recent
جديدنا

رواية صدى الألم الفصل الرابع

رواية صدى الألم 
بقلم سجى إمام 
الفصل الرابع 




مر يومان، تحسنت حالة كريم واشتدت قوته قليلًا، كان لا يزال في المشفى، لإصرار عمر وتهديده بأنه لن يخبره بشيء إلا عندما تتحسن حالته.

رضخ كريم، لكنه كان مستاءً من عمر كثيرًا، وكان ينظر له بنظرات غضب و عتاب ..

خرج الاثنان من المشفى بعد أن أوصى الطبيب كريم بتناول الأدوية والابتعاد عن الحزن أو التوتر. هزّ كريم رأسه بصمت مثقل، بينما كان عمر يراقبه بأسى.


صعدوا إلى السيارة، وكان رفيقهم الثالث صمتٌ ثقيل و مزعج...


وصلوا إلى بيت كريم، فتقدّم وفتح باب الملحق ، ثم جلس على الكرسي بوجه جامد. وقف عمر بجانب الباب حاملاً ملف القضية، فأشار له كريم أن يجلس.

دخل وجلس، وكان التوتر ظاهرًا عليه.


قال كريم بصوت هادئ "عمر، أنا آسف."

نظر عمر إليه باستغراب، ليكمل كريم معتذراً "غضبت منك وصرخت في وجهك، وكنت قاسياً رغم أنك كنت تريد مصلحتي ."

همَّ عمر ليتحدث، لكنه أشار إليه ليصمت، بينما هو تابع

"نعم، كنت غاضبًا منك بشدة، ولكن خلال هذين اليومين فكرت، ورأيت أنك كنت محقًا."

صمت قليلًا، ثم أكمل

 " كنت محق عمر ، لو كنت أخبرتني وقتها، لما كنت عرفت ماذا سأفعل؟ أو كيف سأتصرف؟ وربما كنت سأدمر كل شيء. لهذا يا صديقي، أنا آسف."


ابتسم عمر وربت على يده قائلاً بلطف 

"لا عليك يا صديقي، يكفي أن تكون بخير، وأنا سأتقبل أي شيء منك، حتى لو كان غضبًا أو صراخًا." قال جملته الأخيرة مازحًا.


ابتسم كريم ابتسامة ناقصه ، و تنهد وقال "والآن، أخبرني ما حدث بالتفصيل، ولا تُخفِ عني شيئًا."


هز عمر رأسه وفتح ملف القضية ليشرح لكريم ما جمعوه من أدلة، وما حدث...


فتح عمر الملف وبدأ يشرح، قائلاً "في الساعة 11:45، تلقّى هاتف شفق اتصالًا من رقم مجهول. الشرطة تنصّتت على المكالمة، وكان مضمونها أن كريم في خطر وأن عليها الذهاب لهذا العنوان."


تسال عمر "يبدو أن شفق كانت متوجهة لمكان آخر، وأتاها هذا الاتصال، فغيّرت مسارها."


نزلت دمعة حارة من كريم، وقال بنبرة متألمة "كنت قد وعدتهما أن آخذهما إلى الشاطئ في ذلك اليوم، ولكنني تأخرت كالعادة.

اتصلت بي، وأخبرتني أنها ستسبقني إلى هناك، رفضت ذلك وأخبرتها أن تنتظر، لكنها لم تستمع لي."


أومئ عمر و أكمل عمر: "وبعد أن ذهبت لذلك الموقع، الذي كان طريقًا خاليًا، أتت تلك السيارة وبسرعة مجنونة اصطدمت بسيارتها، و..."


وقف كريم واضعًا يديه على صدره بضيق وهو يفركها ويزفر بحرقة...


قلق عمر عليه، فوقف وسأله

"كريم، هل أنت بخير؟

يكفي إلى هنا، تعال واجلس."


أجلسه وذهب وسكب له كأس ماء ليهدأ، شربه كريم دفعة واحدة، وكأنه كان يريد شيئًا يُطفئ حريق قلبه...

قال بهدوء لكنه بإصرار: "أكمل." 


تردد عمر و هو قلق على حالته "لكن..."


قاطعه كريم و هو يمسح وجهه و يقول بثبات مهزوز "عمر، أكمل، أنا بخير."


تنهد عمر و اكمل 

"في البداية، اعتقدنا أنه حادث فقط، ولكن ما لاحظناه أن السائق كان قد مات قبل الحادث بنصف ساعة على الأقل.

