الليالي المظلمة الجزء الثاني
بقلم امل محمد الكاشف

تلقى اورهان خبر وفاة نعمان افاي بحزن كبير أسره بقلبه امام حزنها وبكاءها على رحيل اخيها لمكان بعيد كما كتب لها، لم تقل صدمة يوسف عن أبيه بل كانت أكبر وأشد منه فبرغم انه قرر ابعاده عن عائلته وأولاده إلا ان داخله يحمل معروفًا كبيرًا لهذا الرجل الذي لمس جانبه الخيري و حبه الكبير لأخته وقربهم الوجداني بينهم بآخر فترة، حاول التماسك و عدم إظهار حزنه امام زوجته التي كانت بحاجة كبيرة لدعمه.
اتصل يوسف بالطبيب الخاص المتابع لحالة زوجته بالحمل ليستشيره قبل أخبارها بوفاة اخيها، ليطلب منهم ان يأتوا إليه ليطمئن على ضغطها و إعطائها حقن مهدئة قبل تلقيها هذه الفاجعة الكبيرة.
من الجيد ما فكر به يوسف فبرغم اعطائها المهدئ وتمهيدهم للخبر و انه قضاء و قدر إلا أنها انهارت بشدة و كأنها فقدت والدها للتو ليرتفع ضغطها وتشتد تقلصاتها من جديد.
قلق يوسف عليها لان حملها هذه المرة كان مختلفًا وأكثر صعوبة عن سابقيه، طمئنه الطبيب و اشار عليه ان تبقى بالمشفى هذه الليلة كي يتابعوا القياسات و يتدخلوا في اي وقت ان توجب الأمر.
………
تم القبض الفوري على مارت و عدد قليل من مساعديه بأقسام الشرطة المختلفة بجانب زهير و بضعة رجال اخرين كانت الشرطة قد وضعتهم تحت المراقبة منذ أشهر عديدة و بعد مساعدة اورهان و نعمان استطاعت الشرطة القبض عليهم دون فرار من مصيرهم المحتوم، اما يافوز فكان له الجزاء الأكبر وفقًا لتلك الفيديوهات و الملفات التي وجدت بجعبة الضابط بينجو والتي كانت كفيلة ان تنهي حياته وليس فقط تبقيهم بالسجن.
…..
وقفت سيارة الشرطة لينزل منها بقوة و بدأ صعود الدرج ليدخل المشفى الكبير و هو يتذكر حديثه الاخير معه "ستعود ابنتك لك، ومعها ما يحقق طموحاتها و احلامها، ستحتاج القليل من الوقت لتعود لعملها و لحياتها السابقة، كن ابًا جيدا لها يكفيك قسوة وشدة فهما لا يجلبان لك سوى الالم و الحسرة، تذكر دائما ماذا ان خسرتها مرة اخرى! ماذا إن رحلت دون ان تطلب منها السماح! اهتم بها فهي بأشد الحاجة للاحتواء و الاهتمام، نعم لديها مشكلة اعتقد انها نفسية لم اعلم السبب و لكنها تظل تبكي طول الليل حتى بعد نومها من الممكن ان سببها هو وجودها معي و ان باطنها وظاهرها بعراك قوي بالاخير لا تتركها دون احتواء و حب كي لا تجدني خصم لك من جديد، هيئوا لها جو عائلي دافئ كونوا بجانبها و ليس ضدها، انا متأكد انها شخص لن ينتظر بالسيارة ليأتيه الخطر، بجانب فضولها الكبير برؤية ساحة المعركة كما اني اعلم انها ستخل بعهدها و تفعل شيء مفاجئ معاكس لما اتفقنا عليه لهذا كونوا على ترقب للسيطرة عليها بالوقت المناسب"
وصل جوكهان للمشفى بالتحديد لقسم ثلاجات الموتى لاستلام ابنته وهو يحدثها داخله بدموع قلبه الدامي "سامحيني يا روح فؤادي"
