recent
جديدنا

رواية صدى الألم الفصل الثامن

رواية صدى الألم 
بقلم سجى إمام 
الفصل الثامن

 و بعد مدة أتصل عمر و تحدث مع كريم، وأخبره أنه سيمر لزيارته ويتحدث معه.

أغلق كريم الهاتف، وهو يتساءل في نفسه "بماذا سيحدثني عمر؟ ولماذا بدا صوته... غامضًا؟ مزعجًا؟"

كان في نبرة صوته شيءٌ لم يرتَح له.

مشى بخطى متثاقلة، مثقلًا بتفكيره في القضية من جهة، وضغوط عمله من جهة أخرى.

تنهد بعمق، وأطلق زفرة طويلة كأنما يطرد بها شتات روحه، ليرى أحد موظفيه يقترب منه مسرعًا وعلى وجهه علامات الفرح الواضحة.


وقف الموظف أمامه مبتسمًا وقال، بحماس يصعب كبحه

"لن تصدق ما الذي حدث!"

رد كريم متسائلًا بفتورٍ مستغرب "ماذا؟"

تابع الموظف بحيوية

"جاءنا عمل جديد، بالتعاون مع شركة كبيرة. و نحن سنتولى التصميم والبرمجة!"


ارتسمت ابتسامة على وجه كريم، بدت كوميض ضوءٍ وسط غيوم أفكاره، وذهب مع زميله لمناقشة المشروع.


مرّ الوقت، وعاد كريم إلى منزله.

نظر إلى الباب فوجده مغلقًا.

تأمل ساعته... لقد تجاوز الوقت موعد عودتهما.

شعر بانقباض في صدره، وخيالٌ ثقيل باغته. شعور لا يعرف له اسم .


أهو قلق؟ خوف؟ أم ذلك الشعور الثقيل بأنه تُرك؟

ذلك الشعور الذي لم يفارقه منذ زمن...

أن كل من أحبهم، سيرحلون يومًا ما.


أطرق رأسه، وفاجأته ذكرى شفق وتيم...

رمش بعينيه، وكأنه يطرد الصورة، ثم استدار وذهب إلى الملحق.


كان يسير ببطء، متعبًا، حين سمع صوتًا طفوليًا مألوفًا يناديه بفرح ..


رفع نظره، فرأى تيم يلوّح له من بعيد، وركض نحوه.

ارتسمت على وجه كريم ابتسامة دافئة.

احتضنه الصغير، ثم مد له قطعة شوكولاتة "لقد أحضرت لك هذه!"


ازدادت ابتسامته و أخذها ، وبعثر شعره بمحبة

"شكرًا لك يا صغيري."

عبس تيم قليلًا من العبث بشعره، لكنه قال بفرح

"أنا سعيد جدًا اليوم!" وقفز في مكانه بسعادة.


جاءت هبة ووقفت تراقبهما، وعلى وجهها ابتسامة مطمئنة.

رأت ابنها يضحك ويتفاعل كالسابق، فعاد لقلبها الأمل الذي كاد يخبو.

نظرت لكريم طويلًا، وكأنها لا تقرأ ملامحه فقط، بل تحاول أن تقرأ روحه.

ابتسمت بهدوء، وهي تراه يلاطف ابنها بذلك الحنان الغامر.

التفت كريم نحوها مبتسمًا، فخفضت عينيها خجلًا، وبقي ظل ابتسامة على شفتيها.


قال كريم مازحًا، وهو يعيد العبث بشعر تيم

"ألن تخبراني ما سر هذه السعادة؟"

فزفر الصغير بانزعاج وضحك كريم من ردة فعله اللطيفة.


قالت هبة و هي تحارب أرتباكها 


"استلمت راتبي اليوم، وتيم أراد أن نطلب طعامًا ونتناوله سويًا." قالتها و هي ترفع الأكياس


نظر لها كريم طويلًا، بعينٍ تحمل شيئًا لم تُفصِح عنه كلماته.

أمسك تيم بيده وجذبه قائلاً بإلحاح طفولي 

"تعال، أرجوك، كل معنا!"


لاحظت هبة تردد كريم، فسحبت تيم قائلة 

"لا تصرّ يا تيم، دعه على راحته."


أخفض تيم رأسه، وانكمش قليلًا و عبس "إذًا... لن آكل!"

قالت هبة بحنان "تيم..."

لكن كريم قاطعها، واقترب من الطفل، ومسح على رأسه 


"إن لم تأكل، فلن آكل أنا أيضًا... هيا يا صغير، لنذهب."


ارتفع وجه تيم بابتسامة مشرقة، وقال بحماس 

"هيا! أنا جائع جدًا!"

ركض نحو أمه وصرخ بسعادة 

"أمي، وافق! هيا لنأكل!"

أمسك بيدها بحماس، فابتسمت هبة بحرج وسارت معه، فيما تبعهما كريم بخطى أبطأ .




وقف كريم أمام باب بيته، يحدّق فيه بمشاعر مختلطة من حزن، وحنين، وألم، وشوق.

سيَدخله الآن... لكن ليس مع شفق وتيم.

وكم هو مؤلم هذا الإحساس!


كل زاوية ستهاجمه بذكرياتهم...

تجمدت قدماه، كأن الأرض رفضت أن تحمله إلى بيت لم يعد يذكره إلا بالحزن و يشعل ألمه الذي يريده ان يخمد..

اغرورقت عيناه بالدمع، لكنه مسحه سريعًا حين رأى تيم يركض نحوه ويشده للدخول.


أمسك الطفل الصغير بيده وسحبه بلطف، كأن كريم كان بحاجة لمن يسحبه معه للحياة من جديد.


