رواية صدى الألم
بقلم سجى إمام
الفصل العاشر
_*كريم*_
دخلتُ إلى الملحق وجلستُ على طرف السرير أطلقتُ تنهيدة متعبة، خلعتُ حذائي وتمددتُ وأغمضتُ عينيّ، أحاول أن أرتّب أفكاري ومشاعري.
استحضرتُ بعض الأحداث الأخيرة وكيف أنّ كل شيء يدفعني إلى الاقتراب منها. و كنتُ قد لاحظتُ أيضًا ارتباكها وخجلها و ارتجاف صوتها.
اعتدلتُ وأنا أزفر بضيق وأرجع شعري للخلف، وتساءلت
"هل يمكن أنّها أح…؟"
اتّسعت عيناي فجأة، ونفضتُ تلك الفكرة بسرعة، قائلاً مع نفي حازم "لا… لا يمكن هذا."
وقفتُ وفتحتُ النافذة فدخلت نَسَمة دافئة، أخذتُ شهيقًا عميقًا وأخرجته ببطء.
وقعت عيناي على باب البيت، فتذكرتُ كيف أنّني اليوم كنتُ أهاجم هيثم وأحاول إبعاده عنها وحمايتها منه.
وضعتُ يدي على صدري، وفككتُ أزرار القميص قليلاً وأنا أحدث نفسي بحيرة
"لماذا؟ لماذا تحميها منه؟ لماذا لا تريدها أن تعمل لديه؟ لماذا تريدها هي وتيم بجانبك؟ لماذا؟"
كنتُ في صراع داخلي ، أفعالي معها تجعلها تتأمل وتتعلق بي، وأنا لا أفهم لماذا أفعل هذه الأمور.
لا أريد أن أعطيها أملًا كاذبًا…
ثم تحزن بعده وتنكسر…
فأنا أصبحتُ جسدًا بلا روح منذ رحيلهما.
"إذن لماذا تُقرّبها منك بهذه التصرفات… وبهذه الحماية؟ ولماذا جعلتَ تيم يتعلق بك ويناديك بابا؟"
صوت داخلي صرخ بهذه الأسئلة، وكأنّه يطالب بإجابة فورية.
رفعتُ نظري إلى السماء عينيّ مليئتان بالحيرة، أفكّر في جواب لهذه الأسئلة .
نسمة باردة تسلّلت فجأة، جعلتني أرتعش ، هممتُ لأغلق النافذة، لكنني لمحتُ طيفها من بعيد ، فابتسمتُ دون وعي.
أدركتُ أنّني أبتسم !
وأنّ سؤال حيرتي قد وُجِد له جواب.
أغلقتُ النافذة وجلستُ على السرير، وفجأة خطرت ببالي كلمات عمر
"بل يوجد… فقط انظر من حولك جيدًا."
تمددتُ وأنا أفكر…
كنتُ أبحث عمّن يتمسك بي ، وأتمسك به ، عمّن أتعلّق به ويتعلّق بي ، عمّن يُنسيني ولو قليلًا ما مررتُ به وكانا هما.
"ولكن… لا ينبغي أن أعطيها أملًا زائفًا أو وهمًا… فأنا لا يمكنني أن أخون ذكرى شفق."
أفكاري مشوشة، مشاعري متناقضة، الإعياء بدأ يثقل جسدي.
أغمضتُ عينيّ أخيرًا، واستسلمتُ للنوم.
*في صباح اليوم التالي…*
أوصل كريم وهبة تيم إلى الروضة.
و بعد ان ودعا تيم .
تحدث كريم "لنذهب لكي لا نتأخر عن يومكِ الأول في العمل." قالها كريم بنبرة ضاحكة ، مشيرًا لها بأن تتقدمه.
ابتسمت هبة وقالت "لنذهب، ولكن عليَّ أولًا أن أمرّ بالمكتب… هناك بعض الأوراق التي تحتاج توقيعًا."
ظهرت علامات الانزعاج على وجه كريم وقال "حسنًا… لنذهب."
تعلقت عيناها به وسألته مترددة "أستأتي معي؟ لا داعي… سأنجز ما بقي من الإجراءات وأعود لن أتأخر."
كرر كريم بنبرة حاسمة "لنذهب كي لا نتأخر."
انصاعت هبة لحديثه، بينما في داخلها كانت تشعر بسعادة خفية وابتسامة صغيرة تتسلل لقلبها لوجوده معها.