وعندما وجدنا هويته، اتضح أنه شخص من المعدومين و ايضا مدمن، ولا يمكن أن يكون لديه مثل تلك السيارة الغالية التي حدث بها الحادث، لأنه ببساطة من فقراء الضواحي."


كان كريم يستمع له بكل كيانه ليحلل كل شيء بعقله، أخذ الصور ونظر لها...

قال كريم مفكراً 

"إذًا، هناك احتمالان: الأول أن القاتل هو من وضع جثة هذا الشخص في السيارة وهرب،

والثاني أن هناك من استأجر أحدًا ليقوم بهذا."


أومأ عمر برأسه: "نعم، هكذا اخفى الفاعل الحقيقي نفسه ."


صرخ كريم فجأة "ولكن من؟ ولماذا؟ وماذا يريد من زوجتي وابني؟"

قالها وهو يلكم يد الكرسي بقوة...


حاول عمر تهدئته: "كريم اهدأ، ستؤذي نفسك." قالها بقلق وخوف عليه.


لم يستمع له، وقال صارخًا:

"إذا كانت مشكلتهم معي، فلماذا لم يتخلصوا مني؟ ها؟ لماذا لم يقتلوني أنا أيضًا؟ ها؟!"


صمت عمر ولم يُجِب، بينما كريم كان صدره يعلوا و يهبط و هو يذهب ذهابًا وإيابًا في الغرفة، يفكر ويعيد كل ما قاله عمر...


خارت قوته ليجلس وهو يتحدث بصوت أشبه بالبكاء متحشرج

"لم يتخلصوا مني، أتعرف لماذا؟"


التفت عمر له متسائلًا، ليكمل كريم

"ليروا موتي في حياتي..!

ليروا جثة تمشي على الأرض...

ليروا جسدًا بلا روح..."

صمت كريم وكأنه تذكّر شيئًا أو لاحظ شيئًا...


بينما عمر قال "كريم، يجب أن تكون أقوى. هل سنترك من فعل هذه الجريمة بلا عقاب؟

هل سنتركه يعيش بعدما سلب الحياة من شفق وتيم؟!"


هز كريم رأسه بالنفي، وكانت ملامحه قد تبدلت، وقال بثبات 

"سأستخدم ألمي لأكون أقوى به، ويكون دافعي لأجد من تسبب بقلب حياتي بهذا الشكل."




مرت سنتان وسديم يهتم بوالده ويرعاه، وكأنه كان يأخذ منه العطف والحنان الذي كان يريده في صغره.

لم يخبر كريم بمرض والده، لكنه أخبره أنه عاد ليستقر ويبدأ العمل بالشركة، والتي ما إن أتى إليها بعقله التجاري حتى زادت أرباحها إلى الضعف، وارتفع اسم شركتهم مرة أخرى، بعد أن تعرضت لانتكاسة بسبب مرض الأب وتغيبه.

لكنه تستر على خبر إصابة والده بالخرف، ولم يخبر أحدًا قط...


وفي أحد الايام تدهورت حالة الأب بشكل كبير، فتغيب سديم عن العمل لايام ، و في يوم دخل إلى مكتب والده لتقع عيناه على الخزانة الصغيرة.

تقدم نحوها وكتب كلمة السر التي توقّعها...

أبتسم بحسرة و هو يكتبها..

تاريخ مولد كريم!


فتحها، ووجد بها ملفًا واحدًا، أخذه وفتحه ليرى أنها وصية والده!


أخذها ليقرأ، وتفاجأ بما كُتب!

أن والده كتب أن الشركة وبقية الأملاك لكريم، وأن الأراضي لسديم!


وهنا، حقد سديم على أخيه زاد، وحنقه من والده بلغ حدّه...

ظل طوال الليل ينظر لتلك الأوراق وهو يفكر ويفكر...

لتخطر في باله فكرة خبيثة جدًا...

قال في نفسه "سيكون هذا تعويضًا لكل ما مررت به."


تحسنت حالة الأب بعد أيام، ليقرر سديم أن يُخرجه إلى حديقة منزلهم.

فرح الأب وهو يتأمل الحديقة، بينما سديم يشرب قهوته وينظر لوالده بمشاعر مختلطة...

تنحنح سديم، فنظر إليه والده.


"أبي، أريد شيئًا منك."


"بالطبع، بني، أخبرني."