جلست امها على مقعد حديدي مجاور بعد ان فقدت القدرة على الوقوف و هي تردد
"أخبرتك ان الاحلام لا تتحقق بالقسوة، اخبرتك انها فتاة لها قدرة و اهتمامات و طريقة مختلفة عن تربية الأولاد ما ذنبها، ما ذنبها أنها ولدت أنثى، ما ذنبها في نهاية كهذه، لقد ألقت بنفسها أمام طلقات الرصاص لتهرب منا لتهرب من حياتنا"القسم الثاني
و بشرفة غرفتها جلست سيلين ممسكة بقلمها لتكتب بدفترها بحزن
" أنتهى حلمي الجميل، ياليتني استطعت مساعدتك، ياليت اقدارنا كانت مختلفة ، اقول لنفسي ماذا لو جمعنا منزل صغير بتلك الزمانات، ماذا ان ربينا و نشأنا و درسنا و تخرجنا معًا، ماذا ان جاءني أميري ليطلبني منك و انت تتعزز و تتردد بإعطائه غاليتك ، ماذا ان ولد ابنك على يدي لأراه و اقبله و اشتم رائحته قبل الجميع، ماذا ان طلب اولادي ان يذهبوا لمنزل خالهم، ماذا ان لم اتعرض لما تعرضت له من وحشية و ظلم حفر بأعماق قلبي ، هل اخبرك سرًا يا اخي رغم القصاص إلا أن قلبي لا زال يرتعد كلما تذكرت ذلك الزمان، ماذا ان لم ترى والدتك بهذا المشهد الثقيل ماذا ان تريثت دون اقحام نفسك بالظلام، ماذا ان اختلفت أقدارنا و دنيانا، ولكنها أحلام ما حدث حدث لا يمكننا تغييره وما عشناه مخطوط بعقولنا شئنا ام ابينا يضرب امامنا بلحظة استعادة الذكريات"
صعدت السيدة عفيفة لغرفة سيلين لتبلغها بوصول عمتها ايفان هانم، شكرتها و هي تقول برضا
"من الجيد إنك اعتدتي سريعًا على عملك الجديد، أنيسه ابله مسرورة منك اتمنى ان تظل الأمور بينكما على هذا النهج كي تحافظي على عملك اعلم انها شديدة العصبية كما أنها دقيقة بعملها و لا تتحمل الخطأ او التقصير ولكن داخلها قلب ابيض ان استطعتي تملكه فزتي ليس فقط باستمرار عملك بل بإنسانة رائعة لن تتكرر بسهولة بهذه الحياة "
و تحركت لتنزل لاستقبال عمتها و هي اشد حزنًا و تألمًا على ما فقدته، عاتبت سيلين عمتها بشدة
" كيف تركتموه بهذا الظلم، كيف فعلتم به هذا؟ كيف القيتم به للمجهول و انتظرتم منه المثالية"
بكت ايفان بحرقة حزنها قائلة
" ليس بيدي يا ابنتي، لم استطع انقاذه فأنا أيضا تألمت وعانيت و تعذبت من هذا الظلام، تزوجت وانا لا اعلم حقيقة زوجي و كان أبي شديد نخاف من التحدث معه، حدث ما حدث مع نعمان و شاء قدره السيء ان يلجأ لزوجي ليظلم عينه و يحرضه على ما فعله بأمه حتى يغرقه و نجح، نجح بصناعة وريث له بهذا الظلام، نعم اراد ان يعود من ظلامه بعد خروجه من السجن ولكن قسوة اخي الموروثة من أبي جعلته يقذف به للمجهول دون ان يبالي ، و جعلت ايضا زوجي يلتقطه و يشكله كيفما يشاء اشربه واطعمه من ظلامه حتى اصبح مثله "
تفاجأت سيلين من حديث عمتها، لم تكن تعلم هذه الحقائق من قبل ضاق صدرها رغم ما سمعته من عمتها عن عدم رضاها و توبتها و معارضتها لزوجها و ابن اخيها.
كانت تعد الدقائق متمنية انتهاء الزيارة التي كانت تنتظرها دومًا هي وابنائها بشوق.
