رواية صدى الالم
بقلم سجى امام
أوقف هيثم سيارته بجانب الساحل ، وكان في تلك الساعة خاليًا وهادئًا.
نزل من سيارته وتأمل البحر أمامه... من ينظر إليه يظنه يتأمل البحر، لكنه كان يصرخ بداخله.
"ما الذي حصلتُ عليه؟
هل نلتُ ما أريد؟
لا...!
هل ارتحت؟
لا..."
كان في صراع داخلي حاد؛ أراد الفوز، وقد فاز، لكنه لم يشعر به!
وكأنه حصل على سعادة مؤقتة، كان كمن شرب من كأس النشوة، ثم اكتشف أنها كانت مرّة.
تذكّر ذلك اليوم... اليوم الذي بدأت منه كل الأشياء تتهاوى.
اليوم الذي أخبر فيه سهى أن هناك طريقتين للتخلص من كريم.
"كانت خطتي أن أقهر كريم وأتخلص منه في الوقت نفسه، عن طريق ضربه بشفق! لكنني لم اريد موتها..
نعم، شفق... كنت معجبًا بها جدًا، وأردتُ أن تكون لي.
أخفيت مشاعري عن الجميع، حتى سهى، لكن أمام شفق كنت أضعف.
كنت أتبعها في كل مكان ، و لحسن حظي أننا كنا في نفس الكلية.
هي لاحظت هذا... فابتعدت ، ولم أعد ألمح طيفها حتى، مع أنها تسكن نفس البيت الذي أزوره كل يوم!
كنتُ أحترق وأشتاط غضبًا عندما لا أراها.
صادف يومٌ رأيتها فيه أنها كانت تتشاجر مع سهى، فعلمتُ من سهى كل شيء.
حينها خطرت لي فكرة جهنمية لأحصل على شفق وأتخلص من كريم معًا...
كنت مترددًا... وداخلي يعلم أنها لن توافق، لكنني أردت المحاولة على الأقل.
ذهبت إليها، طرقت باب غرفتها.
وبعد أن عرفت أنه أنا، لم تفتح.
لكنني أصررت... و فتحتُ الباب عنوة .
دخلتُ...
قالت غاضبة، وهي تتراجع بخوف
"اخرج الآن، لا تقترب مني!"
كانت نظرات خوفها تجعل قلبي يهزم كل مرة .
تقدمتُ منها بعدما أغلقتُ الباب خلفي، وقلت بابتسامة محاولًا طمأنتها، لكنني فشلت
"لا تخافي، فقط سأتحدث معك."
هزت رأسها نافية وأشارت إلي بالخروج ، لمحت أرتجافت يدها و الخوف في عيناها ، لكنني نظرت إليها بتحدٍ ووقفتُ بثبات.
حاولت تخطّي و الهرب مني ، لكنني سبقتها بخطوة، ووقفت في طريقها، فتوقفت و قلت بلين
"شفق، فقط اسمعيني، سأقول ما لديّ وأغادر."
إبتلعت ريقها و قالت بغضب "وجودك هنا لا يصح... خطأ! اخرج، وإلا..."
تقدمتُ منها بغضب، أفزعها، وقلت بعصبية
"وإلا ماذا؟ ستخبرين كريم؟" وضحكتُ باستهزاء.
كانت خائفة، وهذا أزعجني أكثر...
تراجعت وقلت بنبرة لينة هادئة
"أنا أعلم أنك لستِ سعيدة مع كريم، و هذا ما أراه... دائمًا هناك مشاكل مع سهى وسديم، وفي الشركة... كل هذه الفوضى و أنت لا تستحقين هذا "
صمتُ قليلًا، ثم نظرت إليها وابتسمتُ غامزا "وهذا لا يليق بامرأة مثلك يا شفق."
صرخت بي "ما الذي تقوله؟! أنت تعلم أنني متزوجة و ...."
لم أدعها تكمل ، تقدمت و أمسكت ذراعها و سحبتها إلي و قلت
"شفق، أنا معجب بك و أنت تعلمين هذا ، أريدك أن تكوني لي... تخلّي عن كريم، وأعدك أنني سأجعلك ملكة ، ولن أشقيك كما يفعل هو."
أبعدتني عنها بقوة و اتسعت عيناها بأندهاش مما قلت ، وغضبت لأرى يدها وقعت على وجهي بقوة ، وقالت بغضب و عصبية "أنت شخص حقير، مريض... كيف تفكر بهذا؟! اخرج فورًا!"