وصلوا إلى المكتب، دخلت هي بسرعة بينما انتظرها هو في الخارج.
توقفت سيارة هيثم أمامه، نزل منها بابتسامة ماكرة.
قلب كريم عينيه بضجر ما إن رآه.
" أتنتظرني لتعتذر يا صديقي عن البارحة؟" قالها هيثم ضاحكًا، لكن نظراته الخبيثة فضحت نيته.
زفر كريم بضيق وقال "ولماذا أعتذر؟"
اقترب هيثم منه بصوت حاد "على أسلوبك السيئ… وإحراجي أمام هبة."
وما إن نطق باسمها حتى تغيرت ملامح كريم فجأة وتحفز، وقال بنبرة غاضبة "ألا تعتقد أن أسلوبك هو السيئ؟ وأنك تتدخل في أمور لا تخصك؟"
ازدادت الحدة بينهما، فقال هيثم وهو يجز على أسنانه غاضبًا، بنبرة ماكرة "أتقصد هبة."
تقدم منه كريم وأمسك بياقة قميصه بقوة، وقال بغضب وتحذير "لا تنطق باسمها… وابقَ بعيدًا عنها… مفهوم؟"
أبعد هيثم يد كريم بعنف وصرخ "وما دخلك أنت بها؟"
صرخ كريم بصوت حاد محذراً "هيثم!"
رد هيثم بانفعال "ماذا؟ و إن لم أبتعد ماذا ستفعل؟ قل!"
تسارعت أنفاس كريم غاضبة، عيناه مشتعلة بالغضب، وقال بحدة "ابقَ بعيدًا عنّا."
ابتسم هيثم باستفزاز وقال "لماذا؟ ألأنك تحبها؟"
اقترب كريم فجأة وجه لكمة قوية أصابت وجه هيثم وهو يصرخ "هل تعي ما تقوله؟!"
خرجت هبة مسرعة ملامح الخوف ترتسم على وجهها عندما سمعت صراخ كريم، ووقفت تراقبهما وعيناها متسعتان من الصدمة.
كان كريم واقفًا أمام هيثم، صدره يعلو ويهبط من الغضب، و قبضته مشدودة .
أما هيثم فابتسم، وبصق بعض الدماء وقال بصوت جامد: "والآن يا صديقي… يكفي إلى هنا."
استدار ومضى مبتعدًا، وأخرج من جيبه منديلًا يمسح به الدماء، ومرّ بجانب هبة مثبتًا نظراته عليها بابتسامة غامضة قبل أن يبتعد.
ابتلعت هبة ريقها وزفرت بارتياح ما إن ابتعد، ثم أسرعت نحو كريم وقالت بلهفة "أأنت بخير؟"
التفت إليها وقال باقتضاب "لنذهب."
أومأت برأسها ومشت بجانبه بصمت، لكنها تذكرت أمر الملف فتوقفت فجأة
استدار كريم نحوها متسائلًا "لماذا توقفتِ؟"
قالت بتلعثم "آآ… لقد طرأ عليّ عمل مهم… عليّ أن أذهب."
اقترب منها كريم وضيق عينيه و كأنه يحاول قراءة ملامحها وقال "وما هذا العمل المهم؟"
توترت أكثر وأبعدت نظرها بارتباك وقالت "إنه شيء خاص ، لن أتأخر سأذهب وأعود سريعًا."
حدق بها قليلًا ثم أومأ برأسه وقال "حسنًا… أنا من سيأخذ تيم عودي إلى المنزل ولا تقلقي عليه."
ابتسمت له باستحياء، ثم استأذنت منه وغادرت مسرعة.
دخل هيثم إلى مكتبه والغضب أعمى عينيه، لم يستطع الجلوس في مكانه، فخرج مسرعًا وصعد إلى سيارته متوجهًا إلى منزله بسرعة جنونية.
دخل المنزل وهو يلعن ويسب كريم، وبدأ بتحطيم الأشياء التي تقع تحت يده وهو يصرخ "يكفي إلى هنا… يكفي!"
خارت قواه فجلس على الأرض، صدره يعلو ويهبط بأنفاس سريعة، وجهه متلون بحمرة الغضب وقال "لقد أعطيتهما فرصة لكنهما رفضاها والآن سيدفعان الثمن."
أخرج هاتفه ابتسامة مليئة بالغلّ والحقد ارتسمت على شفتيه وقال بصوت متهكم."لنبدأ بكِ أولًا!"
