صدى الالم
بقلم سجى امام
كنتُ في تلك الفترة متعبة جداً، وأيضاً حزينة لأنني لم أستطع أن أُعطي سديم طفلاً يملأ حياتنا. كنتُ دائماً ما أَغار من شفق... أغار منها في كل شيء، من جمالها، ابتسامتها، ضحكتها، حتى من نظرات كريم لها، رغم أن سديم لم يُقصّر معي أبداً، ولكن الغيرة أعمت عيني. وما زاد غيرتي وعصبيتي كان خبر حملها، الذي سبّب لي الكثير من الألم، مما جعلني احسَدها على حملها. كل من في البيت فرح بهذا الخبر إلا أنا، شعرتُ بنفسي ناقصة وغير كافية، كنت أبكي وأصبحت عصبية لحد كبير، كان سديم يعلم بما أشعر، وكان يحاول أن يحتويني، ولكن عيناي لم تكن ترى إلا سعادة شفق وشقائي.
كنتُ أختلق المشاكل معها كل يوم ولأتفه الأسباب، كانت هادئة، مسالمة ، لا تريد الصراخ أو المشاكل، كانت لا ترد عليَّ في أغلب الأحيان، حتى إنني أظن أنها لم تُخبر كريم بما كان يحدث. وفي يوم أتى هيثم و شهد على مشاجرتنا اليومية، وفي ذلك اليوم كنت قد أحزنت شفق فلم ترد علي وذهبت إلى غرفتها باكية لأول مرة.
"ماذا حدث؟ لماذا تصرخان؟" سأل هيثم باستغراب و هو ينظر لحالة شفق بتأثر.
"لا شيء مهم"، قلتها بعدم اهتمام.
لم يتركني هيثم إلا بعدما أجبرني على قول كل شيء له، فحكيت له كل شيء، وكأنني كنت أريد أن أفرغ ما بداخلي. استمع إلي، وبعد أن انتهيت ابتسم بخبث وقال "بسيطة يا أختي، هناك طريقتان."
تحفزتُ وقلت: "ما هما؟!"
ضحك وقال "سأخبرك لاحقاً، ولكن لا تنسي، كل شيء بمقابل"، قالها وتركني.
مرت عدة أيام، أتى هيثم وكان مبتهجاً على غير عادته.
"هيثم، لماذا أتيت؟ ولماذا هذه الابتسامة الغبية؟"
ضحك هيثم وقال بخبث و ابتسامة على وجهه مخيفه "الآن سأذهب وأختبر الطريقة الأولى، وأتمنى أن تنجح."
تحدثتُ باستغراب: "أي طريقة؟ ماذا تقول؟!" ذكرني بحديثنا السابق، فتذكرت .
"وماذا إذا لم تنجح؟" قلتها بتسأل خائف.
قال: "هناك دائماً خطة ب". وذهب...
وما هي إلا دقائق حتى عاد وهو يشتاط من الغضب، وجهه أحمر وأنفاسه تتسارع.
قمتُ وتوجهتُ نحوه وسألته: "ما بك؟ ما حدث؟ إلى أين ذهبت؟"
أمسك ذراعي بقوة وقال بغضب "الآن استمعي إلي جيداً، إذا كنتِ تريدين الخلاص منهم..."
و حكى لي خطته، وكانت أن أزيد المشاكل هنا في البيت، وأن يُسعر هو الخلافات بين كريم وسديم في الشركة من خلال إفساد بعض الصفقات بسبب كريم!
تحدثتُ قائلة: "وماذا بعد؟ كيف سنتخلص منهم؟"
قال: "ستطلبين من سديم طردهم." اتسعت عيناي بصدمة: "ماذا؟"
صرخ بي "ما بك؟ ألم تكوني تريدين أن تتخلصي منهم؟"
تحدثتُ بتلعثم: "ولكن... كيف؟"
وقال غاضباً "لا أعلم "، وذهب وتركَني في حيرتي...
مرت عدة أيام، وخطة هيثم تسير بشكل رائع، ولكن لا زلت أفكر كيف سنُخرج كريم من بيته!
الخلافات بين كريم وسديم علت بشكل كبير، حتى إن صراخهم كان أيضاً في البيت... كان كريم يحاول أن يشرح لأخيه أن هناك خطأ، فهو متأكد أنه وقع على أوراق قبول المناقصة، وليس رفضها!
لينفجر سديم به "إنها المناقصة الثالثة خلال شهر! هل يمكن أن يحدث خطأ في الثلاثة؟ أم أنك تعمدت ذلك؟!"
كنتُ أُشاهد مشاجرتهما بخوف، فكان سديم غاضباً بشدة، لم أره يغضب من قبل هكذا... رأيته يصعد إلى غرفتِنا، لأذهب مسرعة ممثّلة البكاء! دخل ليراني أبكي، فأسرع نحوي، يحتضنني وسألني: "ما بك؟"
نسي غضبه وكل شيء عندما رآني أبكي، كنتُ أولويته، وهذا كان يشعرني بالأمان معه ويزيد حبي له...