حاول زوجها ان يقنعها ان عمتها مختلفة عنهم و انها تحبها ولا يمكنها التخلي والابتعاد عنها بهذه السهولة.
لترد عليه بحزن
" لا أعلم هل علي ان اشكر الله انه نجاني من هذه العائلة ، هل علي ان اشكر الله انني ربيت بيد اب حنون عطوف"
تغيرت نظرات يوسف نحوها فهو لا يصدق ما يسمعه منها و خاصة حين أكملت
" اعترف غضبت و حزنت منه بل تمنيت ان يعود الزمن و احاسبه على ما فعله بي ، و لكنه لم يؤذيني لم أرى منه سوى الحب والحنان و الخوف علي ، هل يا ترى كان يعلم بوضع عائلتي الحقيقية لهذا اخفى امري، هل ابي الحقيقي كان سيء؟ هل اخفت عمتي هذا عني؟ يقولون شديد و لكن لم يوضحوا ما مدى شدته "
قاطعها يوسف قائلا بخوف
" لا تفكري كثيرا جميعهم بقوا بالماضي نحن الان بجانب بعضنا البعض، لقد حفظكِ الله و اراد بكِ الخير فكري بهذا فقط، ما يدريكِ أي خير فعلته أمك بحياتها حفظك الله به طوال هذه السنوات "
و شرد ليتذكر قول إمام الجامع له
" لا احد يعلم اي خير يقبله الله منا فرب عمل صغير يكون لنا نجاة و حفظ طول الحياة ، ورب عمل كبير تعتقد انك وصلت و ارتقيت به لأعلى عليين و لكنه لم يُقبل ، فلا أحد يعلم متى سيستجيب الله له فليعمل الإنسان الخير و يتركه فلعله هو المنجي له"
……
مضت عدة أشهر قرابة من الأربعة على الأكثر، كان شاهين بحالة صحية افضل من الاشهر السابقة، جلست غمزة بجانب فراشه ممسكة بيده و هي تقول
"الحمدلله على سلامتك، من المفرح ان نتائج الفحوصات أصبحت تعطي علامات جيدة"
شكرها بوجهه المبتسم على اهتمامها قائلة
"شكرًا لكِ بذلتي مجهود كبير كي اصل لهذه النتائج بل لنصل فانتِ لم تقصري بأي منا ضغطنا عليكِ كثيرًا بالشهور الماضية"
حزنت غمزة مما قاله ليكمل هو
" ما بكِ، اقول الحق. لم تتركينا و لم تهنئي إلا بعد أن تطمئني علينا "
ردت عليه بنبرة عتاب
"وهل كنت تنتظر مني ان اترككم وأنتم بهذا الحال"
ابتسم لها وقال
" سنرى إجابة هذا السؤال بعد عدة ساعات قليلة من الآن "
خجلت منه ليكمل هو
"ولكني لا اريد الذهاب لمكان بعد عقد الزواج اريد ان نعود لمنزلنا، او نذهب سويًا لأي مكان هادئ لا يوجد به سوانا "
ردت غمزة بعيونها الفرحة لتقول
" لا يمكنك فعل هذا كيف لا يوجد سوانا، ستحزن سودة ان سمعت ما تقوله "
أومأ شاهين رأسه و قال
" أنتِ تقولين لا مهرب لنا من الذهاب لدعوة أورهان بيه "
اجابته بخجل
" نعم ارادوا ان يحتفلوا معنا، لا يمكننا كسرهم "
تحرك من مكانه وهو يجيبها
" إذا سأقوم انا لأنهي بعض الأعمال بغرفة مكتبي حتى اتفرغ للاحتفال "
و غمز لها مكملًا سيره نحو غرفة مكتبه التي لا تبعد كثيرًا عن الصالون الكبير.
مر الوقت بشكل جميل كان تجمع عائلي جميل احتفلوا من خلاله بعودة غمزة لشاهين و فرحة سودة بعائلتها الجديدة.