وما إن افترقا حتى اتصلت هبة بعمر، تطلب منه لقاءً عاجلًا . وبعد نصف ساعة، وصل عمر إلى المكان الذي وصفته له.
قال معتذرًا "أنا آسف لقد تأخرت."
هزّت هبة رأسها متفهمة وأشارت له بالجلوس ، جلس وساد الصمت لثوانٍ.
تنحنح عمر وسألها "ماذا حدث يا هبة؟ قلتِ إن هناك شيئًا مهمًا."
أخرجت هاتفها وأرته صورة . دقق النظر فيها وقال مذهولًا "هذا…؟"
قاطعته بسرعة "نعم . وبصراحة لقد رأيت مثله مع هيثم."
اتسعت عينا عمر بصدمة ما إن سمع اسمه وقال "هيثم؟!"
أومأت هبة "نعم… رأيته يحمل منديلًا مشابهًا… لا، بل مطابقًا تمامًا."
أرجع عمر ظهره للخلف و هو يمرر يده على ذقنه بتفكير وقال مستنكرًا "هيثم… والجريمة؟! لا يمكن… كيف هذا؟" صمت قليلا و أكمل " أنه صديق العائلة و ايضا نسيبها لا يمكن " قالها مفكراً نافياً .
قالت هبة بهدوء حذر: "أنا لا أتهمه . لكني شككت فيه عندما رأيت المنديل. وزاد شكي حين لاحظت كيف ينظر إلى كريم ويستفزه وكيف تشاجر معه."
اعتدل عمر في جلسته ملامحه تتغير إلى الجدية وقال "تشاجر معه؟ متى؟"
لتخبره هبة بكل ما حدث دون أن تخفي أي تفصيل.
أنهت حديثها، بينما عمر بقي صامتًا، يفرك لحيته وهو يحاول جمع الخيوط المبعثرة قبل أن يقول "حسنًا… لا تخبري كريم بشكوكك . سأتحرى بنفسي وأهتم بموضوع هيثم." أومأت برأسها شاكرةً له، ثم استأذنت وغادرت…
بقي عمر مكانه، عيناه شاردتان وكأنه يحاول ان يفك تشابك الخيوط المعقدة ، وقف و جمع افكاره و ذهب بعدها إلى مركز الشرطة، طالبًا منهم معلومات كاملة عن هيثم.
_*هبة*_
ارتحتُ عندما أخبرت عمر بشكّي في هيثم، أنا لا أعرف إذا كان متورطًا أم لا، ولكنني شعرت في أمره وتصرفاته غرابة ، وفهمت من ملامح وجهه أنه لا يطيق كريم، وإنما يتملّق ويظهر نفسه مسالمًا أمام الجميع.
نظرت إلى ساعتي فوجدت أن الوقت ما زال مبكرًا على موعد انصراف تيم.
ابتسمت داخلي لا إراديًا عندما تذكرت كريم وكلامه، وأنه هو من سيأخذ تيم.
ارتسمت على وجهي ابتسامة خجلة وأنا أتساءل: متى تعلقت به إلى هذه الدرجة؟ وكيف نبض قلبي له؟
لكن سرعان ما انطفأت الابتسامة حين تسلّل إلى ذاكرتي وجه حمزة ؛ مشيت حائرة بخطى بطيئة وأنا أفكر به: هل ما فعلته خطأ في حقه؟ هل أنا خائنة له؟
الأفكار كانت كأمواج تضرب رأسي بلا رحمة، فأتعبتني وأنهكتني ، لأعزم أمري وأقرر الذهاب إلى المقبرة.
تقدمت بخطوات مترددة، وجلست بجانبه، وأبعدت بعض الأوراق الذابلة. ابتسمت حين رأيت ورود الحديقة على قبره أيضًا.
تجمعت الدموع في عيني وقلت بلا مقدمات
"حمزة، لقد كنت لي سندًا وداعمًا، كنت أهلي وكل شيء لي، ولكنك ذهبت وتركتني، هذا هو قدرنا، ولا يمكننا الاعتراض".
ابتلعت ريقي وغصتي، ومسحت دموعي، وأكملت
"أنا آسفة يا حمزة، ولكن لا سلطان لي على قلبي؛ لقد أحببته، وسكن هو قلبي، هو الوحيد الذي جعل قلبي وروحي تنبضان من جديد".