أخرج سديم أوراقًا، وقال:


"فقط وقّع على هذه الأوراق."

نظر الأب لسديم و أومئ بهدوء ، ومدّ يده، فقام سديم وتوجه نحوه وأعطاه القلم ليوقّع.

وبعد أن وقّع، ابتسم سديم بنصر وتشفي وهو يرفع تلك الأوراق...

"سديم."

قالها والده، ولأول مرة منذ عامين!

التفت له سديم بتفاجؤ ، وهو يخفض الأوراق ويتركها، وتقدّم نحو والده، وانحنى لتكون عيناه مقابل عينيه.

سديم ينظر لوالده بحنين...

بينما الأب رفع يده، ومسح على شعره، وقال

"إذا، لقد عدتَ سديم."

هزّ سديم رأسه، وعيناه تدمعان.

"ما أخبار أخيك وأمك؟"

أغمض عيناه، وقال بصوت منخفض "إنهم بخير."

تغيرت نبرة الاب للحزن و قال "لماذا الكل ذهب وتركَني؟"

ابتسم سديم بحسرة، وقال

"أنت من أبعدتنا عنك."

"أنا؟!"

صمت سديم ولم يرد.

فأكمل والده."أنا لا أتذكر يا بني، ولكن إن فعلتُ، فكنت أظن أنه لمصلحتكم ."

هز سديم رأسه، وهو يمثل أنه يوافقه الرأي.

وقف سديم، فمدّ الأب يده له، وأشار له أن يجلس، فجلس.

"بني، أنا أحبك، أنت وأخاك كثيرً ، و لكن طريقتي التعبير ربما كانت خاطئة" صمت الاب و شرد للامام بعيون ضائعه .

فرح سديم لسماعه تلك الكلمة منه أخيرًا، وهمّ ليعانق أباه...

ولكن...

التفت اليه والده و تحدث مبتسمًا

"كريم، ابني، الجو جميل اليوم، صحيح؟"

وقف سديم و تنهد بألم، ينظر له بتعجب ، لكنه تدارك الموقف، وهزّ رأسه بدون رد.

أخذ الملف، وتحرك إلى غرفته، طالبًا من أحد الخدم أن يأخذ والده...

وبعد شهر من هذا الموقف، قرر سديم أن يتزوج من سهى التي كانت تربط عائلتها بعائلة سديم علاقة عمل و صداقة و الان قرابة.

 تزوج سديم من سهى التي أحبها

 من صغره ، أحبها بكل قلبه ، ليقرر أن يهديها هدية زواجهما: أرضًا في مكان مميز...

استفاق سديم من بحر ذكرياته، ليذهب متعبًا ، منكسراً ، مثقلًا، ويرتمي في حضن سهى ، شفائه.

لم يكن عليه أن يتحدث، فقط وضع رأسه على حجرها ونام...

كانت هي الوحيدة التي لمست جراحه وآلامه وفقده...

علمت أنه يحتاج لشخص يستند عليه، فكانت له سندًا وداعمًا بكل شيء...

علمت أنه يحتاج حضنًا ولمسة حانية، فاحتوت كل ضعفه...

علمت أنه يريد أن يُسمع تارة، ويريد أن يُفهَم تارة...

كانت روحه مكسورة منذ طفولته، فحاولت هي ترميم تلك الكسور، ونجحت...

وفي جوف الليل، توضأ كريم وصلّى، وسجد لربه وبكى وشكا حزنه.

وبعد أن أكمل صلاته، رفع يداه داعيًا:

 "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.

يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي.

اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟

إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي.

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله."

ختم دعاءه بالدعاء لشفق وتيم والاستغفار...

وفي الصباح، وبعد أن أخذ عهدًا مع نفسه أن يصبح أقوى وأكثر ثباتًا، ويلملم شتات نفسه...

نظر لنفسه في المرآة، ليرى وجهه...

شعر و كأنه ينظر لشخص آخر.. شخص غريب لا يعرفه ، دقق النظر في المرآة ، ليرى انه قد طال شعره ولحيته، وذبلت عيناه، وبهتت ملامحه.

فذهب وقص شعره وهذّب لحيته، لتعود هيئته كما كانت سابقًا ولو قليلًا...

فطر، وقطف بعض الأزهار، وذهب كعادته إلى المقبرة عندهما...

توسطهما، ووضع لهما الأزهار بعدما أزال الأزهار الذابلة...

تحدث معهما قليلًا...