دخل المنزل، ووقف يتأمل كل ركن فيه.

كل شيء بقي كما هو...

اتجه مع تيم إلى المطبخ، جلس الصغير على الطاولة، نفس الطاولة التي كان يجلس عليها معهما. 

الطاولة ذاتها... التي كانت شاهدة على ضحكات شفق، وفتات الخبز الذي كان تيم يبعثره.



كل شيء يصرخ بالذكريات، يخنق روحه…

حاول أن يستجمع نفسه، وابتسم بخفوت.

أشارت له هبة أن يجلس بجانب تيم، الذي كان سعيدًا جدًا بوجوده.

جلسوا، وبدأوا الأكل.


كان تيم يتحدث وهو يأكل بطريقة طفولية مضحكة. تأمله كريم وابتسم بخفوت .


قال تيم وهو يلوك الطعام 

"لماذا تنظر لي ولا تأكل؟"

ردّت هبة بسرعة 

"تيم، لا تتحدث وأنت تأكل."


نظر كريم إلى طبقه، وبدأ في الأكل بصمت ، بينما ظل تيم يتحدث كعادته.

التفت كريم نحو هبة ، فلاحظ نظراتها... لم تكن مجرد نظرات عادية و كأنها ....

شفقة ...! 

 هل تشفق عليّ؟

هل تحزن لحالي؟

ذلك يزعجه… هو لا يحب أن يُشفق عليه أحد.


بعد انتهائهم من الطعام، أخرج تيم قطعة شوكولاتة وقال

"إنها لذيذة، وأنت أيضًا ستحبها!"

أعطاه واحدة، فأكلها كريم وابتسم.


جلست هبة تراقبهما بابتسامة دافئة.


تحدث كريم مع تيم عن عمل أمه، فعبّر الطفل عن عدم حبه للذهاب هناك.

فقال كريم لهبة بتردد "ما رأيك أن نسجله في الروضة؟ هناك واحدة قريبة."


تحمس تيم، بينما التزمت هبة الصمت.

التفتت لتيم و قال " تيم اذهب و ألعب بالعابك " لم يوافق فورا و لكنه عندما رأى اصرار امه ذهب و هو مستاء ..


ثم قالت "فكرت في ذلك… لكن الروضة غالية، ولا أستطيع الآن تحمل تكاليفها ."


صمتت قليلًا، ثم أضافت بحرج

"نحن هنا منذ وقت طويل… و انا أبحث عن مكان آخر. سنغادر قريبًا."


أزعجه كلامها، ولم يعرف السبب تمامًا.

فقال بهدوء "بالنسبة للروضة، سأهتم أنا بالأمر. أما البقاء، فقد قلتُ لكِ من قبل… ابقوا قدر ما شئتم."


همّت بالكلام لتعترض و لكن

رن هاتفه، فكان عمر يخبره أنه ينتظره بجانب الملحق.

وقف، ووقفت هي أيضًا مرتبكة، كأنها كانت تريد قول شيء ولم تستطع.

فاستأذن منها… وغادر.


كان عمر واقفًا أمام الملحق، ومعه يوسف.

أتى كريم وسلّم عليهما، ليقول عمر باستياء مصطنع

"أين كنت يا رجل؟"

التفت كريم لعمر ولم يرد ، وأشار لهما أن يدخلا. 


عرف عمر بيوسف، وبدأ حديثه قائلًا

بجدية "كريم، هناك شيء لم أخبرك به إلا بعد أن تأكدت منه."

اعتدل كريم في جلسته وتحفز

"عن ماذا تتحدث؟"

تنهد عمر وقال

"كما قلنا، هذه كانت جريمة. هناك أحد استأجر شخصًا لينفذها، والسائق الذي وجدناه كان مجرد ضحية وتمويه."


تحدث كريم بعدم صبر

"ما الجديد في هذا؟!"


أخرج يوسف ملف القضية الكامل وقال "قبل مدة، وصلنا بلاغ ووجدنا هذا الرجل ميتًا." وفتح الملف على صورته، وأكمل 

"هذا الرجل هو قاتل مأجور كنا نبحث عنه منذ فترة، ولم نجد له أثر. والآن وجدناه مشنوقًا في بيته."


قلب يوسف الصفحة ليري كريم أثر الحبل على رقبة القاتل.

أكمل عمر "كما ترى، يبدو لك أنه انتحر، لكن عندما فحصنا الجثة، رأينا أنه مات خنقًا، وهناك أيضًا آثار شجار."

كان كريم يستمع لهما وهو يحاول ربط الأحداث.


تحدث يوسف

"بفضل عمر وحنكته، استطعنا ربط القضيتين و ..."


تساءل كريم و صوته بداء يهتز 

"كيف؟ هل هذا القاتل هو من...؟" لم يستطع أن يُكمل، فقد خنقته غصّة وعبرة...


ربت عمر على يد كريم وأكمل

"نعم، هو من نفّذ كل شيء."


وقف كريم وزفر بحرارة، كان يشعر بحريق داخله.

أخذ الملف وفتح صورة ذلك الرجل، وبدأ ينظر له وعلى وجهه نظرة مخيفة...

أخذ عمر الملف منه بهدوء وأجلسه، وسأله "كريم، هل أنت بخير؟ نكمل؟"


ابتلع كريم ريقه وبصوت متعب

"أكمل..."

وضع عمر يده على كتف كريم وضغط عليه في محاولة منه أن يشدده ويقوّيه، وأشار ليوسف أن يكمل...


"ذهبنا أنا وعمر لبيته، وفتشنا كل شبر فيه، لنجد أخيرًا شيئًا أثبت لنا أنه هو المشتبه الأول والمنفذ."

صمت، والتفت لعمر ليكمل...


