الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم أمل محمد الكاشف
رحمة أم شفقة ؟
أم عمل خير ساق إليك ما لا تدري عقباه.
خفضت زبيدة عينيها أمام ضحكته التي لمعت بوجهه المضيء دون الرد عليه، بينما وقف هو ممسكا بأكواب العصير كي يضعهما بالصينية ومن ثم رفع الطاولة كي يعيدها لمكانها، أخذا الصينية من أعلاها قائلا:
" سأذهب أنا لأرى ما عليَّ فعله من أعمال قبل أن يقلب يوسف بيه الطاولة على رؤوسنا، فمن المؤكد أنه يترقب لحظة وصولي للشركة بفارغ الصبر ليحملني من الأعمال بقدر ما يجعلني أطمع في الهرب كل مرة".
تعجبت من تواضعه بالحديث وخروجه المهذب، بالإضافة إلى سماعها صوته في الخارج وهو يحدث عثمان:
" لا عليك انتبه انت لعملك وانا سأعطيها للسيدة ساجدة في طريقي لغرفتي".
أومأ عثمان رأسه :
" امرك تولاي بيه"
استمر تولاي في طريق عودته للقصر وهو ينظر للسماء قائلا كعادته:
" ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير"
ابتسم وجهه فور تذكره جده أورهان ليقول في نفسه:
" هل نذهب لمشاركتهم أطراف الحديث ونغضب أبينا منا أم نحفظ ماء الوجه ونذهب للشركة كي نكسب رضاه عنا".
ورغم قراره بالذهاب للشركة إلا أن قدميه ساقته لجناح جده وجدته ليطمئن عليهما مقبل يديهم فائزا برضاهم عليه.
فما اجمل وجوههم السعيدة بمجرد رؤية أحد أحفادهم يدخل عليهم ويهتم بهم، تحدثت فضيلة قائلة:
" من الواضح أن هناك من جاء هاربا….
قاطعها أورهان بقلبه الذي رق كثيرا بكبر السن:
" جعلتموني اتمنى لو يعود بي الزمن واغلق كل الشركات كي استمتع بوجودهم حولي، ما بك الشاب لم يبلع ريقه بعد السلام، هل سنطرده خوفا من تأخره على أبيه"
ابتسم تولاي مقتربا من جده جالسا بجواره وهو ينظر للعبة الشطرنج أمامه قائلا :
" بصراحه يا جدي أشعر وكأنك اخذتني وسيلة للهروب من خسارتك أمام فضيلة "
اغلق اورهان طاولة الشطرنج قائلا :
" افعلها كلما أردت تحفيزها، تعلم ليس لي رفيق سواها ستهرب مني أن خسرتها بكل مرة "
ضحكت فضيلة وتولاي قائلين:
" طبعا طبعا الملك يعطف على رعاياه بقلبه الحنون"
:" هل تسخرون مني " قالها اورهان بغضب وتذمر ليسرع تولاي بهروبه قائلا:
" ومن يستطيع فعل ذلك بالسلطان "
سأله بسرعة قبل خروجه:
" إلى أين أنت ذاهب"
رق قلب تولاي قائلا :
" أعدك إن لا اتاخر ساعود الليلة باكرا نأمل سويا ومن ثم نجلس لنتشارك اللعب والحديث حتى تمل مني وتطردني"
امسكت فضيلة رأسها قائلة:
" إذًا ستنام بجانبنا اليوم. فجدك لا يمل منكم وان جلستم بجانبه العمر كله"
حنت عيناه دامعه بحبهما وطيبة قلبهما ليعود بخطواته السريعة مقبلا يد كلا منهما داعيا الله أن لا يحرمه نعمة حبهم له.
انشغلت سيلين و يوسف في العمل بشكل كامل كما هو الوضع مع لي لي التي تحملت مناوبات اضافيه لأجل أحد صديقتها التي تتأهل للزواج.
عكس تولاي الذي علق بالقصر أغلب الوقت يذهب للشركة بعض الوقت هاربا منها بعد مشادات بينه وبين أبيه الذي يتهمه دائما بالتقصير وعدم الاهتمام باملاكهم وأعمالهم.