لا زال تولاي غضبان من ابيه فكلما نظر نحوه وجد يده على بطن سيلين كي يشعر بطفله الجديد ، و هذا ما جعل تولاي يقترب من جده اكثر فكلما رأى أباه بهذا الشكل اقترب واحتضن جده بقوة و حزن.
لاحظ اورهان ما يفعله حفيده و ربطه بأفعال ابيه و حديثه مع شاهين ان يسرع بإنجاب طفل صغير يعيد للحياة سعادتها و جمالها و نسى يوسف نفسه ليشرح لشاهين جمال المواليد الصغار و كم السعادة التي تطفوا على المنزل فور مجيئهم للحياة.
اهتم اورهان بصغيره كي يشغله و يخرجه من حزنه حتى انه فتح جهاز الالعاب الإلكترونية وبدأ ينافسه على الفوز.
اقتربت منهم سيلين متحدثه لأبيها
" ليس وقته الان ، عيب بحق الضيوف ، تلعبون بعد خروجهم"
اقتربت فضيلة هي ايضا لتقول لهم نفس ما تقوله ابنتها، ليغضب أورهان ناظرًا نحو الضيوف المنشغلين بالحديث مع يوسف مجيب عليهم بنفس نبرة صوتهم المخفضة
" فليصمت هو أولا، وأيضا ليس بعيب، انتفخ قلبي بتلاصقهم و رومانسيتهم اللاذعة "
كحت فضيلة و هي تشير لسيلين كي يذهبا ليعودا لمقاعدهم و يسايروا الضيوف حتى لا يشعروهم بنقص.
استأذن شاهين منهم كي يعودا لمنزلهم وقفت غمزة بفستانها الابيض الساحر كما وصفه زوجها، تحدثت لي لي لتطلب من عمها شاهين ان تبقى سودة لديها هذا اليوم، رفضت غمزة و ارادت ان تكون معهم بأول يوم لهم، غمز يوسف لصديقه شاهين بخبث متحدثًا بعدها "فليكن هذا اليوم فقط كي لا تحزن صغيرتنا و انا ساصطحبها بنفسي لكم بالصباح"
اصر اورهان على بقاء سوده لديهم كي تجلس مع ابنتهم و تعود إليهم بالغد وهذا ما جعل شاهين يوافق على طلبهم كي لا يحزنهم بينما صمتت غمزة أمام اصرارهم .
تحرك الجميع لتوديعهم، اقترب يوسف من شاهين واحتضنه و هو يبارك له و يقول بصوت لا يسمعه سواهم
" عليك ان تدعوا لي"
ضحك شاهين و هو يضم صديقه قائلا
" ليس لهذه الدرجة انتم من اراد هذا، فأنا لا يقف أمامي تلك الأمور الصغيرة فالجميع لا يشبهونك يوسف بيه انا اعلم جيدا كيف اصرف نفسي و أصل لمرادي دون واسطة "
ضحك يوسف وهو يقترب من اذنه ليقول
" ستجدها أمام بابك قبل الشروق لنرى بوقتها كيف ستُصرف نفسك "
علا ضحكهما، ليتحدث شاهين لابنته بصوت مسموع قائلا
" ولكن لا تتأخري علينا كي تجهزي حقائب السفر"
ثم نظر لفضيله قائلا
" شاء القدر ان يكون موعد تدريبها العملي مع الجامعة بعد الغد لهذا يتوجب عليها السفر غدًا لفرنسا كي تستعد له "
ردت غمزة بحزن
" ستغيب عنا ثلاث شهور متواصلة "
ابتسم شاهين وهو يرد عليها و نظره مصوب على يوسف قائلا
" لا عليكِ سنذهب نحن إليها و ايضا ستكون فرصة جيدة للتنزه "
كان وقت جميل سعيد رغم ثقل شاهين و عدم تغير شخصيته القوية بعد كل تلك السنوات، ودعا بعضهما على أمل اللقاء مجددًا، كانت سيلين اول الهاربين لغرفتها كي ترتاح بعد ان أرهقت كثيرًا بهذا اليوم.