تظاهرتُ بالبكاء قائلة "سديم لقد تعبت، تعبتُ حقاً، أصبحت حياتنا عبارة عن ساحة معركة، ويومنا صراخ وزعيق، إلى متى سنظل هكذا؟" مسح على وجهي وضمني قائلاً: "سيتحسن كل شيء."
ابتعدتُ عنه قائلة: "كيف؟ كيف؟" قالها بصوت منخفض يائس: "لا أعلم..."
"يجب أن يذهب أحدنا، لا يمكن أن نبقى معاً."
وقف سديم مصدوماً مما قلت وقال و هو يرفع حاجبه "ماذا تريدين أن تقولي؟!"
وقفتُ أمامه وقلت وأنا أراقب ردّة فعله "إما أن نذهب نحن من هذا البيت، أو يذهب كريم."
صمت، ولم يقل أي كلمة، رمقني بنظرة لم أعرف معناها، وذهب إلى غرفة المكتب...
مرت الأيام، وحالنا لم يتغيّر، وظننتُ أننا سنستمر هكذا...
ولكن في يوم تعالَى صراخ سديم وكريم، فكان ما حدث شيئاً كبيراً، أن كريم أخطأ أو تعمد ذلك، بقول سديم أنه جعلهم يخسرون صفقة السنة ! .
غضب بشدة، وصرخ عليه بينما كريم يحاول أن يشرح له ويفهمه... قاطعه سديم وصعد لغرفة المكتب، ونزل بسرعة وبيده ملف! ليُريه لكريم ويقول له إنه لا يُريد بقاءه في بيته!
وهنا صعدتُ لغرفتي معلنة الأفراح، واتصلتُ بهيثم أُبشّره بفوزنا وانتصارنا....
في مركز الشرطة...
كان كريم، والمرأة، وطفلها، وذلك الرجل في الانتظار، أتى أحد الضباط وأخذ كريم ليستجوبه، بينما بقي الرجل وتلك المرأة و طفلها...
أكمل الضابط استجواب كريم، ووقّع على ورقة أقواله، وبينما هو خارج، دخل عمر مستغربًا من وجوده هناك.
قال عمر بقلق و هو ينظر ليد كريم المجروحه "كريم، أكل شيء بخير؟ لماذا أنت هنا؟!"
هزّ كريم رأسه وقال "بخير... لا شيء مهم."
ثم التفت للضابط، وأخبره أن ينتظرهم بالخارج.
سأله عمر "أخبرني الآن... ماذا حدث؟ وكيف أتيت إلى هنا؟"
فروى له كريم كل شيء، من المقبرة حتى المشاجرة.
غضب عمر منه وقال "لماذا تقحم نفسك في المشاكل؟!"
رد كريم مستنكرًا "هل كنت تريد مني أن أتركها بيد ذلك الرجل؟!"
صمت عمر و هو يزفر بضيق ،ثم قال كريم وهو يتنهد "والآن ساعد تلك المرأة وطفلها، دعهم يذهبون. أنا من ضربت ذلك الحقير، هي لا دخل لها، و ايضا تعامل معه... ولقّنه درسًا."
قال عمر ساخرًا "أمرك سيّد كريم، هل هناك أمر آخر؟"
وقف عمر ، مشيرًا له أن يتبعه، تبعه بصمت، وما إن وصلا إلى غرفة الاستجواب، حتى سمعا صوت صراخ.
تقدم عمر مسرعًا، ودخل وهو يقول بصوت عالٍ حازم جعل الجميع يصمتوا .
"ماذا يحدث هنا؟!"
صمت الجميع، ونظروا له بترقّب. تقدّم نحوهم، وخلفه كريم.
التفت عمر إلى الضابط المسؤول وقال بحزم "أهكذا تضبط الوضع؟!" فأخفض الضابط رأسه.
كان الكل يريد الحديث، لكنهم خشوا عمر.
تحدث كريم من خلفه بصوت منخفض "اسألهم... ماذا حدث؟"
قال عمر بنبرة صارمة وهو ينظر للمرأة والرجل "ما الذي دفعكم لهذا الصراخ؟
نحن في مركز شرطة، وتعرفون أنني أستطيع حبسكما الآن!"
صرخ الرجل قائلًا "إنها السبب بكل شيء! اعتقلوها! لم تدفع الإيجار وتفتعل لي المشاكل!"
استمع عمر له، ثم التفت إلى المرأة مشيرًا لها أن تتحدث.
قالت بصوت مكسور غاضب "إنه يكذب... لقد دفعت له كل ديون زوجي، ولم يبقَ لدي ما أدفعه لهذا الشهر، فطلبتُ مهلة لأجد عملًا وبيتًا جديدًا..."
قاطعها بغضب، واقترب منها "إنها كاذبة! لم تدفع شيئًا! لماذا تكذبين؟! لقد جعلت عشيقها يضربني لتهرب معه!" قالها و هو يشير لكريم .
قال كلماته تلك وهمّ بأن يقترب منها، لكن عمر تدخل فورًا، ولكمه بقوة حتى أسقطه أرضًا...
أما كريم، فأمسكه أحد الضباط، لأنّه كاد أن يفتك بالرجل هذه المرّة!
صرخ عمر " خذوا هذا الحقير وارموه في الزنزانة!"
فأخذوه...