كلما استيقظ أو عاد من الخارج يذهب للملحق كي يطمئن على ضيفتهم بحجة انها وحيده و الجميع مشغولا، معتقدا أنه بذلك يمارس ما تعلمه في طفولته ونشأ عليه من جبر ورحمة ومساعدة المحتاجين.
ولا ينسى الذهاب لجده والجلوس معه أكبر قدر ممكن كي ترتاح جدته، فلقد أصبح اورهان كثير الكلام والطلبات وحب رؤية الجميع حوله.
أصبح عادة تولاي الأخيرة تناول الفطور مع زبيدة في الملحق بحجة انتهائه من التمارين الرياضية، وفراغ طاقته وعدم وجود من يشاركه فطوره بهذا الوقت.
لم يقف الوضع عند مشاركته فطوره معها بل أصبح يذهب إليها كلما اتيحت له الفرصة متسائلا عن حاجتها لأي شيء بجانب الاطمئنان على صحتها وطفلها.
لفت انتباه فضيلة واورهان اهتمام حفيدهم بالفتاة دون أن يعطيا للأمر أهمية، فكانوا دوما يثقون بهم ويزرعون بقلوبهم حب وخشية الله والخير لأجل إرضائه سبحانه وتعالى.
كما هو الحال مع سيلين التي اطمأن قلبها كلما حدثها ابنها عن الفتاة وتحسن وضعها، دون أدركها هي أيضا مدى العلاقة التي ربطت قلبه بتلك الفتاة.
ليأتي صباح جديد مشرق أسرعت به الدكتورة لي لي للإسراع في الذهاب إلى عملها، تذكرت أمر زبيدة باخر لحظة غيرت وجهتها مسرعة جهة الملحق أولا كي تطمئن على وضعها وتبلغها بضرورة ذهابها إليهم اليوم ليتم فحصها و معرفة وضع جنينها هل اكتمل ام لازال على وضعه.
ثم تحركت بسرعة لتخرج من الملحق موجهه حديثها لعثمان:
" من بعد اذنك اريد ان تجهزوا سيارة تنقل السيدة زبيدة للمشفى اليوم على الظهيرة وطبعا وتعيدها بعدها بسلام".
رد عثمان باحترام شديد:
" تحت أمرك يا دكتورة سأفعل هذا حتى لو اضطر الامر لاذهب بنفسي حرصا على سلامتها ".
شكرته ومن ثم نظرت خلفها نحو زبيدة قائلة بابتسامة جميلة :
" سلام مؤقت أراكِ هناك يا حلوة".
ارتدت نظارتها الشمسية وأكملت سيرها نحو سيارتها السوداء الفاخرة لتصعد بها وتقودها لخارج القصر .
تعجبت زبيدة من وضع لي لي فهي ببعض الاحيان تظهر حنونه متواضعة جابرة للخواطر، واحيانا اخرى تكون عصبية حادة تلقي عليها الأوامر والمفروضات مسرعة بخروجها.
عاد تولاي للقصر بهذا اليوم بعد أن أنهى اجتماعا مهما خاص بمواعيد مباريات كرة القدم القادمة، استغرب حين رأى زبيدة تقف بجانب البوابة الخارجية الكبيرة.
أوقف سيارته الزرقاء التي تشبه بشكلها الطراز الرياضي قائلا من داخلها:
" إلى أين تذهبين وحدك ".
ردت على خجل:
" انتظر السيد عثمان، أخبرتني الدكتورة لي لي انها تنتظرنا في المشفى كي نطمئن على وضع الطفل".
نظر حولها متسائلا:
" ولماذا تقفين بالخارج؟، كان عليكِ أن تنتظري بجانب الملحق كي تركبين السيارة من هناك ".
أجابته بصوت منخفض:
" هذا ما أخبرني به السيد عثمان ".
مد تولاي نظره نحو قيادة عثمان السريعة للسيارة وتوقفه المفاجأة أمام سيارته نازلا منها على عجل وهو يتحدث معه:
" تولاي بيه اهلا بك. لم اتوقع عودتك بهذا الوقت، اخبرتني الدكتورة توجب ذهاب…
قاطعه تولاي قائلا:
" هل ستقود السيارة بهذه السرعة ومعك مريض"
هم عثمان بدفاعه عن نفسه لولا مقاطعة تولاي له وقوله:
"لا عليك سأذهب انا لإيصالها انتبه انت لتأمين القصر بغيابنا لا اريد أي تقصير".