وبينما هو جالس، لمح طفلًا صغيرًا يحمل علبة ماء ثقيلة عليه،

همّ ليساعده، فرآه قد وصل إلى وجهته...

كانت هناك امرأة تبكي أمام أحد القبور و كان قريبا من قبر شفق و تيم ، تقدّم منها الطفل، فأخذت منه العلبة ورشّت على القبر...

احتضنت طفلها الذي كان يبكي أيضًا، لكنه يمثل القوة...

قال الطفل و هو ينظر في عين أمه بحزن "أمي! أين ذهب أبي؟

ألن أراه مرة أخرى؟"

أغمضت الأم عينيها بألم، وطبعت قبلة على رأس ابنها، قائلة

"بابا الآن في مكان أفضل من هنا.

صحيح لن نراه، لكنه موجود دائمًا هنا." وأشارت إلى قلبه...

مسحت دموعها، لتلاحظ أن هناك رجلًا ينظر إليهم، ارتبكت و خافت وانصرفت بسرعة...

لاحظ كريم ذلك، فاستدار وهو يقول "معها حق، أنتما الآن في مكان أفضل، وستظلان دومًا هنا."

ووضع يده على قلبه، مبتسمًا...

ليبدأ عمله بعد أن اتصل بعمر، في محاولة منه لمعرفة أي شيء،

لكن لا جديد..

أغلق عمر الهاتف بعدما أخبر كريم أنه لا يوجد هناك أي تطورات حتى الآن... طرق الباب فاستأذن بالدخول، ليدخل صديقه مبتسمًا ومحييًا إياه...

 جلس الصديقان، وكان صديقه يوسف أيضًا يعمل في شعبة الجريمة .

 تحدث يوسف عن مهمته الأخيرة ليصل الحديث إلى نقطة استوقفت عمر...

قال يوسف: "نعم يا عمر، مثلما سمعت، كنا نبحث عن هذا القاتل المأجور لفترة طويلة ولم نجد عليه أي دليل، ولكن المفاجأة أننا وجدناه مشنوقًا في بيته في الضواحي بعد ظهور رائحة غريبة من شقته، ليبلغ الجيران عن الأمر". همهم عمر بتفكير وقال: "وهل تعتقد أنه انتحر أم أنها جريمة؟"

"طبعًا جريمة، لقد تبين في تقرير الطب الشرعي أنه خُنق، وكانت هناك آثار واضحة لذلك"

 "وهل وجدتم شيئًا آخر هناك، أي دليل أو أي شيء؟"

" نعم . وجدنا في المطبخ منديلًا أنيقًا وفاخرًا، لا يبدو أنه يخص القتيل، مما أثار شكوكنا."

"غريب..."

ابتسم يوسف وهو ينظر إلى ساعته: "نعم، غريب، ولكننا نبحث عن صاحبه. أرسلت المنديل للطب الشرعي وآمل أن يجدوا شيئًا. والآن عليّ الانصراف، لقد تأخرت".



وقف عمر مودعًا صديقه: "إلى اللقاء وبالتوفيق في قضيتك".

كانت القضية تبدو سهلة، ولكن فيها غموض، ولذلك شغلت عقل عمر، فقرر بعدها أن يطلب ملف القضية من يوسف ليراه بدقه ...

حاول كريم أن يقف على قدميه، فبدأ دوامه في مكتبه مرة أخرى، وبدأت الأعمال تتحسن.

شكر عماله الاثنين الذين في غيابه اهتموا بالمكتب والأعمال...

كان لا يزال ضائع الفكر، مشتت الذهن، لكنه يحاول أن يستجمع كل ذرة فيه...

كان يفكر: من قد يكون هذا الذي يكن له عداوة؟


من؟

فكر وفكر ولم يجد أحدًا!


خطر بباله سديم! ولكنه سرعان ما نفى تلك الخاطرة وهو يقول معاتباً نفسه "مستحيل، لا، أبدًا".

وبعد أن أنهى عمله، خرج من مكتبه، ماشيًا بشرود لتقوده قدماه إلى بيتهم، بيت العائلة الكبير!

وقف أمامه يتأمله بحنين، اشتاق لعائلته و لطفولته بهذا المنزل، وزفر بحزن عندما تذكر قرار والده بسفره...

أتت نسمة هواء باردة محملة برائحة أزهار حديقتهم، فابتسم فورًا لتذكره والدته، فهي من زرعت واهتمت بهذه الحديقة.