كانت تلك المرأة خائفة، تبكي بصمت، وهي تضم ابنها الصغير.
أما كريم، فظلّ يصرخ ويسبّ الرجل، حتى أسكته عمر.
ثم التفت عمر إلى الضباط وقال " خذوا أقوالهم... واتركوهم."
أحد الضباط قال وهو يلتفت إلى كريم "لكن، سيد عمر... هناك شكوى بحق السيد كريم."
فردّ عمر بحزم وهو يعيد كلماته "خذوا أقوالهم... واتركوهم."
ثم غادر.
أخذوا أقوال المرأة، وتبيّن أن اسمها "هبة"، وقّعت أقوالها، فأشار لها الضابط بالانصراف.
نادت على طفلها الصغير "تيم، صغيري... تعال إلى هنا."
تحفزت كل ذرة في كريم عندما سمع اسم الطفل: "تيم! " تتبعهم بنظرته حتى اختفوا...
كريم
هل هي مصادفة؟ أم أن القدر يريد أن يحفر على جرحي... ويضع عليه ملحًا؟
ما إن سمعت اسم "تيم"، حتى تجددت داخلي الأحزان. ذلك الطفل الصغير...
كلّمَني قبل دقائق وشكرني. صوته كان حزينًا، وألمه يشبه ألمي. ألم الفقد.
قال لي "شكرًا يا عم... لمساعدتنا." قالها بعيون خائفه و بنبرة كلها لطف و برأة .
ابتسمت له، بينما هو أكمل، وهو يشبّك يديه ويفركهما، وقال بصوت باكٍ "كنتُ خائفًا أن يحدث شيء لأمي... وتذهب هي أيضًا."
أحزنتني كلماته. كانت مليئة بالألم، والخوف من الفقد.
مسحتُ على رأسه وقلت "لن يحدث شيء لأمك، وأنت موجود... أنت رجلها، وحاميها."
هزّ رأسه مبتسمًا... وذهب. ثم قطع شرودي... مناداة أمه له "تيم"...
رجعتُ إلى بيتي، محاولًا أن أرتاح من كل شيء...
حاولتُ أن أنام، كان النوم يجافيني، لكنني أحاول، فأنتصر أحيانًا... وأُهزم في الأغلب.
مرّ يومان لم أذهب فيهما لزيارتهما، فقد ساءت حالتي، واضطررتُ أن أبقى في الفراش وأرتاح.
كان عمر يأتي لي، يطمئن علي، ويجلب معه الطعام، ويصرّ أن نأكل معًا. وبعد أن تحسّنت... ذهبتُ إلى المقبرة، وبيدي بعض الزهور.
اقتربتُ منهما، وضعتُ الزهرات، رششتُ الماء، وتأسفت لهما أنني لم آتِ في اليومين الماضيين.
هممتُ أن أرحل. لكن يدًا صغيرة أمسكتني.
التفتُّ. لأجده "تيم"! ابن تلك المرأة!
نزلتُ لمستواه، وقلت بقلق "ما بك يا بني؟ لماذا تبكي؟"
قال من بين دموعه، بصوت متقطع باكي "أمي... أمي نائمة، لكنها لا تستيقظ!"
حملتُه بسرعة، وسألته: "أين هي أمك؟"
فأشار لي إلى مكانها. كانت ممددة على كرسي في نهاية المقبرة، وبجانبها حقيبتان...
أنزلتُ الطفل، وتقدمتُ نحوها،وضعتُ يدي على جبينها، كانت حرارتها مرتفعة... وفاقدة للوعي.
أخبرتُ الصغير أن يبقى بجانبها، بينما أذهب لأحضر سيارة أجرة.
أوقفتُ سيارة، وذهبتُ جريًا إلى مكانهما. قلت للصغير " لا تخف... ستكون أمك بخير. والآن، اتبعني يا صغير."
حملتُ المرأة، وضعتها في السيارة، أجلستُ الصغير بجانبها، ثم عدتُ لأحضر الحقائب... وذهبنا إلى المشفى.
استيقظت وأنا متعبة ومرهقة، فتحتُ عيناي لأرى نفسي في المستشفى!
كيف أتيتُ إلى هنا؟ من جلبني إلى هنا؟ تيم! تيم! أين هو؟
هممتُ لأقوم وأبحث عن طفلي، لكن باب الغرفة فُتح، ودخل منه تيم. ما إن رآني حتى جرى نحوي، يعانقني ويقبّلني...
احتضنته داخلي بقوة، وقبّلته.
قال لي بنبرة باكية "أمي، لقد خفتُ كثيرًا..." طمأنته، وضممته إلي.
ثم سألته "تيم، كيف أتينا إلى هنا؟"
قال ببساطة و براءة "طلبتُ المساعدة من ذلك العم، هو من جلبنا إلى هنا"
استغربت " أي عم؟"
أجاب: " ذلك العم الذي ساعدنا ذلك اليوم..."
طرق الباب، فدخل الرجل نفسه. ذهب تيم إليه واحتضنه، فابتسم الرجل، وحمله بلطف.
اقترب مني وقال "هل أصبحتِ بخير الآن؟" قالها دون أن ينظر إلي مباشرة.
هززتُ رأسي بالإيجاب.
