recent
جديدنا

رواية صدي الألم الفصل السادس

رواية صدى الالم 
بقلم سجى إمام 
الفصل السادس 



في مركز الشرطة 

كان عمر يجلس في مكتبه، يتأمل ملف إحدى القضايا بعينين مرهقتين.

نزع نظارته وأرجع رأسه إلى الخلف، مغمضًا عينيه بألم يعكس تعبًا داخليًا .


كان يفكر ويحاول أن يحلل هذه القضية الصعبة، ويحاول أيضًا أن يجد أي طرف خيط في قضية شفق وتيم، ولكن إلى الآن هناك شيء مبهم! شيء مفقود، إذا وجده ستكتمل الصورة...


اتصال مجهول...

سيارتان...

ثلاثة ضحايا...

وبين كل هذا، هناك طرف غائب، كأن أحدهم يتوارى في الظل.

هل القاتل فرد واحد؟

 أم أن هناك من يسانده في الخفاء؟


فكر قليلًا " أيمكن أن يكون قاتلًا مأجورًا؟!" 


تدافعت الأفكار في رأسه، ليطفو على السطح مشهد قضية يوسف، وتفصيل لم يتقبله المنطق : قاتل مأجور، وُجد مقتولًا بظروف غريبة...


وقف وهو يجمع أوراقه بعجلة، عاقدًا النية على التوجه مباشرة إلى مكتب يوسف.


استأذن للدخول ودخل، فوقف يوسف مرحبًا به، وأشار له بأن يجلس.

تحدثا قليلًا عن القضايا بشكل عام، والأحداث الأخيرة...


قال عمر: "هل يوجد تطور بقضية ذلك القاتل المأجور؟"


رد يوسف وهو يخرج ملف القضية "لقد نسيت أن أرسله لك، مع الأسف يا صديقي، إلى الآن لم نجد شيئًا."


وقف يوسف وذهب ليجلس بجانب عمر، قائلًا وهو يفتح ملف القضية

"انظر يا عمر، ما لدينا هو أن القتيل خُنق أولًا، ومن ثم شُنق، وهذا يساوي..."


قالها عمر بسرعة "أن هناك من قتله للتخلص منه ، إذًا كما قلنا، هذه جريمة ويوجد لدينا قاتل."


"نعم، وأيضًا لدينا هذا المنديل."

قلب يوسف الصفحة ليري عمر المنديل، الذي كان شكله مميزًا، ويبدو أنه غالي الثمن.


أكمل حديثه "كما قلت لك، أرسلت هذا المنديل للطب الشرعي، وأكد لي أن عينة الـ DNA للمقتول لا تتطابق مع الـ DNA الموجود في المنديل و..."

"هل بحثوا عنه في قاعدة البيانات؟"


"بالتأكيد، ولكن لا يوجد تطابق."


همهم عمر مفكرًا قائلًا: "إذًا، كل ما لدينا منديل؟!"


هز يوسف رأسه وقال: "وأيضًا هناك شيء، ولكن لا أعرف إن كان مهمًّا."


اعتدل عمر في جلسته وقال: "ماذا؟"


"عطر!" قالها يوسف وصمت بعدها.

"عطر؟! ما به؟!"


"نعم، عطر. فقد وجدوا أثرًا لعطر من الأنواع الغالية المميزة، التي لها رائحة نافذة."


"غريب! هذا يعني أن القاتل شخص من الأغنياء!"


"احتمال، ولكن ما عمله مع قاتل مأجور؟! ولماذا يقتله هو؟!" 


هذا هو السؤال!" قالها يوسف وهو يحاول أن يوضح لعمر أكثر.


"يوسف، أريد أن أذهب إلى بيت المقتول!" قالها وهو يقلب بأوراق الملف.


تساءل يوسف: "لماذا؟ أوجدت شيئًا لم ألاحظه؟!"


رفع نظره له وقال: "لا، ولكنني أشك أن قضيتك تتقاطع مع قضيتي."


استغرب يوسف من كلامه، فطلب منه أن يوضح، ليشرح عمر له.

اقتنَع يوسف ووافق، وأخذا الإذن من رئيسهما بأن يفتشا مسرح الجريمة مرة أخرى، ليذهبا بعدها...




رجعت من المكتب، ومررت قليلًا بهما، ومن ثم عدت لغرفتي.

ذلك المكان الصغير الذي أحارب فيه وحدي الذكريات، والألم، وحزني...

تنهدت وتقدمت نحو حديقة المنزل، لأجد ذلك الصغير يجري ويضحك، بينما أمه تنظر له بحب وتبتسم.

توقفت أنظر لهما وأتأملهما...

تذكرت لعب تيم هنا وهو يضحك هكذا، وشفق تسير خلفه بترقب، تخشى أن يقع...

كانت حياتي مطمئنة معهم وبهم، والآن طمأنينتي سُلِبت...


زفرت بألم وتقدمت نحو ذلك الصغير، الذي وما إن رآني، توقف وابتسم.

اقتربت منه وبادلته الابتسامة، وبعثرت له شعره وقلت 

"هل أعجبتك الحديقة؟"


تحدث وهو يبعد يدي عن شعره 

"نعم، أعجبتني، "لكنني لا أحب أن تعبث بشعري!" قالها مستاءً.


أضحكتني طريقته في الكلام، بينما هو أمسكني من يدي وسحبني معه ليريني ما فعل.

أوقفني في وسط الحديقة ليقول لي بسرعة "سأذهب وأعود حالًا، لا تذهب إلى أي مكان!"

هززت رأسي موافقًا لكلامه، ليذهب بسرعة إلى الداخل...