اعتدل عمر في جلسته وواجه كريم وقال بصوت حذر و هو خائف من ردة فعله "وجدنا قلادة شفق!" وأخرجها من جيبه...


اتسعت عيناه وهو ينظر لتلك القلادة . نعم، إنها قلادة شفق. كيف له ألا يعرفها؟ لقد أهداها إياها عندما وُلد تيم...

أخذها من يد عمر ويده ترتجف وتأملها، رفع يده إلى صدره وأغمض عينيه بألم...


شعر كل من عمر ويوسف بالأسى تجاهه، فصمتوا احترامًا لوجعه.


تحدث كريم بعد صمت طال، بصوت مهزوز حاول أن يكون ثابتًا 

"وهل وجدتم من أعطى الأمر؟"


"لا، ليس بعد، لكن وجدنا شيئًا قد يعود له."

فتح يوسف الملف وأشار إلى المنديل

"وجدنا هذا المنديل في بيته، وكما ترى، من المستحيل أن يملك رجل مثل هذا منديلًا غاليًا مثله، وبعد الفحص، تبيّن أن المنديل يحمل بصمات تختلف عن بصمات المقتول."


"لماذا لم تبحثوا في قاعدة بياناتكم؟" قالها كريم وعيناه معلقتان على ذلك المنديل.


"بحثنا، لكن لم نجد شيئًا."

التفت كريم إلى يوسف بغضب 

"كيف لم تجدوا شيئًا؟ أليس لديكم بيانات الجميع؟"


وقف عمر وسحب كريم قائلًا 

"كريم، حاول أن تهدأ." أبعد كريم عمر و استجاب له وجلس.


فأكمل موضحًا

"هذا معتقد خاطئ، فالشرطة لا تمتلك قاعدة بيانات إلا لمن سبق التحقيق معهم أو لديهم سجل جنائي. الـDNA الموجود بالمنديل غير مسجل في قاعدة بياناتنا للأسف."


نظر كريم لعمر ويوسف وقال بغصة

"إذا القاتل لا يزال حرًّا..." سكت قليلًا وهو ينظر للقلادة في يده و قال بشرود "أخبراني الآن، كيف سنجده؟"


صمت كل من عمر ويوسف، فهم حتى الآن لم يحصلوا على شيء دقيق.


بينما كريم اكتسحت ملامحه الحزن والكسر...


تقدم عمر منه وقال، في محاولة منه أن يثبّت صديقه

"سنجده، لا تقلق. انظر، لقد تقدمنا كثيرًا ولم يتبقّ الكثير."


هز رأسه بصمت، ليتحدث يوسف

"هل تشك بأحد؟ أو هناك من هددك من قبل؟ أي معلومة ولو صغيرة ممكن تفيد."


رفع كريم نظره مفكرًا، لكن لم يخطر في باله أحد، فأشار له بالنفي...


كرر عمر السؤال

"كريم، أخبرني، هل هناك من تشك فيه؟"


"لا يوجد أحد... أو هذا ما أظنه." قالها نافيا و هو يضم وجهها بكفيه بتعب و حزن .


بدت على كريم علامات التعب، فاستأذن يوسف وخرج، بينما ظل عمر معه محاولًا تهدئته ومواساته...


هدأ كريم، وطلب من عمر أن يترك له ملف القضية.

ابتسم عمر وقال

"لقد توقعت طلبك، لذلك جلبت نسخة لك." وأخرجها وأعطاه...


وقف كريم وأخذ الملف، نظر له مطولًا، ثم شكر عمر، الذي قال 

"اشكرني عندما أجد ذلك الحقير وأرميه أمامك."


أومأ كريم برأسه وقال 

"أنا أثق فيك يا عمر... فقط لا تُخفِ عني شيئًا، وأي شيء تعرفه أخبرني فورًا."


وافقه عمر على حديثه، ثم ذهب، وترك كريم في دوّامة أفكاره وأحزانه... 

وبعد ساعتين مرّت، كانت قد أذهبت من عمر سديم عمراً ، وأخيرًا، خرجت الطبيبة تزف لهم بشرى ولادة الطفلة، قائلة بابتسامة

"مبروك، زوجتك أنجبت طفلة جميلة."


تهلّل وجه سديم بالفرح، وشكر ربه من أعماق قلبه، ثم سألها بقلق

"وكيف حال سهى؟"

فطمأنته الطبيبة

"هي بخير، يمكنكم رؤيتها الآن."


ابتسمت الطبيبة وأشارت لهم بالدخول.

دخلوا الغرفة، ليجدوا سهى تحتضن طفلتها وتقبلها، والدموع تملأ عينيها… دموع سعادة خالصة.


اقترب سديم منها، وقبّل جبينها قبلة طويلة، وكأنها تلخّص كل ما يشعر به في قلبه.

أما هيثم، فوقف متأثرًا، ينظر إليهما بابتسامة حانية لم تغادر وجهه.


أخذ سديم الطفلة من بين يدي سهى، حملها بين ذراعيه برقة، قبّلها، ثم أذّن في أذنها اليمنى بصوت دافئ.


جلس هيثم بجانب سهى، قبض على يدها بحنان، وقال بخفة 

"الحمد لله على سلامتك... لقد أخفتِني."

لم تقل شيئًا، بل ربّتت على يده، بينما كانت عيناها تتابع سديم وهو يداعب صغيرتهما بابتسامة لا تُنسى.


في المساء، وبعد ذهاب هيثم،

استفاقت سهى لتجد سديم لا يزال إلى جانبها، ينظر إليها وإلى الطفلة بحب .


أشارت له أن يقترب، فاقترب منها وتمدّد إلى جانبها، محتضنًا إياها بلطف.