فقال "جيد." أنزل تيم، وسحب كرسيًّا وجلس أمامي.
ثم قال متسأئلاً "لماذا كنتم في المقبرة؟ لقد أخبرني الصغير، لكنني لم أفهم... هل نمتم هناك؟!"
صمتُّ ولم أُجِب، نظرتُ إلى تيم، الذي صعد بجانبي واحتضنني و هو يخفي وجهه.
تحدث مرة أخرى "أنا آسف، ليس لي حق التدخل في شؤونكم، لكن إن كنتِ بحاجة للمساعدة... أخبريني."
نظرتُ إلى تيم، وقد غفا في حضني،
ثم تحدثتُ أخيرًا، بصوت منخفض منكسر و أنا أبعد نظري عنه
" لم يكن لدينا مكان نذهب إليه... فذهبنا إلى هناك، على الأقل نكون بجانبه... ولم يكن لدي المال الكافي لاستئجار مكان..."
دخلت الممرضة، فقام الرجل وقال " يمكنني مساعدتكِ... إن أردتِ طبعًا."
نظرتُ إليه بتساؤل، فأكمل بتردد و هو يحك ذقنه " بيتي... إنه خالٍ، وأنا لا أظل فيه.
يمكنكم البقاء فيه حتى تجدوا مكانًا أفضل... طبعا إن اردتِ "
هممتُ بالرفض، لكنه قال سريعًا "لا ترفضي بسرعة... فكّري بالصغير اولا ... وفكّري بنفسك ، إمراة مع طفل لوحدهما... و ... حالتكِ الصحية لا تسمح بالبحث أو العمل حاليًا."
ثم استأذن وغادر، تاركًا إياي حائرة! كيف لي أن أقبل بهذا العرض؟!
إنه رجلٌ غريب، لا أعرفه، ولا أثق به. وما يدريني إن كانت نيّته طيبة أو...!
التفتُّ للممرضة وسألتها بعيون دامعة خائفة " لقد سمعتي ما قال، يا خالة... ما رأيك؟ أنا خائفة، حائرة..."
ابتسمت، وربّتت على يدي وقالت " يبدو انه شخص جيد ، و لكن أيضا لا تثقي بسرعه و أحذري . '' صمتت قليلا ثم قالت " ربما على حاء الحيرة... نقطة لا ترينها يا ابنتي. انظري إلى كل الجوانب... و حاولي ان تزني الامور وسترين الصواب "
خرجتُ من غرفتها حائرًا، كيف عرضتُ عليها ذلك؟ ولماذا؟ وكأنني لم أفكّر، فقط قلتها!
هل تعلّق قلبي بذلك الطفل؟ وأراده بجانبه؟ لا أعلم..
أغمضتُ عيناي بتعب، فقد كان رأسي يؤلمني بشدّة. أرجعتُ رأسي للخلف لأذهب في نومٍ لا إرادي...
استيقظتُ لأرى يده الصغيرة تداعب لحيتي، ابتسمتُ بحزن، فقد تذكرتُ تيم، ابني... اعتدلتُ ونظرتُ له مطولًا، استغرب الطفل من نظراتي ليقول وهو يلمس وجهه ببراءة "أهناك شيءٌ بوجهي؟ لماذا تحدّق بي هكذا؟"
ابتسمتُ ومسحتُ على رأسه قائلًا "لماذا استيقظت؟ اذهب وأكمل نومك."
نظر لي وجلس بجانبي وهو يضمّ يديه ويلعب بأرجله، كأنه يريد أن يقول شيئًا لكنه خجل...
حاولتُ معه قليلًا حتى تحدث أخيرًا، بصوتٍ منخفض "لقد جعت."
بعثرتُ شعره وقلت "إذا هيا لنذهب لنُشبع بطلنا."
ابتسم لي وهو يهزّ رأسه، فقلت له "اذهب لترى أمك إن كانت تريد شيئًا."
قال بهدوء: "إنها نائمة." حملتُه وذهبنا إلى كافتيريا المستشفى وأكلنا.
إنه طفل جميل و مرح ، لأول مرة منذ أكثر من شهرين أشعر بأنني بخير. ابتسمتُ من قلبي مع هذا الصغير... نعم، لا زلتُ حتى الآن لا أستطيع مناداته باسمه، ولكن سأحاول...
كان يأكل وهو يتحدث بكلام غير مرتّب، فقط يتحدث. أدركتُ أنه يريد أن يفضفض، فأنصتُّ له...
وفي الصباح، أحضرتُ لهما الفطور وذهبتُ لأكمل إجراءات الخروج.
وقفتُ خارج غرفتها، لا أعلم ما سيكون قرارها.
هل سترفض؟ أم توافق؟ لا أعلم لماذا أنا مرتبك بشأنهما !؟ ...
طرقتُ الباب، لم يأتني رد.
استدرتُ لأجلس، لكن ذلك الصغير خرج وقال "أمي تريد أن تتحدث معك." قال كلماته وجلس على الكرسي بجانب الغرفة...
دخلتُ لأراها تجهزت وهمّت بالخروج. نظرت لي بامتنان وقالت "لا أعرف ماذا أقول. لقد فعلتَ ما لم يفعله القريب. شكرًا لك."