بينما أمه تنظر إلينا، كنت أرى نظراتها، كأنها لا تزال متوجسة مني، وأنه لا يعجبها قرب ابنها مني.

أنا أعطيها الحق في ذلك...


أتى الصغير وبيده دفتر رسم، فأدركت أنه رسم شيئًا.


وقف أمامي وهو يقول بصوته الطفولي الجميل "إنها هدية مني."


ابتسمت له، ونزلت لمستواه، وأخذت دفتره لأفتحه وأرى رسمته...

 كان قد رسم وحشًا، و رجلاً ، وامرأة، وطفلًا! فأدركت أنه رسمنا نحن.

كانت رسمة بسيطة، طفولية جدًا، لكنها عبّرت عما بداخله.


كان الوحش واقفًا أمام الرجل وهو يبكي، والرجل واقف أمامه، وخلفه الطفل والمرأة.


"إنها جميلة جدًا يا صغير."


قلتُها وأنا أنظر لها بإعجاب، فقد أدهشني كيف استطاع ربط الأحداث ورسمها...

مسحتُ على رأسه قائلًا

"إنك موهوب فعلًا يا فتى."


فرح الطفل، وزيّنت محياه ابتسامة رائعة، وقال بخجل "شكرًا."

صمت قليلًا ثم قال.

"لماذا تناديني يا صغير؟ اسمي تيم."

ابتسم أكثر وقال بفخر 

"تيم اسم جميل، أليس كذلك؟"


لم أعرف ماذا أقول له، أو كيف أشرح له... فهو طفل في النهاية ، كيف له أن يفهم ما تمر به روحي ..


تجمعت دموعي في عيني، ولكنني تداركتها، وبعثرت له شعره وقلت

"نعم، اسم جميل، مثلك تمامًا."

استاء وتذمر من حركتي...


ثم نادته أمه، فذهب مسرعًا...

دخلت غرفتي الصغيرة، ووضعت تلك الرسمة على الطاولة، وتمددت.

أغمضت عيني، ولكن الباب طُرق.

قمت وفتحت...

لأجده تيم، يحمل بيده ساندويتش وعصيرًا، أخذته من يده وشكرته.

كان فضوليًا، ينظر إلى الداخل...


"يمكنك الدخول والنظر كيفما تشاء." قلتها ممازحًا إياه.


دخل، ولاحظت تلك المرأة - أعني هبة - تنظر إليّ من نافذة المطبخ، وأدركت أنها خائفة على طفلها ، فجعلت الباب مفتوحاً لتطمئن.


دخل، فرأيته يمطّ شفتيه بعدم رضا "لماذا تعيش هنا؟"


وضعت الأشياء على الطاولة، وقلت بحزن "قصة طويلة."


جلس على حافة السرير وقال بحماس طفولي"احكِ لي."


التفتّ إليه مبتسمًا، وهممت لأتحدث، لكن قطعني قدوم تلك المـ... أقصد، هبة...


قالت: "تيم، تعال إلى هنا. لنتركه ليرتاح."قالت كلماتها الأخيرة لي...


وقف الصغير وقال بتذمر 

"ولكنه كان سيحكي لي قصة!"


"تيم، هيا." قالتها بحزم، فذهب تيم ووقف بجانب والدته.


قالت بجمود "تصبح على خير." وذهبت...


راقبتهما إلى أن دخلا، ثم أقفلت بابي... 

جلست على الطاولة لأتناول طعامي، فلم آكل شيئًا منذ الصباح، فقد اصبحت معدتي آخر همي. ثم ذهبت لأنام...

وفي صباح اليوم التالي، ذهب كلٌّ من عمر ويوسف إلى مسرح الجريمة...

دخلوا المنزل، وبدأوا يتفحّصون كل شيء بدقة. مرّ الكثير من الوقت، ولم يجدوا شيئًا. تنهد يوسف بخيبة أمل وقال "لم نجد إلى الآن شيئًا."

أما عمر، فكان يبحث في غرفة النوم، فنادى بصوتٍ عالٍ "يوسف، تعال إلى هنا وساعدني."

ذهب يوسف بسرعة إليه، ليجد أن عمر قد وجد تحت السرير ملفات وفلاشًا. أعطى عمر الفلاش ليوسف ليتفحصه، لكنه كان محميًا بشفرة ولم يستطيعوا فكّها. فتّشوا الملفات، فلم يجدوا شيئًا...

وقف عمر متعبًا وزفر "لا يوجد شيء!"

بينما كان يوسف يفتّش خزانة الملابس، وجد حقيبة صغيرة، فتحها ليجد فيها أشياء صغيرة مثل خاتم، ساعة، وسلسال و أشياء أخرى .

قال وهو يتأمّل محتويات الحقيبة "عمر، تعال انظر."

اقترب منه عمر، وهو ينظر إلى الأشياء داخل الحقيبة، ثم قال بإستغراب "ما هذا؟! أشياء متناقضة! هذا خاتم رجالي، وهذا نسائي، وذاك..."

قاطعه يوسف قائلًا "إنها أشياء تخصّ ضحاياه."

اتسعت عينا عمر حين رأى قلادة شفق! أمسك بها، رفعها وتفحّصها... نعم، إنها هي!

كانت قلادة من النوع الذي تُوضع فيه صورتان.

فتحها، فوجد صورة كريم وتيم!

جلس عمر مصدومًا وهو يحدّق في القلادة بعيون متسعه دامعة...

لاحظ يوسف ذلك، فسأله "هل وجدت شيئًا؟"

رفع عمر القلادة وقال "إنها قلادة شفق."

تبادلا النظرات، فقال يوسف "إذًا، من نفّذ الجريمة كان هو القاتل المأجور هذا ... كان شكّك في محلّه."

