

" عن أي عم تتحدث اقسم أنه لا فرق بينه وبين الوحوش المستذئبه ، رمى الصغيرة وجبة دسمة لابنه كي يشبع بطنه ويلقي بها بجانب مخلفاته، ثم ذهب ليأتي بغيرها ليتزوجها بأي شرع ودين وقانون يفكرون، ياليتها صبرت وسمعت ما قلته لها اقسم انني قد بدأت احلم باليوم الذي اثبت فيه نسب طفلها واسجنهم جميعا ".


ابتسم يوسف بجواله:

 " من جديد امتلكك قلبك وتحكم في عاطفتك وعقلك حتى اصبحتي لا تفكرين بالاحتمالات الاخرى، يعني ماذا ان كانت الرواية غير صحيحة؟، ماذا ان كان الطفل من شخص غريب وخافت الفتاة من عمها وقررت الانتحار؟، ماذا ان كان تمسكها بطفلها لعبه جديده نجحت من خلالها بالهروب؟".


شردت سيلين متذكرة وجه الفتاة وارتجاف يديها وخوفها الذي ملأ قلبها، هزت رأسها وهي تردد بصوتها الهادئ المتأثر بحالة الفتاة:

 " لا يمكن أن يكون كل هذا تمثيل هي ليست أول فتاة اقابلها بهذه الحالة، رأيت الكاذب والنصاب والمحتال والممثل والصادق، مرت علينا سنوات طويلة قضيتها بدور الرعاية والجمعيات لمساعدة هؤلاء واستطيع التمييز، استطيع ان اشعر بما تشعر هي به".


اغمضت عينيها بحزن ليقترب منها رافعا يده ليلامس شعرها ويحنو عليه وهو يسحبها لحضنه كي يهون عليها ما تشعر به.


خرج تولاي من الحمام ممسك بالمنشفة ليجفف شعره بعد أن أخذ حمام دافئ، جلس على فراشه مستنشقا قدر كبير من الهواء البارد زافره بعدها بهدوء و راحه كبيرة.


نظر نحو حقيبة سفره الصغيرة متذكرًا أمر الكتاب الذي اشتراه مؤخرا، تحرك ليخرجه منها نظرا لاسمه 

' ابتسم أنت حي ' 

ابتسم وجهه وهو يتذكر صاحبة الشعر القطني متحركا نحو باب غرفته كي يذهب إليها و لكنه تراجع حين تذكر تأخر الوقت، عاد متوجها لنافذة غرفته ناظرًا جهة الملحق الخلفي قائلا لنفسه " لننتظر للغد لا داعي لازعاجها الان".


ثم نظر للكتاب بيده قائلا بفرح: 

" سينفعك كثيرا " 

وضع الكتاب أعلى الطاولة الجانبية ثم توجهه إلى فراشه وهو يتثاوب متعطشا للنوم بعد يوم سفر ثقيل، أما  لي لي فكانت بغرفتها تتحدث مع خطيبها الذي طمئنها على وصوله لمزرعة والديه كي ينضم إليهم بعطلة نهاية الأسبوع. 


انطوى الليل واشرقت شمس صباح يوم جديد  أنهى فيه تولاي تمارينه اليومية ثم تحرك راكضا اتجاه الملحق واقفا أمامه ملتقطا انفاسه المتسارعة بهدوء حتى تركز وتسكن جوارحه.


تحرك خطوات جانبا أخذًا الكتاب من جوار الملحق حيث وضعه بأول الصباح قبل بدئه للتمارين واقترب من الباب يطرقه عدة طرقات متتالية وهو يستغرب من عدم وجود عثمان بالمكان.

 

طال طرقه للباب على صوته قائلا:

 " هل يمكننا التحدث لدقائق قليلة، لا تخافي لن أطيل عليكِ".


فتح الباب بحرص شيء فشيء حتى ظهر أمامه الفراش فارغا، دخل خطوتين نظر بعدها للحمام ليجده فارغا أيضا، فتح الباب على مصرعه ونظر للغرفة محدثا نفسه:

 " أين ذهبت ؟".


  صمت قليلا وهو يجيب على نفسه:

 " هل ذهبت لإحدى دور الرعاية ام ادخلتها امي القصر ".


 تراجع سريعا عن اخر احتمال:

 " لا لن يسمح احد بدخولها القصر".

 

وتحرك ليخرج من الملحق مغلق بابه خلفه ناظرا للكتاب بصمته الذي لم يطل كثيرا حين وجد أمه امامه متسائلا عن الفتاة لتجيبه :

 " هل تقصد زبيدة ".


 ابتسم وجه تولاي متسائلا:

 " هل اسمها زبيده ".


ابتسمت امه بحزن قائلة:

 " نعم زبيده ، جميل أليس كذلك؟".


  اومأ تولاي رأسه 

" ليس جميل فقط بل وجديد على مسامعي".


ردت سيلين بحزن:

 " ليجعل الله ايامها جميله بجمال اسمها ".


