رواية صدى الألم
بقلم سجى إمام
ذهبتُ لأجهّز تيم، وأنا سعيدة ومتحمّسة، وعلى وجهي ابتسامة حالمة...
نعم، استغربت حالتي ومشاعري، لكنني كنت بحاجة لأن أشعر بتلك الأحاسيس التي فقدتها واشتقت لها...
سعادة ولو كانت مؤقتة...
اهتمام ولو كان بدافع الشفقة...
بدأت مشاعري تتحرّك وتنتعش مرة أخرى، في كل مرة يأتي بها كريم ليحدثني أو ينظر إليّ.
تجهّزت أنا وتيم وخرجنا، وكان كريم ينتظرنا بابتسامة هادئة ، وكانت نظراته تتجه نحو تيم بحنان ...
اقتربنا منه، فمدّ يده لتيم، الذي تحمّس كعادته وتقدّم ليحتضن كفّه...
سرتُ بجانبهما وأنا أنظر إليهما، كانا يبدوان لطيفين بشكل جميل جدًا، فارتسمت ابتسامة على وجهي.
" لماذا تبتسمين؟ " سألني كريم وهو يسير.
يبدو أنه لاحظ نظراتي وابتسامتي! يا للحرج!
تحدثتُ بحرج " أ... لا شيء، فقط ابتسمتُ."
نظر إليّ مطولًا، ثم رأيت إبتسامة خفيفة تعلو وجهه ، وأوقف سيارة أجرة لنركبها.
أصرّ تيم أن يجلس في الأمام بجانبه.
" تيم، تعال نجلس في الخلف " قلت وأنا أقترب لأخذه، لكنه تراجع ونظر لكريم برجاء طفولي
" أريد أن أجلس بجانبك. "
بعثر كريم شعره وهو يحمله ويجلسه فوقه، يحدثه بمزاح...
كنت ألاحظ دائمًا أن كريم يعامل تيم كأنه ابنه حقًا... وتيم طفل يحتاج الاحتواء والاهتمام، خاصة بعد أن فقد والده بهذا العمر الصغير. لكنني كنت أخشى أن يتعلّق تيم به ونحن...
لا نعلم إن كنا سنبقى أم نرحل...
توقفت السيارة لتقطع حبل أفكاري.
نزلنا وتوجهنا نحو عربة صغيرة بجانبها بعض الطاولات.
قال كريم بحماس و هو ينظر لتيم
" هنا ستجدان أفضل سندويش كفتة، لن تتذوقا مثله أبدًا! "
" رائحته شهية جدًا... يممم، لقد جعت! " قالها تيم وهو يبتلع ريقه وينظر للعربة.
ابتسمنا عندما رأينا تصرفه.
ماذا؟
قلت ابتسمنا... رأينا...
نحن؟!..
ما الذي يجري في قلبكِ يا هبة؟
نفضت تلك الأفكار، لأرى كريم يبعثر شعر تيم ويسحبه معه ليشتري السندويشات، مشيرًا إليّ أن أجلس.
جلست وأنا أراقبهما بسعادة...
كان الجو جميلًا جدًا في ذلك اليوم، أو ربما هذا ما كنت أراه أنا...
عاد تيم وهو يجري ممسكًا بسندويشه وجلس بجانبي، ثم أتى كريم وجلس أمامي...
ارتبكت وخجلت، لكنني حاولت أن أتماسك.
مدّ لي سندويشي، فمددت يدي لأخذه، لكنه توقف فجأة، نظر إلى يدي بقلق وقال
" كيف حدث هذا؟! أأنا... فعلتها أيضًا؟! " قالها بلهجة مليئة بالتفاجؤ والحزن.
احتضنتُ كفّي وقلت
" لا، لقد وقع الشاي عليّ بالخطأ، و..."
قاطعني تيم بغضب وهو يلوك الطعام " لا، هو من أوقع الشاي! "
" من؟ " سأل كريم
" المدير، هو من فعلها " قالها بغضب طفولي.
التفت كريم إليّ بعدم فهم.
تنهدتُ وقلت " لقد حدث بالخطأ، مدّ لي الكأس ولم أمسكه جيدًا، فوقع ما وقع."
رأيت في عينيه شكًا وعدم تصديق، وأثبت لي ذلك حين قال
" أهذا كل شيء؟ لا يوجد شيء آخر؟ "
هززت رأسي محاولة إقناعه.
ضيق نظره نحوي، فخفضت رأسي هروبًا من عينيه.
وضع السندويش الخاص بي بجانبي وبدأنا نأكل.
كان تيم يتحدث ويكسر ذلك الصمت...
الصمت الذي أحببته!
أحببته؟
ما الذي أقوله وأفكر فيه أنا؟!
قاطعت حديثهما بصوت منخفض
" لقد تأخرنا. "
نظر كريم لساعته وقال
" نعم، فعلًا... آسف، لم أنتبه للوقت."
وقف وقال "هيا سأوصلكما. "
هممتُ للاعتراض، لكنه فهم ذلك، فأخذ تيم وتقدّم.
تأملته وهو يسير أمامي، والابتسامة لا تفارق وجهي...
وصلنا إلى مكان عملي.
نزلنا ووقف كريم ينظر للمكان باستغراب.
اقتربت منه وقلت بخجل
" كان فطورًا جميلًا... أليس كذلك يا تيم؟ "
شدّ تيم يد كريم وقال بحماس وسعادة " نعم، جميل جدًا! لنكررها! "
التفت كريم إليه، مسح على رأسه وقال " متى ما أردت يا صغير. "
فرح تيم وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.
'' هل هنا مكان عملكِ؟ " قال كريم وهو ينظر للمكان، ويبدو أنه لم يحبه فقد تغيرت ملامحه.
" نعم، هنا... أهناك شيء؟ "
تحدث بنبرة متوجسة وهو ينظر إليّ " مديركِ... هل اسمه هيثم؟ "
أربكني سؤاله فجاءة عن المدير هيثم ..
أومأت برأسي وأنا أحاول فهم سبب التغير في ملامحه.
اقتربت قليلًا وسألته "هل هناك شيء سيئ؟"
" لا يوجد شيء... بالتوفيق. " قالها بجمود وهو يهز رأسه نافيًا.
ودّعنا وذهب، لكنه ظل واقفًا ينتظر حتى دخلنا، وتلك النظرة المليئة بالتوجّس لم تفارق وجهه...
لا أعلم ما سرها، ولم أشأ أن أفسد يومي الجميل بالتفكير فيها، لذلك تجاهلتها وبدأت يومي بحماس...
هيثم
وقفتُ أنظر إليهم وداخلي يشتاط غيظًا وحقدًا على ذلك الكريم!
كانت هبة واقفة بجانبه، و تحدثه باسمة !
وتيم الصغير يضحك بحضوره!
كان مشهدهم مزعجًا جدًا لي...