وقف عمر، ووضع القلادة داخل كيس الأدلة وقال "نعم، وجدنا من نفّذ... والآن علينا أن نجد من أعطى الأمر، ومن قتل هذا الحقير."

قال يوسف "أظن أنه شخص واحد من فعل كل هذا."

تحرك عمر وهو يقول "سنرى..."

في بيت العائلة الكبير

كان سديم وسهى يتناولان طعامهما ويتبادلان الحديث حول تحضيرات الولادة...

صمتا قليلًا، ليقطع الصمت صوت سديم وهو يعبث بطبق الطعام "لقد زار هيثم كريم..."

قالها وهو يرفع عينيه نحوها "لماذا؟!"

ارتبكت سهى لكنها أخفت ارتباكها سريعًا "لا أعلم."

همهم سديم وأكمل "أنا لا أرتاح لأخيكِ هذا و أنت تعلمين ، وأظنه يخطط لشيء."

ابتلعت ريقها وبدت عليها علامات القلق "يخطط؟! لماذا؟ هل تشك به؟ أم أنه ارتكب شيئًا خاطئًا في الشركة؟"

لاحظ قلقها، فحاول تهدئتها قائلًا "ما بكِ؟ لماذا توترتِ؟ أنا فقط، كما أخبرتكِ، شخصيته لا تريحني مندو ان كنا صغار لم أرتح له . إنه... لا أعرف، مريب. أشعر أنه يُظهر غير ما يُبطن."

استمعت له سهى حتى أكمل حديثه، ثم تظاهرت بالزعل وقالت "سديم، إنه أخي، ولا أسمح لك أن تتحدث عنه بهذه الطريقة، و..."

همّ بالكلام لكنها قاطعته "أعرف أنك لا تحبه، ولكن هذا ليس سببًا كافيًا لتقول هذه الأشياء عنه."

ثم وقفت وقالت "تصبح على خير." وغادرت بعدها...

تنهد سديم، ثم وقف يتبعها ليراضيها.

هبة

بعد يومين... مرّ يومان وأنا في بيته...

أعترف، في البداية كنت خائفة منه، وما زلت، لكن شيئًا في داخلي هدأ، لم يعد يرتعد كما كل مرة ويبعثر كل شيء. لم يأتِ إلا ليعطيني أدويتي وبعض الحاجيات للمطبخ فقط. لم يقترب، ولم يتحدث معي بعدها.

غريبٌ أمر هذا الرجل... لا أحد يفعل ما فعله دون مقابل! في وجهه حزنٌ كبير، وألمٌ عميق يُسمع صداه واضحاً . وأظن أن سببه من يرقدون في تلك المقبرة...

تلك المقبرة... حيث يرقد زوجي . الذي بقدومه تغيّرت حياتي، وما إن رحل... حتى انقلبت حياتي.

مررت يدي على رأس تيم النائم بجانبي، وأنا أمسح دموعي. أتتني تلك الذكرى القاسية على قلبي...

كنت في الثامنة عشرة من عمري، وأردت الالتحاق بالجامعة، لكن أهلي رفضوا بشدة، قائلين إنه عليّ أن أتزوج. رفضت، فضُربت وأُهنت... حاولت الهرب، لكنني فشلت.

في إحدى الليالي، أخبرتني أمي أن هناك من سيأتي لخطبتي. بكيت، وتوسلت إليها، لكن لا فائدة... تركتني وذهبت. وفي اليوم التالي، جاء الخاطب...

كان سعيدًا ينظر إليّ بابتسامة، وأنا كنت أعيد له النظرة بعكسها. طلب التحدث معي، فوافقوا على مضض...

ابتعدنا قليلًا، فقلت له دون مقدمات "اسمعني... أنا لا أريد هذا الزواج. أهلي يُجبرونني و أنا ..." صمتُ بغصتي

بينما هو نظر إليّ وابتسم، وجلس بينما كنت أنظر إليه باستغراب، كيف له أن يبتسم بعد ما قلت؟!

أشار لي بالجلوس، فجلست. اقترب، فتراجعت.

قال بهدوء: "أعرف كل هذا، يا هبة..." كان ينظر لعيناي و يتحدث مما اربكني و اخافني.

ثم أكمل بهدوء محب " هبة .... أنا معجب بك، وأريدك زوجة لي..."

تبدلت ملامحه قائلا " ولا أريدك أن تبقي معهم، تتحملين كل هذا." كان ينظر إلى يدي حيث كانت كدمة لم أخفِها...

أنزلت رأسي بحزن، بينما هو قال بلطف "أعدك، يا هبة، لن أُحزنك أو أُجرحك أبدًا... فقط سأحبك."

ثم رفع رأسي، ينظر في عيني...

كادت كلماته تُقنعني، لكني هممت برفضه. فوقف فجأة وقال "أرجوكِ لا ترفضي بسرعة، فكّري، وأنا متأكد... لن ترفضي." قالها بابتسامة، ورحل...

كنت في حيرة... أوافق؟ أرفض؟

لكنني نسيت... أنه لا خيار لي.

تمّ الزواج، وعلمت في ليلة العرس أننا سنسافر ولن نعود إلى مدينتنا!

رفضت، بكيت، لم أكن أريد الرحيل بعيدًا عن أهلي، لكنهم قالوا "لقد زوجناكِ، اذهبي مع زوجك، ولا تعودي."

كنت مصدومة، أتى زوجي وأخذني، سافرنا...

كنت أبكي كثيرًا، خائفة. لكنه نظر لي بابتسامة دافئة وقال "لا تخافي... لا تحزني، سيكون كل شيء بخير، فأنا معك من الآن فصاعدًا."