وبعد وقت ليس بطويل صعد يوسف لغرفته ارتدى سترته و تحرك ليصعد بجانبها وهو يقترب منها ليقبلها من ولكنها ابتعدت عنه قائلة
" لا تقترب مني فانا متعبة واريد ان انام"
و تحركت مبتعدة عن يديه بجسدها المتألم على الفراش و هي تتألم من رأسها رفعت الغطاء عليها قائلة
" أغلق الاضاءة كي استطيع النوم"
نظر لها بضيق واعين كادت ان تبكي من غيظها ثم نظر للاضاءه قائلا
" لماذا لم تغلقيها انتِ قبل نومك "
ردت من تحت غطاءها قائلة
" يوووسف"
همس بتذمره قائلا
" يقول لي شيطاني خذ ابنته واذهب الان لتعيدها إليهم"
ضحكت سيلين بوجهها المجهد قائلة
" صدق والدي ، يمر العمر و انت كما انت لا تتغير "
اقترب منها مرة أخرى و هو يتدلل متسأل بوجه فرح
" كيف كما انا ، هل لا زلت طفلا، ام مراهقًا، ام شابًا "
ضمها له وهو يتدلل عليها، ولكنها كانت جادة فيما قالته فهي متعبة و ليس لديها طاقة لدلاله بهذا الوقت المتأخر، ابتعدت عنه و هي تقول
"كن عاقلا ولو لمرة واحدة، اقسم سأتركك وانام بجانب ابنتي رأسي يؤلمني و لا زالت تقلصات بطني مستمرة "
نظر لها متسائلا
" ألم تأخذي دوائك"
ردت بضيق "نعم ولكني لا زلت مجهدة و نفسي مختنق رجاءً لا تضغط علي "
حرك فمه باستياء و هو يتحرك مجبرًا ليطفئ الاضاءة و من ثم خرج من الغرفة لينزل للمطبخ كي يخرج ضيقه بالطعام
فتح البراد و أخرج منه عصير البرتقال وهو يقول لنفسه يكفي بهذا القدر لا يمكننا أن نثقل بطعامنا.
جاءه صوت من الخلف يقول له
" و ما به الوقت هل ننام و بطوننا فارغة ، أجبرونا على النهوض قبل شبعنا بحجة الصحة و عمر كفاءة الأجهزة، ما بها أجهزتنا هل اشتكت لهم ام رفعت علينا قضية و نحن لا نعلم"
أخذ اورهان علبة الفطائر و الملفوف و وضعهم على الطاولة قائلا
" وإذا كان كذلك سأكلف محامي قوي ليحل الأزمة بيننا و يصالحنا على بعضنا البعض "
ضحك يوسف و أغلق باب المطبخ ليعود ليفتح البراد بعده مخرج منه الفاصوليا و الرز الابيض بجانبها قائلا
"الطعام البارد له متعه لا يعلمها إلا صاحبه"
نسيا أنفسهما وهما يتناولا طعامهما مندمجين باحاديثهم عن الاعمال، قام يوسف و حضر الشاي و وضع كأس امام اورهان و كأس له ليعود ليجلس امام ابيه قائلا
"شكرا لك على كل شيء، اعلم أن الشكر لا يوفيك حقك ولكن هذا ما بيدنا ان نقوله ونقدمه "
جاء اورهان ليرد و لكنه لم يستطع وابتلع حديثه عندما تم اقتحام المطبخ من جهة فضيلة التي اتسعت اعينها وهي تنظر للأطعمة أمامهم.
غضبت عليه خوفًا من ارتفاع نسب السكر و الضغط لدى اورهان الذي نظر ليوسف قائلا "الم اقل لك خبئ الاطباق قبل ان يأتي احدهم"
ضحك يوسف وهو يجيبه
" و ما يدريني أن هيئة الرقابة بنفسها من يمسك بنا "
ردت فضيلة بغضب
" اتتمسخرون علي"
ليرد يوسف على خالته بسرعة
" استغفر الله، هل يمكننا السقوط بهذا البئر"
مرت عدة أيام أخرى اتاهم بعدها خبر محزن بمرض هوليا و تدهور حالتها بوقت قصير، طلب والدها اصلان بيه من يوسف ان يسمح لحفيدته أن تخضع لعملية نقي العظام لأجل شفاء أمها من جديد، و رغم ضيقه و رفضه الداخلي إلا انه لم يستطع منع ابنته من مساعدة أمها، تحدث مع لي لي عن عمليتها الاولى بصغرها و انها استطاعت من خلالها أن تنقذ حياة امها و تدرج لها بالحديث حتى طلب منها أن تعيدها مرة أخرى لأجل ان تنقذها من جديد.