قادته قدماه نحو البوابة بلحظة ضعف منه، لكنه سرعان ما تراجع عندما تذكر فعلة سديم، فانسحب يجر خلفه خيبته و خذلانه ، وكأن الأرض أثقلته بذكراهم.

ذهب إلى بيته، وقف أمام الباب ينظر إليه وكأن البيت أصبح بلا حياة، وكأنه يبكي هو أيضًا عليهما... اقترب وفتح الباب، دخل، أشعل الأضواء، نفض عن المكان الغبار ورتب بعض الأشياء، وذهب ليفتح نوافذ البيت لتدخل رائحة الأزهار التي زرعتها شفق...

أخذ شهيقًا عميقًا لداخله وأخرجه بهدوء، وهو يتذكر تيم طفله الصغير، وهو يجري في الحديقة ويقطف بعض تلك الورود ويشمها باستمتاع، وشفق تخبره بأن لا يقطفها، فيأتي كريم ويحمل تيم ويقطف وردة أخرى معاندًا شفق وهو يضحك، وفي حضنه تيم، لتقترب شفق منهم، فيجري كريم ضاحكًا مع تيم وشفق تتبعهم . كان منظرهم جميلًا، عائلة بسيطة سعيدة، عالمها صغير لكنه مليء بالفرح...

تعبت شفق، فاقترب منها كريم وهو يرفع يد تيم المبتسم، وقال: "فزنا..." ضحكت شفق، فأخذ الوردة ووضعها في شعرها قائلًا: "مكانها هنا أجمل" وطبع قبلة على جبينها...

استاءت حالة كريم بعد تلك الذكرى، بعد أن أتاه الحنين والشوق دفعة واحدة وبقوة، أغلق النوافذ وأطفأ الأضواء وأقفل البيت ليتوجه إلى الملحق...

وبينما سديم في حديقة منزله يشرب الشاي مع سهى ويتحدثان، رن هاتفه، فالتفت ليرى من المتصل؟ فاستأذن من سهى ورد قائلًا: "ماذا حدث؟ أكل شيء على ما يرام؟"

"إنه أمام المنزل"

تفاجأ سديم، وأغلق الخط، وذهب بسرعة لغرفة مكتب والده ليتأكد من صدق ما قاله ..

تسأل في داخله " هل فعلا كريم أتى ؟!"

فرأى أخاه واقفًا منكسِرًا، ينظر للبيت متأملًا بحزن ، وفجأة استدار وذهب، كان يسير كمن أشابته الحياة قبل المشيب، وكمن ذهبت عنه الروح...

راقبه حتى اختفى، ليتصل بالرجل الموكل بتتبع كريم، قائلًا: "اتبعه ولا تفارقه"

نزل وجلس بجانب سهى بصمت ، التي سألته بقلق عندما لاحظت حالته "ماذا حدث؟ لماذا ذهبت مسرعًا إلى الأعلى؟ ناديت عليك ولم ترد، أكل شيء بخير؟"

قال بصوت منخفض "كريم كان هنا"

استغربت سهى وقالت بقلق حاولت إخفاءه: "كريم هنا! لماذا؟ ماذا يريد؟"

التفت لها ، وعلامات الحيرة ارتسمت بوجهه: "لا أعلم، لأول مرة منذ سنوات يأتي"

 "هل قال شيئًا لك؟" قالتها وهي تترقب

"كان واقفًا خارج المنزل، لم يدخل"

صمتا...

كل واحد فيهما يفكر في فلكه...

سديم...

يسأل عقله: لماذا جاء؟ ماذا يريد؟

ويسأل قلبه: هل من الممكن أن يغفر لي ذنبي؟ فما فعلته معه ليس بالقليل.

 يتحدث عقله: لم تفعل شيئًا، فقط أخذت حقك.

وتنامى الصراع في داخله، إلى أن ضاق فقام ذاهبًا بعد أن انتصر عقله...

أما سهى...

 حدثت نفسها بقلق

"هل قدومه صدفة؟! أم أنه...!!! لا لا، بالتأكيد صدفة! لقد ذهب ولم يأتِ إلى هنا أبدًا منذ ذلك اليوم، فما الذي جاء به الآن؟"

خاف داخلها وتوترت، لتتصل بهيثم وتخبره...