وكان فعلًا... أجمل ما مرّ في حياتي، الذي عشت معه أجمل ايام عمري. أحبني بشدة ، حاول أن ينسيني جراح أهلي، لكن الجرح كان عميقًا.

مرت السنين، أتى تيم، فرحنا به كثيرًا. لكن، لا أعلم كيف مرّ علينا شبح الفقد، وأخذ مني سر سعادتي.

رحل، وانقلب كل شيء. حاولت التواصل مع أهلي، لكن كالعادة، لا فائدة. أدركت أنني وحدي... ويجب أن أُقاتل من أجل تيم. أغمضت عينيّ بتعب و إرهاق .. ونمت.

في صباح اليوم التالي...

حضّرت الإفطار، ونظرت نحو الملحق. ترددت، ثم شجّعت نفسي، جهّزت صينية صغيرة، وتقدمت.

وقفت أمام الباب، رفعت يدي لأطرق..

لكن الباب فُتح!

ابتعدت بفزع، وابتعد هو أيضًا، نظر لي باستغراب.

تحدثت بسرعة وارتباك واضح "أ... أحضرت لك الفطور."

خفض نظره، أخذ الصينية بصمت ، وأنا عدت بسرعة...

أغلقت الباب، وضعت يدي على صدري الذي يعلو ويهبط من التوتر و الخوف ! عدت للمطبخ، فرأيته قد خرج!

استيقظ تيم، حضّرت له الإفطار، وتجهزنا للخروج. ذهبت لعدة أماكن لأقدّم على وظائف...

لم يكن هناك أي أمل. مر نصف اليوم و تيم كان متعبًا، لنعود ...مرت أيام، وكنت أحاول. حتى وجدت وظيفة أخيرا . لم أكن أتوقع قبولي، وفرحت كثيرًا!

عدتُ هذه المرة وأنا في قمة سعادتي. فألى متى سنظل في بيته؟!. لا يمكن أن أبقى عند كريم أكثر...

كريم! قلتُ كريم فقط؟!

 في الجهة أخرى...

علم سديم أن هبة تبحث عن عمل، فقرر مساعدتها، ووجّهها بشكل غير مباشر إلى مكتب هيثم، لتكون سكرتيرة في مكتبه، ومسؤولة عن استقبال الطلبات. باشرت عملها، وكان تيم يأتي معها...

اتصلت سهى بهيثم "هيثم، أين أنت؟"

"أين سأكون؟ في المكتب. ماذا هناك؟" قال بضجر.

"أخبرني سديم أن تلك المرأة التي تسكن في بيت كريم تعمل في..." وصمتت.

اعتدل في جلسته و قال "أين؟"

ابتسمت "في مكتبك!" تفاجأ، استغرب، أغلق الهاتف وذهب.

لكنّه تذكر أنه لم يسأل عن اسمها! فاتصل بها، فأخبرته..

عرف أنها السكرتيرة الجديدة! راقبها وهي تعمل، فابتسم بخبث.. ثم تحركت نحو الطفل، فأدرك أنه ابنها.

ابتسم وقال: "يبدو أننا سنستمتع."

كريم

فاجأني قدومها بصينية الفطور ذلك الصباح، و استغربت تصرفها هذا . و لكن مع مرور الأيام... أصبحت عادة، تمدّها بصمت وابتسامة هادئة، وأنا آخذها بصمت.

ذهبتُ إلى المكتب، وأتى عمر، بدا عليه التعب والهم.

"عمر، هل أنت بخير؟" ناولته كأس ماء، شرب، ثم قال "بخير... بخير..."

صمت ثم قال "كنت قد أخبرتك أنني سأسأل عن تلك المرأة... وفعلت."

رجعت بظهري، قلت ساخرًا "وماذا وجدت؟ مجرمة؟ قاتلة؟ مهربة؟"

تنهد وقال "لا هذا، ولا ذاك... إنها فتاة مسكينة فقط."

ضحكت "وهذا ما كنت أقوله... ما الذي تغيّر الآن؟"

قال "ليست من هذه المدينة. تزوجت، وجاءت إلى هنا. وضعهم المادي كان صعبًا، لكنه مستقر.

إلى أن مرض زوجها، وتشاجر معهم صاحب المنزل... وأُخذوا للشرطة، لكن أُفرج عنهم. وبعد أسبوع، ساءت حالته، ومات... ومن هنا تبدأ القصة."

قلت: "مسكينة... وأين أهلها؟ أهي يتيمة؟"

"لا. أهلها في مدينة أخرى."

"ولماذا لا يأخذون ابنتهم؟"

"لا أعلم، كريم..." قالها بتعب.

"ما بك؟ لا تبدو بخير. لنذهب إلى المشفى." قلتها قلقاً من حالة عمر .

"أنا بخير، فقط... كنت أعمل على قضية جديدة طول الليل."

صمت قليلا و قلت بعدها "هل وجدت شيئًا جديدًا؟"

نظر لي مطولًا، أنزل رأسه، ثم نفى. وقف، وغادر. كانت حالته غريبة ..

بعد أيام...

عدتُ للمنزل، وقع نظري على البيت لاجده مغلقاً ! استغربت... طرقت الباب، لا رد..فتحت بالمفتاح، وجدت البيت خاليًا!

أين ذهبوا؟ هل غادروا دون أن يُخبروني؟ لكن... إلى أين؟!

خفت عليهم، شعرت بشعور العجز. العجز عن حمايتهم مجددًا...

جلست على كرسي في الحديقة، أحدق في البيت، والحديقة... بفراغ.