قالت سهى بصوت خافت فيه نبرة حزن "أنا آسفة، سديم..."

رفع وجهها إليه مستغربًا وسألها

"آسفة؟ على ماذا؟"

أخفضت رأسها، وضمّته بقوة إلى صدرها، وقالت 

"آسفة لأني بعتُ هديتك في يوم زواجنا… وآسفة لأني لم أخبرك."


مسح على شعرها وقال بصوت حانٍ 

"ليس وقته الآن… لنتحدث لاحقًا."

رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين دامعتين، وقالت برجاء

"هل سامحتني، سديم؟"


مسح دموعها برقة وقال 

"نعم، سامحتك… لكن مرة أخرى، لا تفعلي شيئًا من دون علمي."


ابتسمت وهزّت رأسها بالإيجاب، ثم ضمّته ونامت، فضمّها هو أكثر، وكأنّه يحتضن قلبه معها، ثم التفت إلى ابنته، لترتسم على وجهه ابتسامة فرح لا تشبه سواها.



في صباح اليوم التالي،

وصل هيثم إلى مكتبه وهو سعيد، وبيده حلوى وزعها شخصيًا على كل موظفيه، و جعل من هبة وتيم آخر من يمر عليهم، ليحظى بالحديث معها.

رآها وهي تعطي تيم سندويتشًا ليأكله، وجلست بجانبه تحدثه، وبيدها كأس شاي.


اقترب منهم وهو ينظر لهبة بمكر.

ارتبكت هبة من نظراته وأبعدت نظرها عنه، فابتسم واقترب، وانخفض ليكون أمام تيم الذي كان ينظر إليه بانزعاج.

تحدث هيثم بودٍ مصطنع 

" تفضل خذ حلوى " 


التفت تيم إلى أمه، فأشارت له بالموافقة.

أخذ تيم الحلوى منه وشكره بامتعاض.


وقف هيثم والتفت إلى هبة بنظرة خبيثة وقال "هل يمكننا الحديث؟"

رفعت نظرها له، وترددت قليلًا، لكنها وافقت على مضض.


ابتعدوا قليلًا عن تيم،

وقفت هبة بعيدًا عنه دون أن تنظر له، وتحدثت بسرعة و رسمية

"سيد هيثم، أهناك شيء بخصوص العمل؟"

تجاهل سؤالها، والتفت لأحد العمال وقال

"خذ كأس الشاي هذا، وأحضر لنا اثنين آخرين."

 اعترضت هبة، لكنه أخذ منها الكأس وهو يبتسم وقال

"لا يمكن شربه وهو بارد هكذا."

تغيرت ملامحه فجأة، وأمر العامل أن يسرع..

خافت منه هبة، ووقفت بجانبه وهي مرتبكة.

قال وهو يبتسم

"بالأمس، ولدت أختي طفلتها الأولى، ولهذا وزعت الحلوى."

ابتسم ورفع العلبة وأشار لها أن تأخذ، فأخذت واحدة وشكرته وقالت بجمود

"الحمد لله على سلامتهما."

اقترب منها وقال وهو ينظر لعينيها ويتفحص ملامحها

"إنها جميلة جدًا، عيناها، وأنفها الصغير، و..."

توقف حين حمحم العامل

نظر له هيثم بغضب، لكنه تمالك نفسه، وأخذ الكأسين وأمر العامل بالانصراف.


وضع كأسه بجانبه، وهمّت هبة بالاستئذان، لكنه استوقفها وقال 

"إلى أين؟ لم تشربي الشاي بعد، لا يمكنك الذهاب دون شربه معي."

و ابتسم لها ، وكانت ابتسامته تضايقها جدًا.


مد الكأس لها، فمدت يدها لتأخذه، لكنه بحركة خبيثة حاول لمس يدها فخافت وسحبت يدها بسرعة، فانسكب الشاي الساخن على يدها.

صرخت بألم، فجاء تيم مسرعًا، وهو خائف على أمه.


ارتبك هيثم، وتقدم منها يسأل إن كانت بخير.

أخرج من جيبه منديلًا، وأمسك بيدها ولفه حولها وأجلسها، قائلًا 

"لا تتحركي، سأذهب وأعود."


تحدث تيم بخوف 

"أمي، هل أنتِ بخير؟ هل يؤلم؟!"

قبلته وقالت 

"لا يؤلم يا حبيبي."

أزاحت المنديل وتأملته قليلًا ، حتى جاء هيثم ومعه كريم للحروق.


قال 

"سأضع لك من هذا الكريم وسيخف الألم." ومد يده ليضعه لها،

لكنها وقفت بسرعة وقالت بوجه جامد:

"إنه حرق خفيف، ليس بهذا السوء، شكرًا لك."

بينما مدّ تيم يده وقال 

"أنا من سيضعه لها، أعطني."

وقف هيثم بينهما، ينظر إليهما بغرابة ، ثم ابتسم بطرف فمه ومد لتيم الكريم وقال 

"لا يوجد عمل كثير اليوم، يمكنكما الذهاب مبكرًا."


صمت قليلًا، ثم أضاف 

"أو يمكنني توصيلكما، تعويضًا عمّا حدث بسببي."


شكرته هبة ورفضت طلبه بأسلوب محترم، فهز رأسه بصمت وغادر.


قررت هبة الخروج مبكرًا والعودة إلى المنزل.


نظرت إلى باب الملحق، فوجدته مغلقًا، فظنت أن كريم لا يزال في عمله.


حضّرت الطعام لتيم وأطعمته.

قال تيم وهو ينظر إلى يدها 

"أمي، لقد احمرت يدك، هل تؤلمك؟"

ابتسمت، ومسحت على رأسه وقالت "قلت لك يا بني، لا تؤلم."