قلتُ بغضب، مهددًا "إما أن تكوني لي... أو لا تكوني لأحد! "
نظرت إليّ باشمئزاز، وقالت بنبرة باكية "أفضل الموت على أن أكون مع شخص حقير مثلك."
غضبتُ كثيرًا، أقتربت منها سريعاً وكدت أمد يدي لخنقها، لكنني تمالكت نفسي، و أبتعدت عنها، وقلت بصوت منخفض كفحيح أفعى
"ستندمين بشدة على هذا يا شفق."
التقت عيناي الغاضبتان بعينيها القويتين، رغم خوفها...
ارتبكتْ، ودَفعتني خارج الغرفة، وهي تسبّ وتلعن.
خرجت، وأغلقت الباب بسرعة خلفي...
وقفت أمام غرفتها، أسترجع صفعتها، فاشتعل غضبي...
ضربتُ الباب بقوة، أفزعتها فسمعت شهقتها.
ثم قلت "كل ما سيحدث الآن... سيكون بسببك يا شفق."
وغادرت.
استيقظ من فقاعة أفكاره، وصعد إلى سيارته.
قال في نفسه و هو يمسح دمعه فرت منه "كان هذا عقابها على رفضي."
كان مقتنعًا تمامًا أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا، بل فقط أخذ ثمن الصفعة و"لا رفضها " القاسية.
فتح هاتفه، ورأى عدة رسائل وصلته.
فتحها ليجد أن معلومات هبة بالكامل قد وصلت إليه.
ابتسم بلؤم، وهو يتأمل صورتها، قائلًا "إنها حقًا جميلة..."
ثم تغيرت ملامحه حين تذكر كريم و عبس، وقال
"بسببك ماتت شفق، والآن تهمّ لبدء حياة جديدة؟
لكنني... سأسلبك كل شيء."
صمت قليلًا، وهو ينظر إلى صورة هبة " لن أدعك تنهض ابدا . سأجعلك حيًّا ميتًا..."
زاد ارتباكي بعد أن تحدث وكشف ما يدور في عقلي...
ابتلعت ريقي وتقدمت بخجل منه،
وقلت بتلعثم: "هل أنت بخير؟"
لا أعلم لماذا سألته هذا السؤال، لكنه أول ما خطر على بالي عندما نظرت إلى ملامحه...
التفت إليّ ونظر لي وقال: "هل أبدو عكس ذلك؟"
كانت عيناه تحكي وتتقن وصف الألم الذي بداخله.
شردت في وجهه، الذي كان يبدو لي متماسكًا وثابتًا، ولكن... وكأنني نظرت في عينيه فرأيت العكس تمامًا!
أشاح بوجهه بعيدًا، فأدركت أن صمتي طال ولم أُجبه!
علمتُ وأدركتُ أنه يحتاج لمن يسمعه ويفهم ألمه، ومن غيري يفهم هذا الوجع!
ساد بيننا صمت خفيف،
هو لا يزال على حاله يتأمل الحديقة، أو ينظر إلى الفراغ، لا أعلم...
وأنا أنظر إليه!
أردت أن أعود إلى الداخل،
لكن شيئًا بداخلي رفض،
وقال: "كيف لك أن تتركيه وهو يصرخ بصمت؟ فقط صدى ألمه يسمع بخفوت و يستغيث بصوت مكتوم!"
نظر إليّ وابتسم: "ما بكِ؟ لماذا أنتِ واقفة هكذا؟ أم أنكِ تريدين الصينية؟"
لعبتُ بشعري بإحراج وهززت رأسي بالنفي، وتقدمت و قلت بحرج
"هل يمكنني الجلوس؟"
لم يتوقع مني هذا، وكان هذا واضحًا عليه، وبالفعل حتى أنا لم أتوقعها مني!
أشار لي بالجلوس واضعًا مسافة بيننا...
صمتٌ آخر، وكان سيد المشهد الصمت، وهو المتحدث الرسمي...
تنهدت وقلت وأنا أنظر إلى الحديقة مثله "تحدث... ستَرتاح."
التفت إليّ، لكنني لم ألتفت إليه وأكملت بنبرة عميقة
"لا فائدة من كتم الألم بداخلك، فالحزن يأكل الروح."