أنهى حديثه ناظرا بعدها إلى زبيدة:
" هيا اصعدي بجانبي لنذهب للمشفى".
ردت على استحياء رافضة ان يتعب نفسه طالبة منه أن يترك السيد عثمان ليوصلها أو انها تأخذ العنوان وتذهب وحدها، رفض بشدة وأمرها من جديد أن تصعد بجانبه.
تحركت مضطرة للصعود بجانبه على المقعد الأمامي حين تعذر عليها إيجاد باب للمقاعد الخلفية فالسيارة عبارة عن مقعدين أماميين فقط.
دخل تولاي القصر بالسيارة متوقفًا أمام بابه الداخلي الكبير قائلا لها:
" انتظريني سآخذ بعض الأوراق المهمة كي نعطيها لأبي أولا ومن ثم نذهب للمشفى لا تقلقي سنصل على الموعد دون تأخير ".
اقترب من باب القصر الداخلي عائدا إليها مرة أخرى متسائلا بنبرة مازحة:
" هل نشرب القهوة ونتحمل ما سيأتينا من وراء تأخير الأوراق على يوسف بيه، ام نتركها لبعد خروجنا المشفى".
قطع حديثه علو صوت رنين هاتفه باتصال أبيه ليقول لها:
" جاء الرد بأسرع مما اتوقع لنذهب إليه أولا".
اكمل طريقه الى داخل القصر ركضا على السلالم الأمامية بلياقه رياضية وخفة شبابية رائعة.
خفق قلب زبيدة من جديد وهي تراقبه من الخلف، اخفضت عينيها تجاه طفلها أسفل بطنها محركة يدها عليه بصمت وحزن دفين.
وصل تولاي للشركة رافضا أن يبقى كي يحضر الاجتماع مع أبيه، وهذا ما أثار غضب يوسف الذي افتعل أمر احتياجه للأوراق كي يحضر ابنه رغما عنه.
تحجج تولاي باستعجاله ووجوب وصوله للمستشفى، تحدث يوسف باستنكار علىَ صوته به:
" هل وقع عليك أمر ذهابها إلى المستشفى، أين عثمان و شتاي و دمير".
نظر تولاي نحو العاملين خلف أبيه مجيبا بصوت منخفض:
" سأشرح لك بوقت لاحق وايضا المشفى بطريقي اخذتها معي ما الخطأ بهذا ".
تحدث يوسف بغضب ظهر بنبرة صوته وشدته:
" بوقت لاحق. بوقت لاحق. لا آخذ منك سوى هذه الكلمات ".
دخلت سيلين المكتب وهي تراقب وضع ابنها ذو الوجه الأحمر وزوجها ذو العيون الغاضبة مقتربة منهم متسائلة:
" ما بكم لماذا انتم بهذه الحالة؟".
تحدث يوسف بغضبه:
" اسألي ابنك، او انتظري تسألينه في وقت لاحق أفضل فالباشا لا وقت لديه الآن لشرح علته".
عاد تولاي لينظر للعاملين من الخلف بضيق أكبر دون رد، حاولت سيلين معالجة الوضع بسحبها ابنها إلى خارج المكتب قائلة لزوجها:
" حسنا اكمل أنت عملك وأنا سأرى ما به "
و بمجرد خروجهما من المكتب تحدث تولاي بغضب:
" ماذا حدث لكل هذا؟، من جديد وجد الفرصة ليغضب عليّ مهما فعلت لا استطيع إرضائه".
امسكته أمه من ذراعه قائلة:
" تعال معي لنجلس بمكتبي ونتحدث براحة أكبر، أنت تعلم والدك لا يتحمل احزانك حتى تبقى القليل لخروجه خلفنا والبحث عنك لإرضائك ".
رد تولاي على امه بضيق:
" لا أريد مصالحته لي وأيضا..
رفع شعره من على جبهته معيده للخلف وهو يكمل :
" عليّ ان أخرج بسرعة، لنكمل حديثنا عند عودتك ".