قلتها و صوتي كان يرتجف بينما شهقات البكاء تقطع كلماتي.
لم أكن أخبره فقط، وإنما أعترف لنفسي أنني وقعت في حب كريم، هو فقط، الأول، وسيكون الأخير.
فرغم طيبة وحب حمزة لي، إلا أنه لم يسكن حبه في قلبي، وإنما كنت أوده وأحترمه وأحبه، لكن ليس مثل حبي الآن لكريم الذي حرك مشاعر قلبي كلها .
وقفت و شردت و انا أنظر لقبره و عيوني تذرف الدمع مستحضره كل لحظة مرت معه ، أغمضت عيني بقوة و قلت بصوت باكٍ "وداعًا يا حمزة، ستظل دائمًا ذكرى جميلة وحنونة في قلبي، ولن أنساك أبدًا، سأتذكرك في كل لحظة أنظر فيها إلى تيم، وأتذكر أنك كنت سبب قوتي و..." عجزت الكلمات عن الخروج، وانحنيت باكية بجانبه، يطوّقني إحساس بالذنب.
كيف لقلبي أن ينبض لشخص آخر؟ وكيف لي أن أفكر بغير حمزة؟
مسحت دموعي، وودعته بدعاء له و لعائلة كريم ، ثم ذهبت إلى الروضة.
ركبت الحافلة التي أنزلتني بجانب الروضة، ولمحت كريم، ينتظر لتيم فنظرت إليه بابتسامة.
قلت في داخلي بحب و دفئ "إنه يهتم بنا وكأننا عائلته" و ابتسمت
سمعت جرس الانصراف، فتقدمت ووقفت بجانبه. التفت إليّ كريم بابتسامة وقال
"عنيدة، قلت سأجلبه، فلماذا أتيتِ؟" قالها وهو يشيح بنظره عني.
أما أنا، فحدّقت به وابتسمت، وبقيت صامتة بجانبه.
أتى تيم وهو يجري بسعادة، فاحتضننا، ثم ذهبنا بعدها إلى المنزل.
وقف كريم أمام باب المنزل، ونظر إليه مطوّلًا بنظرات مختلطة بين الألم والحزن، لكنه سرعان ما انخفض لمستوى تيم، وقبّله، وبعثر شعره بحب.
أما أنا، فكنت أراقبهما بابتسامة.
قال كريم وهو يعتدل واقفًا. "ماذا ستفعل في الإجازة يا صغير؟"
قال تيم بصوت مثّل النعاس "سأنام"، ليضحك بصوته الطفولي، ويضحك معه كلٌّ منا.
استأذن كريم وذهب إلى الملحق، وظللت أراقبه بابتسامة هادئة، حتى شدني تيم لندخل، فضحكت على حالي.
دخلنا، وحضّرت الغداء، ثم ذهبت لأعطي كريم نصيبه، ورجعت لآكل مع تيم، وبعدها نمنا.
*في المساء*
كان سديم في غرفة المكتب واقفًا في الزاوية ينظر إلى ذلك الكرسي وذلك المكتب الصغير، يهمس في داخله"كل شيء بدأ من هنا، لهذا يجب أن أنهيه من هنا".
تقدّم نحو الخزنة وأخرج منها ملفين، ونظر إليهما برضا وقال بصوت منخفض لكن يحمل نبرة ارتياح "والآن سيعود الحق لصاحبه وسيتحسن كل شيء"
وبعد أن أعاد سديم حق كريم وسجّل الأملاك بالتساوي بينهما، تنهد و شعر بأن شيئًا ثقيلًا قد أزيح عن صدره، ولو قليلاً.
أطلق زفيرًا قويًا أشبه بمن أنهى معركة طويلة.
ذهب إلى غرفته، فتح الخزنة، أدخل الملفين وأغلقها، وعينَا سهى كانتا تراقبانه بصمت متوجس.
خرج من الغرفة ونادى بصوت عالٍ على عاملين في المنزل، فصعدا إليه.
أتت سهى وسألته "ما الذي يحدث يا سديم؟"
لكنّه أشار للعاملين أن يتبعاه، فتبعوه، وسهى كذلك تبعتهم باستغراب.
دخل غرفة المكتب، تفحّص أركانها بعين ثابتة ، وقال بصوت خالٍ من المشاعر "أخلوا الغرفة، واجعلوا أثاثها في القبو".