رفضت لي لي و بشدة، بكت و هي تحكي لوالدها قسوة امها و عدم اهتمامها بها و عدم ردها على اتصالاتها و تحركت مسرعة هاربة لغرفتها.
همَ يوسف ليلحق بابنته لولا امساك سيلين له طالبه منه ان يتركها لها لتتحدث معها.
أومأ رأسه بالموافقة قائلا لها
" بشرط لا تضغطي عليها إن لم ترغب بالقيام بها فلا احد يمكنه إجبارها"
حزنت سيلين من موقف زوجها الذي كان هو أيضا مبني على تراكمات سلبية كثيرة على مدار سنوات متتالية.
وافقت على شرطه و وعدته ألا تضغط عليها، تحرك يوسف و قال لها سأجلس بالخارج لاستنشق الهواء النقي.
و تحرك بحزنه ليخرج من باب القصر، لتصعد هي بعده لتتفاجأ بصغيرتها لا زالت تبكي على فراشها.
صعدت بجانبها و اخذتها بحضنها لتحنو على شعرها الذهبي و هي تقول لها
" لا يحق لكِ فعل هذا، بالأخير هي امك كما انها بحاجة مُلحة لمساعدتك "
ردت لي لي
" و لكني لا اريد ام غيركِ "
احتضنتها اكثر بداخلها و هي تقول لها
" هل تعلمين انكِ محظوظة، جميعنا لديه ام واحده إلا انتِ لكِ اثنان "
رفضت لي لي و ردت بحزن
" لا هي ليست أمي، فالأم تحب أبناءها. تخاف عليهم. تسعى لإرضائهم و نجاحهم ، ولكن هي ماذا فعلت حتى اتصالاتي لم ترد عليها، و ما كانت ستتصل حتى احتاجت لشيء كالعادة "
حركتها من حضنها لتحدثها و هي تنظر لعيونها الصغيرة الحزينة قائلة
" حتى وإن لم تتصل، ولم تهتم، ولم تفعل اي شيء مما حلمتي به، ستظل هي امك لا احد يستطيع ان يجزم على عدم حبها لكِ، فحبكِ محفور بقلبها حتى وان أبيتِ ان تصدقي هذا ستجديها بجانبكِ في أوقاتك الصعبة و الفرحة"
لم تقتنع لي لي بحديث امها سيلين قائلة لها
" انتِ لا تعرفين شيئًا لا احد يعلم ما بداخلها غيري، هي تلجأ لي حين تقودها مصالحها و بعدها تعود لتختفي "
لم ترضى سيلين عن ما قالته ابنتها، عادت لتدافع عن هوليا امام ابنتها العنيدة الرافضة لخوض العملية لأجل امها.