قبل رأسها ثم تركها ليبدأ بسيره المبتعد عنها، غضبت سيلين من زوجها لدرجة كادت أن تعود لتقطع اجتماعه والتحدث معه لولا انها خشيت من استياء الوضع وزيادة عصبيته.
تحركت نحو القسم المالي لتنهي بعض الأعمال هناك بلسان يستغفر ربه، فرغم أنها تستطيع بهاتفها نقل الشركات كلها داخل مكتبها الا انها اعتادت على الذهاب بنفسها ومتابعة الأعمال بأم عينها وهذا ما يرهقها وينهي وقتها وجهدها.
عاد تولاي للسيارة صعد بها جالسا على مقعده وهو حامل غضبه بقلبه مما جعلها تشعر بحالته الغير طبيعية، أخبرته بإمكانية ذهابها بسيارة أجرة وحدها يكفي أن يكتب لها العنوان، ولكنه رفض و بدأ قيادته السريعة قائلا :
" لا عليكِ أنا سأوصلك كما وعدتك".
ظلت صامتة بأعين تراقب الطريق ويد ممسكة بمقبض الباب تخوفًا من سرعته الفائقة، لم ينتبه تولاي لحالتها من شروده وتفكيره بحدة أبيه معه وعدم استطاعته ارضائه بأي طريقة، توقف امام المشفى بشكل مفاجئ رجها واخافها وهنا استعاد تولاي عقله فور رؤيته لحالتها ويدها التي كانت تحمي جنينها.
اسرع باعتذاره منها متسائلا :
" هل تأذيتي؟، هل تتألمين؟".
تجمعت دموعها في عينيها:
" لا اعرف؟ ".
غضب على نفسه صادما المقود بقبضة يده قائلا بعصبية:
" اعتذر مره اخرى لم انتبه لسرعتي واعتيادي عليها، وايضا ابي لم يعطيني فرصة في التفكير بأي شيء يضغط عليّ حتى اصل لدرجة ينقطع عقلي عن التفكير، ولكن لا تقلقي سيكون كل شيء على ما يرام هيا لنصعد لنطمئن عليه ".
تحرك لينزل من السيارة قبلها مسرعا للجهه الاخرى ليفتح لها الباب، مسحت دمعتها الصامتة وهي تنظر ليده الممتدة أمامها ليساعدها بالنزول، وبخجل وضعت يدها بكف يده وهي تتحرك لتنزل بهدوء و بطئ تاركه يده بعد ان استقامت بالوقوف.
طلبت منه مرة أخرى أن يتركها وهي ستعود وحدها، ولكنه رفض رفضا باتا، تحركا بجانب بعضهما البعض للداخل متوجهين لمكتب الدكتوره لي لي التي تفاجأت أمامها باخيها النادر زيارته لها بالمشفى.
رفعت حاجبها وهي تنظر لزبيدة التي تقف خلفه بخطوات قائلة :
"اعتذر منكِ لا استطيع ان اكون معكِ لوجوب دخولي غرفة العمليات كمساعد، ولكني أوصيت الطبيبة نرمين واوضحت لها وضعك لا تقلقي اذهبي إليها وهي ستقوم باللازم"
رفعت يدها مشيرة لزبيدة نحو عيادة الدكتورة مما جعلها تتحرك تجاهها عدة خطوات، وهنا استغلت لي لي ابتعادها عنهم لتسأل اخاها عن سبب قدومه مع الفتاة:
" أين عثمان والبقية لماذا أنت؟"
ضاق صدره زافرا بضيق:
" لا تبدئي أنت أيضا يكفينا ما أخذته من والدك".
تحركت على عجل قائلة :
" لنكمل بوقت لاحق"
غضب تولاي أكثر قائلا بصوت منخفض:
" لا يوجد وقت لاحق لا أريد التحدث والتبرير لأحد هذا ما حدث هيا اذهبي لعملك "
تحركت لي لي تجاه قسم العمليات الجراحية ، كما ذهب تولاي تجاه زبيدة واقفا بجانبها تاركا بينهم مسافة .
حان موعدهم دخلت زبيدة للطبيبة تبادلت مع طبيبتها بعض الأسئلة والاجوبة عن وضع الام والطفل ومن ثم طلبت منها الصعود على الفراش الطبي كي تكشف بواسطة جهاز سونار على الرحم للاطمئنان على وضع الجنين.