لماذا يحظى كريم بكل شيء وأنا لا أحظى بشيء؟ حتى في أسوأ أيامه، يحظى بواحدة مثل هبة، وأنا لا شيء لي؟ أخذ شفق، و بسببه ماتت ، والآن لن ولن أسمح له أن يظفر او يأخذ هبة مني ...
زفرت بضيق وجلست على الكرسي، أستحضر ذكريات الجامعة...
كان كريم ذكيًا ووسيمًا، محطّ أنظار الجميع بشخصيته المميزة.
كنت أغار منه ومن كل هذا الاهتمام الذي يحظى به...
حاولتُ أن أشغل نفسي عنه وأن أجتهد، لكنني التقيت شفق...
تعلّقت بها وأحببتها...
و لكن لم أتخيل ان حبي أيضا سيذهب!
المفاجأة كانت أنني حين عدتُ وجدتها زوجة كريم !
سكتُّ، وحملت كرهي لكريم معي و في داخلي ...
حقدي عليه ينمو كل ثانية فهو حصل على كل شيء...
حصل على شفق ...
ومرّ أسبوع على قدوم فردوس، فقرّر سديم وسهى الاحتفال بهذه المناسبة.
اقترحت سهى أن يشتروا هدايا وألعابًا للأطفال ويأخذوها لدار الأيتام...
أعجبت الفكرة سديم، فنفّذها.
بعد عودتهم، جلست سهى بجانبه، وهو يحدّثها عن يومه مع الأطفال وكيف فرحوا...
احتضنته وقالت " نعم، رأيت كيف سعدوا... لا تزال نظراتهم الفرِحة في ذاكرتي."
ضمّها إليه أكثر وهو يقول
" من الجيد أننا ذهبنا... لقد كنا سببًا في فرحة تلك القلوب الصغيرة."
ابتسمت سهى وهزّت رأسها بصمت، بينما شرد سديم قليلًا قبل أن يقول
" سهى... لقد قررت أن أذهب لكريم وأتحدث معه. "
ابتعدت عنه وقالت بحذر
" تتحدث معه عن ماذا؟ وبعد كل هذه المدة؟ "
زفر بضيق قائلا " لا يهم عن ماذا... فقط سأتحدث معه وأعتذر عن كل ما فعلته."
سحبته سهى وأجلسته بجانبها، وقالت " وهل سيستمع إليك؟"
أنزل رأسه وقال بحزن " بعد ما حدث، لا أعلم."
قالت وهي تحاول إخفاء قلقها
" وما الذي تغيّر بعد كل هذا الوقت؟"
" تغيّر الكثير... كنتُ قاسيًا عليه وأفرغت كل غضبي فيه، وظننت أنني بهذا سأرتاح... لكن العكس، ضاق صدري وكُتمت أنفاسي... طول تلك السنوات، لم يمرّ يوم لم أفكّر فيه..."
صمت لحظة، أخذ شهيقًا عميقًا وأخرجه ببطء، ثم أكمل
" نعم، فكّرت أن أذهب وأعيده هو وعائلته إلى هنا، لكن شيطاني كان يغلبني كل مرة... وحتى... حتى..."
صمت ولم يستطع إكمال جملته، خنقته غصته...
تقدّمت سهى وربتت على ظهره بحنان، فأكمل بصوت متحشرج
" حتى في أصعب يوم في حياته... لم أستطع أن أكون بجانبه... لم أستطع أن أضع يدي على كتفه وأهوّن عليه... فقط كنت أنظر له من بعيد كأنه شخص غريب عني، وهو جزء مني! "
وقف وقال بانفعال
" لقد جرحتُ أكثر شخص أحبّني بصدق وخذلته... لا، لا... بل قتلته حيًّا! "
حاولت سهى الاقتراب منه وتهدئته، لكنه أبعدها وقال
" والآن عليّ أن أصلح ما أفسدته... وسأتحمّل أي شيء يأتي منه. "
همّت لتتحدث، لكنه اقترب منها وطبع قبلة على جبينها وذهب...
تركها في حيرة وخوف.
جلست على طرف السرير، تفكر بقلق " إذا عاد كريم... ستعود له نصف الأملاك! وإذا عاد... سيعود إلى الشركة وسيحصل على منصب هناك... وبالطبع سيعمل مع هيثم مرة أخرى و ...."
فركت يديها بتوتر وخوف، وبدأت تمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة
" ماذا لو تهوّر هيثم مرة أخرى؟ لا... لا يمكن أن يحدث هذا! " قالتها وهي فزعة من أفكارها...
كريم
مرّ أسبوع وكان أسبوعًا هادئًا نسبيًا...
تواصلتُ مع عمر لعلّه وجد شيئًا جديدًا، لكن لا جديد، وهذا كان يحزنني ويغضبني.
وفي هذه الأيام، ذهبنا وسجّلنا تيم في الروضة، كم كان سعيدًا وهو يقفز بحماس عندما أخبرته أنني سأرافقه في أول يوم كما طلب...
لم يكن في نصيبي أن آخذ صغيري للروضة ، لكن بالتأكيد سأرافق هذا الصغير؛ أشعر أنه هدية من الله لي، فلا يمكن أن تكون صدفة محضة أن يكون اسمه مثل اسم ابني ويأتي إليّ مثل نسمة باردة في عزّ الحر الشديد... إنه تدبير من الله ليجبر قلبي به ويجبر بي قلب ذلك الصغير...
وفي هذه الفترة، تحسّنت أعمالنا، ففكرت أن أعرض على هبة أن تعمل معي، فأنا لم أحبّ عملها مع هيثم أبدًا؛ إنه شخص غير متزن ولا أرتاح له، وزاد قلقي حين أخبرتني بموضوع الحرق... بالتأكيد لم يكن انسكاب الشاي بالخطأ، بل هو من افتعل الأمر...
أردت أن أفتح معها الموضوع، لكنني لم أجد الوقت المناسب بعد.
رجعتُ إلى البيت لأجد عمر ينتظرني في الحديقة وهو يشرب الشاي، لمحني فنظر إليّ بغضب وضيق...
فعلمتُ أنه انتظرني طويلًا. وما إن تقدّمت حتى قال بنفاذ صبر
" لماذا تغلق هاتفك؟ كنتُ أتصل بك منذ مدة وأنت لا تردّ."
كتمتُ ضحكتي وقلت
" لقد فرغت البطارية. " ورفعت الهاتف أمامه.
زفر بضيق وأشاح بوجهه وهو يبتسم...
قلت بجدية " هل حدث شيء؟ أم أن هناك جديدًا؟ "
جلس عمر فجلست بجانبه، وقال " مع الأسف يا كريم، لا جديد حتى الآن. "
أخفضتُ رأسي بحزن، فربّت على يدي وقال
" لقد أتيت لأطمئن عليك، سمعت أن أعمالك في حالة ازدهار. " قالها ضاحكًا.
ابتسمت وقلت
" نعم، والحمد لله... تعاقدنا مع شركة كبيرة، ووضعنا المادي تحسن."