رفع نظره لها وقال بغضب 

"أنا لم أحب ذلك الرجل، إنه مزعج."

قالت بنبرة تحذيرية 

"تيم!"

هز كتفيه وقال 

"ماذا؟ إنه مزعج، لم أحبه، وبسببه احترقتِ."


"حدث ذلك دون قصد منه..."


توقفت هبة، وتذكرت كيف حاول لمْسها والتقرب منها، فأدركت أن نواياه خبيثة، وقررت أن تضع مسافة واضحة بينهما.


رأى تيم كريم يخرج من الملحق، فركض نحوه، وتبعته هبة وهي تقول "تيم، انتبه، ستقع!"


اقترب تيم من الباب ولم يستطع فتحه، سألته هبة " الى اين تيم ؟ " 

فوقف وقال

"سأرى عمي كريم."

قالها ببراءة وهو ينظر لأمه كي تفتح له.

ابتسمت وفتحت له الباب.


رأوا كريم يسير ذاهباً ...

نظرت هبة إلى ملابسه، كانت ملابس الأمس! 

ألم يذهب إلى العمل اليوم؟

تساءلت في نفسها.

 اقترب تيم منه وهو يضحك ويقفز بسعادة.

التفت كريم له بابتسامة متعبة، ومسح على رأسه بحنان.

قال تيم بحماس "تعال معي، سأريك ما رسمت." قالها و هو يشد يده .

رد كريم بتعب "لاحقًا يا صغير."

انكمش تيم، وأخفض رأسه وقال

"حسنًا." ثم ذهب عابساً .

نظر كريم إليه وهو يبتعد، وكان واضحًا أن كلماته كسرته.

ابتلع كريم غصته، وهمّ بالتحرك، لكن هبة اقتربت منه وقالت بقلق

"تبدو متعبًا، هل أنت بخير؟"

هز رأسه بصمت، دون أن يرفع عينيه نحوها، ومشى ببطء.

ظلت تراقبه حتى اختفى من نظرها، فقالت في نفسها

"إنه ليس بخير... عيناه تنطقان بكل شيء لا يقوله."

"يا ترى، ماذا حدث له ليكسره إلى هذه الدرجة؟"

دخلت لتجد تيم جالسًا عابس الوجه.

جلست بجانبه، وقبلته وقالت

"لماذا الحلو عابس؟"

"لم يرَ رسوماتي."

"أخبرك أنه سيراها لاحقًا، تيم، لا تُصِر كثيرًا وتزعجه."

تجمعت الدموع في عيني تيم، وقال بصوت باكٍ

"هل إذا أزعجته، سيذهب مثل أبي؟"

ثم تابع بصوت مرتجف

"لن أزعجه أبدًا بعد الآن، يكفي أن يبقى معنا ولا يذهب."

ضمّته هبة إلى صدرها وهي تبكي بصمت وقالت

"تيم، حبيبي، والدك لم يذهب لأنك أزعجته. لا تفكر هكذا أبدًا."

مسحت دموعه وقبلته، ثم نظرت إلى عينيه وقالت "أما بالنسبة لكريم، فنحن جئنا و دخلنا عالمه فجأة، و لن نبقى، و سنرحل قريبًا "

أخفض رأسه بحزن، فضمته إليها بحنان...

كريم

ذهبتُ إلى المقبرة وجلست بينهما...

دموعي تحجرت، و لم تعد تسيل، لكن القلب هو من أصبح جريحًا نازفًا.

أخرجت القلادة وفتحتها، ونظرت إلى صورتنا أنا وتيم.

كانت هذه القلادة تزين رقبة شفق، وكانت قريبة من قلبها...

حفرت بيدي عند قبرها وقلت بصوت مبحوح

"عندما أهديتكِ إياها، وعدتِني أنكِ لن تنزعيها أبدًا..."

صمتُّ قليلًا، وابتلعت ريقي بغصة، وقلت

"لكن الموت نزَعكِ مني، ونزعها عنكِ، والآن سأُعيدها لكِ."

وضعت القلادة في الحفرة، وأغلقتها، وأنا أمرر أناملي على ترابهما بشوق وحنين لهما...

سكبت الماء على قبرهما، ثم التفتُّ إلى قبر والد تيم *حمزة* ، وسكبت عليه الماء أيضًا.

وحين بدأت بالسير، اصطدم بي أحدهم، وكدتُ أن أسقط، لولا أنه أمسك يدي...

التفتُّ بتعب وألم، لأجد أنه سديم!

اتسعت عيناي بدهشة، وهو بادلني النظرة ذاتها...

أبعدت يدي عنه، ونظرت إليه مطولًا، أبحث عن أخي سديم،

أين هو؟ من هذا؟!

اقترب مني وقال بلهفة و قلق

"كريم، هل أنت بخير؟"

ابتسمت بسخرية وقلت

"أنا بأفضل حالاتي."

حدقت به وكأنني أرى الخذلان مجسدًا، ثم تركته، ومضيت...

سديم

كنتُ ذاهب لزيارة قبر أمي وأبي في ذلك اليوم، لكنني لم أتوقع أن ألتقي بكريم أبدًا، فهو يذهب في الصباح، وليس في هذا الوقت!

اصطدمتُ به، وكان ضعيفًا هزيلاً وكأنه بلا قوة. كاد أن يسقط لولا أنني دعمته. أدهشتنا الصدفة، ولم ينبس أحدنا ببنت شفة...

أبعد يده بقوة، وكان ينظر إليّ بنظراتٍ آلمتني بشدة. حدق بي مطولًا، كأنه يبحث عن شيء فيّ...

أعتقد أنه كان يبحث عن أخيه الذي خسره في ذلك اليوم.