بقي تولاي واقفا خلف الساتر العازل يخطف النظر نحو الشاشة المصورة فقط ، تحدثت له الطبيبة قائلة:
" اقترب يا والده كي تستمع لنبضات قلبه التي اصبحت جيدة، من الواضح ان ابنكم يتمسك بالحياة".
تفاجأ تولاي بصوت نبض الطفل يعلو بالغرفة نظر تجاه تحركه الطفيف بالشاشة مبتسما بوجهه قائلا:
" سبحان من خلق وصور".
أنهت الطبيبة كشفها وأعطت لزبيدة منديلا ورقيا كي تمسح المادة اللزجة اسفل بطنها وتحركت بخروجها من وراء العازل وهي تنظر نحو من اعطاهم ظهره مقتربا من المكتب.
جلست مترأسه مكتبها قائلة:
" سيأتيكم صبي قوي اتمنى ان يكون بجمال والده ".
ثم نظرت لأمه التي جلست أمامها مكملة " وجمال أمه طبعا ".
صدم الاثنان من حديثها لم يستطيعا نفي صلتهما ببعضهما كي لا يقعا بدائرة التفسير و صلتهم بالدكتورة لي لي وخاصة تولاي.
طمأنتهم على وضع الحمل الذي أصبح جيدا ولكن يتوجب على الأم الراحة وعدم الحركة حتى تتخطى الشهر الخامس كي تكون في أمان اكثر.
رد تولاي:
" لا عليكِ هي بأعيننا، ولكني كنت اريد ان اسألك عن السير البطيء هل يضرها، سألت لأجل تجديد الدورة الدموية والتمتع بفوائد أشعة الشمس"
ردت الطبيبه:
" ممتاز أشعة الشمس مهمة جدا لها، سأسمح لها بالسير بخطوات بطيئه هادئه مسافات قصيرة تجلس كلما شعرت بالجهاد ".
مدت الطبيبة يدها بصورة الجنين ليأخذها منها تولاي متحمسا لرؤيته الطفل عن قرب فرحا بتجربته الأولى.
وبينما هو على هذه الحالة الفرحة كانت أمه تدخل المكتب على زوجها مستمعة لصوت ضحكة قائلا:
" مع من اتحدث انا حسنا اذهب معهم وأنا سأتولى أمر والدتك، ولكن لا تتأخر عن ساعتين على الأكثر لتعود بعدها لدروسك و واجباتك ".
استدار ليرى من دخل عليه ليجدها تنظر له بوجه غاضب، أنهى حديثه بسرعه قائلا لها:
" هذه المره فقط، لا يمكننا أن نكسره أمام اصدقائه ".
ردت بنبرة غضبها :
" نعمان لا يمكننا كسره واحزانه ولكن تولاي يمكننا فعل هذا وأكثر به أمام اى أحد لا فرق لدينا المهم أن نسحق به ".
دافع يوسف عن نفسه :
" تظلميني من جديد انا لا افرق بالمعامله بين أولادي، ولكن ابنك الكبير العاقل لا يسمع الكلام ولا يرى مستقبله بشكل جيد دائما يسير بعقله الذي سيضيعه فقط ".
ردت سيلين بضيق اكبر:
" لا تظلمه انه يفعل كل شيء ليرضيك وانت بكل مرة تكسره حتى اعتدت وأصبحت تفعل هذا أمام الموظفين دون ملاحظتك لذلك، وأيضا ما به مستقبله أخبرني لافهم علتك" .
دافع يوسف مجددا عن نفسه:
" حسنا أنتِ لديك الحق بالأخيرة ما كان علي أن أحدثه بهذا الشكل أمام الجميع، ولكن ألم تفكري لماذا لم أغضب على نعمان و لي لي ".
قاطعته :
" لأنك لا تستطيع فعلها بسبب جدها و جدتها يخلصون عليك دون رحمة ، ونعمان نفس الشيء ولكن هذا المسكين يحدث به كل شيء دون مناصفة ".
رد عليها بضيق:
" اخبرته ان يترك حياة اللاشيء ويأتي ليساندني ويحمل المسؤولية معنا ، أليس هو كبير العائلة ، أليس هو من سيحمل الأمانة من بعدنا " .