تحدث عمر مازحًا " إذًا لن تبخل علينا وسيكون العشاء عليك! "
" بالطبع، متى ما أردتَ سنذهب " قلتها وأنا أشدّ على كفه وأنظر له بامتنان أخوي...
فهو كان لي سندًا وظهرًا في أضعف لحظاتي، ولن أنسى مواقفه أبدًا...
أخبرني أن هبة هي من استقبله، فأومأت برأسي...
ليتحدث غامزًا
" يبدو أنها تهتم لأمرك، عندما جئتُ قلقت وأتت مسرعة تسأل عنك."
صمتُ و لم ارد.
كنتُ أدرك ذلك وأشعر به... أراها تهتم لأمري، وأرى في عينيها مشاعر نحوي، لكنني كنت أتجاهلها...
لا أريدها ان تتعلق بشخص لا روح فيه...
" هل تعلم يا كريم؟ زوجها متوفى منذ سنة ونصف " قالها عمر وهو يتفرّس ملامحي.
التفتُّ بدهشة وقلت " سنة ونصف؟! "
ضيق عينيه وقال " ألم تخبرك من قبل؟ "
" لم أسألها... "قلت وأنا أحاول أن أتذكر حوارنا في ذلك اليوم...
لقد قالت إنها لم تخبر تيم فورًا عن وفاة والده، بل بعد مدة...
أهذا ما كانت تعنيه إذًا؟
كانت نظرات عمر تخترقني وهو يسأل " ما بك؟ شردت؟ "
" لا شيء..."
ابتسم عمر ووقف وقال
" لقد أخبرتك من قبل وسأقولها مرة أخرى... انظر جيدًا، لعلّ دواء قلبك أمامك. " صمت قليلا و اكمل بعدها مبتسماً " والآن سأذهب... إلى اللقاء. " قال كلماته وذهب.
ظللتُ مدة في الحديقة أفكّر بكلامه وبكل ما مرّ عليّ في هذه الفترة...
برد الجو، فدخلتُ إلى الملحق ورأيت ملف القضية، فتحته وأمعنت النظر في حروفه التي حفظتها عن ظهر قلب، لعلّي أجد شيئًا غفلت عنه، لكن لا شيء...
وقع نظري على المنديل، حدّقت فيه طويلًا... لكن الباب طرق!
التفتُ نحوه وتذكرت كلام عمر...
ترددتُ قليلًا، لكنها أعادت الطرق...
فتحتُ الباب...
رفعت صينية الطعام وقالت بابتسامة " لقد أحضرت لك العشاء."
شكرتها وأخذتها منها، ظننت أنها ستذهب، لكنها بقيت واقفة تتفحص الداخل.
قلت لها أن تدخل بحرج... فدخلت!
و لم أكن أتوقع أن تدخل...
تركت الباب مفتوحًا وأشرت لها أن تجلس...
" صغيرة لكنها مرتبة ودافئة " قالتها وهي تتفحص أرجاء الغرفة وعلى وجهها طيف ابتسامة خفيف.
همهمت وأنا أبدأ بالأكل، ظننت أنها تنتظر أخذ الصينية، فبدأت أتناول الطعام بسرعة ...
وقع نظرها على ملف القضية، فأغلقته...
جلست أمامي و بدون مقدمات قالت بصوت حذر " ما الذي حدث مع عائلتك؟"
ابتلعت ما في فمي ونظرت إليها دون أن أتكلم...
ابتسمت بتفهم وقالت بهدوء
" تحدّث، سترتاح... قلتها لك من قبل."
أبعدتُ صينية الطعام، وأرخيت ظهري على الكرسي، وقلت وأنا أنظر للفراغ " هل سأرتاح إذا تحدثت؟ أظن العكس... إن تحدثتُ عنهم سيحاربني الشوق لهما، والألم على فراقهما، وسأتذكر فقدي لهما."
" كنتُ أفكر مثلك... وكنت أعيش مع ألمي، لكنني أدركت أنني أحببت هذا الألم لأنه آخر ذكرى من فقيدي... " قالتها بنبرة مهزوزة.
تعلقت عيناي في الفراغ و شردت و داخلي يتسأل: وهل أنا أيضًا أحببت ألمي وتعايشت معه لأنه آخر شيء يربطني بهما؟
سكنتُ وصمتّ أتفكّر في كلماتها...
همّت لتقف، لكنني تحدثتُ بصوت مبحوح، متألم " كنتُ قد وعدتهما أن نذهب... لكنني تأخرت، فسلبهما مني الموت..."
جلست تستمع لي وأنا أتكلم بصوت يحارب غصّة باكية
" كنتُ أظن أنهما ماتا في حادث، لكن اتضح أنها جريمة... ومن ورائها شخص خطف مني روحي..."
مسحت دموعها بتأثر وسألت " من هو؟"
نظرت إليها وقلت بغصة " لا أعلم... وهذا أكثر ما يحرق روحي... لأني لا أعرف من هذا الذي قلب حياتي."
أغمضتُ عينيّ وقلت " لا يزال منظرهما أمامي وهما بالأبيض... " أنقطع صوتي و أهتز فصمت قليلا و رفعت يدي و حدقت بها و قلت " لا زلت أشعر ببرودة أناملي وأنا أمرّرها عليهما..."
تنهدتُ بحرارة وقلت من بين دموعي " لا أعلم متى سينتهي هذا العذاب... ومتى سينقشع ظلام الألم عني..."
رفعت نظري نحوها، فرأيتها تنظر إليّ بعينين دامعتين، فيهما الكثير من المشاعر... ارتبكتُ وأبعدت نظري عنها.
قالت بصوت حنون دافئ
" أتذكر تلك الليلة المظلمة التي قلت إنها لن تمر؟"
صمتُّ، ثم رفعت بصري نحوها، مستحضرًا أظلم ليلة مرت عليّ... ليلة وداعهما...
نظرتُ إليها متسائلًا، فأكملت بنبرة هادئة مطمئنة
" ألم يأتِ صباحها وانقشع ظلامها وجاء الضوء؟... كل شيء سينتهي... وهذا الوجع الذي تشعر به أيضًا سيهدأ ويسكن."
" أتمنى ذلك... " قلتها وأنا ممتلئ بالأمل أن يهدأ ويستكين قلبي.
أخذت ملف القضية، فتحته، قلّبت فيه... وما إن وصلت لصورة القاتل المأجور حتى فزعت من المنظر.
هممتُ لأخذ الملف منها، لكنها قلبت الصفحة... فأتسعت عيناها.
قالت متسائلة " ما هذا؟ " وأشارت إلى المنديل.
أخبرتها بكل شيء وقلت " لماذا تفاجأتِ حين رأيته؟"
أغلقت الملف وأخذت الصينية وقالت بنبرة شعرت و كانها تتهرب " أأ.... مثلما قلت... لم أتوقع أن يكون منديل مثل هذا مع... " وصمتت.
أردتُ أن أنتهز الفرصة لأعرض عليها أن تعمل معي وتترك العمل مع هيثم...