………
بمعرض كبير تعالت الصفقات المحفوفة بالفرحة و السعادة ، وقف يوسف وهو ينظر للجموع حوله بعيونه المغلقة من شدة فرحته و ضحكته التي لم تبقي سنًا الا و كشفت عنه، اما سيلين فقد اكتفت بدموعها الغزيرة و يدها التي احتضنت نصف وجهها السفلي من شدة فرحتها، تحدثت لي لي بيرقدار من على منبر التكريم و هي تقول
" شكرا لكم جميعًا لقد سررت كثيرًا و انا ارى فرحتكم بعيونكم، لم اكذب عليكم سررت أكثر لتحقيق حلمي و تميزي بفن خاص بي، كانت مجرد فكرة صغيرة ببداية الامر تحولت لعشق و رغبة بالتعمق و رسم لوحات تتحدث عن نفسها، وكما رأيتم لوحتي فهي تحكي ليس فقط قصتها بل قصة كفاحي و اصراري على خلق شيء خاص بي. فن يذكر اسمي به كلما ذُكر"
نظرت لامها الروحانية لتكمل بحب
"ولكن الحق يقال لم اكن استطيع الوصول لهذا ان لم احظى بحبها و تشجيعها الدائم، إن لم تكن هي بحضنها الدافئ و تحفيزها و سعيها دائما كي نكون ناجحين بدراستنا و رياضتنا البدنية و حتى بهواياتنا الفنية واصرارها على نجاحنا بأصغر محطات حياتنا ما كنت انا الان هنا "
ثم نظرت للجموع و هي تمسح دموع الفرح والحب التي ملأت عيونها قائلة
" نعم لولا توفيق الله لي و انعامه علي بهذه الأم العظيمة ما كنت نجحت انا الان "
ازداد بكاء سيلين و خاصة عند اقتراب ابنتها منها و احتضانها و هي تقول لها امام الجميع " شكرا لأنك بحياتي "
كانت الاجواء جميلة و مفرحة، اقترب يوسف من ابنه تولاي و هو يقول له
" انتظر منك هذا الاداء ، ستحقق انت ايضا حلمك بالمباراة القادمة أنا متأكد من هذا "
اتسعت اعين يوسف و هو يسمع رد تولاي عليه " لا لن تنتطر مني شيء كهذا، فان حدث ونجحت سيكون لجدي هذا الأداء فهو من وقف بجانبي ولست انت"
نظر تولاي لولد صغير يقف بجانب أبيه، لا نعطيه اكبر من عشر سنوات او اكثر قليلًا قائلا
"ليكن هذا الاداء من حظ نعمان حبيب والده"
تحرك يوسف مسرعًا خلف ابنه و هو يحاول ان يشرح له انه حبيبه ولا يمكن لاحد ان يأخذ مكانه بقلبه و ان الجميع متساوون... و لكن.. و لكن..
جاءه صوت سيلين من بعيد تنادي عليه، لم يرد على نداءها وهويبحث عن ابنه الذي اختفى من الوسط..
فزع يوسف حين شعر بيد تُوضع على كتفه، فتح اعينه ليجد زوجته فوق رأسه تقول له
" ما بك ، لماذا لم ترد علي ، أأ أكنت نائمًا ، سامحك الله يا يوسف ألن تكف عن النوم بمقعدك"
ضحك و هو ينظر للبسفور أمامه قائلا
" كم هو جميل، لا اعرف ماذا يحدث لي اقول لن انام وبعد دقائق لا اجد نفسي سوى و انتم تمسكون بي غارقًا بأحلامي "
ضحكت و هي تنظر للبسفور قائلة
" انت محق بهذا، و لكن احكي لي أي حلم رأيته هذه المرة "
تذكر حلمه ابتسم وهو يسحبها من يدها ليجلسها بجانبه على المقعد الآخر
" انظري الى ما سأقول لكِ، رأيتنا بمكان كبير شبيه بالاحتفال و هناك كبار الفنانين ليكرمون ابنتنا التي استطاعت ان ترسم رسمة تتحرك بخاصية الأبعاد الثلاثية لتسرد رواية خاصة بهم ان رأيتي الاشخاص و الاماكن و هي تتحرك داخل الرسمة الثابتة لن تصدقيها، ولكني اتساءل كيف فعلتها ابنتنا"
ضحكت سيلين عليه و هي تقول