ثم خرج، بينما اتّسعت عينا سهى مندهشة ومستغربة، فكيف لسديم الذي لم يسمح لأحد أن يدخل هذه الغرفة أن يُخليها الآن!
تبعته إلى غرفتهما، وقالت بصوت حذر وهي تقترب منه "سديم، ما الذي حدث؟ لماذا أخليت غرفة مكتب والدك؟"
ابتسم لها وسحبها لتجلس بجانبه، وقال "أدركت أن تلك الغرفة كانت سبب حزني وحقدي، ومن هناك بدأ كل شيء، لذلك فكرت أن أنتزعها وأرميها لأتخلص من أي ذكرى تذكرني بطفولتي" ثم صمت لحظة، وصوته انخفض قليلًا "أو أي شيء يذكرني بقسوته عليّ".
حدّقت به سهى، وقالت وهي تتفرس ملامحه "ماذا تنوي أن تفعل يا سديم؟ أخبرني ولا تخفِ عني شيئًا".
مسح على وجهها بحنان، وقال بابتسامة "وكيف لي أن أخفي عنك شيئًا، يا شريكة أسراري؟"
رفع يدها وقبّلها، وأكمل "ما أنويه الآن هو أن أجعل كريم يسامحني، وسأفعل كل شيء لأجعله يسامحني. وقد بدأت بالفعل، لقد أرجعت له حصته من الأملاك".
اتّسعت عيناها، فقاطعته قائلة "ماذا؟" لكنها سرعان ما تداركت الموقف وقالت "أعني... ماذا قال كريم؟"
قال "لم يقل شيئًا، حاولت الاتصال به لكنه لا يرد، فأرسلت له رسالة وأعتقد أنه رآها ولم يرد، لكنني سأذهب إليه وأتحدث معه".
بكت فردوس، فقام سديم وحملها ولاعبها، بينما سهى كانت تفرك يديها بتوتر، وملامحها يعلوها القلق والخوف مما سيحدث.
*في اليوم التالي*
وفي الصباح، ذهب كريم إلى المقبرة، الهواء كان باردًا ورائحة التراب المبلل تعبق في المكان.
وقف أمام قبرهما، وضع الورد عليهما، أبعد الورد الذابل، وجلس يتحدث معهما قليلًا.
و فجاءة صمت شاردا ، لم يعرف كيف وصل الحديث إلى هبة وتيم، ابتسم بخفة وهو يخبر شفق عن هبة، وكيف أنها أم متفانية تحب ابنها وتسعى دائمًا لحمايته ورعايته.
استطرد في الحديث عنها، وقال مبتسمًا بلا وعي "إن رأيتها ستحبينها، فهي حنونة ولطيفة وجميل..."
توقف فجأة، وكأن الكلمات علقت في حلقه بعدما وعى لما يقول.
نظر لقبر شفق بتأثر، مسح عليه بيده، ثم وقف ودعا لهما، ورفع بصره ليجد سديم أمامه.
تجاهله كريم ومشى، لكن سديم اعترض طريقه وقال برجاء "كريم، لنتحدث قليلًا".
نظر كريم له بحدة، وقال وهو ينظر إلى القبرين "هذا ليس مكانًا مناسبًا".
تخطّاه كريم وخرج من المقبرة، فتَبِعه سديم. وما إن وصل كريم إلى بوابة المقبرة، التفت لسديم وقال بجمود وهو ينظر إلى ساعته "تحدث بسرعة".
توتر سديم قليلًا، لكنه قال بصوت نادم "أخي، أنا... لا أعرف كيف أبدأ أو ماذا أقول". ثم صمت للحظة، كأنه يبحث عن الكلمات.
زفر كريم بضيق، وقال "تريد أن تتحدث ولا تعرف ماذا تقول؟ عجيب أنت". وهمّ بالمغادرة.
لكن سديم قال بصوت مهزوز "كريم، أنا آسف، أخي. سامحني لظلمي لك و... و... وطردك من البيت".
نظر إليه كريم واقترب منه وقال بغضب مكتوم وقهر "لو كان مثلما قلت، أنك ظلمتني أنا فقط وطردتني أنا فقط ، لكنت سامحتك. لكن... لكن "
سكت، ونظره اتجه نحو القبرين وأكمل بصوت متألم وهو يشير إليهما "لكنّك ظلمتهما ايضا معي وطردتهما من بيتهم ، وتسببت لنا بالكثير من الألم ".