قلت بتردد و انا أحك ذقني " أ... هناك شيء أريد أن أتحدث معكِ فيه..."
نظرت بتساؤل، فأكملت وأنا متردد وخائف من ردّة فعلها
" لا أريدكِ أن تفهمي نيتي بشكل خاطئ... ما سأقوله لمصلحتكِ فقط... "
صمتُّ وأنا أحدّق فيها... كانت صامتة، تترقّب ما سأقوله.
" ما رأيكِ أن تعملي معنا في مكتبي... وتتركي عملكِ في مكانكِ الحالي؟ "
" لكن... لماذا أترك عملي؟ " قالتها باستفهام مستنكر.
سؤالها في محله، لكن الجواب هو المختلف فيه... لماذا أريدها أن تترك العمل مع هيثم وتعمل معي؟ لماذا؟... لا أعلم...
صمتُّ ولم أجب، بينما هي ابتسمت وقالت
" أعلم أنك تفكر بنا وتهتم لأمرنا... لكن لا تقلق، عملي هناك جيد... وإذا حدثت أي مشكلة سأخبرك. "
ثم وقفت وقالت
" لقد جعلتني مدينة لك بالكثير... ولا أعلم كيف أردّه لك... "
وقفتُ وقلت
" يكفي أن لا تقولي مثل هذا الكلام مرة أخرى... " وابتسمتُ و قلت " وأن تحضّري لي كوب شاي مثل هذا."
ابتسمت وأومأت برأسها، ثم ذهبت...
أغلقتُ الباب خلفها وتمددتُ على سريري، وقد شعرت بخفّة وراحة، ولو قليلًا...
كنتُ أحتاج شخصًا يفهم ما مررتُ به...
وكانت هي ذلك الشخص...
لم تتحدث أو تواسيني بكلمات فارغة... اكتفت بالإنصات حتى أخرجتُ ما في داخلي ولو قليلًا... وكأن حملًا انزاح عن كتفيّ... أظن أنني حبست نفسي في حزني ولم أتجاوز ما حدث لأنه، مثلما قالت "آخر ذكرى تربطني بهما"... لكنني لا أريد أن يبقى شعور الألم مرتبطًا بذكراهما...
سأحاول أن أنهض...
أتعافى...
وأنتشل روحي من ظلامها...
في صباح اليوم التالي...
كان اليوم هو أول يوم لتيم في الروضة. شعرتُ بأنه خائف ومرتبك بعض الشيء، كان يقف متشبّثًا بكف أمّه و ينظر للمكان بتوجس و إضطراب ، فيما كانت هبة تحاول أن تطمئنه وتشجّعه.
انحنت هبة إليه، مسحت بخفة على شعره ، وقالت بنبرة دافئة تحاول أن تخفي قلقها عليه
"تيم حبيبي، انظر… الأطفال يلعبون ويضحكون، وأنت أيضًا تستطيع أن تكون مثلهم… هيا، اذهب والعب معهم."
التفتَ تيم نحو الأطفال، بدا مترددًا… كان سيذهب، لكنه سرعان ما تمسّك بكف أمّه وقال بصوت أشبه بالبكاء
"أريد الذهاب للبيت..."
همّت هبة لتتحدث، لكنني تقدمتُ نحوه و ابتسمتُ له بحنان وقلت
"لماذا تريد الذهاب للبيت؟ ألم تكن تريد أن تأتي للروضة؟"
أنزل رأسه ولم يقل شيئًا…
مددتُ يدي وقلتُ بصوت حانٍ
"ما رأيك أن نأخذ جولة سريعة معًا داخل الروضة؟ فقط أنا وأنت… ماذا تقول؟"
التفت إلى هبة التي فهمت أنني أريدها أن تقنعه، فقالت
"تيم، ما رأيك أن تذهب معه؟" قالتها بابتسامة هادئة وهي تحنو على ظهره.
ارتجف بصره بيننا… كان خائفًا ومترددًا… اقتربتُ منه أكثر ومددت يدي مشيرًا له أن نذهب، فظل ينظر إليّ طويلًا ثم ابتسم بخفوت ، وأمسك يدي بقوة وكأنه يحتمي بي ويستمدّ مني القوة.
كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها تيم خائفًا وحزينًا أو أن شيئًا يقلقه...
تأملتُ تشبّثه بيدي، ورأيت كيف كانت عيناه تتعلقان ببعض الأطفال وآبائهم.
قلتُ لهبة "سنتجوّل قليلًا في الروضة، ابقي هنا."
أومأت برأسها وهي تنظر لتيم بحزن، فقد أدركت هي الأخرى سبب حزنه… إنه يشتاق لوالده، وهذا ما شعرتُ به أنا أيضًا حينما رأيتُ عينيه معلّقتين على أحد الآباء وهو يحنو على ابنه ، فسرى في ملامحه حنين موجع.
وكنتُ بدوري أُعلّق بصري على ذلك المشهد، فقد شعرتُ بالوخزة ذاتها… بالفراغ ذاته… ذلك الذي خلّفه رحيل ابني وشفق عن عالمي.
تخيلتُ لو أننا معًا الآن نسجّل تيم ونحضّره لأول يوم… لكن كل خيالاتي كانت سرابًا.
ربتُّ على كف تيم بحنان وأخذته أريه فصول الروضة الملونة الزاهية
، توقفنا وتحدثنا مع بعض الأطفال، ثم مررنا على غرفة الألعاب فدخلنا و كانت خالية .
فرح تيم حين رآها، وعادت لوجهه الابتسامة والحماس وهو يقول
"أهذه الألعاب كلها لي؟"
ضحكتُ وقلت "نعم، كلها لك ولزملائك الآخرين."
قفز في مكانه فرحًا، لكن سرعان ما انحنى كتفاه، وأطرق رأسه قائلًا بصوت خافت متكسّر
"لا أريد… لنذهب."
أجلسته أمامي على الكرسي ورفعت رأسه بلطف و نظرت في عيناه
"لماذا؟ ألم تعجبك الروضة؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟"
مسحتُ على رأسه بحنان وأنا أنظر لعينيه الصغيرتين الدامعتين…
وعندما رأيته يبكي، أسرعتُ لاحتضانه وقلتُ بقلق
"تيم، ما الذي حدث؟ لماذا تبكي يا صغيري؟"
تشبّث بحضني أكثر وبدأ بالبكاء قائلًا "كل الأطفال لديهم آباء… وأنا ليس لدي."
كانت كلماته كفيلة بأن تُبكيني من الداخل… لم أعرف بماذا أردّ أو كيف أشرح لطفل صغير أن هذا قدره…
ضممته أكثر، وربتُّ على ظهره بهدوء… انتظرت قليلًا حتى يفرّغ ما بداخله، ثم أبعدته قليلًا ومسحت دموعه وقلت بحنان وأنا أنظر له
"تيم… ألم يكن والدك يريدك أن تتعلم وتدرس وتكبر؟"
هزّ تيم رأسه وهو يمسح دموعه ويقول بصوت متحشرج من البكاء "نعم… أنا سأكبر وأصبح دكتورًا." قالها رافعًا يده بفخر طفولي .