صمتّ قليلاً، ثم أكملتُ
"بعد موت حمزة، لم أعرف كيف أعيش هذا الألم، وكيف أتحمّل الفُراق، تعبت وانـهرت،
كنت كل يوم أشعر أن ضوء روحي بدأ يخفت، وأن الحزن بدأ يقتات عليّ بهدوء."
تنهدت بألم وأكملت وأنا أمسح دموعي
"كان تيم، عندما يراني هكذا، يخاف عليّ و يخاف مني!
فحتى شكلي تغيّر."
التفتُّ إليه وقلت من بين دموعي
"لم أخبر تيم أن والده توفي إلا قبل شهر فقط. كنت أُصارع هذا الفقد وحدي، فهُزمت شرّ هزيمة.
فكيف لطفل أن يتحمّل هذا؟
لهذا لم أخبره فورًا، بل بعد مدة، و..."
لم أكمل كلامي، لأنني انهرت باكية،
فلأول مرة منذ موت حمزة، أتحدث عنه مع أحد!
ارتجفت يدَيّ، وحاولت أن أهدأ، وأنا أمسح دموعي بسرعة...
بينما كريم ينظر إليّ،
بنظرة من يعرف تمامًا ما أمرّ به.
لا ينظر إليّ بشفقة كما يفعل الكثير،
لكنه رأى، لا، بل عاش ما عشته،
لهذا يعرف أن لا كلام، ولا كلمات، ولا أي شيء،
يمكنه أن يُطفئ هذا اللهب.
فصمت هو، وسكتُ أنا...
قد يفسر البعض هذا الصمت بالجفاء أو اللامبالاة،
لكنه كان لي صمت هدوء وسكينة وطمأنينة...
قلتُ بحرج "لقد تحدثتُ كثيرًا."
نظر إليّ، واعتلى وجهه شبح ابتسامة "هل ارتحتِ؟"
ابتسمتُ أنا أيضًا "قليلاً."
تنهد و نظر لي مطولا و قال "سآخذ بنصيحتك، وأحاول أن أُخرج ما في داخلي."
"وأنا هنا لأسمعك."
قلتها بغير وعيٍ مني!
"وأنا هنا لأسمعك!"
ما بكِ يا هبة؟ ما الذي تهذين به؟
ما الذي سيظنّه بكِ؟
وقف ونظر إليّ،
وأومأ برأسه وذهب...
وبقيت أنا في مكاني، لم أتحرك...
عندما ذهب، أحسست وكأن شيئًا ذهب!!
شعور الأمان، وتلك الطمأنينة وأنا بجانبه!
وقفت و هززت رأسي بقوة لأطرد تلك الأفكار
لأنظر إلى صينية الطعام التي لم يلمسها ، وأخذها وأذهب لأنام...
تمددتُ على سريري،
وأنا أتذكر هبة وحديثها...
اعتلت وجهي ابتسامة مبتورة وأنا أتذكر قولها "تحدث"... لتتحدث هي، وتُخرج ما في داخلها، يبدو أنها كانت تريد أن يسمعها أحد، و أن تتحدث...
"تحدث... سترتاح."
نعم، عليك أن تُخرج ما في داخلك يا كريم لتقوى، فإلى الآن لم يُمسك قاتلهما!
ذهبت وتوضأت، وصليت، لتبدأ مناجاتي مع ربي، وحديثي معه...
فهو سبحانه السميع، القريب من عباده، العليم بما يمرّ على قلبي،
وهو الجبّار، الذي سيجبر كسر روحي.
في صباح اليوم التالي...
استيقظتُ متأخرًا قليلاً، فلم أنم إلا مع طلوع الفجر.
كانت الساعة التاسعة، فأدركت أنها ذهبت إلى عملها.
ذهبت كالعادة أولًا إلى المقبرة، فلا يبدأ يومي إلا بهما...
ثم ذهبت إلى المكتب.
تقدّم أحد الموظفين وهو يقول
"وضعنا سيئ يا كريم، لا يوجد أي أعمال ولا عروض."
ليؤيّد كلامه الموظف الآخر أيضًا...
أطرقت رأسي وأنا أفكر،
فوضعنا أصبح سيئًا،
وإذا استمر هكذا... سنُغلق المكتب!
وهذا ما لا أريده.
"لماذا لا تطلب من سديم مساعدتك؟" قالها الأول.
"فكرة جيدة، في النهاية هو أخوك، وعليه مساعدتك." أكمل الآخر...
"لا." قلتها متهرباً.
"لماذا و..."