أشاح كريم بوجهه وحاول أن يهدأ، بينما سديم كان واقفًا محني الرأس بصمت.
اقترب منه كريم وقال بغصّة "كيف هان عليك أن تنام دافئًا في تلك الليلة، وابن أخيك وزوجة أخيك كانا يرتجفان من البرد؟ أجبني!"
قال كلمته الأخيرة وهو يصرخ به.
رفع سديم رأسه، وحدّق بكريم، وشعور الذنب والندم يخنقه، وقال وهو يحاول أن يقترب "لقد أعمتني غيرتي وحقدي، سامحني، ارجوك".
وقف كريم ينظر إلى سديم الباكي أمامه، وملامحه جامدة، وقال "لقد أعماك شيطانك، وأنت اتبعت طريقه".
ثم همّ بالرحيل، لكن سديم قال بتوسل "لقد نزغ الشيطان بيننا، فكن كيوسف واعفُ و..."
لم يكمل كلامه، لأن كريم تركه وغادر دون أن يستمع.
فعاد سديم مثقلاً بالهزيمة، وخطواته بطيئة وكأنها تحمل ثِقَل قلبه.
وصل كريم إلى منزله، وكانت ملامحه تحكي أنه منزعج ومتعب.
توقف عندما رأى هبة و هي تحمل تيم على كتفها و يهمّان بالخروج، فتقدّم نحوهما وقال متسائلًا "إلى أين؟"
استدارت هبة ولم تُقفل الباب بعد "لقد فُصلت الكهرباء و حاولت أن أصلحها و لكن لم استطع لذلك سأذهب لأجد مهندس و..."
قاطعها وهو يرفع حاجبه قليلًا وينظر لتيم النعسان وقال "إن اليوم عطلة ولن تجدي أحدًا، أنا سأصلحها، لقد حدث هذا من قبل."
حمل تيم بين ذراعيه بحذر، وقال مبتسمًا بلطف "ما رأيك أن تُكمل نومك يا صغير؟"
دفن تيم وجهه في صدر كريم، وكأنه وجد دفء الأمان، فأغلق عينيه. مسح كريم على ظهره بحنان وأشار لهبة أن تدخل. فتقدمت هي، بينما هو ترددت خطواته لوهلة، فهو على عتبة ذكرى موجعة، لكنه شد على نفسه ودخل.
داهمته صور الماضي فجأة، هنا كانوا يجلسون و هنا لعب تيم ، أغمض عيناه و سرعان ما تماسك وحاول الثبات.
دخل غرفة تيم، التي لم يكتمل أثاثها بعد، والتي لن ينام فيها صغيره أبدًا ، فغص صدره بحسرة .
التفت إلى تيم الذي في حضنه، وقبّل جبينه بحنان صامت ووضعه على السرير و كأنه يداوي فقده به.
استدار ليجد هبة تنظر إليه وكأنها تقرأ ما يدور في قلبه وعقله.
وما إن التقت عيناه بعينيها حتى ارتبكت وخفضت نظرها فجأة. حك كريم ذقنه بتوتر وقال "آآآ... في المطبخ هناك علبة الكهرباء، سأذهب لأتفقدها."
أومأت برأسها، فذهب كريم ليرى علبة الكهرباء. كانت هبة تتبعه بنظرات قلقة، يختلط فيها خوف عليه من أن يصيبه مكروه .
مرّت خمس دقائق، فأغلق كريم العلبة وقال بابتسامة "انظري، عادت الكهرباء."
لكن هبة لم تلاحظ عودتها، فقد كانت مشغولة بمراقبته أكثر من أي شيء آخر. حين انتبهت، أبعدت وجهها ونظرت لكل شي إلا اليه قائلة بصوت مرتبك "نعم، عادت... " و صمتت قليلا و قالت بصوت خجل"شكرًا لك، لقد أتعبتك معنا مرة أخرى."
أومأ برأسه وقال بابتسامة، وهو يرفع حاجبه "ولكن هذه المرة سأخذ مقابل."
التفتت له وحدّقت باستغراب، وهي تحاول أن تكتم ابتسامة صغيرة "وما هو المقابل؟"
سحب كرسي وجلس باسترخاء، وقال مبتسمًا "كأس شاي."
ابتسمت قائلة "بكل سرور."
لتذهب و تحضر له الشاي بكل فرح و حب .
عادَت ومعها الشاي والفطور، وقالت "بتأكيد أنك لم تفطر بعد."