ضحكتُ من حركته وقلت "ولماذا دكتور بالتحديد؟"
أجاب بعفوية جعلت قلبي يرجف "لأنقذ آباء الأطفال الآخرين… ولا أسمح لهم بالموت… لكي لا يبكي الأطفال مثلي." قالها بصوته الباكي و صمت بحزن ، احتضنته وأنا أحارب دموعي، وقلت
"بالتأكيد ستصبح دكتورًا ماهرًا جدًا يا صغير ، والآن… هل تحب أن تبقى هنا أم نعود؟"
همّهم قليلًا وهو يفرك يديه وكأنه يفكر… وقفتُ أمامه مبتسمًا أنظر لحركاته الطفولية المضحكة…
قال أخيرًا
تعلقت عيناه علي و قال بتردد "سأبقى في الروضة… إنها جميلة… لكن…"
انحنيتُ قليلًا، ابتسامة فضول ترتسم على وجهي "لكن ماذا؟"
كان واقفًا أمامي لا يزال يفرك يديه بتردد، ثم نظر لي برجاء طفولي وقال " أيمكنني ان أناديك بابا ؟ "
توقفت أنفاسي للحظة ، اخترقت كلماته ونظراته أعماقي… شعرت أنني على وشك البكاء و الانهيار ،
لكنني تمالكت نفسي وأرسمت ابتسامة على وجهي رغم غصتي ، تقدمتُ منه ومسحت على رأسه وقلت بنبرة حاولت أن تكون ثابتة.
"إذا كان هذا سيسعدك… فبالتأكيد يمكنك يا صغير."
وكأن روحًا دُفعت فيه، قفز بسعادة واحتضنني بقوة وهو يقول بحماس
" بابا!"
بابا…
كم اشتقتُ لهذه الكلمة… كم افتقدتُ وقعها على أذنيّ.
ارتسمت على وجهي ابتسامة تحمل شوقًا وحسرة في الوقت نفسه…
فأمسك بيدي بسعادة و عدنا إلى المكان حيث كانت هبة واقفة، ابتسمت عندما رأت حالة تيم، وقالت ضاحكة "يبدو أن المهمة تمت."
هززتُ رأسي مبتسمًا بتعب داخلي
"نعم… تمت."
ركض تيم نحو أمّه بحماس، فقالت له وهي تمسح على وجنته
"والآن… ستذهب إلى صفك مع أصدقائك، أليس كذلك؟"
قفز تيم وقال "سأذهب!"
أخذت هبة تيم وأدخلته إلى صفه، فيما كنت أنظر إليهما بمشاعر مختلطة لم أستطع تفسيرها…
عادت هبة بعد أن اطمأنت عليه، وقفت أمامي بنظرات ممتنة، وابتسامة تحمل شيئًا من التأثر
"كيف أقنعته؟ إنه فرح جدًا…"
أبعدت نظري عنها وفكرت قليلًا قبل أن أجيب… نظرتُ نحو صف تيم وقلت "لقد اشتاق لوالده كثيرًا… خاصةً عندما رأى الأطفال مع آبائهم."
تغيرت ملامح هبة إلى الحزن والقلق وقالت "نعم… لقد شعرتُ بذلك."
صمتُّ لحظة ثم قلت
"لقد وافق… لكن بشرط."
"رفعت نظرها ألي و قالت بدهشة
"شرط؟"
أنزلت رأسي وقلت بصوت منخفض متهدج "طلب مني أن يناديني ابي ."
اتسعت عيناها وامتلأتا بالدموع، و صمتت طويلاً و هي تتامل صف تيم بعيون دامعه ، ثم قالت بتأثر
"إذا لهذا وافق ان يبقى " هززت رأسي دون كلام… وصمتنا معًا…
خرج كلٌّ من هبة وكريم من الروضة بعد أن أخبرتهم المشرفة أنه لا يجب عليهم البقاء كثيرًا لكي يعتاد تيم على البقاء بمفرده.
غادروا والقلق معلّق في قلوبهم، والحيرة والارتباك والخوف يتناوبون على رؤوسهم.
"ستذهبين الآن لعملك أم سترجعين للبيت؟" قالها كريم مستفسرًا.
"لقد أخذتُ إجازة اليوم، سأعود للمنزل وأتي لاحقًا لأخذ تيم." قالتها وهي تختلس النظر إليه بعينين تحاولان قراءة ملامحه.
هز رأسه وقال: "إذًا سأوقف لكِ سيارة لتذهبي… وأنا سأذهب إلى المكتب."
ابتسمت وأومأت برأسها بابتسامة خافتة تخفي اضطرابها.
كانوا على وشك المغادرة، لكن صوت أوقفهم…
"كريم."
التفت كلٌّ من هبة وكريم، وإذا بسديم يقف أمامهم، ملامحه كانت منهكة، والندم بادٍ عليها.
أمسك كريم بيد هبة وسحبها خلفه بحركة مفاجئة جعلتها ترتجف للحظة، و قال بغضب "لا تقترب… اذهب من هنا."
"كريم… أرجوك، اسمعني." قالها سديم بترجي وهو يخطو نحوه.
رفع كريم يده وأمره بحزم: "توقف… ولا تقترب."
توقف سديم مكانه، نظر لكريم الذي كان الغضب يشتعل في وجهه لكن خلف الغضب انكسار وخذلان.
"أخي… أنا آسف." قالها سديم بنبرة ندم صادقة.
ترك كريم يد هبة التي كانت تتابع الموقف بخوف من توتر المشهد.
ارتسمت على وجه كريم ابتسامة ساخرة وهو يقترب منه خطوة، قال بعتاب موجع
"أخي ! … بعد كل هذه السنوات… وكل ما حدث… تذكرت فجأة أن لك أخًا؟" قالها وهو ينقر على صدره بإصبعه السبابة .
انحنى رأس سديم بصمت، وكأنه مستعد لتلقي أي عقاب… المهم أن يغفر له.
"والآن… اذهب… ولا تقترب مني مجددًا." قالها كريم وهو يدير ظهره ليغادر.
لكن سديم أمسك بذراعه فجأة وقال بصوت مبحوح وعينان يملؤهما الدمع
"لقد أصبحتُ أبًا… يا كريم."
التفت له كريم، ارتسم التأثر على ملامحه لكنه أبعد يده بعصبية ومضى…
سديم أكمل بنبرة مرتعشة
"لقد أسميتها فردوس."
توقف كريم في مكانه، أغمض عينيه وكأن اسمها هذا شق صدره نصفين… أخذ شهيقًا عميقًا ثم أخرجه بسرعة، التفت إلى سديم بنظرة مليئة بالألم، ثم أمسك بيد هبة وسحبها بعيدًا…
بينما كان سديم يقف هناك، زفر بحزن وقلة حيلة، واتجه نحو سيارته ببطء، صعد إليها وجلس صامتًا يداه ترتجفان على المقود. قال لنفسه بمرارة "معه حق… بعد كل هذه المدة أتيتُ له معتذرًا!"