لم أدعه يُكمل، وقلت بحزم
"لا نحتاج لأحد، سننهض مرة أخرى كما بدأنا من الصفر."
حاولت أن أُذكّرهما كيف بدأنا نحن الخمسة هذا العمل من الصفر،
كانت فكرة شفق، والعمل قُسّم علينا جميعًا...
لا يمكن أن أخسر، أو أُضيّع هذا المكان...
لا يمكن ان اخسر شي يعود لها ابدا ...
زفرت بحرارة وضيق،
خرجت من المكتب،
ورفعت نظري إلى السماء،
وقلت "يا رب..." من قلبي،
فلم أعد أستطيع صياغة أي جُمل أو عبارات.
"يا رب..."
فربي يعلم ما في داخلي...
أخرجتُ هاتفي وحاولت الاتصال بعمر، لكن لا رد!
استغربت تصرفه، فهو يتجنب الحديث معي منذ أيام..."
هل يا تُرى وجد شيئًا جديدًا؟
أم أنه مشغول بقضيةٍ أخرى؟
تنهدتُ بضيق وتذكرتُ كلام موظفي...
كيف لي أن أطلب من سديم المساعدة، وهو من كان السبب فيما أنا فيه؟!
فلم يخطر ببالي يومًا أن يطردني أخي من بيت أبي... وأن يعاملني بكل هذا الجفاء والقسوة."
بدأ كل شيء عندما كانت تحدث مشاكل في الشركة، وصفقات تُلغى، ولا أعرف كيف يحدث هذا!
كنت متأكدًا أن هناك شخصًا يلعب بنا، ويحرّك سديم ويشحنه ضدي...
ونجح!
وفي يومٍ انفجر كل شيء...
والمشكلة أنني، رغم محاولاتي المتكررة لتوضيح موقفي ، كان لا يصدقني ، كنت متأكدًا أنني وقّعت تلك الأوراق... لكن الأمر خرج عن يدي.
و في يوم علت أصواتنا و انا أحاول ان أفهمه الوضع ، كنت أحدثه، وفجأة تركني وصعد !
كنت في حالة ذهول.
أتت شفق على أثر صوتنا، وتحدثت معي بقلق، وأنا طمأنتها، وهممتُ بالذهاب.
ولكن سديم أتى وبيده ملف!
رفعه في وجهي، وقال وهو ينظر لي بحقدٍ لأول مرة ألاحظه
"لا أريدك في بيتي."
صُدمتُ من كلامه، ليُكمل
"كل هذه الأملاك والشركة والأراضي ملكي... انظر، أبي كتبها لي."
فتح الملف وأراني... كنت أنقل نظري بينه وبين تلك الورق.
"هل ستطردني من بيت أبي؟" قلتها باستغراب و أسى ..
"نعم، والآن اذهب، لا أريد أن أراك مرة أخرى." قالها بإصرار ..
تحدثت شفق وهي غاضبة
"ما الذي تقوله يا سديم؟ هل ستطرد أخاك؟ لا يمكنك فعل هذا، فهو أيضًا له الحق في كل شيء هنا."
ابتسم بخبث و قال و هو ينظر لي
"لم يعد لديه أي حق في أي شيء، يمكنك أنتِ وتيم أن تبقوا... لكن أنت ستذهب."
قالها وهو ينظر لي بنظرات حاقدة.
أمسكت شفق بيدي وقالت
"لن أبقى أبدًا هنا، و..."
قاطعت شفق، وقلت لسديم
"كما تريد يا سديم... تريد أن أذهب؟ سأذهب. أنا لا أريد المال أو الأملاك، كلها لا تعني لي شيئًا."
صمتُّ وأنا أنظر إليه مطولًا بحزن وكسرة "لكن الذي يقهرني أنني خسرت أخي بسببهم."
وسحبت شفق وذهبت إلى غرفتنا.
كانت تبكي وهي تتحدث
"إلى أين سنذهب؟ ماذا سنفعل؟"
ضممتها وطمأنتها أن كل شيء سيكون بخير.
وأخبرتها أن تأخذ أغراضها وأغراض تيم لنذهب...
سألت بخوف "إلى أين؟"
فقلت و أنا أطرق رأسي بحزن "لا أعلم، فقط... سنذهب."
كانت أيامًا قاسية، خاصة أن تيم كان لا يزال صغيرًا جدًا...
ولولا عمر ووقوفه معي، لا أعرف كيف كنت سأكمل...