هممت بالدخول. و لكنني سمعت صوت تيم يناديني، و يجري نحوي! التفتت له و ابتسمت، نزلت لمستواه، احتضنته بقوة. و كأنني كنت خائف من الفقد مرة أخرى.

اقتربت هبة، مبتسمة..

"أين كنتم؟ " قلتها متسائلا و صمت قليلا فأدركت أن لا حق لي بهذا السؤال.

نظرت الى تيم و قلت بعدها " ظننت أنكم غادرتم..."

قالتها وهي تبتسم بلطف "بالطبع لن نذهب دون أن نُخبرك."

ثم أكملت، و هي تنظر لي بسعادة."لقد وجدت عملًا، واليوم كان أول يوم!"

لا أعلم لماذا انزعجت... بان ذلك على صوتي، و ملامحي

لكني حاولت أن أخفيه "عمل؟ لماذا لم تخبريني؟ كنت سأساعدكِ..."

أخفضت رأسها بخجل "قدّمت لي الكثير، ولم أُرد أن أثقل عليك. يجب أن أعمل لأجد لنا مكانًا... لا يمكن أن نظل هنا إلى الأبد."

نظرت إليها و لم أعلم ماذا أقول . التفت الى تيم، الممسك بيدي و ينظر لنا ..

"على أي حال... إذا احتجتِ شيئًا، فقط أخبريني."

هزّت رأسها بابتسامة، وأشارت لتيم.

قال لي وهو ممسك بيدي "سنذهب غدًا إلى المقبرة... هل يمكنك القدوم معنا؟" نادته أمه و قد تغيرت ملامحها ، لكنه لم يستجب... ظل ينظر لي. بعثرت شعره، وهززت رأسي موافقًا، ففرح ورتب شعره وذهب معها...

تأملتهما حتى اختفيا ، رسم شبح إبتسامة على وجهي و أستدرت و ذهبت..

و كأنني كنت أحتاج إلى شيء... يخرجني من حزني ، ويعلّق روحي من جديد بشيء... ربما أمل ، ضوء صغير لا أعلم و لكن لا أريد أن أفقده ..

وفي فجر اليوم التالي، استيقظتُ وصليت، ودعوتُ ربي، بكيتُ ، والتجأتُ إليه بأن يهب لي القوة لأتحمّل هذا الابتلاء، وأن يجبر قلبي وروحي المنكسرة.

خرجتُ إلى الحديقة وجلستُ فيها. كان الجو باردًا، لكن داخلي يحترق بأوجاعه. شردت وأنا أمرّ بذكرياتهم، ليُخرجني صوتها من شرودي.

"صباح الخير"، قالتها بصوت منخفض وخجل، وهي تضمّ يديها.

التفتُّ لها ونظرتُ باستغراب، ما الذي أتى بها في هذه الساعة؟ وماذا تريد؟

ازداد خجلها من نظراتي وتوترت، فكادت أن تتراجع وتذهب، لولا أنني تكلّمت أخيرًا

"أ... صباح الخير، أعتذر، لقد كنت شاردًا و..." تلعثمتُ قليلًا وسكتُّ، وكذلك هي.

طاف بيننا صمت ثقيل، كسرته عندما قالت بعد أن استجمعت شجاعتها "في الأمس أصرّ تيم على ذهابك معنا، وأحرجك بإصراره، وإذا كنت لا تريد أن تأتي معنا إلى المقبرة، فلا مشكلة، سنذهب نحن وحدنا."

"لا يوجد إصرار أو حرج، فأنا أذهب إلى هناك كل يوم، ولا توجد مشكلة إذا ذهبت و رافقت الصغير..."

تداركت ارتباكي وقلت "أعني... أرافقكما." رفعتُ نظري لأراها تنظر إليّ بغرابة، ثم بسرعة أبعدت نظرها.

وقفتُ مرتبكًا، بينما هي ابتعدت وقالت "ساعة ونكون جاهزين."

هززتُ رأسي وقلت "على راحتكما."

ذهبت و دخلتُ إلى الملحق. نظرت من النافذة، لأجدها واقفة تنظر إلى مكاني حيث كنت جالسًا، ثم ذهبت.

وبعد ساعة، أتى ذلك الصغير، أعني "تيم"، ودق الباب.

فتحتُ له لأراه يبتسم "صباح الخير." مددتُ يدي لأبعثر شعره، لكنه تراجع بسرعة وقال مبتسمًا بانتصار: "لم تنجح هذه المرة!"

ابتسمت لتصرفه، وهممتُ أن أخرج معه، لكنه دخل وجلس على كرسي، وأطرق رأسه بحزن.

جلستُ بجانبه وقلت وأنا أحنو عليه "ما بك يا تيم؟ ماذا حدث؟" كان قول اسم ابني صعبًا عليّ، وكأنني أتذكر فقده في كل مرة أقول فيها اسمه!

لكن وكأن وجود هذا الصغير تعويض وجبر من الله لقلبي المكلوم، لذلك كان يزعجني حزنه الواضح رغم ابتسامته وضحكته.

نظر إلى عيناي، وكانت عيناه مليئتين بالدمع الذي يحاول كبحه، وقال "سنذهب لنزور أبي... ستأتي معنا، أليس كذلك؟"

أومأت برأسي وقلت "نعم، سأتي." كنت أحاول أن أطمئنه.

قال باكيًا وهو يمسك يدي "في كل مرة كنا نذهب، كان يحدث شيء لأمي، وأنا لا أستطيع حمايتها... أنا خائف عليها." صمت، ثم نظر إلى عيناي وقال برجاء "لا تتركنا... ابقَ معنا."