تساقطت دموعه ببطء وهو يتذكر أمّه وهي توصيه بأخيه… وكيف خان وصيتها وخذل أخاه… كيف ارتكب جريمتين في حق من أحبّوه أكثر من نفسه.
مسح دموعه بعزم وقال بصوت مبحوح وهو يشغل السيارة
"لن أستسلم… سأحاول… حتى يسامحني."
بينما في الجانب الآخر ، رجع هيثم إلى بيته وعلامات الاستياء بادية عليه بشدة، أغلق الباب بقوة وألقى مفاتيحه على الأرض بغضبٍ انفجر من يده، ثم رمى نفسه على الأريكة وزفر بعصبية وهو يتذكر عندما رآهم بالصدفة في المطعم.
"كانت تضحك وتبتسم معه!" قالها غاضبًا وهو يقف فجأة و جبينه يتصبب عرقًا، ثم صرخ
"لن أسمح لك أن تكون سعيدًا أبدًا… سأخذها منك كما أخذتَ شفق مني."
جلس بعدها، أغمض عينيه محاولًا أن يهدأ ليفكر وصدره يرتفع ويهبط بسرعة، مرّت دقائق قبل أن يفتح عينيه وابتسامة خبيثة تعلو وجهه…
في صباح اليوم التالي…
استيقظ كريم وكعادته ذهب أولًا ليزور قبرهما وحكى لهما ما مرّ معه في الأمس وكم تمنى أن يكونوا معه.
وبعد أن انتهى، عاد مرة أخرى للبيت ليرى تيم في الحديقة ينتظره…
"أمستعد يا صغير؟" قالها كريم بصوت مرح وهو يفتح ذراعيه.
التفت تيم له مبتسمًا وقال: "أنا مستعد، لكن أنت تأخرت!"
ضحك كريم وأجاب وهو يسير بجانبه: "نعم تأخرت… لكن قليلًا جدًا."
جاء صوت هبة وهي تنادي: "تيم أين أنت؟ تأخرنا!"
قالتها وهي تغلق الباب وبيدها حقيبة تيم.
التفت تيم وكريم لبعضهما بابتسامة، ثم صرخ تيم: "نحن هنا!"
قفز قلب هبة من الخوف، وضعت يدها على صدرها وقالت بعصبية ممزوجة بالارتياح عندما لمحت طيف كريم
"لقد أخفتني يا تيم!" فضحك الصغير واحتضن أمّه.
بينما كريم علت وجهه ابتسامة هادئة… لاحظت هبة تلك الابتسامة فارتبكت هي الأخرى، و شعرت بحرارة تتسلل لوجنتيها، وارتعاش طفيف في أصابعها وهي تلبس الحقيبة لتيم.
أبعدت نظرها عنه وقالت بصوت متماسك رغم اضطرابها الداخلي
"سأوصّل تيم… لا داعي أن تتعب نفسك اليوم أيضًا."
أمافي داخلها، كان قلبها يتمنى العكس.
أمسك كريم بيد تيم وقال وهو يحنو على رأسه
"إذا كنتِ لا تمانعين… أنا أريد أن أوصل تيم معكم كل يوم… طبعًا إذا كان الصغير لا يمانع." قالها وهو يغمز لتيم.
قفز تيم بحماس قائلاً "موافق يا بابا!"
اهتز قلب كريم للحظة من وقع الكلمة، و شرد بحنين و لكنه تماسك بابتسامة دافئة وأومأ برأسه.
بينما هبة كانت تنظر لهما بابتسامة حالمة، و قلبها يخفق بسعادة … رفعت نظرها نحوه ثم خفضته بسرعة …
فذهبوا بعدها، أوصلوا تيم وذهب كلٌّ من هبة وكريم إلى عمله.
وصلت هبة إلى عملها وبدأت مهامها. و بعد ساعة، ناداها هيثم…
استغربت بل شعرت بقلق في داخلها، وتساءلت
"ماذا يريد؟" وتذكرت ذلك اليوم عندما حاول لمسها.
ترددت قليلًا و خاف داخلها ، ثم قالت في نفسها بثبات
"هبة، أفيقي… ربما يريد شيئًا يخص العمل فقط."
ذهبت وطرقت باب مكتبه، فأذن لها ، وقفت أمامه وقالت بنبرة رسمية "سيد هيثم، طلبتني… تفضل."
ابتسم هيثم لها بنظرات أزعجتها وأشار لها أن تجلس.
جلست وحاولت أن تتجنب النظر له.
ارتجف قلبها قليلًا عندما قام وجلس مقابلها، و اقترب منها قائلا
"ما سأقوله لا يخص العمل… بل شيئًا يخصنا." قالها مبتسمًا وهو يغمز بعينه و علت وجهه ابتسامة ثقيلة شعرت معها هبة بالقرف.
رفعت نظرها له بصدمة وقالت مستهجنة "يخصنا؟!"
تنحنح هيثم وبدأ حديثه بجدية
"هبة… أنا… بصراحة أعجبت بك وأحببت شخصيتك وأريد أن…
أن أتزوجك." ختم كلامه بابتسامة متصنعة.
تجمدت ملامح هبة، لم تعرف بماذا ترد… فتلعثمت
فقال لها هيثم "أنا أعلم أنكِ كنتِ متزوجة… وزوجك متوفى… ومعكِ طفل… وأنا لا أمانع… ومع ذلك أرغب بالارتباط بك."
قالها بنبرة تقلل من شأنها، وكأنها عيبٌ فيها لا قدرها.
وقفت هبة فجأة وقالت بحزم
"هذا مكان عملي… ومن الأفضل أن يبقى للعمل. أما عرضك… فأنا لا أرغب بالزواج."
همّت بالخروج، لكن صوته الغاضب أوقفها
"وإذا لم يكن هذا مكان عملك؟"
التفتت له بغضب "ماذا تقصد؟!"
اقترب منها وقال بصوت منخفض كحفيف الأفعى "أم لديكِ حبيب؟"
اتسعت عيناها، و شعرت بالاهانة ، وقالت بغضب محذرة
"ما الذي تقوله؟ الزم حدك… ولا تتعداه!"
أعمى الغضب هيثم للحظة وكاد ينفجر بها ، لكنه تمالك نفسه فجأة وغيّر ملامحه إلى الهدوء ، و أبتعد للخلف قائلا
"أنا أعتذر… قلت أشياء لا ينبغي قولها… أعتذر مجددًا."
رمقته بغضب وخرجت مسرعة من مكتبه و العمل ، يدها ترتجف، وأقدامها تكاد تخذلها من شدة التوتر.
وصلت إلى روضة تيم… كان الوقت مبكرًا، فجلست على مقعد خشبي ، احتضنت نفسها وكأنها تحاول ان تحمي قلبها .