زفرت بغضبها :
" اوووف يوسف اوووف عدنا لنفس النقطه لا تريد ان تتحلى بالصبر، اتركه سنتين على الأكثر وهو يعود وحده ليحمل كل شيء معك ، اتركه يسافر و يلعب بالنوادي التي يتمناها بالأخير سيعود ليعمل معك ".
لم يقتنع بكلامها قائلا بضيق:
" وماذا ان لم يعد واعتاد على أخذ كل شيء دون تعب او جهد، ملاعب خاصة و اشتراكات باهظة الثمن سيارات رياضية فاخرة يبدل بهم كما يبدل ملابسه ، قلتها من قبل وسأقولها من جديد أن لم يبذل جهد فيما يصرفه ويتمتع به لا تنتظري منه عوده ولا فائدة "
حركت سيلين رأسها بغضب:
" ونعمان هو من تعب واجتهد لهذا تكافئه "
ضاق صدره متحدثا:
" وكأنه ابني لوحدي استغفر الله ".
تحركت سيلين لتخرج من المكتب :
" افعل ما تريد ، استسلمت ".
و بعد خروجها ألقى يوسف بهاتفه على المكتب قائلا:
" استغفر الله العظيم وكأني اكره وافرق بينهم حقا ".
وصلت سيارة تولاي أمام الملحق من جديد، نظر لها قائلا:
" حمدلله على السلامه ".
ابتسمت بخجل شاكره له جهده معها واهتمامه بها، ثم اشارت بيدها تجاه يده قائلة
" هل يمكنني أن آخذها ".
تفاجأ تولاي إمساكه بصورة الجنين طوال الطريق دون إدراك منه، فتح يده ناظرا نحو الصورة ليعطيها لها قائلا:
" انتبهي له عليكِ المحافظة على صديقي الجديد فمن الان وصاعدا أصبحنا أصدقاء"
اخذت الورقة منه وهي تنظر لطفلها بها مستمعه لقوله:
" انا جاد و شديد بهذه الأمور" .
شكرته من جديد وتحركت لتنزل من السيارة تومأ برأسها لمن رفع كف يده مودعها قبل قيادته السيارة نحو باب القصر.
لم تدخل الملحق تحركت لتيسر نحو الأشجار والساحات الرياضيه جالسة على مقعد مستطيل خشبي مستندة بظهرها على السور من الخلف وهي شاردة بالورقه.
وقبل أن يصل إلى غرفة جدة رن هاتفه باتصال أبيه مجددا ليفتحه بضيق قائلا :
" تفضل يا أبي أؤمر ".
تحدث يوسف قائلا لابنه :
" ما هذا الجفاء هل اؤمر، لا يوجد كيف حالك يا والدي ".
دخل تولاي غرفة جدة ذات الأبواب المفتوحة قائلا لأبيه:
" رأيتك قبل قليل كنت بحاله جيده ام أنك تشعر بسوء ".
رد يوسف على ابنه:
" نعم اشعر بسوء فأي راحة سأشعر بها بعد هذه الكلمات ، اتصلت لأحدثك بعد أن خرجت غاضبا من مكتبي وانت تتحدث بشكل يجعل المرء يهرب منك أربعين سنة "
تجمعت ملامح الضيق على وجه تولاي الذي رد على أبيه قائلا:
"اعتذر منك يا أبي الحبيب ، كيف أصبحت اليوم اتمنى ان تكون بأفضل حال "
رد يوسف بضيق:
" نعم بأفضل حال حتى اني افضل منك فلا يوجد أجمل من النشاط البدني والعقلي بالعمل وتولي مسؤولياتي "
ابعد تولاي الهاتف من على أذنه ليتنهد بضيق ، أشار جده له أن يعطيه الهاتف .
بهذا الوقت كان يوسف استرسل بحديثه عن العمل و أهميته ليرد أورهان عليه:
" انظروا لمن يتحدث ترك عمله ليثرثر مع ابنه، ساخصم من مرتبك ونسبتك حتى تحترم مواعيد العمل".