كنت مصدومًا ومُتأثرًا بكلامه الذي هزّ داخلي، فكيف لطفل صغير أن يكون شبح الفقد يقلقه لهذه الدرجة؟

ضممتُه إلى صدري وحنوت عليه وقلت له بحب "لا تقلق يا بني، لن يحدث شيء، سأكون معكم." وما إن ضممته حتى انفجر باكيًا!

لم أعرف ماذا عليّ أن أفعل، فشددت عليه حضني محاولًا تهدئته. كان يقول وهو يبكي و صوت شهقاته يرتفع و يشق صدري "لقد رحل والدي ولن يعود."

كان و كأنه يريد ان يخرج ما في داخله من حزن فانتظرت الى ان هدئ قليلا و أبعدتُه عن حضني، ورفعت رأسه إليّ، ومسحت دموعه بحنان وقلت وأنا أنظر إلى عيناه الصغيرتين الباكيتين

"لا، لم يرحل... هو دائمًا هنا، في قلبك. ألا تتذكر كلام والدتك؟"

مسح دموعه وهزّ رأسه، لكنه تحدث بصوت متحشرج من البكاء "ولكنني أشتاق له كثيرًا."

آه يا صغير ، وأنا أيضًا أشتاق... لا، بل أموت شوقًا للحظة تجمعني بهما، لكن... مستحيل!

دمعت عيناي، لكنني منعت عبراتهما، وقلت "عندما تشتاق له، فكّر به، وتذكر أسعد لحظة كنت معه."

نظر إليّ وكأنه يحاول أن يستوعب، ثم هزّ رأسه واقفًا، وسحبني من يدي وقال "هيا لنذهب." قالها بثبات بعد ان مسح دموعه ...

نظرت إليه مطولًا. هذا الصبي عجيب! كيف تتقلب أحواله؟ فقبل قليل كان منهارًا، والآن يقف أمامي بثبات!

سحبني معه وهو يتحدث بكلام لم أسمعه، فكنت شاردًا فيه.

وقفنا عند باب المنزل، فدخل هو بسرعة لينادي أمه. خرجت هبة وقالت لنذهب، لكنني قلت لهما

"دقيقة فقط، سأجمع بعض الورود وأعود." تبعني تيم وهو يقول "وأنا أيضًا سأجمع معك."

جمعت الورد وساعدت تيم، ثم أوقفت سيارة أجرة وذهبنا...

تقدّمت هبة وتيم، الذي كان ينظر إلى الورود بيده بإعجاب...

بينما أنا وقفت خلفهم، فكنت أظن أنها تريد أن تختلي بزوجها وتحدثه. ولكنهم وقفوا ينظرون إليّ، ليُشير لي تيم أن أتي. نظرت لهبة لتُشير لي أيضًا، فتقدّمت معهم...

كان قبر زوجها أمام قبر شفق وتيم بقليل. ذهبتُ أنا إلى شفق وتيم، وهما ذهبا إلى والد تيم...

وضعتُ الورد عليهما، وسكبتُ الماء، ودعوت لهما. أخبرتهما عن تيم وهبة، وتحدثت عنهما، وتحدثت عن أمور كثيرة وأنا أزيل الورد الذابل...

التفتُّ لتيم، لأجده يضع الورد ويتحدث مع أبيه بصوت شبه باكٍ، بينما هبة لم تكن موجودة!

إلى أين ذهبت؟!

وقفتُ وهممت أن أتقدّم وأسأل تيم، لكنني رأيتها تحمل دلو ماء بصعوبة. تقدّمت نحوها بسرعة وأخذته منها... أخفضت رأسها وشكرتني.

وضعتُ الدلو بجانب القبر، لتسكب هي الماء، وتيم الصغير لا يزال يتحدث. ابتعدتُ قليلًا لأتركهم على راحتهم مع فقيدهم...

رأيت دموعهم تنهمر بصمت، وكأنني أرى نفسي فيهم، لكن الفرق. هما يتشبّتان ببعضهما، أما أنا، فلا أحد لي لأتشبّت به.

نظرتُ إلى المقبرة، كانت هادئة جدًا... هدوءٌ مزعج ومؤلم وموحش لزائرها ، باردة حد الصقيع.

رنّ هاتفي، كان هيثم المتصل.

تنهدتُ وأغلقت الخط، فلا أريد أن أتحدث مع هذا الشخص الآن...

تقدّما نحوي، لتتحدث هبة وهي تخفض رأسها، محاولةً أن تُخفي عينيها الدامعتين "شكرًا لك على مرافقتنا، والآن سأذهب إلى عملي."

استدارت ذاهبة، وكأنها لا تريد ردًا مني، لكنني تحدثت "انتظرا... سأوصلكما."

"شكرًا لك، ولكن لا داعي، سنتدبر أمرنا." قالتها دون أن تلتفت لي.

سبقتُهما إلى خارج المقبرة و أوقفت سيارة أجرة، و وقفت أنتظرهما. وما إن وصلا، نظرتْ إليّ ولم تتحدث.

تقدّمتُ وقلت "سيوصلكما إلى المكان الذي تريدانه، اركبا... الجو بارد، لا تمشيا." ترددتْ قليلًا، فأدركتُ أنها قد لا تملك أجرة الطريق.

فتحتُ باب السيارة وقلت لتيم أن يصعد، فصعد. وأشرتُ لها، فصعدتْ بحرج. أعطيتُ السائق الأجرة وأخبرته أن يوصلها.

كان سديم على علمٍ بكل خطوة يخطوها كريم، والآن دخلت هبة في مداره بعد أن دخلت في حياة كريم.