غصة حارقة داهمتها… سالت دمعة ساخنة بصمت، تحدثت في نفسها
"كل ما يحدث لي… بسببهم… بسبب تركهم لي… تركوني يتيمة بحياتهم . لماذا تركوني بلا ظهر ولا سند؟ لماذا… كأنني لست ابنتهم؟"
أخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تهدأ… نظرت لساعتها لترى أنه بقي نصف ساعة على انصراف تيم… فقررت أن تنتظر.
بعد مدة… أتى كريم ليأخذ تيم، فرأى هبة جالسة متقوقعة على نفسها تنظر إلى الفراغ بحزن…
تسارعت دقات قلبه و ارتبك وارتسم القلق على وجهه ، أسرع نحوها وقال بلهفة قلقة
"هبة… هل أنتِ بخير؟"
رفّت بصرها إليه فارتسمت على محياها ابتسامة خافتة و تاملته قليلا، شعرت للحظة وكأن صوته يختلف عن الجميع… حتى اسمها حين ينطقه يبدو مختلفًا.
لم ترد… طال صمتها… جلس بجانبها وأعاد سؤاله بنبرة هادئة حانية "هل أنتِ بخير؟ لماذا تبكين؟"
نظرت للفراغ وقالت
"لا شيء… فقط… اشتقت لأهلي." خرج صوتها مكسورًا يشبه الهمس.
"إذا كنتِ تريدين… يمكنني أن أساعدكِ لتلتقي بهم."
التفتت له وضحكت بسخرية حزينة
"لا جدوى… حاولت كثيرًا… لكنهم لا يريدون أرملة في بيتهم."
قال كريم مذهولًا "ماذا؟! "
صمت قليلا و قال مستنكرا "أيعني هذا أنهم تركوكِ تحاربين قدرك وحدك؟"
هزت رأسها بحسرة وقالت
"نعم… هذا ما فهمته منذ بداية زواجي من حمزة… فقد قطعوا علاقتهم بي… وعندما مات… لم يكلفوا أنفسهم حتى بالاتصال."
سكت كريم وعيناه تضيقان بغضب مكتوم .
"هل هناك أهل هكذا؟" تساءل في نفسه.
رن جرس الخروج، قطع حبل أفكارهما…
وقفا بصمت… هي تنظر للبوابة، وهو ينظر لها بعينين يملؤهما التأثر .
لمحا تيم وهو يخرج ، ابتسمت هبة وقالت بنبرة مهتزة وهي تنظر له
"هو… سعادتي… وسبب تمسكي بالحياة… أقاوم من أجله."
تقدمت بخطوات حنونة واحتضنت تيم بقوة، بينما كريم ابتسم ابتسامة دافئة، وعيناه تعكسان إعجابًا بقوتها.
ذهب هيثم ليزور سهى وفردوس…
استقبلته سهى بفرح وسحبته بحماس معها لتريه غرفة فردوس، فضحك من طريقتها…
مر الوقت وهو يلعب مع فردوس بحب ، كانت سهى تتأمله باستغراب وهي تفكر "كيف يستطيع تبديل شخصياته ؟ حتى أنا لم أعد أستطيع التفريق." تذكرت طفولتهما فأطرقت بحزن .
نامت الصغيرة بين يدي خالها، فأخذها بلطف ووضعها على سريرها.
جلس بجانب سهى التي كانت تشرب الشاي بابتسامة.
جلس ورفع كوب الشاي ورشف منه قليلًا ثم قال شارداً "لقد عرضت الزواج على هبة."
اتسعت عيناها و تشردقت بالشاي وكادت تختنق ، سعلت بقوة.
فزع هيثم ومدّ لها كأس ماء بسرعة، شربت ثم قالت من بين أنفاسها
"عرضت ماذا؟ على من؟!"
ضحك هيثم وجلس بهدوء يكمل شرب الشاي ثم قال
"عرضت الزواج على هبة… لكنها رفضت." قالها و غضب خفي تسلل إلى ملامحه، ليغلق قبضته بقوة.
وضعت سهى كأسها بغضب وقالت
"ما الذي يحدث لكما؟ واحد يعرض الزواج على واحدة لا نعرفها… والآخر يريد أن يكون الأخ البار!"
تحفز هيثم واقترب منها وأمسك يدها وقال بحدة "ماذا؟ الأخ البار؟ أتقصدين سديم؟"
زفرت بضيق وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل قلقًا
"نعم، سديم… لقد قرر أن يجعل كريم يسامحه… و أيضًا أن يرجع له حصته من الأملاك."
استغرب هيثم وقال
"ما هذا التغير المفاجئ؟"
وقفت سهى وهي تفرك يديها بتوتر "لا أعلم… لكن هيثم… ماذا لو عاد كريم؟ ماذا لو اكتشف أو علم بشأننا؟"
أمسكها هيثم من ذراعها بقوة ، فألمتها ، نظر إليها بغضب وملامحه تغيّرت حتى ارتجفت
"اصمتي. لا أحد سيعرف
لا أريدكِ أن تتحدثي عن هذا الموضوع حتى مع نفسك. اهتمي بابنتكِ واتركي الباقي لي… مفهوم؟"
أومأت برأسها بسرعة، و دمعة خوف من عينها سالت ، فتركها و ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة وقال "والآن… سأذهب… إلى اللقاء."
اقترب منها، قبّلها بخفة، وغادر…
تركها حائرة، خائفة منه ومن تصرفاته المتقلبة…
هبة
لم أنم البارحة… ظلت أفكاري مشوشة، تتصارع في رأسي طوال الليل.
كنت أفكر في كلام هيثم ونظراته الخبيثة التي كانت تخترقني.
قررت أن أستقيل من العمل عنده.
نعم، فكرت لوهلة في عرضه.
لكن قلبي صرخ، رفض وعارض بشدة.
لم يعد لي أصبح ينبض باسم كريم.
بالأمس كانت المرة الأولى التي يعترف فيها قلبي بذلك .
لقد تعلق به…
أحب وجوده…
أحب شعور الأمان معه…
أحب قربه…
نظراته تلك…
ابتسامته الخافتة…
كل شيء فيه جذبني إليه.
لم نتحدث كثيرًا ، كلماتنا كانت قليلة ،لكنها مختلفة.
كل جملة منه تشعرني أنني مهمة… أن هناك شخصًا يهتم لأمري…
أحببت تعلقه بنا…
اهتمامه وكل شيء فيه.
نظرت لساعتي هذه ساعة خروجه للذهاب إلى المقبرة.
أصبحت أراقب كل شيء يخصه دون أن أشعر.
جلست أنتظره وها هو خرج.
سألني "ماذا تفعلين هنا؟"
طال ردي كنت شاردة ياليته كان يعلم أنني فقط أبحث عن بعض القوة من قربه ، أسرق بعض الأمان بجانبه.
طلبت منه أن يوصل تيم وافق بهدوء.
مر الوقت ، ذهبت بعدها إلى مكان عملي ، طرقت باب مكتبه فأذن لي فدخلت.