شكرها وبدأ يأكل بهدوء، وهي ترشف الشاي بين حين وآخر، و تسترق بعض النظرات له .
كسر الصمت وهو يحدّق في الفراغ " أتعلمين أنني لم أستطع أن أبقى في هذا المنزل بعد رحيلهما؟ لقد شعرت و كأنه يضغط علي"
صمت قليلًا وتنهد: "كانت الذكريات تطاردني، وكان كل ركن هنا يحكي مشهدًا لهما... كنت أشعر وكأن الفقد يتجدد داخلي في كل مرة."
تأثرت هبة وقالت "لكن الذكريات سبب لتمسكنا بالحياة... فنحن نعيش على الذكريات."
هز كتفيه وقال "لا أعلم... لكنها بالنسبة لي لم تكن هكذا. كانت ذكراهم تمزق قلبي، خاصة عندما أتذكر أنهم لن يعودوا أبدًا، وأن تلك اللحظات صارت ماضيًا."
خيم الصمت للحظة، شعرت خلالها بما مر عليها ، فتذكرت حالها و جرحها الذي يشبه خاصته . و قالت أخيرًا بصوت خافت، وكأنها تخاطب نفسها "الزمن دواء لكل ألم."
أطرق رأسه وقال بنبرة عميقة "لا أعتقد أنه دواء، وإنما مثل مخدر."
صمت قليلًا، ثم وقف "الزمن يعلّمنا كيف نخفي جرحنا ونتأقلم معه، لكنه يظل داخلنا بلا علاج."
همّت أن تقول شيئًا، لكنه استأذن وخرج.
جلست مكانها تحدّق في الكرسي الذي كان يجلس عليه قبل قليل، وعيناها دامعتان، ثم تمتمت يحزن "من الصعب عليه أن يتخطى ما حدث أو ينساهم.
فكيف له أن يرى حبك وهو لا يرى سواهم؟"
وانهارت بعدها تبكي بقهر، تمسح دموعها بيد مرتجفة.
وما إن انتصف النهار، خرج
تيم وهو يجري بمرح نحو الملحق بعجلة وبطرقات متتابعة وهو يكرر بحماس "هيا! افتح بسرعة!"
فتح كريم له الباب ونظر له ضاحكًا متسائلًا "ها قد فتحت، ما سبب استعجالك هكذا يا صغيري؟"
ارتسمت على وجه تيم ابتسامة ماكرة وقال وهو يشد يد كريم "ألستَ من وعدني بأننا في يوم الإجازة سنذهب إلى الملاهي؟"
ضحك كريم وبعثر شعره وقال "أيها الذكي، لم تنسَ إذن."
وقف تيم ونظر له غامزًا وقال "بالطبع لا." وضحك.
حمل كريم تيم و احتضنه وقال "إذًا هيا سنذهب، ولكن قبل هذا يجب أن نستأذن من أمك يا صغير."
أجاب تيم فورًا ببراءة "ستوافق بالتأكيد!"
ابتسم كريم، وما إن تقدّم نحو المنزل حتى لمح هبة مقبلة وهي تنادي تيم.
وقفت عندما رأته وابتسمت لهما وقالت "تيم، ألم أقل لك أن لا تزعج..."
قاطعها تيم وهو يقول بحماس "أمي، سنذهب إلى الملاهي!" قالها وصفق بحماس.
عقدت هبة حاجبيها وقالت باستغراب "الملاهي؟!"
أنزل كريم تيم وقال بهدوء "كنت قد وعدت تيم أن آخذه" ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف "إذا لم تمانعي طبعًا، سنذهب بعد ساعة، ما رأيك؟"
زمّت شفتيها مترددة، وكادت أن تتحدث، لكن تيم شد على يدها يتوسل بصوته الطفولي
"أمي، لنذهب… أرجوكِ!"
عقد كريم يداه وهو ينظر لهما بابتسامة "لا تكسري حماسه، هيا لنذهب."
رفعت نظرها إليه وعلت وجهها ابتسامة وأومأت برأسها، ليقفز تيم ويحتضنها بفرح.
استدار كريم وذهب وقال."بعد ساعة سأأتي."
ليذهبوا بعدها ويتجهزوا...
مرت ساعة فخرج وانتظرهم أمام المنزل. تأخروا فضحك داخله وهو يقول: "آه… النساء والتأخير!"