نظراته كانت مزيجًا من الحزن، والكسر، والخذلان ، وكانت كل نظرة كأنها سهم يخترقني...

سألته: "هل أنت بخير؟"

وكان سؤالًا غبيًا، وأنا أرى حالته تلك.

تركني متألمة، يقتلني عذاب الضمير، وأنا أراه كالكهل يسير مثقلًا بالأحزان والهموم...

مشيتُ قليلًا وتقدمت نحو قبر شفق وتيم. وقفت أمامهما بخجل، وبصوتٍ مبحوح متألم قلت

"سامحوني... أرجوكم، سامحوني."

ثم ذهبت إلى قبر والدي، سلّمت، وقرأن الفاتحة على روحيهما، ثم جلست بجانبهما وبدأت أتحدث وأتحدث، حتى وصلت إلى خبر ولادة طفلتي.

مرّرت أناملي على تربة والدتي وقلت بحنين "أسميتها فردوس، لتكون مثلك يا أمي ذات القلب الكبير والروح الحنونة...

ياليتكِ كنتِ معي يا أمي في هذه اللحظة، وشهدتِ فرحتي، وشاركتني بها..."

صمتُ و أنا أحارب دموعي، وقلت

"لكنّكِ ذهبْتِ بسرعة... بسرعة جدًا يا أمي، وتركتِ طفلكِ هذا وحيدًا متألمًا."

التفت لقبر والدي وأنزلت رأسي بحزن، وقلت

"لكن طفلك تحوّل لشخص آخر يا أمي... شخصٍ أعماه الحقد والغيرة، وجعل قلبه أسودًا."

وقفت، ونظرت إلى قبر والدي بجمود، وقلت محدثًا نفسي

"كل شيء حدث بسببك... بسبب قسوتك و بسبب إبعادك لنا " صمتُ قليلا و قلت بصوت مبحوح "كنت أحتاجك فقط أن تراني... لا أن تقارنني. أن تحتويني... لا أن تقسو."

" أنا غِرت، وحقدت، وقسوت على أخي، و بسببك خسرته. "

سكت قليلا مفكرا و قلت "أتعلم؟ قسوتي على كريم... لم تكن منه، بل منك.

كنت أغار من حبك له، فصرت مثلك... قاسيًا عليه.

لكن... ليس هذا خطؤك، بل خطئي أنا. لأنني لم أدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان."

ودعتهما و خرجت مثلك المقبرة مثقلاً....

رجع كريم وكان الوقت قد تأخر. رأته هبة، وكان التعب بادياً عليه بوضوح...

وقف أمام باب الملحق، وكاد أن يسقط، لكنه أسند نفسه بصعوبة.

رأته هبة فخافت عليه، فأسرعت إليه.

وقفت أمام باب الملحق فزِعة بعد أن سمعت صوت أشياء تتكسّر في الداخل...

خافت عليه أن يُصاب، ففتحت الباب بحركةٍ مفاجئة وسريعة، لتراه منهارًا، لكنه ما إن رآها صرخ بغضب أخافها "اذهبي من هنا!"

لم تستمع له، وعندما رأت الزجاج في كل مكان، تقدمت نحوه، لكنه، بحركة غاضبة لا واعية، رمى ما بيده، فأصاب رأسها.

صرخت متألمة وابتعدت بسرعة وهي تبكي...

دخلت إلى المنزل وفتحت هاتفها، وأخرجت رقم عمر الذي أعطاه لها في ذلك اليوم.

اتصلت به وقالت

"المفوض عمر... أنا هبة."

ثم أخبرته عن حالة كريم السيئة...

جاء عمر ليجدها واقفة بجانب الملحق، خائفة وهي تبكي.

اقترب منها وقال بتوتر

"هبة... أين كريم؟"

التفتت إليه، فـاتسعت عيناه عندما رأى جبينها ينزف!

سألها بسرعة والقلق بادٍ عليه

"أنتِ تنزفين! كيف حدث هذا؟!"

التفتت إلى الملحق وقالت بنبرة باكية "أنا بخير... لكنه ليس كذلك."

أدرك أن كريم هو من تسبب بذلك الجرح، اقترب منها لكنها تراجعت بسرعة، فحاول تهدئتها وقال

"يجب أن يُعقّم ويُضمد."

أومأت له بالموافقة...

دخل بعدها إلى الملحق، ليسمع صوت كريم الغاضب

"اذهبي من هنا!"

نظر عمر إلى الغرفة التي تحوّلت إلى ساحة حرب، ثم إلى كريم الجالس على الأرض و هو يضم وجهها بكفيه.

أغلق الباب خلفه، فالتفت إليه كريم بغضب وقال "ألا تفهمي...؟"

صمت عندما رأى عمر، ثم أكمل بجمود "عمر، اذهب من هنا، أريد أن أبقى وحدي."

أبعد عمر الزجاج من طريقه، وتقدم نحوه.

وما إن وقف أمام كريم، حتى هدر الأخير بعدم صبر "عمر، ألا تفهم؟ اتركني وحدي، وإلا..."

قاطعه عمر وهو يرفعه ويهزه بغضب "وإلا ماذا؟ تحدث! هل ستضربني؟ هل ستجرحني مثلما جرحت تلك المسكينة؟!"

أبعده كريم وقال بعدم فهم

"ما الذي تقوله؟ جرحت من؟"

صرخ به عمر "هبة! لقد اتصلت بي عندما خافت عليك، وعندما أتيت كانت تبكي وتنزف!

سألتها كيف جُرحت، لكنها لم تجبني... فقط قالت: 'اذهب إليه، إنه ليس بخير.'"