كان قد جمع عنها معلومات وعرف كل شيءٍ عنها، لذلك قرر مساعدتها، فهي فعلًا تحتاج إلى المساعدة...

رجع سديم إلى بيته، قادته قدماه إلى غرفة كريم وشفق، فتح الباب ببطء، فدخل. نظره يتنقّل في أرجاء المكان كأن الماضي يلوّح له من كل زاوية. لم يلمس أغراضهم، ولم يُغيّر شيئًا في تلك الغرفة، كل شيء ظل على حاله، وكأن قلبه كان عاجزًا عن لمس ما خلّفه الراحلون . اقترب من رف صغير، مدّ يده نحو إطارٍ يحمل ثلاث صور مجتمعة. أمسك الصورة، وابتسم بألمٍ خافت...

كريم، شفق، وتيم

في أسبوعه الأول، ثم أربعين يومًا، ثم عامه الأول. و كأن اللحظات صارت وجعًا يتكرّر كلما رآهم.

كان ينظر إلى ابن أخيه الصغير بحزن، اختنق سديم وضاق صدره، وضع الصورة وخرج إلى الحديقة...

أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، قائلًا: "لم يكن ذنبك... لم يكن ذنبك"، ابتلع ريقه ونظر إلى الفراغ وهو يفكر

"لو لم أطردهم لما حصل ما حصل ، لكان تيم حيًّا، وشفق أيضًا..."

أغمض عينيه نافضًا كل تلك الأفكار، وصعد إلى غرفته. رأى سهى تجهز ملابس طفلتهما فردوس. ابتسم ابتسامة خافته وتقدّم منها وجلس بجانبها.

قالت مبتسمة: "انظر ما أجملهم"، ورفعت بعض الملابس. هزّ رأسه مبتسمًا، واضعًا يده على قطعة من الملابس أعجبته "هذه جهزتها لترتديها ابنتنا فور ولادتها، جميلة، أليس كذلك؟ "

"جميلة جدًا، وبالتأكيد ستكون أجمل على ابنتي"، قالها وهو ينظر في عيني سهى بحب . لكن سرعان ما تذكر تيم، فحزن وتغيّرت ملامحه. اقتربت منه سهى وقالت بقلق: "ما بك، سديم؟ لماذا عبست وتغيّرت ملامحك فجأة؟"

تنهد بحرارة وقال بأسى: "تذكّرت تيم".

وضعت سهى يدها على بطنها، وتعالت دقات قلبها وهي تتذكر كابوسها الدائم. خافت في داخلها، وارتجفت من الخوف...

رفع سديم نظره لها مستغربًا حالتها، فرفع يده ومسح على وجهها الذي تغيّر لونه فجأة، وسألها "هل أنتِ بخير، سهى؟"

أبعدت يده وهزت رأسها، ابتلعت ريقها وقالت: "لماذا تذكرت تيم الآن؟"

"إنهما لا يفارقانني... أشعر أنني السبب في موتهما"، قالها بصوت يتألم من تأنيب الضمير.

أما سهى، فقد انهارت حالتها لتقول له بصوت مهزوز من الخوف والغضب "لم يكن ذنبك، ولا ذنب أحد، إنه قدرهم... ولماذا تذكر الموت بينما نحن نُحضّر لولادة صغيرتنا؟ أرجوك، سديم، دعنا لا نتحدث في هذا الموضوع بعد الآن".

رأى خوفها، فوقف وضمها إليه، وقال بصوته الحاني "حسنًا، لن نتحدث في هذا... يكفي أن لا تحزني".

سكنت وهدأت، لكن داخلها كان مرتبكًا، خائفًا من شبح الفقد.

هبة

وصلتُ إلى مكان عملي بعد أن ذهبنا اليوم إلى المقبرة، بعد أيامٍ من تأجيلي الزيارة.

ذهبتُ اليوم معه.

فرأيتُ اليوم كم هو مجروح. رأيتُ قناع ثباته ينهار عند قبرهما. رأيتُ أن جراحنا وآلامنا تشابهت...

رأيتُ أيضًا أن ثباتي أنا أيضًا انهار عندما وقفتُ أمام قبره، فبكيتُ وبكيتُ...

أصبحتُ الآن ضعيفة، وحيدة، وتائهة من دونك... ومعي طفل صغير.

كيف لي أن أواجه هذه الحياة القاسية، وسندي قد ذهب؟

كنتُ أحاول التهرب من الحديث معه أو النظر إليه، لكنه أصرّ على أن يوصلنا. كنتُ محرجة... كيف أخبره أنني لا أملك أجرة سائق أجرة؟

فتح لي باب السيارة، وصعدنا بصمت بعد إلحاحه. رأيته يدفع للسائق ويطلب منه أن يوصلنا. فابتسمتُ له بامتنان، ومضينا بعدها...

لقد أصبحتُ مدينةً لهذا الرجل بالكثير، ولا أعلم كيف أردّ له دَينه. وأكبر دَين لا أستطيع ردّه هو حنانه على تيم وعطفه عليه...

فقد رأيته وسمعته في الملحق عندما كان يحاول تهدئة تيم وطمأنته بحبٍ ورفق...

أخرجني من فقاعتي صوت السائق "لقد وصلنا. "

نزلتُ مع تيم ودخلنا... نظرتُ إلى ساعتي، كانت تشير إلى الثامنة وخمسين دقيقة!

لقد تأخرت!

دخلتُ مسرعة لأرى أمامي مسؤولة القسم، وعلى وجهها علامات عدم الرضا...

هممتُ بالكلام، لكنها سبقتني وقالت بنبرة صارمة "العمل له نظام، لا يجب التأخير، خاصة من الموظفين الجدد..."