فتح باب المنزل فخرجت هبة، فلمحت ملامحه الضاحكة، لتخجل وتبتسم. ركض تيم إلى كريم، بينما هي أغلقت الباب بيد مرتجفة مرتبكة، وتقدمت نحوه وهي تقبض على المفتاح بقوة لعله يبعث الثبات فيها.
أمسك تيم يد كريم وأشار لأمه أن تأتي أيضًا ليمسكها بيده الأخرى.
اتسعت عينا كريم وارتبك قليلًا وهو ينظر لها، بينما هي هربت منه ومن نظراته بحرج.
صمت الاثنان ولم يفعلا أي ردة فعل غير أن داخلهما توتر وارتباك.
شد تيم كريم ليتقدّم نحو هبة ، و أمسك تيم يد أمه ، فكان تيم وسطهما وهما بين يمينه وشماله.
طفت غيمة من الحرج والخجل والارتباك فوقهما، ونظرا لبعضهما بصمت، فحمحم كريم وسار بهما.
شعرت هبة في تلك اللحظة بالأمان والدفء و كأن قلبها ينبض يرفرف بجانبه ..
ضحكت في داخلها فرحًا وسرورًا وهي قريبة منه وكأن العالم من حولها اختفى ولم يبقَ إلا صوته وخطواته بجانبها ..
وصلوا إلى الملاهي وكانت أصوات ضحكات الأطفال والموسيقى تعم المكان. تقدّم كريم وتيم بينما هبة تمشي بجانبهما.
التفت لتيم الذي كانت عيناه تنظر للأضواء والألعاب بانبهار، وكان يحدث كريم قائلًا "سألعب بهذه أولًا... لا لا... بتلك." كان مترددًا بأيٍّ منها يبدأ، بينما كريم يسير معه وهو سعيد بحالته.
وأخيرًا، بعد تفكير طويل من تيم، قرر أن يلعب أولًا بلعبة تصادم السيارات.
حمل كريم تيم وقال له "حسنًا، ولكن أنا من سأقود." قالها وهو ينظر لهبة التي أومأت له بابتسامة.
ركبوا سيارة صغيرة، أجلس كريم تيم فوقه واحتضنه بذراعه بقوة، وبيده الأخرى كان يقود السيارة.
ضحك تيم وصفق حين كان كريم يراوغ السيارات الأخرى، ويضحك أكثر حين يصطدم بهم.
كانت نظرات كريم معلقة على هبة وشعر في قلبه بشئ حينما ابتسمت وهي تصوّرهما وقعت عيناه بعينيها ليشرد قليلًا، فأبعدت هي نظرها بارتباك وركزت في الفيديو، أما هو فأخرجه من شروده اصطدامه بسيارة.
انتهت اللعبة الأولى لينتقل تيم من لعبة إلى أخرى وكريم وهبة يرافقانه وهما سعداء بفرحه.
ومع حلول المساء، جلسوا في مقهى صغير داخل الملاهي.
كان تيم منهكًا من اللعب.
أحضر كريم لهم بعض السندويتشات وعصيرًا ليأكلوا، وعلى وجه كل واحد منهما ابتسامة مطمئنة .
عادوا إلى المنزل وكان كريم يحمل تيم النائم على كتفه، وكانت هبة تسير بجانبه على استحياء، وداخلها كان يرقص من الفرح.
وقفوا أمام باب المنزل، فاستدارت هبة إليه وابتسمت وقالت بامتنان "لقد كان اليوم أجمل مما توقعت... تيم كان سعيدًا جدًا كأنه نسي كل حزنه، وهذا شيء لم أره منذ فترة."
صمتت قليلًا وقالت بخجل وهي تنظر لعينيه "والفضل يعود لك، ولوجودك معنا."
كانت نبرة صوتها تصرخ وتعبر عن مشاعرها وإن لم تقل شيئًا.
أومأ كريم برأسه بصمت ، لتخجل هي أكثر وتتقدّم منه وتشير له أن يعطيها تيم.
فرفض وطلب منها أن تفتح الباب، ليتقدّم هو بعدها ويدخل تيم لسريره.
قبّل تيم ومسح على رأسه بحنان، ليذهب بعدها للملحق...
لينام كل منهم تلك الليلة بسعادة، كأنها أول ليلة تهدأ فيها أرواحهم منذ زمن.
بينما كانت هناك عيون تراقب هذا المشهد بخبث ومكر.
يتبع ...