جلس كريم على السرير بحزن، يحتضن رأسه بين كفيه...

أكمل عمر حديثه

"كريم... لستَ وحدك من يتألم. الجميع لديهم جراح وآلام، لكنهم لا يؤذون أنفسهم ولا غيرهم حين يُظهرونها."

صمت عمر قليلًا، ثم جلس بجانب كريم و قال "كريم، لا تسخط، وكن صبورًا."

وضع كريم يده على قلبه وقال متهدجاً "إنه يتألم... وأشعر وكأنني أختنق في كل ليلة، وكلما مرّت ذكراهما في قلبي...

لقد سُلبت بهجتي وحياتي يا عمر."

فقال عمر و هو يجلس بجانبه

"كريم، يا صديقي... وجعك صعب، لكن عليك أن تتعايش معه. لا يصح أن تدفن نفسك وأنت حي، هذا لا يُرضي أحدًا.

ألم تعدني أنك ستحيا من أجل شفق وتيم؟"

صمت كريم قليلا و التفت لعمر وقال "لكنهم ذهبوا... ولا يوجد من أتمسك به أو يتمسك بي."

"بل يوجد... فقط انظر من حولك جيدًا." قالها عمر وهو يشد على كتفه.

صمت عمر و وقف ، بينما تركه حائرًا يفكر في كلماته تلك ...

رتب عمر الغرفة، ونظف الزجاج المكسور، وجلس مع كريم لبعض الوقت وتحدث معه ، و عندما تأكد من أنه هدأ ذهب .

خرج عمر ليراها لا تزال تنتظر في الخارج!

تقدم نحوها وقال وهو ينظر إلى جرحها الذي لم يُضمد بعد

"لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت؟"

تجاهلت سؤاله وسألته بقلق

"هل هو بخير؟"

حدّق بها عمر مطولًا، ثم قال

"إنه بخير... فقط فقد السيطرة لوهلة."

نظرت إلى الملحق مطولًا، ثم التفتت لعمر وشكرته... وذهبت بعدها.

بينما وقف عمر ينظر إليها حتى دخلت، ثم ذهب هو الآخر إلى بيته...

في بيت العائلة الكبير..

كان سديم ينظر إلى فردوس النائمة بشرود وهو يتذكر كريم وحالته...

"كان عليك أن تتمسك بيد أخيك وألا تتركه في مصيبته، لكنك خذلته مرة أخرى"، قالها معاتبًا نفسه.

زفر بضيق وحزن...

أتت سهى من خلفه واحتضنته برقة وهي تنظر إلى فردوس النائمة بابتسامة. لاحظت حالته الفاترة، فابتعدت وجلست مقابلة له وسألته "سديم، ما بك؟ هل حدث شيء في الشركة؟"

" لا، لم يحدث شيء. " قالها بجمود.

" إذاً، لماذا أنت متضايق هكذا؟ " تساءلت وهي تتأمل ملامحه الذابلة.

ابتلع ريقه وقال بصوت يحاول التماسك لكنه فشل

" لقد رأيت كريم اليوم."

ثبتت نظرها عليه وقالت

" هل أتى إليك أم أنت من ذهب إليه؟ "

تحشرج صوته قليلًا وامتلأت عيناه بالدموع وقال

" لقد رأيته في المقبرة، كان يبدو كمن فقد روحه." وصمت قليلًا مفكرًا بما قاله، ثم تابع

" وهو بالفعل فقدهم... لقد رأيته مثل جثة تمشي، لم يكن كريم هكذا أبدًا."

اقتربت منه وربّتت على يده بلطف قائلة " ما حدث معه صعب، وليس من السهل أن يتجاوزه بهذه السرعة. إنه يحتاج للوقت يا سديم، فالوقت دواء لكل شيء. "

نظر إلى عينيها وابتسم بغصة قائلاً " لماذا لم يكن دوائي إذًا؟ "

شدّت على يده بحنان ولم تتحدث.

أكمل هو بنبرة عميقة

" بعض الجراح لا تندمل بالزمن أو النسيان، تظل فيك كالظل ومعك كالنفس... "

صمت قليلًا وهو ينظر للفراغ أمامه، بينما كانت سهى تحدق به محاولة فهم ما به.

" انظري إليّ، سهى... أنا لا زلت أحمل جراح طفولتي معي، وها أنا كبرت وكبرت معي، وأصبحت شيطاني الذي جعلني أطرد أخي. "

" سديم، لم يكن خطؤك وحدك."

قاطعها و قال بندم

" بل خطئي، لم يكن عليّ أن أطرد أخي مهما حدث. لا أعرف كيف تمكن مني الحقد والغيرة إلى هذا الحد! "

توترت سهى، وخافت في داخلها.

"هل ينوي سديم أن يُرجع كريم إلى البيت؟ أم أنه سيرجع له الأملاك؟"

اتسعت عيناها بخوف وهي تنظر لطفلتها، وتفكر

"ماذا لو عاد وكشف أن..."

نفضت تلك الأفكار من رأسها، وحملت طفلتها واحتضنتها داخل صدرها.

ثم تحدثت لسديم بحزم

" سديم، ما حدث قد حدث. والآن لنركّز على طفلتنا وحياتنا، ولنترك الماضي للماضي. "

همّ ليتحدث، لكنها أعطته ظهرها وذهبت لترضع فردوس...

جلس هو مفكرًا بكلامها.

جزء منه يهمس له أنها على حق، وأن عليه نسيان الماضي.

لكن الجانب الآخر، ذاك الذي أيقظه اليوم عندما راى كريم فشعر و كأن صفعه قوية لطم به تخبره أنه يجب أن يطلب من أخيه العفو، ويرد له كل حقوقه.