تهلل وجهه فور أن رآني… ظن أنني جئت لأوافق على عرضه!
"هبة، تفضلي… اجلسي." قالها بنبرة خفيفة سعيدة.
نظرت له بجدية وقلت
"شكرًا… لن أبقى… فقط أتيت لأقدّم لك استقالتي." ومددت له الورقة.
نظر لي وللورقة بغضب، حاول أن يخفيه وقال
"وما سبب هذا القرار المفاجئ؟"
"وجدت عملًا في مكان آخر." قلتها باقتضاب.
مطّ شفتيه، أمسك القلم، وقّع على الورقة وقال "آمل ألّا تندمي بعد ذلك."
مدّ لي الورقة، وعندما هممت بأخذها سحبها فجأة وقال متسائلًا بنبرة ساخرة "أم أن استقالتكِ كانت بسبب عرضي للزواج؟"
توترت ملامحي، ضاق صدري فجأة قلت "عندما رفضتُ انتهى الأمر. والآن لو سمحت الورقة."
ضيّق عينيه عليّ، ثم أعطاني الورقة بضيق ، خرجتُ وأكملت باقي الإجراءات.
لمحتُه يخرج من المكتب يمسح عرقه بمنديلٍه بغضب مكتوم.
انتظرت قليلًا حتى أكملوا كل الإجراءات، وبعد ساعة انتهيت وغادرت…
مشيت قليلًا في الشارع، خطواتي متثاقلة، ذهني يعيد كل ما مررت به.
فجأة خطر على بالي ملف القضية!
تذكرت شيئًا ، اتسعت عيناي بصدمة شعرت بقلبي يقفز في صدري.
أوقفت سيارة أجرة بسرعة وعدت إلى البيت.
توجهت إلى الملحق وحاولت فتحه لكنه كان مغلقًا.
أخرجت مفاتيح البيت التي أعطاني إياها كريم جربت حتى فتح الباب أخيرًا.
دخلت رأيت ملف القضية على الطاولة فتحته.
عيني تلمعان بدهشة ، تأكد شكي!
صورت ما أحتاجه ، ثم أغلقت الملف وأعدت كل شيء لمكانه. خرجت وجلست في الحديقة ، عقلي يدور و يصرخ ، يرفض الهدوء.
سمعت صوت سيارة تقف أمام المنزل.
طرق أحدهم الباب ، تقدمت بخطوات حذرة ، لأجد هيثم واقفًا أمامي!
شعرت برعدة في جسدي ، تراجعت خطوة للخلف بخوف .
قلت بحدة "ماذا تفعل هنا؟ ماذا تريد؟"
رد بثقة و هو ينظر في عيني بقوة "بل أنتِ… ماذا تفعلين هنا؟ أنا أتيت لزيارة صهري… كريم."
تسمرت مكاني و اتسعت عيناي بدهشة … كريم صهر هيثم؟!
"لهذا السبب إذًا كان كريم غير مرتاح لعملي عنده كان يحاول إبعادي لأنه يعرف حقيقته الخبيثة!
ابتسم هيثم بخبث، تقدم نحوي
تراجعت بسرعة ، عيناي تتسعان بخوف.
همّ ليتحدث، لكن صوت كريم الحاد من خلفه أوقفه "هيثم!"
تقدّم كريم ومعه تيم
هرعتُ وأخذت تيم بين ذراعي ، قبضت على يده بقوة وكأنني أحتمي به.
وقف كريم امامي و كنت خلفه لينظر لي و في عينيه طمأنينة جعلت كل خوفي يتلاشى أومأ برأسه ثم التفت إلى هيثم و قال بضيق "هيثم، ما سبب زيارتك؟ لم تكن تأتي إلى منزلي من قبل!"
ارتبك هيثم قليلًا لكنه تحدث بثقة
"مابك يا صهري؟ أردت فقط رؤيتك والاطمئنان عليك."
ضيّق كريم عيناه وقال بضيق
"كنت ستأتي إلى المكتب كما فعلت سابقًا."
لم يجب… التفت إليّ وقال بخبث
"لم أكن أعلم أن هبة تسكن في منزلك."
شعرت بنظراته تخترقني ، لكن كريم وقف حاجزًا بيني وبينه ، فشعرت وكأنه يحميني حتى من نظراته ، فارتجف قلبي إعجابًا به.
بينما كان تيم ينظر لهما بعدم فهم .
قال كريم بحزم "هذا أمر لا يخصك."
ضحك هيثم ضحكة مستفزة و قال "ألم تسأل من أين أعرفها؟"
"لا داعي… فأنا…"
قاطعه هيثم بتعالٍ "إنها تعمل لدي."
قلت فورًا "لا… لقد استقلت."
نظرت له بجرأة و قوة لم أتوقعها من نفسي.
رأيت ابتسامة خفيفة على وجه كريم ارتسمت ، كأن ارتياحًا غمره.
التفت إلى هيثم وقال "والآن يا صديقي أعتذر أنا مشغول الآن لنؤجل اللقاء لوقت آخر ما رأيك؟"
تلون وجه هيثم، نقل نظراته بيننا، وقال بابتسامة مصطنعة
"لا بأس. كما تريد إلى اللقاء."
ثبت نظره عليّ لثوانٍ… ثم غادر.
التفت كريم لي وسأل "أكان يضايقك؟" أومأت بالنفي…
زفر بضيق، مرر يده في شعره
"إذن… لماذا استقلتِ؟"
رفعت بصري نحوه ، ثم أبعدته عنه و قلت بصوت منخفض "لقد عرض عليّ الزواج."
اتسعت عيناه، كست ملامحه بالدهشة والغضب
"ماذا؟ الزواج؟!"
تحدثت بسرعة، وكأنني أبرر
"لكنني رفضت. وأيضًا نظراته كانت تزعجني وتخيفني ، لهذا قررت أن أستقيل." و صمت و انا اتهرب بنظري عنه.
ظل صامتًا للحظة، عيناه مثبتتان عليّ ، فشعرت بحرارة خديّ ، توترت من الموقف …
قلت بخجل و إرتباك "والآن… سأبحث عن عمل… و…"
قاطعني بصوت حانٍ، منخفض
"ألم أخبرك أن تخبريني إذا حدث معك شيء؟ لماذا لم تخبريني؟"
بقي ينتظر ردي ، لكن صوتي اختنق، فلم أستطع الرد .
أكمل بابتسامة مطمئنة
"والآن لا داعي للبحث عن عمل عرضي لا يزال قائم ، و حتى من الغد سيكون أول يوم لكِ "
شردتُ للحظة ، غرقت في ملامحه وكلماته ، قلبي تسارع نبضاته دون إذن في حضوره .
فرقع بأصابعه ليعيدني للواقع وقال باسماً "لقد تعب تيم… خذيه إلى الداخل… و ارتاحوا."
نادَى تيم، تحدث معه قليلًا فضحكا سويًا. ثم ذهب كريم إلى الملحق ، و دخلنا أنا وتيم إلى المنزل…
يتبع..