خرجت ضحكة كبيرة من يوسف قائلا:
" وقعنا بالفخ هل كان يستدرجني ليعطيك الهاتف"
جلس تولاي بجانب جدته وهو يتناول من الفواكه التي كانت تقطعها لجده بحب وراحة كبيرة تملأ قلبه بمجرد جلوسه مع جديه.
سألته فضيلة عن وضع الضيفة بالمحلق، ابتسم وجهه قائلا:
" هما بخير لا تقلقي ذهبت اليوم انا وهي للمشفى لا تصدقي ما سأقوله لكِ لقد سمعت صوت نبض الجنين، كان شعور رائع دمعت عيني من صغر حجمه ومعجزة الله في خلقه"
نظرت فضيلة نحو أورهان الذي أغلق الهاتف مستمعا لاسترسال تولاي بحديثه عن زبيدة وطفلها.
سايره أورهان بالحديث متنقلا بين الفتاة وسفره لألمانيا و وضع صديقه المصاب.
ظل تولاي يجيب عليهم ويفيض بكل ما يجول بقلبه أمام جده وجدته دون تحفظ أو قلق فهو كما هو منذ طفولته يأتي إليهم يفيض وينضح بما في داخله حتى يرتاح ويسكن ومن ثم يخرج ليبدأ حياته وكأنه ولد للتو.
عكس ما يحدث بغرفة الفندق حين غرق إبراهيم في شروده وتذكره رؤيته لزبيدة وهي تصعد السيارة الفاخرة بجانب شاب أسود الشعر شديد بياض الوجه، حك شاربه الكبير حجما وكثافة قائلة:
" هل كنت احلم يا ترى، وايضا كيف ستصل لاسطنبول وتتعرف بهذه السرعة على شاب كهذا وكأنه نجم عالمي ".
استقام بجلسته وهو يكمل حديثه مع نفسه:
" هل يوجد شبيه للإنسان لدرجة تصل طبق الأصل، ولكني متأكد انها هي لا يمكن أن تكون غيرها ولكن ما دخل هذا الشاب بها ".
حزن وجهه مجددا عاتبا عليها:
" أين ذهبتي وتركتيني يا زبيدة. كيف سمح لكِ قلبك ان يبتعد عني؟ ألهذا الحد احزنك زواجي من غيرك؟ كان عليك أن تقبلي خطتي والعودة لي في السر".
عاد إبراهيم ليستند بظهره على الوسادة الخلفية واضعا يده على عينيه متحدث بحسرة:
" انتِ من يجبرني على ضربك وربط يداكِ ، ماذا كان سيحدث ان سلمتيني نفسك دون بكاء واعتراض وصراخ وكأني اخذ ما لم يحلل لي ، انا زوجك انا زوجك ، استغفر الله ".
.......
إلى هنا وحسب... يتبع
الفصول الجديدة بقلم أختكم أمل محمد الكاشف
لا تنسوا وتحرموا أنفسكم من الدعاء في هذه الأيام المباركة، وخصوصا دعاء
'' اللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار ، اللهم إنا نعوذ بك من يوم يزول به نعمتك ويحل علينا سخطك اللهم أقدار جميلة هادئة ، اللهم إنا نعوذ بك من لا نستطيع عليه صبرا"
اللهم با وهاب هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا يارب العالمين ، اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم ويا مجيب دعوة المضطر نسألك يا واحد يا احد يا فرد يا صمد يا من لا إله إلا هو فرجًا قريبًا يشرح الصدور ويبدّل الضيق سعة والحزن طمأنينة
اللهم يا الله نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم اجعل لنا من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيقٍ مخرجًا وافتح لنا أبواب رحمتك وفضلك من حيث لا نحتسب واجعل ما ننتظره خيرًا وما نخافه أمنًا وما نتألمه أجرًا يارب العالمين، اللهم إن الفرج بيدك لا بيد غيرك فيا الله نسألك أن تفرغ علينا صبرًا وترزقنا يقينًا يقرب لنا كل جميل اللهم اكتب لنا فرجًا يتعجب منه أهل السماء والأرض يارب العالمين ، يا ارحم الراحمين واكرم الاكرمين يا الله لا تردّ لنا دعاء ولا تخيّب لنا رجاء واجعل عاقبة أمرنا يسرا برحمتك يا أكرم الأكرمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