قلتُ بهدوء "فعلتُ ما كان سيفعله أي أحد مكاني."
ابتسمت بألم وقالت "صدقني، لم يفعلها أحد من قبل. في كل مرة كانوا يشاهدون بصمت."
رأيت دمعة تفرّ من عينيها، لكنها سرعان ما مسحتها وقالت "شكرًا مرة أخرى، والآن سنذهب."
"إلى أين؟" قلتها متسائلًا.
هزّت كتفها وقالت: "لا أعلم، ولكن..."
قلتُ بلطف: "يمكنني مساعدتك إن كنتِ ترغبين بالذهاب إلى أهلك."
رفعت نظرها لي وقالت بابتسامة مكسورة: "أهلي! لم أعد موجودة بالنسبة لهم."
صمتتْ وشردتْ، فقلتُ بصوت هادئ محاولا ان أطمئنها "أنا أعلم أنك خائفة مني، ولا تثقين بي، وهذا شيء طبيعي. بالنهاية، أنا رجل غريب عنك. لكن... إلى أين ستذهبين؟ ومعك طفل صغير؟ أين ستبقون؟"
قالت بصوت خافت: "ولكن..."
تابعتُ بهدوء: "بيتي خالٍ، وأنا لا أسكن فيه. يمكنك أنتِ والصغير أن تبقوا فيه حتى تجدوا مكانًا آخر. لن أجبركما على البقاء، ولكن في الوقت الحالي، لا يوجد لديك خيار."
رأيتُ أن نظراتها مليئة بالحزن والتعب، وكأنني أصبحت أقرأ وجوه المتألمين، فما مررتُ به جعلني أستاذًا في الفقد والألم..
هزّت رأسها وقالت بصوت مبحوح متردد "حسناً ، سنذهب معك، ولكن مؤقتًا، ريثما أجد مكانًا آخر."
اقتربتُ لأخذ الحقائب، فتراجعت بخوف، فأشرتُ لها أنني فقط سأحمل الحقائب. خرجتْ بسرعة ووقفت بجانب طفلها، فقلت لهما "اتبعاني." أخذتُ سيارة أجرة، ووصلنا إلى بيتي...
نزلتُ من السيارة لأنظر لمنزلنا، أنا وشفق، بيتنا الصغير... لم أتخيّل يومًا أن يهجر ويصبح بلا حياة، ولم أفكّر يومًا أن تدخله امرأة غير شفق، ولكن... كل ما نفيته حدث!
فتحتُ الباب، وما إن فتحته حتى تقافزت الذكريات لذهني و هي تضربني بسوط الذكريات..
دمعت عيناي، لكنني مسحتها سريعًا...
التفتُّ لهما لأطمئنهما، فكانا ينظران بخوف وتوجس . أشرتُ لهما بالدخول، بدا عليها التوتر، بينما طفلها تعلّق بها بخوف. دخلتُ وفتحت إضاءة البيت و التفت خلفي فلم أراهما فخرجتُ وقلت: "ادخلا وارتاحا."
هممتُ لأذهب، لكن صوتها أوقفني "شكرًا يا..." صمتتْ، فقلتُ "كريم." قالت و هي تبعد نظرها "وهذا تيم، و... أنا ...هبة." هززتُ رأسي مشيرًا لهما بالدخول، وذهبتُ للملحق.
فكرت ووزنت كل الأمور، لم يكن لدي خيار آخر! إما أن أرفض، فأصبح بلا مأوى مع طفل صغير ومع حالتي الصحية المتدهورة، أو أن أقبل وأخاطر بالوثوق برجل لا أعرفه، وأجازف بكل شيء.
رغم خوفي وريبتي منه، إلا أنني لم أرَ أي نية أو نظرة سيئة منه. فهو حتى لم يلتفت لي، ولم ينظر في عيني أبدًا. معاملته مع تيم ومساعدته لنا المستمرة، تجعلني أتساءل: هل يوجد مثل هذا الإنسان الطيب؟ أم أنه خبيث يمثل؟!
دار بيننا حديث سريع، كان يحاول إقناعي بأن أفضل خيار هو أن أذهب معه... إلى بيته! كان إصراره يخيفني لكن ... لكن كنت بلا حيلة..
وعندما رأى ترددي، ذكرني بأهلي، أهلي وعائلتي الذين بسببهم أنا في هذا الحال!؟ أأذهب إليهم؟ لا يمكن! لذلك قررت المخاطرة ووافقت على طلبه.
كنت واقفة لا أتحرك، وتيم يمسك بيدي، ننظر بخوف وارتباك من المجهول الذي ينتظرنا. فتح باب البيت ودخل، ثم خرج وقد ساءت حالته وتغيرت ملامحه... تقدم منا وأشار لنا بالدخول، شكرته وأردت أن أعرف اسمه، فطلبت أن أعرفه على اسمائنا، فهو الآن يملك حقًا على الأقل أن يعرف أسماءنا... هز رأسه وذهب! لم يقل شيئًا.
كان غريب ... و كأنه يهرب من شي !