والآن، هل يمكن أن أطلب من سديم المساعدة؟ لا يمكن!
لقد بدأت كل شيء من الصفر، وإذا اضطررت... سأعيد الكرّة.
رن هاتفي و أخرجني من فقاعة أفكاري ، وإذا به عمر يتصل!
أغلق سديم هاتفه بعد أن علم بوضع كريم، ليُجري عدة اتصالات ويحل مشكلته.
"يكفيه ما مرّ به... ليرتاح قليلًا."
قالها محدثًا نفسه، وكأنه يراضي ضميره.
طُرِق الباب، فأذن له، فدخل المحامي.
أخرج عدة أوراق ليُراجعها سديم...
راجعها سديم واحدة تلو الأخرى بدقة.
تحدث المحامي قائلًا
" سيدي، أثناء مراجعتي للوثائق العقارية الخاصة ب الاملاك ، ظهر أمر غريب."
رفع ورقة وأردف بحرج
"سيد سديم، أثناء مراجعة عامة لملفات الأملاك المرتبطة بعائلتكم، لاحظنا أن هناك نقل ملكية تم مؤخرًا لقطعة أرض كانت باسم السيدة سهى." صمت قليلا و اكمل
"الإجراء تم عن طريق وكالة من السيدة سهى ل هيثم ... هل كنت على علم بذلك؟"
عقد سديم حاجبيه باستغراب "ماذا؟ لا لم أكن اعلم "
اخذ سديم الورق و نظر للورقة مجددًا، وكأنها تطعنه بصمت
"لماذا لم تخبرني؟ لماذا تُشرك هيثم؟!" قالها داخله متسألا بغضب
كان قد عرف ان تلك الارض هي هديته لها في يوم زواجهم و هذا ما ازعجه و اعضبه فكيف لها أن تبيع تلك الهدية من دون ان تستشيره او تخبره على الأقل...
غمغم بمرارة، وهو يضرب المكتب بكفه "سهى... ما الذي تفعلينه؟!"
لوّح للمحامي بالخروج دون أن ينطق... وبمجرد أن أغلق الباب، رفع هاتفه مترددًا، ضغط على اسم 'سهى' وكأنّه يضغط على قلبه.
و لكنها لم ترد..
بينما كانت سهى تصارع كابوسها..
في مكان مظلم، النور فيه خافت، وصوت طفل صغير يبكي.
نظرت إلى حضنها لترى طفلتها!
حضنتها وهي تبكي وخائفة.
أتى صوت من خلفها يقول
"ستدفعين ثمن فعلتك."
التفتت للصوت، لكنها لم تجد أحدًا.
احتضنت طفلتها بقوة، لكن...
هناك من أتى وأخذ منها طفلتها!
كانت تسمع صوت بكائها لكنها لا تراها!
صرخت وبكت وتخبطت وهي تبحث، وما إن ظهر ضوء خافت، رأتها...
وتهللت ملامحها واقتربت منها، لكن ما إن مدّت يديها لتأخذ طفلتها، حتى...
التفّ حبل حول عنقها ليخنقها!
وهنا... استفاقت سهى وهي تتصبب عرقًا، خائفة، تتنفس بسرعة، وعيناها متسعتان مما رأت.
وضعت يدها على بطنها وهي تدعو لطفلتها...
رنّ هاتفها، لكنها لم تستطع الرد، فقد أتاها ألم ومغص قوي جعلها تتوجّع بشدة.
ذهبت وغسلت وجهها وحاولت أن تهدأ قليلًا، ثم أمسكت هاتفها لترى أن سديم هو المتصل.
همّت لتتصل به، ولكن... اتصال هيثم أعاقها.
ردّت، ليتحدث قائلًا
"أختي العزيزة، كيف حالكِ اليوم؟"
قالها بصوت ضاحك.
أدارت عينيها بضجر و قالت بتعب
"ماذا تريد؟ ماذا حدث لتتصل؟"
قال مدّعيًا العتاب
"وهل أتصل فقط عندما أريد شيئًا؟ فقط كنت أريد أن أسأل عن حبيبة خالها."
تألّمت سهى، وبان ذلك في صوتها الذي خرج شبه باكٍ
"هيثم... تحدث بسرعة، ولا..."
لكنها لم تُكمل، إذ صرخت بألم!