وهذا ما بدأ سديم يفكر به جديًا.

كريم

في اليوم التالي...

غيرتُ ملابسي، ورتبت الغرفة التي جعلتها في الأمس بحالة يُرثى لها...

فتحت النافذة، فرأيتها تحدّث تيم في المطبخ.

أغلقت النافذة وجلست على طرف السرير، أتذكر كلمات عمر...

"لقد جرحتها وجعلتها تنزف!"

ألهذه الدرجة كنت مغيّب الوعي لأؤذيها؟!

لم يكن عليّ فعل ذلك... لم تستحقه، حتى لو لم أقصده.

تذكرت ذلك الصغير، كيف كسرت روحه أيضًا البارحة...

تنهدت بضيق... هما لا يستحقان أن يُكسرا أو يُجرحا مني، وأنا من تكفّلت بحمايتهما.

نظرت إلى ساعتي... الوقت لا يزال باكرًا على دوام هبة.

قررت أن أعتذر منهما، وأرضيهما.

تقدّمت، وما إن وصلت إلى الباب، ترددت أن أطرقه.

لكني استجمعت قوتي وطرقت، فجاء صوت تيم، يبدو أنه يجري...

فتحت هبة، وكانت ممسكة بتيم، الذي ما إن رآني وقف بصمت ، خافضًا رأسه بعبوس، وكأنه تذكر ما حدث.

بالطبع تذكر كيف أنني كسرته و لم أسمع له ...

نزلت لمستواه ومددت يدي إليه و أشرت له ان يأتي الي.

نظر إلى أمه كأنه يطلب الإذن منها.

أبعدت يدها عنه، فتقدّم نحوي، لكن ليس بحماسه المعتاد... وهذا أحزنني جدًا.

وقف أمامي وقال، وعيناه لا تلتقيان بعيني "هل أنا أزعجك؟"

آه يا صغيري... لو تعلم كم أن وجودك يريح القلب ويصبرني، وكأنك جبر من الله لهذا القلب...

ابتسمت وقلت بنبرة رجاء "هل يمكنني أن أحتضنك يا صغير؟"

أتسعت ابتسامته و فتح ذراعيه فجأة، وهرع نحوي.

احتضنته... كأنني استمدّيت القوة منه لأتمسّك بهذه الحياة.

وهو تمسّك بي كأنما يبحث عن أبيه فيَّ.

وأنا... كنت كأنني أحتضن ابني بعد غياب.

نزلت دموعي بصمت... وأنا أحني عليه.

سمعت شهقات هبة الباكية، فهي تأثرت بحالتنا ، فاستدارت و هي تخفي دموعها.

أبعدت تيم بعد أن مسحت دموعي، وعبثت بشعره وقلت " ومن قال إنك تزعجني؟"

نظر إليّ، وهز كتفه.

قلت "والآن يا صغير، أين رسمتك؟ أحضرها لأراها، هيا!"

قفز بسعادة " ستُعجبك كثيرًا!" وذهب يحضرها.

وقفت، لأرى هبة تمسح دموعها وتنظر إلي.

نظرت إلى جبينها... كانت هناك ضمادة تحاول إخفاءها بشعرها لكنها لم تنجح.

خفضت رأسي وقلت معتذرًا

" أنا آسف... لم أكن أقصد أن أؤذيك أو أجرحك."

قالت هبة بصوتها الحاني و هي تبعد نظرها عني

"و أنا آسفة لم يكن علي الدخول بهذا الشكل ، لا عليك... أنا أعلم أنك لم تقصده."

صمتت قليلًا ثم تابعت وهي تنظر لي " هل أصبحت أفضل اليوم؟"

تلاقت عيوننا...

رأيت في عينيها مشاعر كنت قد نسيتها...

من يقلق عليّ، ويسأل عني، ويهتم لأجلي...

شردت في وجهها قليلًا، لكنني أبعدت نظري عنها وقلت " نعم، أنا في حال أفضل اليوم."

أتى تيم برسمته، قدّمها لي.

بعثرت له شعره مرة أخرى وقلت مبتسمًا "يبدو أن لدينا فنانًا هنا!"

فرح تيم بالمدح، ورفع يده الصغيرة مشيرًا لي أن أنخفض لمستواه.

انخفضت، فعانقني بقوة وقبّلني.

تجمّدت مشاعري في اللحظة...

رفعت يدي واحتضنته أيضًا، ثم ابتعد وذهب مجددًا.

وقفت وأنا في ذهول من مشاعري.

اقتربت هبة وقالت بامتنان

" شكرًا لك. "

رفعت نظري وقلت باستغراب " على ماذا الشكر؟"

ابتسمت بامتنان وقالت

" على كل شيء... خاصة ما تفعله لتيم. "

" لم أفعل شيئًا يُذكر.". قلت وأنا أنظر لتيم، الذي وقف بجانبها ينظر إلي بحب.

قلت وأنا أبتسم لتيم

'' ما رأيكم أن نذهب ونفطر سويًا؟ "

قفز تيم وهو يقول

"موافق، لنذهب!"

بينما هبة بدا عليها التردد، فقلت

" اعتبريه اعتذارًا عما بدر مني البارحة، وأيضًا سيكون تغييرًا للصغير. "

ترددت وقالت

"ولكن... سنتأخر عن العمل..."

" لن تتأخري، سنفطر، وبعدها أوصلكم إلى مكان عملك." قلت مطمئنًا.

شدّ تيم على ثياب أمه، وقال بإلحاح طفولي " أمي، هيا لنذهب، هيا! "

ابتسمت هبة، ونظرت إلي وقالت

" حسنًا، لنذهب بما أن تيم مصرّ. "



يتبع ...

google-playkhamsatmostaqltradent