وفي صباح يوم جديد ذهب كريم كعادته إلى المقبرة، وضع تلك الورود التي تحبها شفق على قبرها وهو يبتسم، و وضع لتيم من الورد الذي يحبها...

لاحظ دخول تلك المرأة وطفلها ، فهو لاحظ أنها تأتي كل يومين مرة لتزور قبر أحد موتاها، كانت تبدو هذه المرة متعبة وطفلها أيضًا... أبعد نظره عنهما ليكمل حديثه الصامت معهما...

سكبت الماء ودعت، ليفعل الطفل مثلها، أغمضت عينيها لتنهمر عبراتها، مسحت دموعها وقالت متظاهرة بالقوة لطفلها: "لا تبكِ يا حبيبي، ألم أقل إن أباك الآن في مكان أفضل؟"

مسح الطفل دموعه وهز رأسه، لكنه تحدث بصوت باكٍ: "ولكنني اشتقت له" ليحتضن أمه وهو يبكي...

سمع كريم حوارهما، فابتسم بألم، فهو أفضل من يعرف هذا الشعور، أن تشتاق لمن لا يمكنك رؤيته، ولا لمسه، ولا الوصول إليه...

رن هاتفها، ردت، كانت تستمع بحزن، وفجأة علت توسلاتها وهي تسحب ابنها لتخرج من المقبرة

قائلة: "أرجوك شهر فقط، انتظر، ليس لنا م..." ليُغلق الخط...

سارت بخطوات سريعة مرتبكة لتذهب إلى بيتها، لتجد أمامها رجلًا غاضبًا، وعلى ملامحه علامات الاستياء...

لقد رأيتها اليوم أيضًا...

يبدو أنها زائرة مثلي...

 لمقبرة الأحباء...

 هي وطفلها الصغير يتألمان، ولكنهما يكابران مثلي! يمثلوا القوة... ولكن ما أدركته أن للثبات والقوة حدًا، وبعدها تخور القوة...

سمعت حوارهما، فقبر زوجها أمام قبر شفق وتيم بمسافة يسيره..

رن هاتفها، وما إن تكلم المتحدث حتى تبدلت حالتها إلى الذعر...

لا أعلم لماذا تتبعت حوارهما؟ أو لماذا اهتممت؟

سحبت طفلها وذهبت مسرعة، كانت ستتعثر لكنها تداركت... وقفت وأنا أنظر لهما، ودعت شفق وتيم، متجهًا إلى عملي...

كان الجو جميلاً، فقررت أن أمشي، وبينما أنا أمشي لمحت تلك المرأة والطفل يسيران بسرعة و الخوف بادي عليها ، مشيت خلفهم... ولا أعلم لماذا تتبعتهم؟

توقفت المرأة أمام أحد البيوت، وكان واقفًا أمامها رجل لا يبدو عليه الصلاح أبدًا... وعلى الطريق حقيبتان ملقيتان!

صرخت المرأة بغضب: "لماذا رميت أغراضنا؟ لقد قلت لك أنني أمر بظروف صعبة، أمهلني شهرًا، شهر واحد فقط!"

تقدم الرجل منها، فتراجعت إلى الخلف بخوف ، ساحبةً ابنها خلفها. قال الرجل بصوت غليظ "لقد أمهلت زوجك الكثير من الوقت، ولم يدفع لي كل المبلغ إلا بعد أن أتعبني معه".

"سأدفع لك، أعدك، فقط أمهلني شهرًا واحدًا، ليس لنا مكان نذهب إليه" قالتها بترجٍ.


بينما هو ابتسم بسخرية وقال

 "كيف يمكنك إيجاد عمل، وإيجاد المال بشهر؟" سكت، وهو ينظر لها بخبث و هو يحك ذقنه و يبتسم قائلًا "أو يمكنكِ الموافقة على طلبي"

كل هذا وأنا أشاهد من بعيد، كان الرجل يهددها، وهي تحاول معه، يبدو أنها مستأجرة منه...

وفجأة صرخت به: "ما الذي تقوله أنت؟" رفعت إصبع السبابة وهي تقول: "إياك، وإياك أن تفكر بهذا!"

غضب الرجل، ليمسكها من يدها بقوة، وكاد أن يرميها على الأرض، ولكنني تقدمت وقبضت على يده بقوة، قائلًا بغضب: "أبعد يدك عنها!"

ضغط الرجل بقوة على معصم المرأة لتتألم، وطفلها يشاهد ويبكي...