فزع هيثم، وتحدث بسرعة محاولًا الاطمئنان عليها، لكنها لم ترد عليه، فأسرع بالاتصال بممرضتها، وتوجه إليها فورًا...
وصل سريعاً وصعد إلى غرفتها، وكان خائفًا عليها.
دخل غرفتها، ليجدها مستلقية وبجانبها الممرضة.
اقترب من سهى، وأمسك يدها وقبّلها قائلًا بصوتٍ حنون خائف عليها "هل أنتِ بخير؟"
ابتسمت سهى و كان الارهاق واضح عليها
"نعم، نحن بخير... مجرد مغص."
أشار للممرضة بالخروج، وما إن خرجت، حتى اقترب من أخته واحتضنها بقوة.
ضحكت سهى
"ما بك يا هيثم؟ أنا بخير... لم أكن أعرف أنك لهذه الدرجة حنون!"
أبعدها عن حضنه وقال
"لا يوجد لنا أحد غير بعضنا البعض، يا أختي الجميلة...
فكرة أن يصيبك مكروه تخيفني."
قالها بصدق، جعل سهى تدمع وهي تبتسم.
وقف وقال
"سأذهب الآن قبل أن يأتي حبيبكِ."
قال جملته الأخيرة بسخرية...
حاولت سهى الوقوف، فساعدها وطلبت منه أن يُنزلها للأسفل.
جلسوا في صالة المنزل، وطلبت سهى أن يُحضِروا شايًا لهيثم...
بدأ يتحدث معها في مواضيع كثيرة...
"هبة تعمل في مكتبة!" قالها هيثم بمكر.
نظرت له سهى بعيون محذرا.
ضحك بقهقهة ، و أكمل
" أنظري للقدر. إنها تعمل في مكتبي، لدي."
"هيثم..." قالتها بقلق وتوجس.
شرد قليلاً وقال "أتعلمين أن لديها طفلًا جميلًا؟"
لم ترد سهى، فقط كانت تنظر له بترقب فقد أحست انه ينوي شيء ...
أكمل حديثه وهو ينظر في عينيها، وقال بصوتٍ منخفض "تيم! اسمه تيم."
وضعت يدها على بطنها بألم، وقالت بصدمة "ماذا؟!"
هز رأسه بصمت...
صمت الاثنان، وغاص كل منهما في عالمه...
أخرجهم من صمتهم دخول سديم الذي كان مستاءً من بيع سهى للأرض... وازداد استياؤه عندما رأى هيثم.
تجاهله كأنما لم يره، وهذا أزعج هيثم كثيرًا...
نظر إلى سهى، التي وقفت بصعوبة وألم...
قال بعِتاب واستياء "لماذا لم تخبريني؟"
هزّت رأسها متسائلة، وهي تنقل بصرها بين سديم وهيثم الراحل...
قالها بعتاب ممزوج بالغضب
''عن بيعك للأرض!'"
توقف هيثم بعد أن سمع كلمات سديم...
خافت سهى وتوترت، فلم تعلم ماذا تقول "أ... أنا..."
حاول سديم أن يضبط أعصابه، لكن نبرة الغضب كانت واضحة في صوته وهو يقول
"أنتِ ماذا؟! لماذا بعتي تلك الأرض؟!"
"كنت أحتاج المال." قالتها بسرعة و صوتها يتقطع من ألالم، وهي تتألم واضعة يدها أسفل بطنها...
اقترب منها سديم "تحتاجينه لماذا؟"
وهنا تدخل هيثم بعد أن رأى أن حالتها لا تسمح بالرد
"باعتْها لأجلي، أنا من كنتُ أحتاج المال."
قالها ببرودٍ مصطنع أغضب سديم
"من تحت كل مصيبة... تطلّ أنت برأسك! كان عليّ توقّع هذا! بماذا هددتها؟!"
قالها غاضبًا، وهو يمسك بياقة ثياب هيثم...
خافت سهى وقالت
"سديم، اتركه... أنا من أعطيته... وهو لم يهددني..."
لكنها لم تُكمل، فقد صرخت بألمٍ شديدٍ أفزعهما.
اقترب منها سديم وهيثم، وسألاها إن كانت بخير...
دخلت الممرضة لتراها، وقالت بسرعة و هي ترى حالة سهى
"ستلد! علينا أخذها إلى المشفى!"
حملها سديم بسرعة، ووضعها في سيارته، وصعد بجانبها، بينما هيثم قاد السيارة نحو المستشفى...
يتبع ...