استغرب من حزن امه عاد ليكرر سؤاله بطريقة اخرى قائلا:

 " هل تم وضعها بدار الرعاية ؟".

 

:" لا يا بني ذهبت وتركتنا برغبتها، اخذتها لإجراء بعض التحاليل وفحوصات جديدة لاتفاجئ بعدها بهروبها من المشفى وبالطبع نحن لا نعرف عنها شيء يدلنا عن مكان ذهابها أو طريقة تفكيرها ".


حزن شبيه أمه وبدأ يفكر معها أين يمكنها أن تذهب وماذا إن عادت لفكرة الانتحار من جديد، رأفت سيلين بقلب ابنها لذلك أخفت عنه أمر حملها وما مرت به من عذاب بزواجها.


نظر تولاي للكتاب الذي اشتراه لها والمعاني الجميلة التي تتضمنه وكيف يمكن للإنسان أن يواجه مشاكله وحياته قائلا لها:

"كان سيفيدها كثيرا".


شكرته امه على قلبه الكبير الذي يشعرها بالأمان والاطمئنان على عائلتها لوجود قلب كهذا يمكنه ضم عائلته من بعدهم.


مر يومين على وتيرة الحياة الثابتة بين العمل والدراسة والتدريبات والمباريات الشبه يومية.


لتأتي وسط كل ذلك لحظات قدرية جديدة حين شاء الله بقدره أن يحدث عطل في احدى اطارات سيارة تولاي وهو يوصل صديق له في ضواحي اسطنبول القديمة.


 اعتذر محمود منه قائلا:

 " أخبرتك أن تتركني لأعود بواسطة الأتوبيس العام وانت رفضت".


تحدث تولاي لصاحبه:

 " كيف اتركك وقدمك بهذا السوء وايضا لا تقلق ليس بشيء كبير على الاقل ستتحمل حتى وصولي للقصر".


رد محمود:

 " إذًا عليك أن تخرج بواسطة الطريق الخلفي فهو اكثر هدوءا و لا زال جديدا ".

 

شكره تولاي ثم انتظر حتى يطمئن على دخوله لمنزله ومن ثم تحرك ليستقل الطريق الخلفي كما نصحه.


وأثناء قيادته بهذا الطريق و خوضه مسافة لا بأس بها وجد اثنان من الشباب يحاوطون فتاة غير واضحة الملامح بهذا الظلام، هدأ من سرعته محاولا النظر اتجاههم ليتأكد هل هناك مشكلة أم لا، اتسعت عينيه حين تعرف على ملامح صاحبة الشعر القطني، أوقف سيارته بشكل فجائي جعل الشباب ينظرون نحوه بعيون حادة، أسرعت الفتاة بالهرب مبتعدة عن الشباب.

بهذه اللحظة قاد تولاي سيارته نحوهم كي يخيفهم وكأنه سيصدمهم ،اسرعوا ركضا مختبئين بالمبنى القديم المجاور لهم.


نظر نحو ركض الفتاة نظر مسرعا بسيارته نحوها فاتحا الباب الامامي لها قائلا :

 " اصعدي بسرعة قبل عودتهم".


 رفضت مبتعدة عنه بخوف، نظر تولاي للمرٱة الخلفية نحو الشباب وهم يخرجون من المبنى وبيدهم أسلحة بيضاء صارخين بأعلى صوتهم.


 صرخ بصوت قلقه:

 " اصعدي بسرعة، علينا أن نهرب قبل وصولهم لنا".


وبعد أن تأكدت من خطر إقبال الشباب عليهم  اسرعت بصعودها دون إغلاق بابها، ليسرع تولاي بقيادة سيارته مبتعدا عن المكان بصعوبة كبيرة فإن كانت الإطارات سليمه ما كان استغرق لحظات حتى طار وترك المكان بسيارته الشبابية الحديثة ولكن شاء الله أن يعيشوا هذه اللحظات الحابسة للأنفاس.


امسكت الفتاة بكتفه خائفة من انزلاقها و وسقوطها من باب السيارة الذي استمر مفتوحا أثناء هروبهم الذي لم يستمر كثيرا حتى سمعا صوت انفجار الإطار الآخر لتصبح السيارة تتخبط يمينا و يسارا، من حسن حظهم ان سرعتهم ليست بقدر حداثة ما يركبون وإلا كان انقلابهم و انتهائهم أمر لا خلاف عليه .


نجح تولاي بإيقاف سيارته دون اصطدام ناظرا لها بخوف:

" هل أنتِ بخير؟" .


لم تجبه بلسانها من شدة سرعة انفاسها، سألها مرة اخرى وهو ينظر ليدها التي وضعت أسفل بطنها بوجه ظهر عليه التألم وصوت بالكاد يخرج " ابني سافقد ابني ".


اتسعت عينه بخوف متسائلا بتعجب:

" ابنك ؟ "


google-playkhamsatmostaqltradent