قال الرجل بخبث: "وإن لم أتركها، ماذا ستفعل؟"

اشتد غضبي، ولكمته بقوة، فرمى المرأة على الأرض بقوة... وهو يقول غاضبًا: "من أنت؟ أأنت عشيقها؟"

أتسعت عيناي بغضب و انهلت عليه بالضرب، وكأنني أُخرج فيه كل ألمي... لولا أن المرأة تقدمت مني وهي تترجاني أن أتوقف، لما توقفت...

وقفت أتنفس بسرعة، من فرط غضبي، يدَيّ تنزفان، وشكلي مخيف، تقدمت منها فتراجعت خطوات إلى الوراء! يبدو انها خافت مني !

تجاهلت ذلك وسألتها: "هل أنتما بخير؟" فأومأت و هي تحتضن ابنها و عيناها ترتجف خوفاً ...

وهنا أتت الشرطة لتأخذنا جميعًا إلى قسم الشرطة...

صعد سديم إلى غرفة المكتب وأغلق بابها.

فتح تلك الخزنة الصغيرة وأخرج منها تلك الأوراق!

نظر إليها وتمعّن بها...

تساءل في نفسه

"أكان يستحق ؟!

 من أجل هذه الأوراق كل هذا يا سديم؟!"

"أكان يستحق أن تخسر كل شيء، وتُدخل أخاك في الخسارة من أجل هذه الورقات؟!"

رماها على الطاولة، وأمسك رأسه بألم وهو يقول

"أبي، كل هذا بسببك... بسبب قسوتك.

تركتني يتيمًا وأنت حيّ.

تركتني ورحلت باكرًا، قبل حتى أن أشبع منك أو من كلماتك...

كنتُ في كثير من الأوقات أحتاجك في أشياء لا تُقال، لكنك كنت الحاضر الغائب..."

رفع رأسه وهو ينظر إلى الأمام

"تركتَ في قلبي غصّة لا تزول، وفراغًا لا يُملأ، وغيرة وحقدًا أصبحا عذابي."

أغمض عينيه وأرجع رأسه للخلف، لتأتيه تلك الذكرى التي لا يحبها، وكلما تذكرها، يندم وييأس...

مرت الأيام وفارق والدنا الحياة.

رغم كل شيء، إلا أنني بكيت عليه بشدة، لكنني لم أدع أحدًا يرى ذلك.

أنا في نفسي أعلم أنه كان يحبني، لكنه لم يُظهر ذلك أبدًا... إلا عندما أخبرني بهذا قبل سنتين.

أتى كريم، وكان قد تزوّج هو الآخر.

كان حزينًا جدًا، ويبكي...

نعم يبكي فهو لم يُخبروه أن البكاء "عيب" أو "خاص بالنساء".

أخبرني كريم أنه يريد أن يستقر هنا، ويُكمل دراسته هو وزوجته، فوافقت.

ليحتضنني كريم قائلًا بصوت باكٍ حانٍ "أصبحنا وحيدين يا أخي... وأنا أعدك أنني سأكون بجانبك دائمًا ولن أتركك."

أردت أن أحتضنه، لكنني ترددت،

ثم بعدما سمعت كلماته تلك، عانقته وبكيت أيضًا...

مرت سنتان...

وُلد فيها تيم، ابن أخي الجميل، أحببته كثيرًا ، كم كان ولداً جميلا و هادئ.

لكن... ازدادت المشاكل بين شفق وسهى، خاصة بعد ولادة تيم.

كنت أعلم أن سهى تغار من شفق، وتحاول أن تفرّغ غضبها بأي شيء...

كنت أعلم أنها تُخطئ، وتحدثتُ معها، لتهدأ فترة... ثم تعود من جديد، وهكذا.

لم تكن علاقتي بأخي قوية و هذا يرجع لسفر كل منا ، لم أكن أتحدث معه كثيرًا، ولا أخرج معه.

فقط نلتقي في الشركة، رغم أننا نعيش في البيت نفسه!

كنت أتهرب منه... نعم، أتهرب.

وفي فترة ما، ساءت علاقتنا بشدة.

كنت أغضب عليه وأصرخ وأتّهمه...

وكأنني لم أعد أرى سوى الكره والحقد.

توترت أجواء المنزل في تلك الفترة كثيرًا...

لأتخذ أكثر قرار ندمت عليه طوال حياتي ....

طردتُ أخي من منزلنا...

يتبع....


google-playkhamsatmostaqltradent