نظرت له وهو يتجه إلى مكان في طرف حديقة البيت، كان أشبه بملحق صغير. دخلت أنا وتيم، كان البيت جميلًا وهادئًا ويوحي لك بالدفء... أغلقت الباب، لأرى أنه وضع المفتاح على الباب! فشعرت ببعض الأمان
أقفلته بالمفتاح، بينما تيم ذهب إلى أريكة أمام التلفاز ونام عليها، فقد كان متعبًا صغيري...
تفقدت المنزل، كان عبارة عن ثلاث غرف، واحدة منها مغلقة، وأخرى غرفة لطفل على ما يبدو، والثالثة غير مفروشة بعد..حملت تيم إلى تلك الغرفة ووضعته على السرير وغطّيته، ثم ذهبت إلى المطبخ، كان صغيرًا لكنه مرتب وأنيق، وكانت هناك نافذة، فتحتها ليدخل هواء منعش محمّل برائحة الزهور الجميلة...
تفقدت الثلاجة فلم أجد شيئًا، وفجأة طُرِق الباب. التفت بسرعة لمصدر الصوت بفزع ، وذهبت لأفتح، لكنني ترددت! ماذا يريد؟! لماذا أتى؟! هبة، إنه بيته وبالطبع سيأتي! ماذا إن...؟! ما بكِ يا فتاة تفكرين هكذا؟ افتحي وانظري ماذا يريد؟
ابتلعت ريقي وتقدمت وفتحت الباب، كان واقفًا ونظره شارد في حديقة المنزل... تنحنحت لينتبه، فمدّ لي كيسين قائلاً: "لا يوجد شيء في الثلاجة، لذلك أحضرت بعض الأشياء، وأيضًا هذه أدويتك."
شكرته، أومأ برأسه وذهب مباشرة وكأنه يهرب مني ! أغلقت الباب وذهبت بجانب تيم لأنام، فقد تعبت أنا أيضًا...
ذهب سديم وسهى إلى المشفى لتجري سهى بعض الفحوصات ويطمئنوا على صحة طفلتهم. كان سديم سعيدًا جدًا عندما علم أنها فتاة في المرة السابقة، وفي هذه المرة عندما رأى أن ابنته أصبحت على وشك القدوم، اغرورقت عيناه بدموع الفرح...
أخبرتهم الطبيبة أن كل شيء بخير، ورغم صعوبة حملها، إلا أن حاليًا كل المؤشرات جيدة، وبشرتهم أن الولادة ستكون خلال شهر أو شهر ونصف...
صعدوا السيارة، ليلتفت سديم إلى سهى ويسحب يدها ويقبلها بحب قائلاً: "لقد مَنّ الله عليّ بك، والآن منّ وتفضل علينا بحبيبة قلب أبيها." قالها واضعًا يده على بطنها.
ابتسمت وهي تضع يدها على وجهه وتقول بنبرة فرحة "الحمد لله يا حبيبي، أنتما أكبر نعمة في حياتي."
قبلها من جبينها وقال: "أنتِ جنتي، وهي فردوسي." ابتسمت بخجل، بينما هو أكمل "سيكون اسمها فردوس، مثل اسم أمي، فقد كانت جنتي وكل شيء جميل في هذه الحياة، والآن أريدها أن تعيش في ابنتي."
"فردوس سديم." قالتها وهي تمسح على بطنها بحب...
وصلا إلى المنزل بعدما تعشّيا في أحد المطاعم... صعدت سهى إلى غرفتها، بينما سديم كان يجري اتصالًا...
"ماذا؟ امرأة وطفل؟ من هما؟" قالها مستغربًا.
"لا أعلم هويتهما، ولكنه كان قد ساعدهما من قبل، وذهبوا إلى الشرطة و..." قاطعه سديم بنبرة متسألة "الشرطة؟ متى حدث هذا؟"
"قبل أربعة أيام تقريبًا."
غضب سديم "وأنت الآن تخبرني بهذا كله؟!" صمت الرجل ولم يرد، فطلب سديم منه أن يُكمل، ليخبره أنه أخذهم إلى بيته، وأنهم الآن معه في ذلك البيت. طلب منه سديم أن يستعلم عن تلك المرأة...
أغلق سديم هاتفه مفكرًا ومُتسائلًا ماذا يحدث؟ كيف له أن ينسى شفق بهذه السهولة؟! لا، لا يمكن! فهو يحبها، ولا يمكن أن تدخل قلبه امرأة أخرى، فلا زال ألمها طازجًا..
صعد لغرفته لتلاحظ سهى تغيّر ملامحه، سألته، فأخبرها... استغربت هي أيضًا، لكنها تحدثت بشيء آخر "لماذا ما زلت تتبع أخباره يا سديم؟!"
تنهد، وجلس على حافة السرير قائلاً "لا أعلم... شيء داخلي يريد أن يعرف أنه بخير، ويطمئن عليه."
أنزل رأسه، وقال بصوت مبحوح "إنه أمانتها التي فرّطت فيها في لحظة..." كادت أن تنزل دمعته، لكنه تداركها بسرعة...
أدركت سهى أنه لا يزال يتألم من طرده لأخيه، فاقتربت منه وربتت على يده بحنان، ثم صمتت .