وقفتُ محرجةً وصامتة، حتى قاطعها صوت رجلٍ من الخلف "كل هذا بسبب تأخير؟ الأمر لا يستحق..."

قالت المسؤولة "ولكن سيد هيثم، لقد تأخرت قرابة ساعة و—"

قاطعها بنظرة جانبية وهو يبتسم لي "إنها الموظفة الجديدة، أليس كذلك؟"

أومأت هي، فأكمل بابتسامة "فقط، لا تكرري التأخير، حسنًا؟"

ثم التفت نحو المسؤولة وقال بنبرةٍ مرحة "وأنتِ، لا داعي لكل هذا الحزم مع الموظفين الجدد، سيهربون منا!" وضحك غامزًا ثم غادر. نظرتْ لي المسؤولة بنظرة غاضبة، ثم مضت. أما أنا، فاتجهتُ لأباشر عملي، وتيم يجلس بجانبي بهدوء...

مرّ اليوم سريعًا، وحان وقت الانصراف. أيقظتُ تيم الذي كان قد غفا في انتظاري. وأثناء خروجنا من المبنى، اعترض طريقنا ذلك الرجل... هيثم!

تراجعتُ قليلًا، وسألته باستغراب "هل هناك شيء تريده؟"

اتسعت ابتسامته، لكنه أخفاها سريعًا وقال وهو يضع يديه في جيب بنطاله "كيف كان يومكِ في العمل؟"

فاجأني سؤاله، لكنني أجبتُ بسرعة "جيد."

وهممتُ بالرحيل، لكنه قال فجأة "أنا هيثم، مدير هذا المكتب." ثم مدّ يده لي.

نظرتُ إليه، ثم إلى يده... واكتفيتُ بهزّ رأسي.

فهم أنه لن اصافحه . فأعاد يده إلى جيبه، وظل ينظر إليّ.

ارتبكت وقلت "تشرفت بلقائكم... سنذهب الآن."

سأل وهو ينظر إلى تيم "أهذا ابنكِ؟"

أجابه تيم تلقائيًة "نعم! أنا اسمي تيم!" ومدّ يده له بابتسامة بريئة.

تغيّرت ملامح وجهه للحظة، وابتسم ابتسامة غريبة لم أستطع تفسيرها، ثم انخفض لمستوى تيم ونظر إليه مطولًا بطريقة أزعجتني....أخافني.

لكنه سلّم على تيم بهدوء، ثم انصرف دون أن يقول شيئًا.

نظر إليّ تيم وهو ممسك بيدي وقال "لقد أخافني! لماذا نظر إليّ هكذا؟"

مسحتُ على رأسه، ونظرتُ نحوه وهو يبتعد بسيارته. لقد أخافني أنا أيضًا. إنه شخص غريب فعلًا.

تابعنا طريقنا قليلًا، ثم نادانا سائق سيارة الأجرة الذي أوصلنا صباحًا.

تقدمتُ نحوه، فقال "السيد كريم طلب مني أن أعود لأخذكم." فتح لنا باب السيارة.

ابتسمتُ، وفرحتُ من الداخل عندما علمت انه يهتمّ لأمرنا لهذه الدرجة؟

كم أسعدني هذا الفعل الصغير... رغم بساطته، إلا أن أثره كان كبيرًا في نفسي.

مساعدته لنا، اهتمامه، وجوده... كلها بدأت تزرع بداخلي شعورًا لا أعرف له اسمًا.

فقط، أحببتُ ذلك الشعور.

وصلنا إلى بيته....

كان تيم متعبًا وجائعًا، أعددتُ له الطعام وأطعمته، ثم نام بهدوء. أما أنا، فبينما كنت في المطبخ، رأيته يدخل إلى الملحق. كان يسير متعبًا واهن الخطى، وعيناه غارقتان في الفراغ والضياع . كنتُ قد حضرتُ له طعام العشاء، وأردتُ أن أشكره على ما فعله معنا اليوم.

"يبدو أنني سأشكره كثيرًا..." ابتسمتُ وأنا أهمس بها لنفسي.

مرّت ساعة على قدومه، وأنا ما زلتُ مترددة... أأذهب أم لا؟

وأخيرًا قررت. أخذتُ صينية الطعام، وذهبتُ.

وجدته في الحديقة، يجلس صامتًا، يحمل هاتفه، ينظر إليه بابتسامة حزينة. توقفتُ أراقبه. ملامحه كانت حزينة، مطوية على وجعٍ صامت. كان كثير الصمت، منطويًا على نفسه، لا يتحدث كثيرًا. هممتُ بالرجوع، لكنه انتبه لوجودي. التفت إليّ، وخبأ هاتفه في جيبه.

تقدّمتُ نحوه، وقدّمت له صينية الطعام بخجل. أخذها بهدوء، ووضعها بجانبه، ثم شكرني... وصمت. كنت أريد الحديث، لكنني وقفت هناك كالبلهاء، لا أعرف ماذا أقول.

نظر إليّ، وابتسم ابتسامة باهتة، وقال "يبدو أنكِ تريدين قول شيء... تفضلي." قالها وهو ينظر إلى الفراغ...

بينما انا لم أعرف ماذا أقول او أفعل. اردت أن تنشق الأرض وتبتلعني...

 هل كان فضولي واضحًا إلى هذا الحد؟ هل تسألي عن ماضية كان مكشوفاً الى هذه الحد؟...



بين أسرار الماضي التي بدأت تتكشف..

وخيوط الحاضر التي تزداد تعقيداً..

ما الذي سيحدث مع كريم؟


انتظروا الفصل السابع من صدى الألم 🔥🫢

google-playkhamsatmostaqltradent