" و لما الحيرة اذهب لها واسالها وهي ستخبرك لا اعتقد انها ستخبئ هذا على والدها "
ضحك يوسف ضحكة ساخرة على ما قالته لتكمل هي
" و من جديد تحلم الحلم و تصدقه ههههه بل و تعيشه "
صغر يوسف عينه و هو يتذكر لي لي بداخل حضن سيلين قائلا
" اتعلمين و مع هذا ، ان تحقق هذا الحلم سيكون هذا من حقكِ. نعم انت اعطيتي هذه الفتاة ما لم يستطع احد اعطاءه لها "
استغربت من كلامه لتسأله
" هل تتحدث عن ابنتي "
ضحك وقال
" لا بل تحدثت عن ملككِ الخاص"
فرحت سيلين و قالت
" أليست هي كذلك"
أومأ رأسه مؤكد ما قالته
" بل اكثر من ذلك ، حتى اقول لكِ ببعض الاحيان اتوقع انني زوج أمها و ليس بوالدها الحقيقي وانتِ زوجتي"
ردت عليه بقوة قبل ان يكمل حديثه
" انا امها الحقيقية "
اسرع باجابته
"نعم انا لا اقول شيء، حتى انكِ رايتي هذا بأم عينك قبل قليل حين رفضت حتى ان تساعدها ليس فقط الاعتراف بها ، و ايضا قولها انها ليس لديها ام غيرك "
حزنت سيلين
" لا ليس لهذه الدرجة انا لا اسعى لهذا ، تحدثت معها لا يمكنها اخذ قرار كهذا ، ليس لديها حق بالامتناع عن مساعدتها ، حسنًا اعلم انها محقة بمشاعرها فما فعلته والدتها ليس له مبرر و لكن تظل هوليا امها و ان لم تساعدها ستندم طوال حياتها بعد أن يذهب وقت الندم ، و تظل بحسرة أنها سبب وفاة والدتها لا قدر الله "
هز يوسف رأسه و قال لها
" أنتِ محقة انا ايضا فكرت بهذا ، ولكن لا اكذب عليكِ الشيطان يقول لي شجعها بقرارها و لا تجعلها تخضع لعملية كهذه لأجل من لا يستحق "
تنهدت سيلين بحزن ردت به
" وانا ايضا خائفة عليها من خوض عملية كهذه بسن النمو، فكم تعبت و تأثرت لفترة وهي طفلة، حتى كما علمنا انه سيتم حجزها فترة تقارب الشهر و اكثر حتى يطمئنوا ان جميع النسب قد عادت لطبيعتها لأجل حساسية عمرها و مرحلة النمو و البلوغ "
رد يوسف بوجه غير راضي ليقول
" و انا لا اريد ان اخاطر بها، داخلي يخاف عليها "
اغمضت سيلين اعينها
"ومع هذا ليس بيدنا شيء اخر لنفعله، لقد اقنعتها بإجراء العملية و تركتها بالأعلى وهي تتحدث مع هوليا و تخبرها انها مستعدة للقيام بها و اعطائها نقي العظام مرة اخرى كي تكون سبب بشفائها "
هز رأسه بضيق
" اتمنى ان تكون الاخيرة، وتتعظ من رسائل الله لها "
نظر لبطنها ثم عاد لينظر للإرجاء متسائلا
" أين تولاي "
ردت عليه باستغراب قائلة
" تولاي! ألم يذهب للتدريب "
أومأ رأسه وقال
" نعم، نعم تذكرت "
و بنفس جلسته رفع يده و وضعها على بطنها التي ارتفعت لتظهر ما بداخلها قائلا "أخبريني اولًا كيف حاله الان، هل شبع من البقلاوة ام لا زال يريد المزيد "
ازدادت ضحكتها و هي ترد"
لا، لا اعتقد انه سيشبع حتى اصبح شبيهة العرائس المنتفخة كالتي تأتي بالحفلات و ما شابه"
تحدث ليقول لها
" هل فرحتي بطفلنا كانت زائدة على قلب تولاي لهذه الدرجة"
اجابته وهي تومأ رأسها و قالت
" و كأنني سأنجب لأول مرة ، حتى أنا ألوم نفسي فحين أرى فرحتك أنسى ما حولي"
تعاهدا أن يذكرا بعضهما و الا يضغطا على صغيرهم أكثر.
نظرت سيلين لساعة هاتفها و قالت له
" هيا لتجهز نفسك كي تذهب معها للمشفى"
جاء ليعترض و لكنه لم يستطع فلا يحق له فعل هذا.