كانت تعلم أن الصمت في حضرة الذكريات المؤلمة يكون سكونًا وطمأنينة. احتضنهم الصمت، فسكَنوا... صمتٌ مريح و ليس بثقيل. ابتسم لها سديم، ونظر في عينيها بحب وامتنان.
في صباح اليوم التالي...
ذهب كريم كعادته إلى المقبرة، لكنه في هذه المرة ذهب وهو لا يعرف ماذا سيقول لهما، وكأنه كان يريد أن يُبرّر لنفسه تحت غطاء أنه سيبرّر لشفق!
وقف أمام قبرهما ونظر إليهما بحسرة. أطرق راسه بحزن و قال "أنا آسف يا شفق... لقد أدخلتُ أحدًا غيرك لبيتك."
جلس وهو يبكي بصمت، وأكمل بصوت متهدج "ولكنني كنت مضطرًا لذلك... لكي لا أتركهما وحيدين في هذه الظروف...." صمت
و ابتسم قليلًا، وأكمل وهو يرتب الورود على قبر تيم "اسمه تيم أيضًا... لو ترينه، إنه طفل جميل. من أول لحظة رأيته شدّ انتباهي وأحببته."
أكمل حديثه معهما، وما إن انتهى مرّ أولًا على بيته ليطمئن أن كل شيء بخير، فأخبرته هبة أنهم بخير وقد ارتاحوا جيدًا الليلة الماضية.
ذهب إلى مكتبه، بينما هي أقفلت بابها وأعدّت الفطور.
بعد ساعة...
مرّ عمر على بيت كريم، فرأى النوافذ مفتوحة، فاستغرب وتقدّم ليطرق الباب. ظنت هبة أن كريم قد عاد، ففتحت الباب لتجد أمامها عمر!
تفاجأ وسأل "أنتِ؟ ماذا تفعلين هنا؟! وأين كريم؟!"
قالها وهو ينظر داخل البيت بستغراب و نظرات اخافتها..
تحدثت بارتباك "آآ... ذهب إلى مكتبه."
التفت إليها بريبة واستغراب و أومئ بصمت ، ثم ذهب إلى مكتب كريم...
في الجهة الأخرى...
اتصلت سهى بهيثم وأخبرته بما أخبرها به سديم عن كريم وتلك المرأة.
"ماذا؟ امرأة وكريم؟! لا يمكن!" قالها باستنكار.
"وهذا ما قلناه جميعًا، لكنه الحقيقة."
"هل تتوقعين أنه يريد الزواج مرة أخرى؟" سأل متعجبًا.
"لا يمكن."
"ولمَ لا يمكن؟ لا يزال صغيرًا، وأيضًا ميسور الحال."
"حبه لشفق سيحول بينه وبين أي امرأة."
"لن أصدق إلا عندما أذهب وأرى بعيني... لذلك سأزور كريم اليوم."
تحفزت سهى بقلق وقالت "تزوره؟ لماذا؟ وبأي صفة؟!"
قال ساخرًا: "لماذا القلق؟!"
لم ترد عليه، فأكمل "ولمَ لا أزور صديقي و نسيبي وأتفقد حاله بعد كل هذه المدة؟"
"لا تتحرك بحركات غبية فتُضرّنا بها."
"لا تقلقي انه مجرد فضول ... والآن سأذهب. إلى اللقاء." أغلق الخط، وتركها في قلقها من تهور هيثم.
وصل هيثم إلى بيت كريم، ابتسم بنصر واقترب وطرق الباب، لكن لا رد. كانت هبة قد رأته ، لكنها لم تفتح ، شعرت انه شخص مريب ، وانتظرت حتى رحل. فقرر أن يذهب إلى مكتبه...
دخل المكتب وعلى وجهه ابتسامة تزين وجهه وهو يحيي كريم . وما إن وقعت عيناه على عمر حتى تبدّدت الابتسامة وتحول وجهه إلى ارتباك ، هز راسه لعمر محيا ليقابله عمر التحية أيضا . ما إن رآه كريم حتى تنهد بضجر، أما عمر فكان يراقب ملامحه التي تبدلت.
حاول هيثم تدارك الموقف وقال "ما أخبارك يا صديقي؟! " قالها محاولًا كسر حاجز التوتر.
نظر كريم له نظرة مطوّلة لم تخفِ ارتيابه ، ثم أشار للكرسي: "تفضّل، اجلس."
ليكمل ببرود : "تذكرت الآن صديقك؟! بالتأكيد تريد شيئًا، قل ما عندك واذهب، لست في مزاج لك."
نظر لعمر، الذي كان صامتًا يتفحصهما، وقال بنبرة ضاحكة خفيفة "لا أريد شيئًا يا صديقي، فقط أردت أن أطمئن عليك والآن اطلب لنا شايًا لنشرب."
نظر كريم لعمر ، ثم اتصل ليطلب الشاي.
وبينما كانوا ينتظرون، تحدث هيثم مع عمر معرفا نفسه باقتضاب ، تحدث في مواضيع مختلفة، بينما كريم لا يكترث، وعمر يحاول تحليل تصرفاته فهو لم يكن يرتاح لهيثم .
طرق الباب أخيرًا، فحمد كريم ربه.
قال كريم مازحًا: "أين كنت يا بني؟ لقد هرمنا هنا!"
قالها وهو ينظر إلى هيثم بضجر "لقد أتيت، أخي... معذرة على التأخير."
ومد لكريم أولًا ثم لعمر الذي شكره بلطف .
نظر هيثم إليه بازدراء، و لم يمد يداه .
فتحدث عمر "خُذ الكأس، ما بك؟!"
ابتسم هيثم بابتسامة مصطنعه و أخذ الكوب ببطء وبنظرة متعالية.
لكن الفتى تعمّد أن يُفلت الكأس عليه، فاندلق الشاي الحار عليه ويُلوّث ثيابه. وقف صارخًا فيه، بينما الفتى وقف ثابتًا ينظر له بتشفي. أشار كريم للفتى أن يخرج، بينما عمر حاول كتم ضحكته.
"اهدأ، لا شيء مهم... مجرد شاي، وسُكب خطأً ، لا داعي للدراما ." قالها كريم ببرود
وقف هيثم وهو يضبط هندامه مخرجا منديله ماسحاً ثيابه وعيناه توقد شرًا رغم محاولاته الفاشلة لإخفائها:
"لم يُسكب خطأً! تعمّد! ألم ترَ كيف أفلت الكأس؟!"
تحدث عمر بابتسامة ساخرة : "غلطتك... هو مدّ لك الكأس وأنت لم تمسكه جيدًا."
زفر هيثم بغضب، وهو يرى وجهَيهما يضحكان عليه،
أدخل منديله في جيبه وقال "لقد رأيتك بخير يا كريم... جيد، والآن إلى اللقاء."
رد كريم بجفاف: "نعم بإمكانك أن تذهب."
التفت هيثم لهم و ذهب غاضباً مسرعا ..
قال عمر وهو يضحك: "من هذا الشخص الغريب؟!"
"إنه هيثم، أخو سهى." أوضح كريم.
"زوجة سديم؟!"
"نعم، ألا تعرفه من قبل؟"
"سمعت اسمه كثيرًا، لكنني لم أره من قبل... وأيضًا، لم أرتح له أبدًا، فيه شيء غريب."
"نعم، وأنا كذلك لا أرتاح له. أنه هكذا مندو الصغر ، كنت دائما أبتعد عنه ، لكنه مَن يتمسك بي، ويأتي بين فترة وأخرى ليراني ويتحدث معي، رغم أنني لا أطيقه. "
دخل فتى الشاي، فقام عمر وربت على كتفه وقال مازحًا "حلال عليك، يا فتى... لقد فعلتَ ما كنتُ سأفعله!"
وضحك بعدها.
قال الفتى: "سيد كريم، أنا آسف... لكنني لم أستطع أن أتحمل نظراته المستفزة، وأيضًا، عطره النافذ مزعج جدًا."
ضحك عمر وقال: "لا عليك، يا فتى."
بينما أعطاه كريم نظرة حنونة، ليُفهمه أنه لم يغضب منه.
جلس عمر وقال بجدية "والآن، بعد أن ضحكنا... أخبرني، لماذا تلك المرأة –أعني هبة– في بيتك؟!"
"من أخبرك؟ هل تراقبني؟!" قالها كريم وهو ينظر لعمر بصمت.
أدار عمر عينيه وقال: "لم يخبرني أحد، ولم أراقبك. ذهبتُ للمنزل، ورأيتُ نوافذه مفتوحة. طرقتُ الباب فخرجت لي تلك المرأة. والآن... لماذا هي في منزلك؟"
أرجع ظهره إلى الخلف واستند، ونظر إلى السقف قائلًا ببرود "عمر، كأنك لا تعلم... طُردت من بيتها، وليس لديهم مكان يذهبون إليه."
"وجعلتهم يسكنون في بيتك؟! ما أدراك أنها امرأة جيّدة؟ أليس من المحتمل أنها هربت من أهلها أو من اهل زوجها؟! أو ربما يكون القاتل قد بعثها لكي تتجسس عليك!"
نظر كريم إلى عمر وهو يتفكر بكلامه... فهو محق في شكوكه. تحدث قائلًا: "معك حق، لكنني لا أظنّها شخصًا سيئًا."
تنهد عمر بضيق: "لا ينفع الظن هنا، عليك أن تتبع اليقين فقط."
"ابحث عنها في سجلاتك، أيها الشرطي الذكي." قالها كريم محاولًا إغاظته.
بدأ عمر يغضب من أسلوبه البارد والمستفز "وهل تعرف اسمها الكامل وكنيتها، أيها المتحاذق؟!"
صمت كريم. فأكمل عمر: " طبعا لا تعرف " قالها ساخرا
تنهد قائلا "سأبحث عن معلوماتها وأخبرك. وفي هذه الفترة... كن حذرًا."
هزّ كريم رأسه بصمت.
فصمت عمر قليلًا، ثم وقف وهو يرتب هندامه قائلًا مازحًا بتعالي "لا يوجد صديق مثلي أبدًا... لا أعلم كيف ستعيش من دوني." وضحك.
بينما أدار كريم عينيه ساخرًا، وهو يلعب بيديه "ها قد بدأنا الدراما..."
فضحكوا، ثم ودّعه عمر وغادر إلى قسم الشرطة.
يتبع ...
